آنات وتر مشدود
---------------
قصة قصيرة
-----------
حتما ًسوف يختلف الأمرُ كثيراً عن ذى قبل ..سترى الأرض والجدران والسماء والأرض بالوان ٍلم تكن لها ، وستشعر أن ذاك الهواء فى ذاك المكان له طعمٌ متغير ، طعمٌ مشبّع بتلك المشاعر التى أتت بك الى هنا ، لتجلس الى تلك الجدران التى توسمها الرطوبةُ بميسمها وتترك عليها وسمها هنا وهناك ، تنظر وتتأمل وتسحب مقعدا ً من المقاعد ، تجده باردا ً متجمد الأطراف ،تمسكه بيدك وتشعر أنه يلين معك ،ينعطف ناحيتك وكأنما تسرى فيه الكهرباء ُ ..يبدأ فى نبذ البرودة ِ ليستدفىء بسخونة ملمسك له . إجلس يامحمود ..لاتنظر الى التراب الساكن فوق الأركان وعلى الفرش ويمتطى الأرض ويعتلى صور الراحلين ،ولاتبالى برائحةِ العطن أو الهواء المسلوب الإرادة الذى يستكين هنا بين الجدران ..لاتبالى بكل هذا ، فقط إفتح النافذة َ هكذا ودع المصباح الكهربى فى غفوته ، وتسربل بالظلمة ، وكفن مشاعرك بالسكون ،لاتفكر ..دع التفكير الآن وأغمس نفسك وكينونتك ووجودك فى كينونة ِ ووجود المكان ..ليس عيبا ً أن تصير جزءا ً منه ..مقعدا ُ ..مائدة ُ ..أو حتى ذرة تراب متناثرة هنا أوهناك ..أو ربما نسمة ُ هواء تسبح فى جو المكان ، تتنسم رائحة َ الذين مضوا ..رحلوا ولم يعد لهم وجود ..آه ..منذ متى لم تأت الى هنا يامحمود لتستنشق رائحتهم ؟ على الأقل لتجديد الهواء والجلوس بين يدى مقاعد وفرش أطلّت ذات يوم على أهل ..أرح ظهرك يامحمود ..أمدد قدميك وأرفع رأسك لأعلى ..على هدى ضوء أحد المصابيح المتسرب الى الحجرة عبر النافذة حدق فى السقف ،راقب الخطوط والتعرجات المنحدرة هنا وهناك وآثار الطلاء الزائل والرطوبة المتوغلة وعينى هشام الذى ترك البيت ومضى ..!
هشام !! تنتفض مباغتا ً ..تعاود الجلوس ثانية ً وأنت تهمس بضعف ٍ أنك لن تعاود التفكير فى شىء ، حتى انعام لن تفكر فيها ،أنت لم تأت الى هنا - بيتك الأول - لتفكر بل لتأخذ إجازة من التفكير . تغمض عينيك ..لن أفكر الآن ..الآن ..لن أفكر ..تنتبه لصوت أقدام اليفة لأذنيك ..تنظر باتجاهها ..ترى أباك قادما ًعبر الممر الفاصل بين الردهة التى تجلس فيها وحجرات النوم .عيناه تحملان أطنانا ً من غضب ٍ :-
- ما زلت هنا ؟
تحاول أن تتذكر غلطتك..تدور بعينك باحثا ً عن مغيث ..ترى امك بهيجة َ قادمة ً خلف أبيك ..تحاول -كما إعتادت – أن تهدّىء ثورته ، دون جدوى ..نظرت الى عبينيه المشربتين بالحزم ..عم طلعت البقال الذى خرج من رابعة ابتدائى الذى يكتب إسمه بالكاد ، ويفتخر أمام الأقران أنه مايزال يحفظ يس والرحمن ..عم طلعت أبوك يصرخ فيك :-
- من لايحترم هذا البيت لايدخله
تتدخل بهيجةُ والدتك :- اسمعه أولا ..قد يكون له عذره
ترمق الجدران الصماء والرطوبة التى سرت فى نخاعها والبرودة التى تشمل الأشياءشارد النظرات ، سابحاً فى أجواء أمسٍ كأنه اليوم القريب ، تسمع نفسك تهمس بالكاد :-
- - كنت فى بيت محروس زميلى فى الجامعة ..تحدثنا مع والده ..حكى لنا عن تقاليد ومباىء و...!
