الأستاذ
...........
قصة قصيرة
قست ملامحه ..قطع المسافة بينه وبين الفتى طائراً ..وقف على رأسه المحنية أسفل الدرج ينظر معه ..علا اللغط حوله ..انتبه الفتى ..رفع رأسه ..أنشب الأستاذ زيدان مخالبه فى الموبايل المتوارى عن عينيه ..نظر فى شاشته ..غرق فى بحور بلاهة طارئة وأبعد عينيه مرتاعاً ، أما الفتى فقد وقف داخل درجه منبسط الملامح بدون حراك .. فتح زيدان فمه باحثاً عن كلمات تناسب موقفأ لم يره قبلا . عاجله الفتى قائلاً وهو يحدق فى عينيه بذات هدؤه أنه لايريد سماع شىء ..سيخرج وينتهى الأمر .انهارت كلمات زيدان..حدق عاجز الحروف والكلمات مكتفياً بنظرات تشى بما فى جوفه من نيران أخيراً قال فى بطء
- أخرج من الفصل ..لاتعد الا بولى أمرك
ضحك الولد ضحكة معجونة بلا مبالاة ومضى متمهلا ً نحو الخارج ..ركل الباب بقدمه بعد خروجه ليعاود إغلاقه..صرخ زيدان أنه سيشكو لأبيه .. سيجبره على احترام الدرس .هدأ قليلاً ثم أكمل:-
- الولد خسارة ..ياي مرن لولا بعض الصدأالذى يعوق حركته.. واستدار خارجاً من الحصة
..................
فى مكتب المدير أخذ الولد يبدو لعينيه وهو يقول بملامحه المتراخية أنه لايريد أى كلام .يقول هذا بلا خوف ..لايخشى حتى من ضربة
عصا أو ركلة قدم ..وقوف زيدان أمام السبورة كاشفا ً ظلمتها ببياض الطباشير عمره كله لم يشفع له اليوم أمام هذا الولد ، وقال له أمام الفصل ماقال ..طوال عمرك يازيدان تتعامل معهم على أنهم يايات تتفاوت قابليتها للإنضغاط حسب مرونتها ونوع معدنها ، وتقول أن مهمتك الكبرى الحفاظ على الا يصدأ منها ياي.. الأولاد أحداقهم تبرق بالذكاء لكنهم لايفقهون شيئاً ..يضغط عليهم ..يغيبون عن المدرسة ..يطلب أولياء امورهم لاجدوى منهم . ، فما الذى جرى ؟
- سأله المدير :- مابك ؟
- هز رأسه وهو يتحامل على نفسه تاركاً المدرسه ومن فيها الى البيت
..................
تحرك متوجساً شراً من ساقيه .. طالما حملتاه وسط الفصل روحة وإياباً ووقوفاً لساعات وأيام وسنين .. الآن كلّتا ، لم تعودا تساعداه على السير ، يضطر الى البطء فى حركته ، ولولا حرجه من اهل المنطقة الذين يعرفونه ويوقرونه لجلس على أقرب مقعد أو رصيف يقابله بين مسافة واخرى ..اليوم بالذات يشعر أن شقاء العمر لم يثمر ...اليايات صدأت وضرب أحدها قلبه ..أصابه فى الصميم ..الأولاد دوماً يخشون من صوته ..يهرولون امام عصاته التى لم يعد يستعملها ..لم يحدث قط أن تجرأ منهم لسان على الارتفاع امامه ولم تجرؤ رأس على عدم الخضوع لأوامره ..صرت عاجزاً يازيدان ، وعجوزاً لاجدوى منك ..لاخشية من أولادك فى البيت ولا حتى فى المدرسة ..حتى وظيفة خيال المآتة لم تعد تصلح لها .!
تمنى الوصول سريعاً الى البيت ليمدد جسده على الفراش شاعراً أنه بين لحظة وأخرى سيسقط رغماً عنه ..سار يحرك قدميه بالكاد ..سمع صوتاً
خشناً ينطق باسمه آمراً إياه بالوقوف ، ورأى جسداً مربعاً ينتهى برأسٍ مظلمة يواجهه :- أنت زيدان ؟
رفع عينيه الى الوجه الجاحظ العينين :- ماذا تريد؟
-الولد الذى طردته اليوم سيعود غذا الى المدرسة ..لن تنظرنحوه..لن تفكر فى توجيه كلمة اليه ..أفهمت ؟
حدق فى وجهه الذى يحاصره بحدقتين تعومان وسط بحيرتين من دماء .. نسى الام ساقيه وهمود جسده ..تنبهت حواسه ولمعت أحداقه وأقترب منه معترضا:- الكلام فى المدرسة وليس هنا
زمجر الآخر :- بل هنا .والآن
وامسكه من ياقة قميصه جاذباً إياه الى الأمام بقوة :- هل لديك إعتراض ؟
تخاذلت ساقاه نتيجة الهزة المفاجئة ولولا أن الآخر يمسك بياقة قميصه لتهاوى أرضاً ..تحامل على الامه ليستمر فى الوقوف ، بينما أطلقه الآخر واعطاه ظهره مدمدماً بكلمات غير مفهومة ومضى ..نظر زيدان حوله ..عيون المقهى تتابعه ..آذان الشرفات والنوافذ تترصده ..احنى رأسه ومضى .
.............
قالت إمرأته :- مابك؟
وقد طالعها وجهه على باب الشقة كاشفاً عما بداخله ..أشاح بيده دون أن يمتلك ناصية الحروف ومضى الى غرفته ..أغلق بابها خلفه وهوى على سريره مستعيداً ماجرى ، تاركاً لدموعه العنان لتنهمر على خديه بلا توقف ، وكلما أجهده البكاء استعاد ماجرى فتعاود دموعه الانهمار موبخاً نفسه انه صمت ،ولم يمتلك القدرة على المواجهة ،ولم يصر على رفض أى حوار بالطريق .. تحدثه نفسه أن الصمت فى هذه الحالة أجدى وأقل ضرراً ، يتهمها بالجبن والتخاذل ، شاعراً أنه بعد الآن لن يجد وجهاً ولا كرامة يواجه بها الأولاد ..مؤكد تناثر الخبر هنا وهناك وحسم الأمر ..غداً سيضحكون منه ، تمتلىء الأفواه بالضحكات وهى تروى حكايته ، تتوارى الأعين بسخريتها منه ..الأولى به أن ينسحب بكرامته أو ماتبقى منها ولا يجازف بتلك البقية فى معركة خاسرة لن يجديه منها شيئاً ..دخلت زوجته تدعوه للغداء ..أغمض عينيه ولم يرد
..............
مجهد العقل والجسد عَبَر باب المدرسة ..التف حوله الولاد ..تطايرت عبارات صغيرة محملة بالمشاعر ..حدق فى الوجوه .. صارخة بالرفض .. اتسعت عيناه ..اليايات تتحرك ..لم تصدأ بعد !.. إتسع صدره ..صار بحراً يهدر ماؤه بالغضب ..رفع رأسه ..تألقت عيناه فى وجه الشمس ، ومضى الى الأمام ..قابله المدير .
- لن أسكت وسوف ترى
.هز رأسه بهدوء:- بل أرى ان تسكت ..الموضوع بسيط
وتحرك نحو الفصل .. رأى الولد جالساً فى هدوء ينظر اليه بذات النظرة المعجونة باللامبالاة ..أشار اليه:-
- أنت .. قف ..قلت لاتحضر بدون ولى أمرك .
-
- محمد عباس على