تحية وسلام

تلك كلماتى بين يديك ..انظر ..دقق ..ستجد عبر الحروف نبضات تعلو معطرة بالحب ..تطلب السلام ..ترجو الوفاق ..المشكلات سوء تقدير مشترك بين اثنين او اكثر ..الحب كلمة ..وربما كان نظرة ..او هو لحظة صمت تجمع بين اثنين ينعمان بالدفءوحرارة الامن ..تفضل ..اقرأنى ..بكل الحب استقبلك ..ومتى ما اردت المغادرة لك منى ايضا كل الحب ..وسلام ...محمد عباس على

الثلاثاء، 27 يوليو 2010

الخائبة تكسب

الخائبة تكسب



قصة قصيرة



إتصل أبى بشقيقته نعيمة صاحبة الصوت الجهورى، بجسدها الممدود ، وذراعها السمراء التى تشبه أذرع المحاربين ..شرح لها الموضوع ، استوعبته ، قالت بهدوء :- أنا لها
وأخذت مقعداً وجلست على باب الشقة مشمرة الذراعين تنتظر ..مر عادل من أمامها صاعداً الى أعلى ..صرخت فيه :-
- عاوزه أسلم علي أمك..قول لها ..أنا هنا
صعد الولد لأعلى ..خرجت أمه بعد قليل عالية الصدر والجبهة ،جهورية الصوت ،تدق بأقدامها على السلم بقوة ، وأصبعها المربوط يسير أمامها..دق قلب أمى وراء الباب المغلق كطبول عملاقة فى حرب شعواء ، فقد كانت رحمها الله خائبة- كما قيل - لاتجيد فن العراك ، لذا فقد انتهزت بعض الجارات الفرصة ،وقررن الانقضاض عليها ،وتجريدها من كرامتها ، لتكون عبّرة لمن يعتبر فى ذلك البيت المنيّل -على حسب قولهن- والذى نسيت فيه إحداهن (أم ياسين ) نفسها ، وعلا صوتها على السلم متحدية أن تجرؤ إحداهن على الوقوف أمامها ، و ذلك بسبب تربص أولاد (أم عادل) لياسين ولدها الوحيد وضربهم له ، مما جعله يهرول صارخاً نحوها مطالباً بالثأر . وقفت على السلم بكل مافى صدرها من نيران تسب النساء اللاتى يطلقن كلابهن على الناس ليتفرغن لأحضان أزواجهن ، وقالت فى تصريح نارى أنها لن تصمت لأحدٍ بعد الآن، وسوف تتصدى لتلك التعديات التى لايقبلها مخلوق من مخلوقات تلك الحارة التى لايحكمها الا العصا ، أما الكلام الطيب والعِشرة الحسنة فليس لهما فيها مجال ..سمعت أم عادل هذا التصريح وماقبله وبابها مغلق عليها - وأولادها فى الحارة، مازالوا يمارسون العابهم فى حرية ودون أن يطولهم رزاز كلمات أم ياسين وسبابها - ولم تجرؤ على الخروج ، كانت تعرف جيداً ماوراء أم ياسين، وتثق تماما أن الموضوع اذا وصل الى مستوى الرجال سيكون له شأن آخر، فأبو ياسين رجل واصل ، قهوجى (قد الدنيا) تقع مقهاه بجوار قسم الشرطة ،ويعرفه الكبير والصغير هناك ، ممايجعل له هيبة، نظراً لأن الجيران بلا استثناء يلجأون اليه فى كل مايتصل بالقسم ، وللأمانة هو يتحرك فوراً ..اذا كان الأمر مجرد تحرى يسعى الى الشاويشية والصولات ، (يفتّح مخه) معهم ويعود بالمتهم الى أهله سالماً ..يسألونه :-
- كم دفعت للصولات؟
