تحية وسلام

تلك كلماتى بين يديك ..انظر ..دقق ..ستجد عبر الحروف نبضات تعلو معطرة بالحب ..تطلب السلام ..ترجو الوفاق ..المشكلات سوء تقدير مشترك بين اثنين او اكثر ..الحب كلمة ..وربما كان نظرة ..او هو لحظة صمت تجمع بين اثنين ينعمان بالدفءوحرارة الامن ..تفضل ..اقرأنى ..بكل الحب استقبلك ..ومتى ما اردت المغادرة لك منى ايضا كل الحب ..وسلام ...محمد عباس على

الثلاثاء، 27 يوليو 2010

أجنحة الندم

أجنحة الندم



قصة قصيرة


صمتٌ وظلمةٌ يحيطان به ..يحاديانه أثناء سيره ..يسمع لهما طنيناً يدق رأسه ..يحاول الإسراع ..تصر خطواته على السير متمهلة تتحسس الأماكن ،وعيناه تتشممان الطريق ..بينما تراب ناعم تثيره قدماه ،ينتقض لاهثاً خلفه، يعلق بملابسه ،يصل الى فمه وعينيه ..يكمل السير شاقاً حجب الليل والصمت ،ماضياً خلف فكرة تتمثل له ، يرى فيها نهراً سوف يطهر روحه ..الظلمة ستار يستتر خلفه، والهدوء مركب يقوده الى غايته، والدقائق رفيق يمضى بجواره قاصداً ذات المكان الذى يقصده ..يكمل سيره..تبدو له المقبرة أخيراً ..ذات المقبرة بعينها ..بذات ملامحها التى تخترق حدقتيه على ضوء نجمة تولد فى تلك اللحظة..يدقق فيها ..فجوة فى باطن الأرض يغطى وجهها تراب أكثف من سابقه ،وحروف مطموسة تبدو أثارها على قطعة رخام ملصقة على جدار متآكل ،يعلوه إصفرار شاحب لايكاد يبين لونه ،يحده سواد باهت يكسو الأطراف ..تقدم قليلا منها متفحصاً..شعر بالتراب يعاود ثورته ..يعلو عينيه ..يطمر أفكاره ..ولايبقى هناك الا هو وذلك الراقد على مقربه منه والذى –من المؤكد – يراه ويشعر به ويعرف أنه جاء من أجله ..ذلك الراقد الذى ينعم فى جنان السكينة والهدوء ويتركه فى آتون الفكر يتقلب على جمر اللحظات ..حدق فى إتجاهه شاعراً أنهما لم يكونا قريبين فى يوم مثل الآن ..الآن هما ميتين لايفصلهما الا جدار، لكن كلا منهما ميتٌ على طريقته، فأحدهما يرقد تحت التراب هانئاً مستقراً فى مكانه، أما الآخر فمات ومضى حاملاً جثته على كاهله باحثاً عن مستقر ..تصلبت نظراته على اللوحة ..حاول أن يتمتمك ببعض الكلمات ..عصته الحروف ..إنتبه للرجل ينفض عن نفسه التراب ويخرج اليه..يتجه نحوه ..يمسك كتفيه ..يهزه صارخاً ..لن أسامحك أبداً ..إرتعد..شعر بقلبه يتوقف، بحلقه يجف، وبعينيه تجحظان ..فتح فمه لا إرادياً لايعرف إن كان يريد الصراخ مستغيثاً طالباً النجدة فى هذا المكان\الزمان الخاوى، أم أراد أن يشرح له ماخفى عنه ،غير أنه فى محاولته فتح فمه رفع رأسه لأعلى فالتقت نظراته بذات النجمة الوليدة ذات الضوء الفضى ..فتح عينيه على إتساعهما وهو يدير رأسه حوله ..صمتٌ رابضٌ فى الأرجاء ،وعتمةٌ شفافةٌ تشى بجو الحلم أو الكوابيس ، وقلب يرفرف بين جنبيه لايعرف إن كان هلعاً أم تأثراً بما حوله ..رفع يديه الى أمام شفتيه هامساً ببعض كلمات مرتجفة الحروف اعتقد انها ترحماً عليه، بينما على وجهه تبدو ملامح مشاعر شتى من خوف وبلادة وأسف وتقزم جارف لاحد له ..إنتبه لدموعه تهطل معجونة بندم لم يشعر بمثله من قبل ،ورأى رأسه ينحنى طالبًا الصفح هامساً أنه جاء.. وهذا مالم يكن يتخيلّ وقوعه قبل الآن !!