- يصرخ أبوك مقاطعا ً :- هذا لايبرر التاخر عن العودة..أفهمت ؟
- تهز رأسك المحنية على صدرك ..تهزها مرارا ً كأنك تشهد الأرض والتراب والصمت على أنك فهمت ..تلوح لك عينا هشام من جديد ..ولدك الوحيد ..تعود من رحلةِ شرودٍ ماضٍ الى شرودٍ حاضر ً ..تسأله بهمس :- هل أنت جانى مع أمك ،أم مجنىّ عليك ؟
- تتذكر رسوبه فى موادٍ عديدة ٍ فى نصف العام وعدم مبالاته بهذا ..الشىء الذى ينفطر له قلب القلب أنه لايهتم ..شىء عادى هو بالنسبة له والمبرر جاهز ..لأنك ترفض الدروس الخصوصية ! تسمع صوت عم طلعت يصرخ فيك من جديد :- من لايحترم هذا البيت لايدخله
- وبهيجة امك تطّيب خاطره ليعفو عنك ..ترفع رأسك الى الجدار ..عبر الأتربة التى تعتلى ظهر الزجاج الذى كان ذات يوم نقى البدن تحاول عيناك النفاذ ..تسأل أباك جادا ً:-
- - أبى مارأيك فيما فعله هشام ؟
- يشيح بيده :- - أنت المخطىء
- - كيف ؟
- - تركته وحده
- - أمه معه ..إنها معلمة ..مربية
- - وحدها خطأ
- تكسو الحيرة عينيك - كيف ؟
- يرفع صوته مناديا ً أمك بهيجة التى تقبل عبر الممر فى طرحتها البيضاء التى تحيط بكهولة ِ قسماتها ونظراتها الحانية وفمها المثروم ..تقول لك بصوت هادىء :-
- - الولد ترك البيت ..نعم لكنه ذهب الى خاله ..ضع نفسك مكانه يامحمود
- - يا أمى إنه يشترط علّىّ إما الدروس الخصوصية أو السقوط فى الإمتحان
- - وانعام ؟
- ترتد نظراتك عن الجدران والرطوبة وخيالات الضوء المتسرب عبر النافذة ِ ..أنعام المدرسة ..انعام الأم تقول انك من عصر قديم ..تقصد عصرا ً حجريا ً ..تقول متهمة ً :- كيف لاتعترف بالدروس الخصوصية ،الست تعيش بيننا ؟
- ترد عليها مشفقا ً :- لم نكن نعرفها
- - الكل يعرفها الآن
- - لن تكون سببا ً فى نجاح
- - الكل ينجح
- - فى الدراسة ممكن ويأخذ شهادة أما فى الحياة فمحال
- تزاور برأسها عنك وهى تتمتم بكلمات لاتبين .. يثقب أذنيك صوت امك :- محمود ..ماذا جرى لك ؟ ..تدارى وجهك حرجا، تقول بهمس :- خائف من الغد
- وتتوه نظراتك فى طيات الرطوبة ِ التى تشبّعت بها الجدران ، بينما كلمات أبيك تتردد فى أذنيك :- من لايحترم هذا البيت لايدخله و امك تقول بلطف تطيّب خاطرك :-
- - أبوك يامحمود كلامه لازم يمشى
- ترى انعام جالسةً الى مكتبها تعد دروس الغد لطلبتها ..الولد لم يعد الى البيت بعد ظهور نتيجته ..انت تلازم الهاتف ، وهى دموعها تغسل الأرض والجدران والهواء :- أريد ولدى يتصل أخوها هاتفيا ً :- الولد عندى ..لن يعود الا بشرط تنتفض مهرولة اليك ..تشد السماعة منك .
- - يشرط كما يشاء
- - أن يأخذ درسا خصوصيا ً
- تصرخ انت :- لا ..الولد سيضيع
- لاتبالى هى باعتراضك ..تقول مؤكده :- يرجع وله مايريد ..وتضع السماعة ..تسمعها من خلال ضبابة شرود جامح يجتاح عقلك وكيانك تملى عليك ماتريد :-
- - الولد سيأتى ..لن تعاقبه ..وسيأخذ الدرس الذى يريد
- تصمت قليلا ثم تستدرك :- أرى من الأفضل الا تتحدث اليه
- تشعر ببردودة دشٍ مثلج ٍ يلسع جسدك ..تلتمع حدقتا عينيك وأنت تحادث نفسك ..( أذا اخذ درسا ً خصوصيا ً اليوم لن يعتمد على نفسه غدا ً..سيدمن الدرس الخصوصى فى عمله وفى بيته..لن يسلوه .)
- تشيح أنعام برأسها عنك ولاتحفل بالرد .
- تستغيث بأمك بطرحتها البيضاء ووجهها الذى يفيض بالعطف ..تسمعها تهمس :-
- - أبوك ياولدى ..كلامه لازم يمشى
- تصرخ فى انعام :- تعالى اسمعى كلام أمى
- ترى أباك يتدخل وهو يخلع نظارته الطبية ليريح عينيه قليلا :- ليس بالصراخ يامحمود تستجير به :- مارأيك ياعم طلعت ؟ ..قل لولدك المحامى وزوجته أنعام
- تنتبه لكم أنعام ..تنظر شذراً وتمضى ..تراها تدير ظهرها لك ، تصرخ خلفها :- أنعام
- يتردد صوتك مشبعا ً بالرطوبة بين الجدران ، تتطاير أتربة كانت راكدة منذ زمان ،بينما يقطع حد الظلمة شعاع قادم من سفر ..تدير عينيك حولك ..صمت أخطبوطى الأطراف يحيط بك ،يحتويك ويعد عليك أنفاسك . تقوم متثاقلا ً نحو الباب بعد أن تعيد غلق النافذة ..تهبط السلم الخشبى متمهلا ً ،مستندا ً على الدرابزين الكهل الذى يئن من ثقلك ..تصل أخيراً الى باب البيت ..تعود بعينيك الى الوراء هامسا ً بالدعاء لأبيك وامك وتقرأ الفاتحة َ ترحما ً عليهما ..بعدها تواجه الطريق والزحام ..والليل الممتد بلا حدود .