يقسم يميناً مغلظاً أن إمرأته طالق ثلاثاً لو إمتدت يده وأخذ شيئاً مقابل مادفع، وبعد عدة يمينات يمد يده ويأخذ النقود.. وللحقيقة فهو لايفرق بين جار وآخر فى هذا الأمر، بل أن كل من يقصده فى حاجة يجده ، ويرى من مجهوده مايسره.. ودائماً لايترك أمراً الا بعد الانتهاء منه، الا القضايا الكبيرة التى تخرج عن نطاق سلطة الشاويشية والصولات ،مثل المخدرات والبودرة وما اليها، فطالما المحضر قد كُتب والضابط قد وقع عليه فالأمر قد خرج من يد الجميع، وهو هنا يكتفى بمتابعة الموضوع عن بعد ، والسؤال فى الخفاء والتقصى الحذر، وتنبيه أهل المتهم بما يتم ،وماعليهم عمله بسرعة لأنقاذه ..وللحقيقة أيضاً فإن هؤلاء الصولات والشاويشية يُعتبرون من أصدقائه الخلصاء الذين يسهر من أجلهم ، حيث تبدأ السهرة مباشرة حينما تهدأ الحركة وتستقر الأمور، فتنظف الجوزة ،ويجهز الفحم ، ويرص الحشيش أقراصاً صغيرة على الحجارة فوق المعسل ، وتدور الجوزة على الجالسين، بينما أبو ياسين بين أيديهم وفى خدمتهم.. فاذا فكر أحدهم( وهذا لم يحدث قط ) أن يدفع ثمن الخدمة أو المشروبات فإن أبو ياسين جاهز للقسم بالطلاق -جاداً هذه المرة -أنه لن يأخذ منهم شيئاً، مكتفياً بالخدمات التى يؤدونها له بالمقابل .
أما أبو عادل فهو جزمجى حريمى له محله فى آخر السوق بعد وكالة حسنين ، له طوله الفارع وصدره العريض ويديه المفلطحتين بأصابعهم الشديدة الأصفرار، وصوته العريض الذى يهز الحارة يوم الأحد -يوم أجازته- حيث يطل من الشباك صارخا :-
- واد ياعادل ..هات إخوتك وإطلع يابن الكلب
فيشيح بيده معترضاً ،ويزوم قليلا قبل أن يلم إخوته ويتجه الى البيت خوفاً من والده الذى ماإن يرى أبو ياسين الا ويعلن ولاءه الكامل له ..تزجره إمرأته طالبه منه أن يفرد صدره ويخشّن صوته وهو يسلم عليه ليشعره أنه رجل مثله، وربما - بل المؤكد- أنه أفضل بقامته المديده وجسده القوى منه، فيقول ناصحاً :-
-ياعبيطه ..نرفع راسنا دلوقت ونحتاج له نرجع نطاطيها ؟
فتصر على أسنانها غيظاً منه ومن تفكيره الأعوج الذى يخزلها أمام عدوتها اللدود أم ياسين ، التى أنصفها زوجها ورفع رأسها الى السماء وهى لاتساوى فى سوق الحريم درهماً ، أما زوجها -أبو عادل- فرغم طوله وعرضه الا أنه لم يغن عنها شيئاً واضطرها الى الآستعانة بلسانها وفى بعض الأحيان يديها لمواجهة شراسة الجارات ، فالأمر لم يخل من تأديب جارة بلكمة محذرة، أو سحبها من شعرها على السلم اذا زادت عن حدها، ولم يجدِ معها الصوت العالى أو اللكمات ، ومتانة جسدها تساعدها ، فهى تشبه زوجها فى هذا وإن كانت تمتاز عنه بشراسة طبيعية تفرض نفسها أول ماتفرض عليه وعلى أولاده ، وإن كان هو ينأى به عمله طول الأسبوع عنها، أما الأولاد فياويل من يقع بين يديها أثناء غضبها ، لذا فهم يخشونها اكثر منه ، قائلين انه لا يمتلك الا الصياح يوم الأحد بعد الظهر فقط أما ماعدا هذا فقد تركه لها .. و رغم شراستها وطول لسانها الذى لايدانيه طول فى الحارة الا أنها حينما تصفو تصبح إمرأة أخرى ناصعة بياض القلب، تسلم على هذه وتضحك مع تلك، متناسية ماكان حتى لو حدث بالأمس القريب، وقد تعاتبها إحداهن فتنهمر دموعها مؤكدة إعتذارها ، ومقسمة انها لم تعِ مافعلت، وتقبل رأسها طالبة السماح .