الخائبة تكسب

الخائبة تكسب



قصة قصيرة



إتصل أبى بشقيقته نعيمة صاحبة الصوت الجهورى، بجسدها الممدود ، وذراعها السمراء التى تشبه أذرع المحاربين ..شرح لها الموضوع ، استوعبته ، قالت بهدوء :- أنا لها
وأخذت مقعداً وجلست على باب الشقة مشمرة الذراعين تنتظر ..مر عادل من أمامها صاعداً الى أعلى ..صرخت فيه :-
- عاوزه أسلم علي أمك..قول لها ..أنا هنا
صعد الولد لأعلى ..خرجت أمه بعد قليل عالية الصدر والجبهة ،جهورية الصوت ،تدق بأقدامها على السلم بقوة ، وأصبعها المربوط يسير أمامها..دق قلب أمى وراء الباب المغلق كطبول عملاقة فى حرب شعواء ، فقد كانت رحمها الله خائبة- كما قيل - لاتجيد فن العراك ، لذا فقد انتهزت بعض الجارات الفرصة ،وقررن الانقضاض عليها ،وتجريدها من كرامتها ، لتكون عبّرة لمن يعتبر فى ذلك البيت المنيّل -على حسب قولهن- والذى نسيت فيه إحداهن (أم ياسين ) نفسها ، وعلا صوتها على السلم متحدية أن تجرؤ إحداهن على الوقوف أمامها ، و ذلك بسبب تربص أولاد (أم عادل) لياسين ولدها الوحيد وضربهم له ، مما جعله يهرول صارخاً نحوها مطالباً بالثأر . وقفت على السلم بكل مافى صدرها من نيران تسب النساء اللاتى يطلقن كلابهن على الناس ليتفرغن لأحضان أزواجهن ، وقالت فى تصريح نارى أنها لن تصمت لأحدٍ بعد الآن، وسوف تتصدى لتلك التعديات التى لايقبلها مخلوق من مخلوقات تلك الحارة التى لايحكمها الا العصا ، أما الكلام الطيب والعِشرة الحسنة فليس لهما فيها مجال ..سمعت أم عادل هذا التصريح وماقبله وبابها مغلق عليها - وأولادها فى الحارة، مازالوا يمارسون العابهم فى حرية ودون أن يطولهم رزاز كلمات أم ياسين وسبابها - ولم تجرؤ على الخروج ، كانت تعرف جيداً ماوراء أم ياسين، وتثق تماما أن الموضوع اذا وصل الى مستوى الرجال سيكون له شأن آخر، فأبو ياسين رجل واصل ، قهوجى (قد الدنيا) تقع مقهاه بجوار قسم الشرطة ،ويعرفه الكبير والصغير هناك ، ممايجعل له هيبة، نظراً لأن الجيران بلا استثناء يلجأون اليه فى كل مايتصل بالقسم ، وللأمانة هو يتحرك فوراً ..اذا كان الأمر مجرد تحرى يسعى الى الشاويشية والصولات ، (يفتّح مخه) معهم ويعود بالمتهم الى أهله سالماً ..يسألونه :-
- كم دفعت للصولات؟
يقسم يميناً مغلظاً أن إمرأته طالق ثلاثاً لو إمتدت يده وأخذ شيئاً مقابل مادفع، وبعد عدة يمينات يمد يده ويأخذ النقود.. وللحقيقة فهو لايفرق بين جار وآخر فى هذا الأمر، بل أن كل من يقصده فى حاجة يجده ، ويرى من مجهوده مايسره.. ودائماً لايترك أمراً الا بعد الانتهاء منه، الا القضايا الكبيرة التى تخرج عن نطاق سلطة الشاويشية والصولات ،مثل المخدرات والبودرة وما اليها، فطالما المحضر قد كُتب والضابط قد وقع عليه فالأمر قد خرج من يد الجميع، وهو هنا يكتفى بمتابعة الموضوع عن بعد ، والسؤال فى الخفاء والتقصى الحذر، وتنبيه أهل المتهم بما يتم ،وماعليهم عمله بسرعة لأنقاذه ..وللحقيقة أيضاً فإن هؤلاء الصولات والشاويشية يُعتبرون من أصدقائه الخلصاء الذين يسهر من أجلهم ، حيث تبدأ السهرة مباشرة حينما تهدأ الحركة وتستقر الأمور، فتنظف الجوزة ،ويجهز الفحم ، ويرص الحشيش أقراصاً صغيرة على الحجارة فوق المعسل ، وتدور الجوزة على الجالسين، بينما أبو ياسين بين أيديهم وفى خدمتهم.. فاذا فكر أحدهم( وهذا لم يحدث قط ) أن يدفع ثمن الخدمة أو المشروبات فإن أبو ياسين جاهز للقسم بالطلاق -جاداً هذه المرة -أنه لن يأخذ منهم شيئاً، مكتفياً بالخدمات التى يؤدونها له بالمقابل .
أما أبو عادل فهو جزمجى حريمى له محله فى آخر السوق بعد وكالة حسنين ، له طوله الفارع وصدره العريض ويديه المفلطحتين بأصابعهم الشديدة الأصفرار، وصوته العريض الذى يهز الحارة يوم الأحد -يوم أجازته- حيث يطل من الشباك صارخا :-
- واد ياعادل ..هات إخوتك وإطلع يابن الكلب
فيشيح بيده معترضاً ،ويزوم قليلا قبل أن يلم إخوته ويتجه الى البيت خوفاً من والده الذى ماإن يرى أبو ياسين الا ويعلن ولاءه الكامل له ..تزجره إمرأته طالبه منه أن يفرد صدره ويخشّن صوته وهو يسلم عليه ليشعره أنه رجل مثله، وربما - بل المؤكد- أنه أفضل بقامته المديده وجسده القوى منه، فيقول ناصحاً :-
-ياعبيطه ..نرفع راسنا دلوقت ونحتاج له نرجع نطاطيها ؟
فتصر على أسنانها غيظاً منه ومن تفكيره الأعوج الذى يخزلها أمام عدوتها اللدود أم ياسين ، التى أنصفها زوجها ورفع رأسها الى السماء وهى لاتساوى فى سوق الحريم درهماً ، أما زوجها -أبو عادل- فرغم طوله وعرضه الا أنه لم يغن عنها شيئاً واضطرها الى الآستعانة بلسانها وفى بعض الأحيان يديها لمواجهة شراسة الجارات ، فالأمر لم يخل من تأديب جارة بلكمة محذرة، أو سحبها من شعرها على السلم اذا زادت عن حدها، ولم يجدِ معها الصوت العالى أو اللكمات ، ومتانة جسدها تساعدها ، فهى تشبه زوجها فى هذا وإن كانت تمتاز عنه بشراسة طبيعية تفرض نفسها أول ماتفرض عليه وعلى أولاده ، وإن كان هو ينأى به عمله طول الأسبوع عنها، أما الأولاد فياويل من يقع بين يديها أثناء غضبها ، لذا فهم يخشونها اكثر منه ، قائلين انه لا يمتلك الا الصياح يوم الأحد بعد الظهر فقط أما ماعدا هذا فقد تركه لها .. و رغم شراستها وطول لسانها الذى لايدانيه طول فى الحارة الا أنها حينما تصفو تصبح إمرأة أخرى ناصعة بياض القلب، تسلم على هذه وتضحك مع تلك، متناسية ماكان حتى لو حدث بالأمس القريب، وقد تعاتبها إحداهن فتنهمر دموعها مؤكدة إعتذارها ، ومقسمة انها لم تعِ مافعلت، وتقبل رأسها طالبة السماح .
ونظراً لأن أبى يعمل فرانا ً لاشأن له ولاكيان فى البيت أو المنطقة، ولا يكاد يظهر لأنه يعمل طوال النهار ويعود ليلاً لينام استعداداً ليوم جديد، فقد أصبحت أمى هدفاً لمحاولات الإيذاء المتعمدة، ولولا أنها خائبة- كما يقولون- فى العراك ،لأنها بلا لسان( أى لاتسب ولاتصرخ مثلهن) لكان لها شأن آخر وأى شأنٍ ، لذا فقد كانت الجارات يهملن أمرها لطيبتها ولعلاقتها الحسنة بالجميع ،خاصة أم ياسين فى الطابق الأعلى من البيت ، الى أن فكرت أم عادل أن تنزل بها عقاباً يكون رسالة لأم ياسين أن هذه حبيبتك وصديقتك قد ضُربت وأُهينت ولم تفعلى من أجلها شيئاً.. وأنتظرت فرصة مرور امى صاعدة الى شقة أم ياسين مارة بها وجرتها من شعرها جراً الى داخل الشقة، وأرادت افتراسها، لولا أن القدر تدخل بحزمٍ فوضع أحد أصابعها بين فكى أمى، وهما أقوى مافيها فهرسته ، ليملأ صراخ أم عادل الحارة بكاملها ، وتخرج أمى من شقتها مرفوعة الرأس رغما عنها ، مقسمة أنها لاتدرى مالذى دفع بهذا الأصبع المبارك الى فمها . ولم تصمت أم عادل أمام هذا الانهيار المفاجىء لمكانتها فى البيت والحارة والذى شمّت فيها الجميع ، وأقسمت أن تنتقم من أمى شر إنتقام وأعلنت هذا فى تصريحات رسمية وبأكثر من طريقة وهى تتلوى من الم إصبعها ..أما عندنا فى داخل شقتنا فرغم هذا الانتصار غير المتوقع الا أن أبى وأمى عاشا أياما ً عصيبة باحثين عن مخرج ينجيهما من هذا الشر القادم .
قال أبى :- أذهب الى أبو عادل
ردت أمى :- وماذا يملك لها ؟
قالت أمى :- نترك المكان
قال أبى :- الى أين ؟
قالت أمى :- نطلب حماية أم ياسين
قال أبى :- ونصبح أذلاء بقية العمر ؟
تسائلا معا :- وما الحل ؟
صمتا قليلا ً ثم قال أبى مثل أرشميدس :- وجدتها ..أختى نعيمة .
ضربت أمى جبهتها صائحة :- كيف نسيناها ؟
وتم الاتصال بعمتى نعيمة صاحبة الصوت الجهورى، بجسدها الممدود ، وذراعها السمراء التى تشبه أذرع المحاربين ..عرفت الموضوع واستوعبته وقالت بهدوء :- انا لها
وأخذت مقعداً وجلست على باب الشقة مشمرة الذراعين تنتظر ..مر عادل من أمامها صاعداً الى أعلى ..صرخت فيه :- عاوزه أسلم علي أمك..قول لها ..أنا هنا
صعد الولد لأعلى ..خرجت أمه بعد قليل عالية الصدر والجبهة ،جهورية الصوت ،تدق بأقدامها على السلم بقوة ، وأصبعها المربوط يسير أمامها ، وهى ترحب بالأخت العزيزة والشقيقة الكبيرة التى لاتخرج منها العيبة ، وتقسم عليها أن تصعد معها الى شقتها لتقوم بالواجب.. ولم تكذب عمتى الخبر ..صعدت معها وتصاعدت الضحكات .
من خلف الباب المغلق وقفت أمى تتنصت ، وهى تحمد الله على ماكان ، فقد كانت- كما قيل- خائبة ليس لها فى تلك الأمور .




محمد عباس على

الاثنين، 19 يوليو 2010

السوط

السوط





قصة قصيرة



يقترب الليل من منتصفه ..تدب على أرض المحطة بعض الأقدام..البرودة تقتحم العظام ، وقطار الضواحى على رصيف جانبى يقف متهالكاً حاملاً عناء يومً فات ، الأنوار داخله خافته والبعض يجلس بانتظار لحظة الإقلاع ..آخر قطار هذه الليلة لذا يقف طويلاً ليعطى الفرصة لأصدقاء الليل من الركاب للحاق به ..أجلس فى العربة الأخيرة منه..العربة ممتلئة بالوجوه المغلفة بالنعاس ..أغلق عينيّ مسنداً رأسى على زجاج النافذة المغلق ..يرتفع بكاء رضيع بجوارى مخترقاً تلافيف رأسى ..ينفرج جفناى قصراً أرى فى مواجهتى إمرأة تحمله ،بجوارها رجل هو زوجها على الأرجح..أدير وجهى متشاغلا بالأرصفة الخالية والليل الذى يجوس فى أرجاءها، تهتز العربة برفق ،ينطلق صوت القطار مؤذناً بالتحرك، تهدهد المرأة طفلها ..يبدأ القطار رحلته ،يرتفع الضجيج من صراع العجلات مع القضبان ..أعاود إغلاق عينيىّ ..كان يجب أن أصمت ..المزيد من الشكوى معناه المتاعب ..الأولاد بالبيت لايفكرون الا فى النقود ..أما أنا..!
عاد الطفل للبكاء ..اختلط بأنين عجلات القطار ..وقفت به المرأة وسط المقاعد ..حمله زوجها عنها ووقف لتجلس هى..أخذت أراقب نجمة يلمع نورها ساطعاً على قبة السماء.
لم أخطىء حينما أرسلت الخطاب للمدير ..كان يجب أن يعلم مابى ..ليس كثيراً أن أطلب منه حمل لسانه بعيداً عنى ..الكلمات السنةٌ من نار تلسع
..إرتفع صوت الوليد عن ذى قبل ..صوته مشروخ من كثرة البكاء ..العيون المغلفة بالنعاس تضيق ..الأم تعاود حمله ..تلقمه ثديها وهى تستتر من الأعين ..أهرول بعينيى الى الخارج باحثاً عن نقطة الضوء وسط بحر الظلام..أعلن المدير أن من حقه إطلاق لسانه و تشكيله كما يريد ..يصنع منه مشنقة ،يجعل منه سوطا ، أو حتى مسطرة خشبية حادة السن ..رفضت فكرته ..أردت أن أنبهه الى كره الخلق للسانه وأنه من الأفضل التخلص منه ..حملت مقص كان أمامه وطلبت منه فتح فمه..ًصرخ ..حاولت أن أشرح له أننى أريد صالحه ..رفض الإستماع ..تجمّع البعض ..تعالت الأصوات ..إمتزجت ببكاء الصغير وأنين العجلات وظلمة الليل وسؤال المحقق :- مذنب ؟

دون أن أنطق بحرف تركت المكان وأنطلق مغادراً المحطة الأخيرة فى صمت.

الأحد، 18 يوليو 2010

ثورة ظل

ثورة ظل





قصة قصيرة



إهتز الباب بعنف ، أفلت المزلاج وظهر كيان ضخم لاملامح له ، ارتددت بأقدام الرعب الى الخلف ، تقدم وسط العتمة من مدخل الشقة عبر الممر الصغير الى الردهة، رمى بعينيه منقّباً ، عاد وأمرنى باغلاق الباب، غمرتنى سيول الدهشة ..القيت عنى عباءة الخوف صارخاً :-
- من أنت ،وماذا تريد ؟
اندفعت يداه الّى ، مخالب حادة فى أطراف أصابعه شعرت بها تنغرز فى مسام وجهى وتخمش جلدى ، إندفعت بكم الرعب قاذفاً وجهه بمقعد طالته يدى، أفتّر فمه عن فرجة لم أدرك كنهها ،وإن ظننتها بسمة هازئة..هرولت الى هراوة ورثتها عن المرحوم والدى ..بكل ماأملك من بطش هويت بها فوق رأسه، زادت إنفراجة فمه ودفع جسدى بيده ، إنطرحت أرضاً على ظهرى ، رفعنى من ملابسى وعاد يقذفنى فاصطدمت بالجدار ،وأنا على الأرض أعالج الامى أتى الأمر بصوت كالفحيح
- أغلق الباب

------------------
بدت الردهة بعتمتها الخفيفة كهفاً ممتداً ، تكسر حدة ظلمته شمعة يتلاعب النسيم بشعلتها ،لا أحدد جيداً ملامح وجهه على هداها، وإن كنت أميز جيداً منظر ظله على الجدار المواجه بهيئته وتكوينه الهلامى، والى جواره ظلى صغيراً، كلما تحرك ابتلع ظله ظلى ، لا أعرف لماذا شغلنى ذلك الظل بامتداده الذى يشغل حيزاً من الجدار يجعل النفس تهيم فى سراديب رهبة تصنعها العتمة ، فأغيب فى متاهة نظرات محملة بأنين مكتوم منطفىء الوميض ، لايكاد يبين، ربما خوفاً من رد من ردوده الهوجاء ، وإن كان هذا لايمنع من نقل البصر بين الظل والحقيقة ..الظل يملأ الجدار، الحقيقة تكوين جسدى غير محدد الأبعاد ، وجهه قسماته منفرجة أبداً لاتعرف إن كانت سخرية سرمدية عالقة بفمه ، أو هو رسم طبيعى خُلق به ، أو ربما هو عبوس على طريقته ..عاد صوته يتردد ثاقباً آذان الجدران :- إياك وإضاءة الأنوار
صرخت بلا وعى ..ربما من فرط الغضب المكبوت :-
- لكنه بيتى
- تقصد بيتنا
شعرت بتلافيف مخى تعوم فوق بحيرة من جنون ..تحركت محاولاً الوصول الى عصاى ..كانت فتحتا عينيه الغائرتين أعلى وجهه بسوادهما الداهم تتابعانى ، إنغرزت مخالبه أعلى ظهرى وهو يجرنى الى مكانى بكلتا يديه بعيداً عما أبتغى ..صرخت :- سأقتلك
- صدرت عنه أصوات مبهمة ذات ذبذبات عالية هزت قلب الصمت من حولى ..قدّرت أنها- قد تكون - ضحكات ذات طعم ساخر المذاق

-----------
هذا الظل لن أتركه ..تكوينه على الجدار يرهق عينّى .. ثم إنه يحتمى بظله ..يرمقه من حين الى حين وقد يغّير وقفته ويعاود تتبعه حتى يصل الى أضخم مايريد ..تحركت فى غفلة منه ..أنرت المصباح.. رددت الجدران أصوات صراخه ..هجم بمخالبه علّى.. على هدى الأضواء قدرت المسافة بينى وبينه ..عرفت فى اللحظة المناسبة كيف أفلت من بين يديه ..أشعل بقية الأنوار.. أفتح النوافذ.. يدخل ضوء الشمس .. تزداد صرخاته ..ينكمش جسده .. يبدو ظله صغيراً.. أرى ظلى كبيراً ..سعدت كثيراً لرؤية ظلى يحتوى ظله!!

الأربعاء، 7 يوليو 2010

البيت

البيت


قصة قصيرة





حينما مضت عنك زوجتك انكسرت ..أنت نفسك- فى داخلك – اعترفت بهذا ..دموعك التى جفت فى عينيك ظلت فياضة فى القلب ، وشعرت بأنياب الفراغ تتناوشك وأنت بلا حول، ترى الدنيا من حولك خالية ..تتذكر ضيقك منها وصبرك عليها وتحملك لها ، وتعود الى لحظاتك الحالية بدونها فتتمنى لو تعود وتفعل ماتريد، فقد كانت هى الوجود بالنسبة لك أو هى الدنيا كما قال الشاعر (قد تغدو إمرأة ياولدى يهواها القلب هى الدنيا ) ..صحيح أنك لم تحبها يوماً ،كنت تستسيغ زواجكما مضطراً ، إلا أن العِشرة فى النهاية تحولت الى تفاهم أقرب للحب ، أو هو استسلام لقدرٍ لا مفر منه ، رأيت أنت فيه تحقيق حياة مستقرة أفضل من حياة أخرى بلا لون ولا طعم، أو هو حب حدث وأنت لاتدرى بدليل ذلك الفراغ الذى حلّ بعدها .
تجلس الآن فى حجرتك \حجرتكما ..تراها قادمة من عملها فى حدود الرابعة بعد الظهر ..وجهها كقرص شمس الغروب ، مقطوعة النفس تلعن المواصلات واضطرارها للعمل بسبب كسلك وتقاعسك ، فلو أنك بحثت عن عملٍ آخر بعد الظهر لأتيت بما يكفى البيت ، ولما اضطرت هى الى مذلة الخروج من بيتها، والتعرض لما تتعرض له يومياً سواء فى العمل أو المواصلات ، خاصة أن المشوار طويل بين بيتكما فى أطراف المدينة ومكان العمل فى الضواحى ..قديماً كنت ترد عليها بأنك حتى لو وجدت عملاً آخر وأتيت بمال قارون فلن تترك عملها قط ، وتدخلان فى جدال لاينتهى.. بعدذلك تعلمت الصمت ، ربما لشعورك بلا جدوى هذه المناقشات ، وربما لأحساسك بما فى قولها من صواب ، وربما أيضا وهذا الأقرب خشيتك من التكرار شبه اليومى لهذه الحرب التى لاتتحملها أعصابك، خاصة أنها –كانت – تمتلك لسانا لاينضب له معين ، ولديها قدرة هائلة على التحدث لساعات بلا ملل أو اجهاد ..لذا فقد تعلمت الصمت ، تتركها تتكلم لحظات تطول أو تقصر، ثم تقوم الى المطبخ ، تعّد الغذاء وتنسى ماكان وتتكلم معك عما جرى اليوم قائلة أن أجمل مافى الأمر أنكما أصبحتما صديقين ..تبتسم أنت وتلزم الصمت .
يناديك ولدك الأكبر..تلتفت عنها اليه ..بابا ..نريد طعاماً ..تعود اليها ..يلفحك الفراغ بنيرانه ..ينزف القلب أنينه من جديد .
--------------
لأنكم أربعة أرواح كان المكان دافئاً تنتشر فيه حرارة الأنفاس والكلمات ، يموج بالحركة ، ولا يخلو من حروف متطايرة، خاصة منها فهى لاتستريح للصمت ، وكثيراً ماكنت تضبطها وحدها تأتنس بالغناء بصوتها الحاد الذى يزعج السكون، فتضحك منها ومن كلماتها التى تخترعها لأنها تنسى الكلمات الأصلية .
الآن ورغم أنكم ثلاثة غادر الدفْ المكان ..صارت البرودة تسكن الجدران والفراش وقلبك ، ورغم الحركة يسكن الفراغ المكان ..تنظر الى ولديك ..أحدهما يجلس الى الكمبيوتر مشغولا بمحادثة هامة مع وجه أنثوى أصفر على الشاشة البيضاء ،بينما الآخر هناك يرقد نصف رقدة على الفراش ، مسّلماً عينيه لشاشة التليفزيون، بينما المكان كله يعوم على بحيرة فوضى لم ترها من قبل ..تنظر حولك تبدو لك وهى تصرخ حينما تعود من عملها وترى الصحون على المائدة وفي كل منها بقية من طعام ،والردهة والتراب المنسل الى المقاعد وأعلى السجاجيد ..تدور فى البيت وصراخها يسبقها على الجريمة التى حدثت فى غيابها فقد تركت المكان كله منسقاً لايوجد به ذرة من تراب :- لن أتحمل هذا ..لا أملك الوقت ولا الجهد لهذا الشقاء اليومى .
تطلب من ولديك الاهتمام بالأمر ..تتوه كلماتك فى الفراغ ..تعود من عملك يومياً قبلها بساعة تقريباً تنظف المكان بقدر ماتستطيع ..تعود هى من عملها ..تقول لك فى غضب زائف لاتفعل شيئاً ..أنت تزيد الأمر سوءاً ..تدور بعينيك باحثاً عنها لتقول لها فى رفق من لايرحم لايُرحم ..لاتجد الا الفراغ وبرودة تسرى فى عظامك وظلمة تزحف الى عينيك ..تطفر الدموع رغماً عنك..أنت هكذا الآن ..دموعك تسبق كلماتك ..تتحرك الى الردهة بين الكمبيوتر والتليفزيون مصاحباً مرضك ..البيت فوضى. النظافة فارقته..فوق طاقتك أن تقوم بالأمر كله وحدك..تسألهم الجلوس معاً لتحمل المسئولية الجديدة فى حدود المعاش الذى تقبضه كل شهر ..يضيع صوتك بين فوضى الأصوات .. ..تتحرك نحو الكمبيوتر ..تصرخ :- دع هذا وقم لنرى مايجب عمله
يواجهك بعينى اللامبالاة :- سأقوم ..لكن ليس الآن
تتركه الى التليفزيون ..يدهمك رده :-..حينما يقوم هو سأقوم أنا
يصرخ الأول من مكانه :- مالك بى ؟
يرد الثانى :- لاتشعر بما حولك
يرد الأول ..يصرخ الثانى ..يتمدد الوقت على حد الصرخات مذبوحاً
تبكى وتتحرك نحو الباب قائلا:-
:- لن أبقى معكما
..تطغى الأصوات العالية على صوتك ..تفتح الباب ودموعك تسبق الكلمات:-
:- لن أبقى معكما
..وتواجه الطريق !