ونظراً لأن أبى يعمل فرانا ً لاشأن له ولاكيان فى البيت أو المنطقة، ولا يكاد يظهر لأنه يعمل طوال النهار ويعود ليلاً لينام استعداداً ليوم جديد، فقد أصبحت أمى هدفاً لمحاولات الإيذاء المتعمدة، ولولا أنها خائبة- كما يقولون- فى العراك ،لأنها بلا لسان( أى لاتسب ولاتصرخ مثلهن) لكان لها شأن آخر وأى شأنٍ ، لذا فقد كانت الجارات يهملن أمرها لطيبتها ولعلاقتها الحسنة بالجميع ،خاصة أم ياسين فى الطابق الأعلى من البيت ، الى أن فكرت أم عادل أن تنزل بها عقاباً يكون رسالة لأم ياسين أن هذه حبيبتك وصديقتك قد ضُربت وأُهينت ولم تفعلى من أجلها شيئاً.. وأنتظرت فرصة مرور امى صاعدة الى شقة أم ياسين مارة بها وجرتها من شعرها جراً الى داخل الشقة، وأرادت افتراسها، لولا أن القدر تدخل بحزمٍ فوضع أحد أصابعها بين فكى أمى، وهما أقوى مافيها فهرسته ، ليملأ صراخ أم عادل الحارة بكاملها ، وتخرج أمى من شقتها مرفوعة الرأس رغما عنها ، مقسمة أنها لاتدرى مالذى دفع بهذا الأصبع المبارك الى فمها . ولم تصمت أم عادل أمام هذا الانهيار المفاجىء لمكانتها فى البيت والحارة والذى شمّت فيها الجميع ، وأقسمت أن تنتقم من أمى شر إنتقام وأعلنت هذا فى تصريحات رسمية وبأكثر من طريقة وهى تتلوى من الم إصبعها ..أما عندنا فى داخل شقتنا فرغم هذا الانتصار غير المتوقع الا أن أبى وأمى عاشا أياما ً عصيبة باحثين عن مخرج ينجيهما من هذا الشر القادم .
قال أبى :- أذهب الى أبو عادل
ردت أمى :- وماذا يملك لها ؟
قالت أمى :- نترك المكان
قال أبى :- الى أين ؟
قالت أمى :- نطلب حماية أم ياسين
قال أبى :- ونصبح أذلاء بقية العمر ؟
تسائلا معا :- وما الحل ؟
صمتا قليلا ً ثم قال أبى مثل أرشميدس :- وجدتها ..أختى نعيمة .
ضربت أمى جبهتها صائحة :- كيف نسيناها ؟
وتم الاتصال بعمتى نعيمة صاحبة الصوت الجهورى، بجسدها الممدود ، وذراعها السمراء التى تشبه أذرع المحاربين ..عرفت الموضوع واستوعبته وقالت بهدوء :- انا لها
وأخذت مقعداً وجلست على باب الشقة مشمرة الذراعين تنتظر ..مر عادل من أمامها صاعداً الى أعلى ..صرخت فيه :- عاوزه أسلم علي أمك..قول لها ..أنا هنا
صعد الولد لأعلى ..خرجت أمه بعد قليل عالية الصدر والجبهة ،جهورية الصوت ،تدق بأقدامها على السلم بقوة ، وأصبعها المربوط يسير أمامها ، وهى ترحب بالأخت العزيزة والشقيقة الكبيرة التى لاتخرج منها العيبة ، وتقسم عليها أن تصعد معها الى شقتها لتقوم بالواجب.. ولم تكذب عمتى الخبر ..صعدت معها وتصاعدت الضحكات .
من خلف الباب المغلق وقفت أمى تتنصت ، وهى تحمد الله على ماكان ، فقد كانت- كما قيل- خائبة ليس لها فى تلك الأمور .




محمد عباس على