ذاكرة الغد

عين الآخر
...........


قصة قصيرة



رشق فى ظهرى حبتى عينيه واتبعهما بصليل صرخاته المدوية :-
- انت ..تعالى
رجعت اليه ..تفجرت طاقاته المختزنة من دهور سحيقة فى وجهى:- - ستظل هكذا عاجزا
تتركهم يفعلون مايريدون دون تصويب
أين دورك؟ أين تعليماتك ؟
أين ...........؟

لم أنتبه لبقية كلماته ، اذ أمتدت يداه الى وجهى وهو يتكلم، لم أجرؤ على الاعتراض وهو ينتزع عينّى ويضع بدلا منهما عينيه ، ويشير بيده فى اتجاههم آمرا :-
- اذهب اليهم
تصرف معهم..أتفهم ماأعنى ؟
فتحت فمى لأتكلم، لم أقصد اعتراضا على شىء مما قال ، فهذا لا أفكر فيه ، ربما عن رهبة من عقاب ، وربما أيضا لا متلاكى شخصية ضعيفة أمام عينيه المتجهمتين . أردت فقط أن أسأل ماهو ذاك الذى يعنيه .. بمجرد اٍنفراج شفتى مد يده الى فمى ..سحب لسانى ووضع لسانه بدلا منه ، و أمرنى أن أذهب ،أصرخ فيهم،أنبههم أن الأمر ليس هزلا ، وسوف تتم محاسبتهم بشدة تتناسب مع مدى اهمالهم وتراخيهم فى تنفيذ ماهو موكل اليهم ..نظرت اليه بعينيه وحادثته بلسانه فوجدتنى أعرف جيدا مايعنيه ، وأقتنع تماما أنهم مخطئون ، ليس مهّما كيف ، أو ماهى الحيثيات التى بنيت عليها حكمى ، فليس هذا فى تلك الواقعة بالذات بالأمر الهام ، المهم أننى مقتنع وهذا شىء ليس باليسير . مضيت اليهم.،
اندفعت اتكلم بلسانه فى ثقة ، مرددا كلمات ذات ثقل، وأنظر اليهم بعينيه وانا فى حالة انتشاء ، اٍذ أرى رؤسهم محنية على الصدور فى تشكيل بديع ، ذكرنى بمواقف لا أذكرها الآن ، كنت أقف فيها مثلهم .. حدقت فيهم متفحصا ، مدققا ، كما طلب منى ، فوجئت بكبيرهم يختطف تلك الأعين منى ويضع عينيه بدلا منها ..تحول عبوسى الى ابتسام فورا ، وصار البحث والتدقيق سكونا ، شعرت به و انزعجت ، فتحت فمى صارخا بلسانه مؤكدا جرم مافعلوه ، مسارعا باغلاق فمى ، حتى لايقوم كبيرهم بحركة خداع جديدة ، ويضع لسانه بدلا من الأخر فأتحول انا الى متهم وينتهى أمرى ، غير أننى لدهشتى رأيت أحدهم يحضر ماء معطرا ، وآخر يأتى بطست كبير ، وثالث وهو كبيرهم يخرج قلبى من مكمنه ، ويغسله مما علق به من شوائب وأدران ، ثم يعيده مكانه ..لحظتها رأيتنى أفتح فمى ..أخرج لسانه والقيه جانبا ، وأعلن دعمى الكامل لهم ،ليس هذا فقط بل أننى عدت اليه حاملا لسان كبيرهم وعينيه .كان ثائرا ،واجهنى بطوفان من الصراخ ..لم ابال به ولا بصراخه ، ولا حتى بتساؤله عن نوع الجزاء الذى أرى أن يطبق فورا .. لم أبال بكل هذا ..كل مافعلته أن القيت اليه بلسانه وعينيه وقفلت عائدا ..اليهم !!

غروب

غروب



قصة قصيرة



نظر الى عقارب الساعة على الجدار ، ترتعد من البرد فى ذلك الوقت من الليل ، وهم هناك فى الردهة ما زالوا ساهرين ، يشاهدون فيلما من النوع الكوميدى الساخن القفشات !
لم يمر شهران بعد على غيابها ، مع هذا نسى الجميع كل شىء . الأم .. البيت .. الواحة التى تظلل الجميع.. حين ذهبت لم يكد يمر الأربعون حتى عادوا الى ماكانوا عليه ..ماذا عليه أن يفعل الآن ؟ كيف يقول أصمتوا بعض الوقت حتى أذهب فى النوم ، أوأصمتوا أريد أن أخلوا الى نفسى بعض الوقت ؟
نظر الى الظلام حوله ..الى الشباك الذى تسطع من خلفه أنوار الطريق .. الستائر مسدلة أمامه والزجاج والشيش مغلقان ، مع هذا استطاعت خطوط الضوء أن تنفذ من الخصاص لتصنع خطوطاً متوازيةً على السجادة العتيقة التى تغطى أرض الحجرة .
جال بعينيه فى السجادة وخطوط الضوء ..بدت له الخطوط قضبانا ً حديدية تحول بينه وبين عرض الطريق .. غشى عينيه كدر ٌ ..لقد ابتعد عن الناس..عن الحياة بكل مافيها..ضاق بكل شىء ، حتى بأصوات أولاده التى تخترق الجدران لتصل اليه ، وهو لايعرف إن كانت ضحكات أم كلمات ، ولا يهمه أن يعرف ..الذى يهمه جيداً أن تبتعد عنه ، واذا كانوا يسخرون مما حولهم ، فلم لايسخرون من أنفسهم لهذا العقوق ؟ إنها.. لم يمض شهران بعد على غيابها !
اعتدل فى مرقده معطيا ً ظهره للشباك والقضبان الضوئية على أرض الحجرة باحثا ً عن مهرب لنفسه ..رفع الوسادة ..وضعها فوق أذنه ..أغمض عينيه .. عاوده الفكر..ترى عندما يذهب هو أيضا ً كم يطول حزنهم عليه ؟ لايظنهم سيذكرونه للأربعين .. ارتجف قلبه ..عاد للآعتدال ..نظر الى الشباك المغلق والستائر المسدلة والقضبان التى تلوح لعينيه ..اتجه الى الباب ..غاصت عيناه فى الظلام ..لابد أن يذكروه طول العمر ..لا ينسوه مهما جرى ..إنه مايزال يذكر أبويه ..يترحم عليهما ..يحمل صورة مائية لأبيه أخذت قبل رحيله بأيام .. يتذكر ملامح أمه ..يتذكر أقوالها ونصائحها له ، وأبدا ً لن ينسى حتى الموت .
لكن أولاده وبناته .. هذا الجيل الجديد ..ماذا يفعل وهو يراهم لاهين ، يتمتعون برؤية فيلم فيديو من الكوميديا السوداء ، ولا يذكرون أمهم ؟
الفيديو ..آه ..فكرة رائعة ..لو يصور شريط فيديو ويتركه لهم ..بالتأكيد سيظل معهم طول العمر ..لكن هل يذكرون الشريط ذاته بعد رحيله ويخرجونه من مرقده ليشاهدوه؟
لايظن ..ليس أمامه إذن إلا أن يشترط عليهم لكى يرثوه شرطاً جوهريا ً لاغنى عنه ، هو أن عليهم أن يزوروه ويداوموا على زيارته ، ومن يخّل بهذا الشرط يُحرم من الميراث ..هكذا يجب أن يكون الأمر . انفرجت أساريره .. قام من مرقده..وقف أمام القضبان الضوئية على أرض الحجرة ..أراد أن يدوسها بقدميه ..لم يستطع.. ابتعد عنها ..اتجه الى الباب ..تعالت الضحكات مرة واحدة فارتّد الى الخلف ..يمم وجهه شطر الشباك ..كانت بجواره على الجدار صورة زوجتة تبتسم فى سرور ..حدق فى ابتسامتها ..لأول مرة تذهب الى مكان بدونه ..لم تخبره ..لم تستأذنه كما كانت تفعل من قبل ، ولم تقل له كما كانت تقول فى كل مرة أن يذهب معها ، يؤانسها خاصة أنه ترك العمل ولم يعد يشغله شىء ، فالأولاد لايطيقون السير معها لأنها بطيئة الخطوات ، تسير على مهل ، وربما وقفت تستريح فى ركن على الطريق ولن يتحملها الا هو .
آه .. هاهى التى كان يعيب عليها سيرها البطىء تسبقه .
عاد الى الجدار والظلام والقضبان والباب المغلق والشباك ..عندما يصبح الصباح سيذهب الى المحامى ليكتب وصيته ..لكن ..هل يصبح عليه الصباح ؟ ربما يموت الآن ..بعد الآن ..فى الفجر ..قرب الصبح ..فهل يكون حينذاك وحيدا ً لايدرى به أحد ؟
قام الى الشباك ..أزاح الستائر ..فتحه على مصراعيه ..غمر النور الحجرة ..اختفت القضبان ..كان الباب لايزال مغلقا ً والضحكات من خلفه تترامى على الأركان ..فكر أن يسد أذنيه ..لكنه عاد واستمع فى تسليم ..نظر الى الشارع الهادىء فى مثل هذ الوقت من الليل ..فكر أن ينام ..خشى من الرقاد ..لم يجد بدا ً من فتح الباب والاتجاه الى حيث يجلسون !

طقوس قتل الكلمات

طقوس قتل الكلمات
........................




قصة قصيرة
.............




محمد عباس على
.....................










تملك زوجتى مالا يملكه الآخرون ..مقدرة باهرة على قذف الكلمات
..سرعة لاتجارى ومهارة لاتخيب ..فى عيد ميلادها الأخير قدمت لها جهاز تسجيل فائق الحساسية ..هدية حب منى ..قلت أنه يمتلك المقدرة على متابعة كلماتها ،وأنا أخفى فى نفسى هدفاً خبيثاً لم أصارحها بها ،وهو أنه سيشغلها عنى ،وهذا سبب شرائى له ..هذا بالاضافة الى أنه سوف يستهلك قدرتها على الكلام فى غيابى فتقول ماتشاء ،واثقة أن هناك من يتابعها ولو كان جهاز تسجيل ، فاذا عدت لم أجد الا صمتا وهذا ما أسعى اليه.

..قدمته لها وطلبت منها ممارسة هوايتها براحة وبعمق ، غير أننى فوجئت بأمرلم يدر بخاطرى قط ، اذ قالت لى ببديهية تحسد عليها:-
- أقبل هديتك بشرط
أسرعت برسم ابتسامة على شفتى و أعلنت راضيا قبولى لشرطها قبل ان تنطق به . قالت:-
- حينما تعود الى المنزل تسمع كل ماسجلته
ارتميت على مقعدى هاويا الى لجة صمت طاحنة ، ولم انطق بحرف . تساءلت بدلال :-
- مفاجأة ؟؟
قلت :- رائعة
.وأنا أبحث عن ريقى محاذرا من عينيها . لاحت لى خاطرة فاسرعت بالقول :-
- حينما أعود الى البيت أريد سماعك أنت .. لاالمسجل
اشرق وجهها بابتسامة . قالت :-
- لم يغب هذا عنى .. طالما أنا متيقظمة سأحادثك وحين أنام أو أخرج سأترك لك المسجل حتى لاتشعر بالوحدة
صمتت قليلا وهى تتفرس فى ملامحى ، تبحث عن ذرة تحمل شبهة اعتراض ، لم تجد . اكملت كلماتها :-
- طبعا حينما أعود أو أصحو سأناقشك فيما سمعته
أغمضت عينّى حتى لاترى مابهما ، وهرولت من أمامها الى غرفة مكتبى عازما على كتابة استقالتى من وظيفة مستمع تلك ، المفروضة علىّ ، تدبرت الأمر جيدا ، وجدت أننى لن أتحمل ردها فى حالة اعلانى تلك الاستقالة. مؤكد الأمر سيتطور ، وساعتها لن أجنى الا الندم وتأنيب نفسى لتهورها . راودتنى نفسى على السفر والبعد كلية عنها . هززت رأسى ساخرا من تلك الفكرة لأننى مهما غبت سأعود ، ولحظتها ستضع الشرائط أمامى حصاد الغياب ، وحينها لن أنبس بحرف ..جلست واضعا يدى على خدى وانا اسأل نفسى وما العمل ؟.. جاءتنى فكرة كالبرق ..نتكلم بعدد متساو أنا وهى تطبيقا لمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة ، وطبعا لن أجاريها فى سرعتها ،فعليها إذن أن تلتزم بحد أقصى لاتتجاوزه من الكلمات ..أعجبتنى الفكرة ..قلبتها على وجوهها ..رائعة ..رجعت الى الردهة باسما ، بادرتنى فوراً :- هاك ماسجلته فى لحظات غيابك
اتسعت ابتسامتى وانا أحمل الجهاز منها
..ملأ وجهها العجب سألتنى فى ريبة :-
- مابك ؟
قلت :- فكرة أريد عرضها عليك
ازدادت مساحة الدهشة على أطراف وجهها سألتنى :- ماهى ؟
- أطلب المساواة معك
- نعم ؟
قلت :- أريد حقى
تغيرّ وجهها فوراً بفعل الغضب ..بدأ صوتها يتخذ شكلاً جديداً وهى تسأل متوجسة :-
- كيف ؟
قلت وأنا أعطيها المسجل :- نطبق المساواة على الكلام
ازداد صوتها غلظة وهى تقرب وجهها من وجهى متحفزة :-
- مازلت لاأفهم
قلت بسرعة :- نتكلم بقدر متساوى
علت شفتيها نظرة سخرية وهى تنظر الّى من أعلى
- لن تلحقنى
قلت :- انت التى ستساوينى
برقت عيناها :- تقتل كلماتى !! .. كيف؟
جلست أشرح لها .

هدوء الملكات

هدوء الملكات
...............



قصة قصيرة

أشارت فتاة صغيرة الوجة حيادية النظرات الى غرفة صغيرة فى الممر الضيق .. تفضل ياحاج ..كان المفتاح فى الطبلة ..دخلت ..جلبابٌ أبيض داخل غلافٍ بلاستيك شفاف معلق على مشجب أعلى الحائط ..أغلقت الحجرة خلفى .
قليلا ووقفت وسط الممرمرتدياً الجلباب شاعراً بأننى مقبل على شىء مبهم يحسه القلب بهوله ، ولايملك أمامه الا دقات استغاثة بلا مجيب.
قالت ذات الفتاة :- :- احتفظ بالمفتاح لحين العودة..أحنيت رأساً صامتاً..عاد الصوت المثلج الى الانطلاق بصوتٍ عالٍ :- الحالة رقم (7 ) جاهزة .. اضطربت .. ظهرت على البعد ملامح رقيقة السمات يبدو على محياها مشروع ابتسامة خفية لاتكاد تبين وقالت:- إرسليه
امتلأ قلبى بالخوف أكثر.. فى البداية رأيتنى اتحول بقدرة قادر من انسان له كينونة وحياة وتاريخ الى حالة رقم (7) .. والآن تقول ارسليه ! ..سرت كالمنوم فى الاتجاه المحدد ...أدخلتنى حجرة حديدية رأيت فيها فتاة ة ذات وجه ثلجى الملامح جديد ..هوى قلبى متخبطاً فى حيرته :- ماهذا ؟ ولم يأتنى رد


.
..............
-بين فكى آلة عملاقة طلبت منى الرقود..تحادثنى بصوت فاقد الحرارة ..لاتهتم إن كنت أسمع أم لا.. :- :- لاتتحرك طوال وجودك تحت الجهاز ..أى حركة مهما كانت ستفسد العمل
أصعد بالجلباب الأبيض الذى طلبوا منى إرتداؤه ..أرقد على لوحة حديدية ..تعيد إصدار التعليمات :-
:- تعالى هنا قليلا ..بالضبط هنا ..حذار من النَفَس ..ضع يديك على صدرك .
أفتح عينّى ..فوقى مباشرة وعلى بعد حوالى عشرين سنتيمترالجزء الحديدى الأعلى من الجهاز ..أعاود إغماضهما سابحاً فى ملكوت دعاء خافت يستطيل ويتمدد بمدى دقائق سلحفائية الخطو ،أدور معها متنقلاً عبر آيات قرآنية متعددة ،حاسباً أنى لست بين فكى غول حديدى أصم بل فى رحم الأرض أنتظر الحساب.. أحسبنى - دون البشر -قد ُأُعطيت فرصة ذهبية أن أقرأ القرآن فى قبرى قبل أن يأيتنى الملكان ..أذهب مع القراءة بكل قواى محاذراً حتى من مجرد الارتعاش ،شاعرا ً أننى بين لحظة وأخرى سأواجه حسابى الأخير ، تتحرك السلحفاة بطيئة بشكل قاتل ..أصمد للقلق والضيق .. انبثق من داخلى الى الخارج مرة واحدة على صوت يخرق أستار الصمت وينفذ الى تلافيف العقل - رغم خفوته – هادراً:-
:- يمكنك القيام الآن
أشعر بانفراجة هائلة تخترق خلاياى ونشوى الفكاك من قيدٍ لم يكن من سبيل للفكاك منه .. أتحرك محاذراً من بين فكى الجهاز.. أعاود التنفس شهيقاً وزفيراً كما أشاء وأحك جلدى هنا وهناك ..يأتينى الصوت المحايد:-
:- يمكنك ارتداء ملابسك
أفتح الباب الى الممر الضيق ..أنفذ الى الحجرة الصغيرة ..أشعر بارتياح غريب وانا اتخلص من الجلباب الأبيض و من كلمة (حالة ) التى أطلقوها علىً ..اتحرك خارجاً
:- غداً تستلم الأشعة
أبتسم شاكراً ..تتدفق لدهشتى ابتسامة على جليد الملامح ..تتألق العينان وتكسو الوجه حرارة سرور طارىء ..أتجه نحو الباب
..............
عدت الى البيت وكلمة (حاج ) تؤرقنى ..ليس لضيقى بهذا اللقب فأنا أتمناه، لكن لأنه تكرر معى ومعنى هذا أن مظهرى يدل على أننى - لمن ينظر الّىّ من الخارج - عجوز !
..نظرت الى المرآة ..صدمت ..الوجه لم يعد هو.. الملامح أصابها الهرم ..العينان تحولت نظراتهما من لهب فى الأحداق الى رماد هادىء
يحيط بالجفون . تحولت من شموخ النظرة الى انحناء البريق اذا كان للبريق فى الأحداق انحناء ..استدرت محنى الظهر ملتزماً الصمت هارباً من عينى المرآة قال الطبيب بعد أن أجرى فحصاً سريعاً على الأشعة المغناطيسية التى قدمتها له :- هل تعرف أن سبب الغضروف نفسى وعضوى؟ اعتدلت فى جلستى :- الحالة النفسية لها تأثير أيضاً..انتبهت اكثر :- الاكتئاب مثلاً ..القلق ..الضيق المستمر
قمت واقفاً ..اتسعت عيناه :- مابك ؟
قلت بتسليم :- اذن لاجدوى من العلاج..
تبسم قائلا :- اجلس ياحاج اطعته صاغراً ..حدق فى وجهى قائلاً ببطء :-
تحتاج الى عملية
اندفعت قائلاً :- الا العمليات .
أدار وجهه عنى:- اذن تعيش على المسكّنات .
وأمسك القلم من جديد .
.................
قلت لزوجتى ماحدث مع الطبيب ..أشرت الى تحذيره من حمل أى ثقل مؤكداً أن مازاد عن وزن الجريدة يعتبرثقلاً من الآن ..مصمصت شفتيها قائلة:- :- من الآن لن نحتاج اليك وضحكت ..أعرف أنها كانت تنتهزفرصة وجودى معها فى السوق لتحمّلنى ماشائت من خضر وزيوت وصابون ومااليها ، لأن وجودى - على حد قولها - فرصة لأحمل عنها أثقالاً تهّدها ، وأمضى الى موقف الأتوبيس أنافس الخلق وأندٍس وسط الأجساد المهرولة الى أن أجد موطآ لقدمى فأصعد لأحجز مقعدين أنافح عنهما الطامعين الى أن تهدأ الأمور تماما ً فتصعد لتجلس الى جوارى بهدوء الملكات ..الآن يكسو وجهها القلق ..تحنى رأساً يعلو ملامحه ضحك متوتر وتقول لن نحتاج اليك برنة حروف تلفظها أذناى..أشعر بها إحالة الى المعاش- مبكرة - من البيت.. أنظر الى الوجه الذى عاشرته سنيناً طوال ..مايزال حاملاً ضحكته المتوترة ..تربت كتفى مراضية ..سلامتك ياحاج ..أهب من مكانى بقوة رافضاً الاستماع الى المزيد. يبدو الليل فى عز النهار فارداً أشرعته، مبحراً فى قلب الظلمة ..أحمل شمعة مضيئة أبحث على هدى ضوئها عن موطأٍ لقدمىّ .



.





..................



.................

...............


..............






--------


-----------

...............





----------

آنات وتر مشدود

آنات وتر مشدود
---------------







قصة قصيرة
-----------




حتما ًسوف يختلف الأمرُ كثيراً عن ذى قبل ..سترى الأرض والجدران والسماء والأرض بالوان ٍلم تكن لها ، وستشعر أن ذاك الهواء فى ذاك المكان له طعمٌ متغير ، طعمٌ مشبّع بتلك المشاعر التى أتت بك الى هنا ، لتجلس الى تلك الجدران التى توسمها الرطوبةُ بميسمها وتترك عليها وسمها هنا وهناك ، تنظر وتتأمل وتسحب مقعدا ً من المقاعد ، تجده باردا ً متجمد الأطراف ،تمسكه بيدك وتشعر أنه يلين معك ،ينعطف ناحيتك وكأنما تسرى فيه الكهرباء ُ ..يبدأ فى نبذ البرودة ِ ليستدفىء بسخونة ملمسك له . إجلس يامحمود ..لاتنظر الى التراب الساكن فوق الأركان وعلى الفرش ويمتطى الأرض ويعتلى صور الراحلين ،ولاتبالى برائحةِ العطن أو الهواء المسلوب الإرادة الذى يستكين هنا بين الجدران ..لاتبالى بكل هذا ، فقط إفتح النافذة َ هكذا ودع المصباح الكهربى فى غفوته ، وتسربل بالظلمة ، وكفن مشاعرك بالسكون ،لاتفكر ..دع التفكير الآن وأغمس نفسك وكينونتك ووجودك فى كينونة ِ ووجود المكان ..ليس عيبا ً أن تصير جزءا ً منه ..مقعدا ُ ..مائدة ُ ..أو حتى ذرة تراب متناثرة هنا أوهناك ..أو ربما نسمة ُ هواء تسبح فى جو المكان ، تتنسم رائحة َ الذين مضوا ..رحلوا ولم يعد لهم وجود ..آه ..منذ متى لم تأت الى هنا يامحمود لتستنشق رائحتهم ؟ على الأقل لتجديد الهواء والجلوس بين يدى مقاعد وفرش أطلّت ذات يوم على أهل ..أرح ظهرك يامحمود ..أمدد قدميك وأرفع رأسك لأعلى ..على هدى ضوء أحد المصابيح المتسرب الى الحجرة عبر النافذة حدق فى السقف ،راقب الخطوط والتعرجات المنحدرة هنا وهناك وآثار الطلاء الزائل والرطوبة المتوغلة وعينى هشام الذى ترك البيت ومضى ..!
هشام !! تنتفض مباغتا ً ..تعاود الجلوس ثانية ً وأنت تهمس بضعف ٍ أنك لن تعاود التفكير فى شىء ، حتى انعام لن تفكر فيها ،أنت لم تأت الى هنا - بيتك الأول - لتفكر بل لتأخذ إجازة من التفكير . تغمض عينيك ..لن أفكر الآن ..الآن ..لن أفكر ..تنتبه لصوت أقدام اليفة لأذنيك ..تنظر باتجاهها ..ترى أباك قادما ًعبر الممر الفاصل بين الردهة التى تجلس فيها وحجرات النوم .عيناه تحملان أطنانا ً من غضب ٍ :-
- ما زلت هنا ؟
تحاول أن تتذكر غلطتك..تدور بعينك باحثا ً عن مغيث ..ترى امك بهيجة َ قادمة ً خلف أبيك ..تحاول -كما إعتادت – أن تهدّىء ثورته ، دون جدوى ..نظرت الى عبينيه المشربتين بالحزم ..عم طلعت البقال الذى خرج من رابعة ابتدائى الذى يكتب إسمه بالكاد ، ويفتخر أمام الأقران أنه مايزال يحفظ يس والرحمن ..عم طلعت أبوك يصرخ فيك :-
- من لايحترم هذا البيت لايدخله
تتدخل بهيجةُ والدتك :- اسمعه أولا ..قد يكون له عذره
ترمق الجدران الصماء والرطوبة التى سرت فى نخاعها والبرودة التى تشمل الأشياءشارد النظرات ، سابحاً فى أجواء أمسٍ كأنه اليوم القريب ، تسمع نفسك تهمس بالكاد :-
- - كنت فى بيت محروس زميلى فى الجامعة ..تحدثنا مع والده ..حكى لنا عن تقاليد ومباىء و...!
- يصرخ أبوك مقاطعا ً :- هذا لايبرر التاخر عن العودة..أفهمت ؟
- تهز رأسك المحنية على صدرك ..تهزها مرارا ً كأنك تشهد الأرض والتراب والصمت على أنك فهمت ..تلوح لك عينا هشام من جديد ..ولدك الوحيد ..تعود من رحلةِ شرودٍ ماضٍ الى شرودٍ حاضر ً ..تسأله بهمس :- هل أنت جانى مع أمك ،أم مجنىّ عليك ؟
- تتذكر رسوبه فى موادٍ عديدة ٍ فى نصف العام وعدم مبالاته بهذا ..الشىء الذى ينفطر له قلب القلب أنه لايهتم ..شىء عادى هو بالنسبة له والمبرر جاهز ..لأنك ترفض الدروس الخصوصية ! تسمع صوت عم طلعت يصرخ فيك من جديد :- من لايحترم هذا البيت لايدخله
- وبهيجة امك تطّيب خاطره ليعفو عنك ..ترفع رأسك الى الجدار ..عبر الأتربة التى تعتلى ظهر الزجاج الذى كان ذات يوم نقى البدن تحاول عيناك النفاذ ..تسأل أباك جادا ً:-
- - أبى مارأيك فيما فعله هشام ؟
- يشيح بيده :- - أنت المخطىء
- - كيف ؟
- - تركته وحده
- - أمه معه ..إنها معلمة ..مربية
- - وحدها خطأ
- تكسو الحيرة عينيك - كيف ؟
- يرفع صوته مناديا ً أمك بهيجة التى تقبل عبر الممر فى طرحتها البيضاء التى تحيط بكهولة ِ قسماتها ونظراتها الحانية وفمها المثروم ..تقول لك بصوت هادىء :-
- - الولد ترك البيت ..نعم لكنه ذهب الى خاله ..ضع نفسك مكانه يامحمود
- - يا أمى إنه يشترط علّىّ إما الدروس الخصوصية أو السقوط فى الإمتحان
- - وانعام ؟
- ترتد نظراتك عن الجدران والرطوبة وخيالات الضوء المتسرب عبر النافذة ِ ..أنعام المدرسة ..انعام الأم تقول انك من عصر قديم ..تقصد عصرا ً حجريا ً ..تقول متهمة ً :- كيف لاتعترف بالدروس الخصوصية ،الست تعيش بيننا ؟
- ترد عليها مشفقا ً :- لم نكن نعرفها
- - الكل يعرفها الآن
- - لن تكون سببا ً فى نجاح
- - الكل ينجح
- - فى الدراسة ممكن ويأخذ شهادة أما فى الحياة فمحال
- تزاور برأسها عنك وهى تتمتم بكلمات لاتبين .. يثقب أذنيك صوت امك :- محمود ..ماذا جرى لك ؟ ..تدارى وجهك حرجا، تقول بهمس :- خائف من الغد
- وتتوه نظراتك فى طيات الرطوبة ِ التى تشبّعت بها الجدران ، بينما كلمات أبيك تتردد فى أذنيك :- من لايحترم هذا البيت لايدخله و امك تقول بلطف تطيّب خاطرك :-
- - أبوك يامحمود كلامه لازم يمشى
- ترى انعام جالسةً الى مكتبها تعد دروس الغد لطلبتها ..الولد لم يعد الى البيت بعد ظهور نتيجته ..انت تلازم الهاتف ، وهى دموعها تغسل الأرض والجدران والهواء :- أريد ولدى يتصل أخوها هاتفيا ً :- الولد عندى ..لن يعود الا بشرط تنتفض مهرولة اليك ..تشد السماعة منك .
- - يشرط كما يشاء
- - أن يأخذ درسا خصوصيا ً
- تصرخ انت :- لا ..الولد سيضيع
- لاتبالى هى باعتراضك ..تقول مؤكده :- يرجع وله مايريد ..وتضع السماعة ..تسمعها من خلال ضبابة شرود جامح يجتاح عقلك وكيانك تملى عليك ماتريد :-
- - الولد سيأتى ..لن تعاقبه ..وسيأخذ الدرس الذى يريد
- تصمت قليلا ثم تستدرك :- أرى من الأفضل الا تتحدث اليه
- تشعر ببردودة دشٍ مثلج ٍ يلسع جسدك ..تلتمع حدقتا عينيك وأنت تحادث نفسك ..( أذا اخذ درسا ً خصوصيا ً اليوم لن يعتمد على نفسه غدا ً..سيدمن الدرس الخصوصى فى عمله وفى بيته..لن يسلوه .)
- تشيح أنعام برأسها عنك ولاتحفل بالرد .
- تستغيث بأمك بطرحتها البيضاء ووجهها الذى يفيض بالعطف ..تسمعها تهمس :-
- - أبوك ياولدى ..كلامه لازم يمشى
- تصرخ فى انعام :- تعالى اسمعى كلام أمى
- ترى أباك يتدخل وهو يخلع نظارته الطبية ليريح عينيه قليلا :- ليس بالصراخ يامحمود تستجير به :- مارأيك ياعم طلعت ؟ ..قل لولدك المحامى وزوجته أنعام
- تنتبه لكم أنعام ..تنظر شذراً وتمضى ..تراها تدير ظهرها لك ، تصرخ خلفها :- أنعام
- يتردد صوتك مشبعا ً بالرطوبة بين الجدران ، تتطاير أتربة كانت راكدة منذ زمان ،بينما يقطع حد الظلمة شعاع قادم من سفر ..تدير عينيك حولك ..صمت أخطبوطى الأطراف يحيط بك ،يحتويك ويعد عليك أنفاسك . تقوم متثاقلا ً نحو الباب بعد أن تعيد غلق النافذة ..تهبط السلم الخشبى متمهلا ً ،مستندا ً على الدرابزين الكهل الذى يئن من ثقلك ..تصل أخيراً الى باب البيت ..تعود بعينيك الى الوراء هامسا ً بالدعاء لأبيك وامك وتقرأ الفاتحة َ ترحما ً عليهما ..بعدها تواجه الطريق والزحام ..والليل الممتد بلا حدود .

الاستاذ

الأستاذ
...........

قصة قصيرة




قست ملامحه ..قطع المسافة بينه وبين الفتى طائراً ..وقف على رأسه المحنية أسفل الدرج ينظر معه ..علا اللغط حوله ..انتبه الفتى ..رفع رأسه ..أنشب الأستاذ زيدان مخالبه فى الموبايل المتوارى عن عينيه ..نظر فى شاشته ..غرق فى بحور بلاهة طارئة وأبعد عينيه مرتاعاً ، أما الفتى فقد وقف داخل درجه منبسط الملامح بدون حراك .. فتح زيدان فمه باحثاً عن كلمات تناسب موقفأ لم يره قبلا . عاجله الفتى قائلاً وهو يحدق فى عينيه بذات هدؤه أنه لايريد سماع شىء ..سيخرج وينتهى الأمر .انهارت كلمات زيدان..حدق عاجز الحروف والكلمات مكتفياً بنظرات تشى بما فى جوفه من نيران أخيراً قال فى بطء
- أخرج من الفصل ..لاتعد الا بولى أمرك
ضحك الولد ضحكة معجونة بلا مبالاة ومضى متمهلا ً نحو الخارج ..ركل الباب بقدمه بعد خروجه ليعاود إغلاقه..صرخ زيدان أنه سيشكو لأبيه .. سيجبره على احترام الدرس .هدأ قليلاً ثم أكمل:-
- الولد خسارة ..ياي مرن لولا بعض الصدأالذى يعوق حركته.. واستدار خارجاً من الحصة
..................
فى مكتب المدير أخذ الولد يبدو لعينيه وهو يقول بملامحه المتراخية أنه لايريد أى كلام .يقول هذا بلا خوف ..لايخشى حتى من ضربة
عصا أو ركلة قدم ..وقوف زيدان أمام السبورة كاشفا ً ظلمتها ببياض الطباشير عمره كله لم يشفع له اليوم أمام هذا الولد ، وقال له أمام الفصل ماقال ..طوال عمرك يازيدان تتعامل معهم على أنهم يايات تتفاوت قابليتها للإنضغاط حسب مرونتها ونوع معدنها ، وتقول أن مهمتك الكبرى الحفاظ على الا يصدأ منها ياي.. الأولاد أحداقهم تبرق بالذكاء لكنهم لايفقهون شيئاً ..يضغط عليهم ..يغيبون عن المدرسة ..يطلب أولياء امورهم لاجدوى منهم . ، فما الذى جرى ؟
- سأله المدير :- مابك ؟
- هز رأسه وهو يتحامل على نفسه تاركاً المدرسه ومن فيها الى البيت
..................
تحرك متوجساً شراً من ساقيه .. طالما حملتاه وسط الفصل روحة وإياباً ووقوفاً لساعات وأيام وسنين .. الآن كلّتا ، لم تعودا تساعداه على السير ، يضطر الى البطء فى حركته ، ولولا حرجه من اهل المنطقة الذين يعرفونه ويوقرونه لجلس على أقرب مقعد أو رصيف يقابله بين مسافة واخرى ..اليوم بالذات يشعر أن شقاء العمر لم يثمر ...اليايات صدأت وضرب أحدها قلبه ..أصابه فى الصميم ..الأولاد دوماً يخشون من صوته ..يهرولون امام عصاته التى لم يعد يستعملها ..لم يحدث قط أن تجرأ منهم لسان على الارتفاع امامه ولم تجرؤ رأس على عدم الخضوع لأوامره ..صرت عاجزاً يازيدان ، وعجوزاً لاجدوى منك ..لاخشية من أولادك فى البيت ولا حتى فى المدرسة ..حتى وظيفة خيال المآتة لم تعد تصلح لها .!
تمنى الوصول سريعاً الى البيت ليمدد جسده على الفراش شاعراً أنه بين لحظة وأخرى سيسقط رغماً عنه ..سار يحرك قدميه بالكاد ..سمع صوتاً
خشناً ينطق باسمه آمراً إياه بالوقوف ، ورأى جسداً مربعاً ينتهى برأسٍ مظلمة يواجهه :- أنت زيدان ؟
رفع عينيه الى الوجه الجاحظ العينين :- ماذا تريد؟
-الولد الذى طردته اليوم سيعود غذا الى المدرسة ..لن تنظرنحوه..لن تفكر فى توجيه كلمة اليه ..أفهمت ؟
حدق فى وجهه الذى يحاصره بحدقتين تعومان وسط بحيرتين من دماء .. نسى الام ساقيه وهمود جسده ..تنبهت حواسه ولمعت أحداقه وأقترب منه معترضا:- الكلام فى المدرسة وليس هنا
زمجر الآخر :- بل هنا .والآن
وامسكه من ياقة قميصه جاذباً إياه الى الأمام بقوة :- هل لديك إعتراض ؟
تخاذلت ساقاه نتيجة الهزة المفاجئة ولولا أن الآخر يمسك بياقة قميصه لتهاوى أرضاً ..تحامل على الامه ليستمر فى الوقوف ، بينما أطلقه الآخر واعطاه ظهره مدمدماً بكلمات غير مفهومة ومضى ..نظر زيدان حوله ..عيون المقهى تتابعه ..آذان الشرفات والنوافذ تترصده ..احنى رأسه ومضى .
.............
قالت إمرأته :- مابك؟
وقد طالعها وجهه على باب الشقة كاشفاً عما بداخله ..أشاح بيده دون أن يمتلك ناصية الحروف ومضى الى غرفته ..أغلق بابها خلفه وهوى على سريره مستعيداً ماجرى ، تاركاً لدموعه العنان لتنهمر على خديه بلا توقف ، وكلما أجهده البكاء استعاد ماجرى فتعاود دموعه الانهمار موبخاً نفسه انه صمت ،ولم يمتلك القدرة على المواجهة ،ولم يصر على رفض أى حوار بالطريق .. تحدثه نفسه أن الصمت فى هذه الحالة أجدى وأقل ضرراً ، يتهمها بالجبن والتخاذل ، شاعراً أنه بعد الآن لن يجد وجهاً ولا كرامة يواجه بها الأولاد ..مؤكد تناثر الخبر هنا وهناك وحسم الأمر ..غداً سيضحكون منه ، تمتلىء الأفواه بالضحكات وهى تروى حكايته ، تتوارى الأعين بسخريتها منه ..الأولى به أن ينسحب بكرامته أو ماتبقى منها ولا يجازف بتلك البقية فى معركة خاسرة لن يجديه منها شيئاً ..دخلت زوجته تدعوه للغداء ..أغمض عينيه ولم يرد
..............
مجهد العقل والجسد عَبَر باب المدرسة ..التف حوله الولاد ..تطايرت عبارات صغيرة محملة بالمشاعر ..حدق فى الوجوه .. صارخة بالرفض .. اتسعت عيناه ..اليايات تتحرك ..لم تصدأ بعد !.. إتسع صدره ..صار بحراً يهدر ماؤه بالغضب ..رفع رأسه ..تألقت عيناه فى وجه الشمس ، ومضى الى الأمام ..قابله المدير .
- لن أسكت وسوف ترى
.هز رأسه بهدوء:- بل أرى ان تسكت ..الموضوع بسيط
وتحرك نحو الفصل .. رأى الولد جالساً فى هدوء ينظر اليه بذات النظرة المعجونة باللامبالاة ..أشار اليه:-
- أنت .. قف ..قلت لاتحضر بدون ولى أمرك .
-
- محمد عباس على

الفرار

القرار
.......




قصة قصيرة
..............



تفجرت براكين الغضب فى صدرها ..غضب كعادتها لايعرف زمناً ولا يقدرّ ظروفاً ولايحدد أشخاصاً ..تندجفع معه بلا لجام يحد من حركتها ولا زمام يحدد مداها ..برقت عيناها وأخذ جمر وجهها يشتعلرويداً بعد أن القى زوجهاكلمته واستدارعنها متجهاً الى خارج حجرة النوم..مامعنى أن يسافرفى الغد، يتركها بعد أيام من الزفاف تعد على أصابع اليد الواحدة ويمضى ؟.. لايذهب الىعمل ساعة أو ساعتين ويعود، بل يركب طائرةويغيب أياماًويتركها تحادث الجدران.
ركلت الأرض بقدمها..رمت الشباك بشرر نظراتها ،وهبّت واقفة تدور فى الحجرة كنمر سجين ..ذات الحجرة التى رأت ماظنته فجر سعادتها ..لم تدر أن الأمر كله حلم ليلة وأنقشع الضباب عن حقيقة هى كالعادة ظلام لابدر فيه ولا نجوم ..سترفض هذا السفر ..مهما كانت النتائج عليه أن يبقى ..هى أهم من الكون ..على الأقل من أجل شكل ٍ إجتماعى لامفر منه ..من أجلها ..من أجل صورتها امام أعين راصدةٍ لاترحم ..إن كان عليها تستطيع الآستغناء عنه فى أى وقت تشاء ..لكن الآن ..لا.
ثم ماذا يظن نفسه ليفكر وحده ويصدر القرار ،يقول لها بكل بساطة كأنه يلقى خبراً عادياً أو يتحدث عن إناسٍ آخرين أنه سيسافر لأهم هام !!
ركلت المقعد الصغير أمام مرآة التسريحة بقدمها ..إنقلب مرتطماً بضلفة الدولاب على ظهره فى صمت ..شردت قليلا مع همسة أمها ليلة الزفاف ..(زوجك كما تعوديه ..وابنك كما تربيه ) ..تبسمت لها :- لست صغيرة
قالت جادة :- الخطأ منذ البداية فى هذا الأمر يكون عادة خطأ العمر .
هزت رأسها الصغير المتصلب الملامح فى مواجهة صورته المؤطرةباطار ذهبى على التسريحة ..لن تتركه يذبح لها القطةوهى مكتوفة الأيدى..لكل فعل رد فعل مضاد له فى الاتجاه لكنه بالتأكيد معها لن يساويه ..وسوف يرى.أمسكت بالهاتف ..ستعود غداً الى عملها ..ستطلب قطع الأجازة وحين يعود الآن ستبلغه بالقرار ..هرولت الأرقام خلف بعضها فى ذعر ..الخط مشغول ..أطلقت صيحة ضيق وهى ترقب الباب ..لايجب ان يدخل قبل أن تنتهى ..اعادت الطلب ..( يمكنك ارسال رسالة صوتية ...) ..رمت السماعة بقوة على الهاتف ..رأت خيالاً قادماً من الخارج وصوت أقدام تقترب ..رفعت السماعة بسرعة الى أذنها كأنها تتكلم ..دخل الحجرة متألق العيني ..وجهه يحمل إشراقة صبح باسم حاملاً صينية صغيرة عليها فناجين الشاى والحليب وبعض السندوتشات ..زغردت نظراته حين رآها ..وضع الصينية جانباً ..قرب وجهه من وجهها :- ماذا تفعلين ؟
أحادث رئيسى فى العمل
لماذا ؟
سأعود باكر
لن تعودين
نعم!!؟
ستسافرين معى بطبيعة الحال .
القت بجفنيها ستاراً بين عينيها وبينه وهى تهمس :- لكنى مضطرة للعودة .
اتسعت عيناه :- لماذا ؟
لأنى أبلغتهم بهذا
بدأ يرجوها العدول عن قرارها !

ابتسامة سرمدية على وجه قديم

ابتسامة سرمدية على وجه قديم





قصة قصيرة





محمد عباس على








فتنة
اللحظة تأخذها ، تنسى هرولتها الى الحجرة ، اٍغلاقها الباب خلفها ، ارتمائها على السرير باكية ، دافنة رأسها فى الفرش حتى لايسمع مخلوق بكاءها ..تنسى كل هذا ولا تتذكر الا وجهه، وبسمته الحانية وهو بين يديها . تحدق فى عينيه ، تبتسم له ، تتمدد ابتسامتها بطول اللحظات ، تحادثه ، تسأله لماذا لايتكلم ، لايناغشها كما كثيرا فعل . تنتبه له يمد يسراه الى يمينها التى تهنأ بالرقاد على راحة يده مطمئنة، يمد اليسرى واحة حنان على بساط خصرها ، يشدها للوقوف ، تلين معه كعادتها ، تدور والحجرة والكون بين ذراعيه ، وابتسامتها تواصل التمدد ، وقلبها الطفل يرقص على خيوط وحبال نظراته الحانية فرحا ، يبحرا معا عبر اللحظات الى أماكن لم ترها عين من قبل ، فوق مياه حانية تهدهدهما مترفقة ، تمضى بهما وسط ريح رخاء ، من ميناء الى ميناء وهى بين دفتى ذراعيه ، مجدافهما أحاسيس عذراء تتدفق حولهما ، تتقدمهما من مكان الى آخر، وابتسامتها تواصل الاتساع . فجأة يخترق أذنيها زمجرة ريح عاصفة تحطم قاربهما ، غمام كاسح يغطى وجه السماء دونها ، وصوت راعد يأتيها من كل الجهات :-
- هناء .عريسك حضر
ترتعد ، يفلت من بين يديها المتعلقتين به ، يمد يديه مستصرخا ، تهوى كلها اليه ..تنتبه لنفسها مكومة على أرض الحجرة ، محيطة صورته التى وقعت منها بكلتا يديها .. وتواصل البكاء!
...........................
فى ذلك الصباح هطلت أمطار صمتها فأغرقت المكان ،حاصرتها كلمات أبيها ، ذات الكلمات التى طالما احرقت أذنيها ..حاولت الهرب من صوته ، من كلماته ، ومن وجهه . ادارت رأسها ناحية النافذة ، رأته هناك ، ملامحه تتمدد مخترقة المكان كله الى الأفق .. نظراته بأذرعها الأخطبوطية تقيدها ،وفمه بأجراسه الرعدية يدق جدران رأسها :-
- المرأة للزواج .. أم تريدين ....؟
وهى من خلف أمطار صمتها الهاطلة تنظر اليه ..ترى الريح تعبث بوجهه المدود هناك على صفحة الأفق ، تدفعه يمينا فلا يبدو منه الا عين يسرى ترمى بالشرر ، وترده يسارا فتقابلها عينه اليمنى بشرر أشد . بينما وجه أمها روضة يانعة الزهر ينبع منها أريج يملأ النفس سكينة ..ترمى نفسها بين ذراعيها تتفتح الأزهار وتشرق الشمس بعد طول كسوف :-
- أبوك يريد صالحك
يتدفق سيل من نبعى عينيها يملأ تخوم وسهول خديها وذقنها:-
- وفريد ياماما ؟!!
- فريد ياحبيبتى راح
ينتفض الجسد صارخا بكل خلاياه و دماؤه الهادرة فيها: لا
وتتحرك لتواجه عينى أمها بعاصفة النظرات ، تلاحقها الأم باعتراض له أريج ناعم :-
- فاتت سنة ياعلياء ..مازلت صغيرة ..مرغوبة
تتسع عيناها لدهشة باتساع محيط ..سنة مرت ؟!
تتجه لعينى أبيها .. تتحول نارهما الى نيران حانية اللمسات ،دفئها يحتويها ،يشدها هامسا فى رفق :-
- أشعر بمتاهة الأحزان التى تبتلع أيامك..لكن الى
الى أين ؟
تجيبه عيناها :- الى أى مكان مادام معى
تلسعها حرارة النيران :- لكنه راح ..راح
تهوى نظراتها من حالق .. يغادر والدها المكان ، لائذا بفجاج الصمت

....................
باب مغلق على جدران عمياء ..الصمت كونها ..برودة ثلجية تحصرها ..وهى هناك ..على الأرض ماتزال تحنو على صورته ..يبسم لها مهونا ..تبسم له..يطل وجه أمها كالقدر:-
- علياء ..الفستان
ترل عيناها اليه ..مفرودا على سريرها كان ..كفنا أبيض له زرقة خفيفة تعطيه رونقا للقاء لحد..زحفت اليه ..اقتربت من السرير ..ضجت نبضاتها بالصراخ ..استدارت عنه ..ارتطمت بوجه أبيها على الجدار .. استغاثت به :( لاأملك الاقتراب منه ) ..عبست ملامحه..صرخت:- ..( ماذا افعل؟).. تحول العبوس الى نفور ..هربت من عينيه الى فريد ..بزغت من وسط الدموع بسمةصغيرة وهى تسحب برفق صورته .. حدقت فى عينيه ..شكت له من أبيها ..من قسوته .. ربت يدها برفق .. رفع ذقنها الى أعلى مدققا فى حبتى عينيها :-
- الوحدة ..البكاء ..الذبول ..ثم ماذا ياعلياء ؟
اتسعت حدقتاها لبحار من حيرة هادرة :- ماهذه الكلمات ؟!
رفع يده اليسرى لتتعلق بها يدها اليمنى كما طالما فعل..طاوعته ومدت يدها ..فتح الباب برفق ..تراجعت خطوة ..شدها بحنو ..تقدمت ..رأتها أمها قادمة ..انطلقت من عينيها ابتسامة وهبت اليها .. مدت كفها الى يدها اليسرى وسارتا الى الأمام ..أخفى جسدها وهى تتقدم الى الردهة صورة مؤطرة باطار أسود منذ عام ، تحمل ابتسامة سرمدية ، تشمل الجميع !!