هدوء الملكات
...............
قصة قصيرة
أشارت فتاة صغيرة الوجة حيادية النظرات الى غرفة صغيرة فى الممر الضيق .. تفضل ياحاج ..كان المفتاح فى الطبلة ..دخلت ..جلبابٌ أبيض داخل غلافٍ بلاستيك شفاف معلق على مشجب أعلى الحائط ..أغلقت الحجرة خلفى .
قليلا ووقفت وسط الممرمرتدياً الجلباب شاعراً بأننى مقبل على شىء مبهم يحسه القلب بهوله ، ولايملك أمامه الا دقات استغاثة بلا مجيب.
قالت ذات الفتاة :- :- احتفظ بالمفتاح لحين العودة..أحنيت رأساً صامتاً..عاد الصوت المثلج الى الانطلاق بصوتٍ عالٍ :- الحالة رقم (7 ) جاهزة .. اضطربت .. ظهرت على البعد ملامح رقيقة السمات يبدو على محياها مشروع ابتسامة خفية لاتكاد تبين وقالت:- إرسليه
امتلأ قلبى بالخوف أكثر.. فى البداية رأيتنى اتحول بقدرة قادر من انسان له كينونة وحياة وتاريخ الى حالة رقم (7) .. والآن تقول ارسليه ! ..سرت كالمنوم فى الاتجاه المحدد ...أدخلتنى حجرة حديدية رأيت فيها فتاة ة ذات وجه ثلجى الملامح جديد ..هوى قلبى متخبطاً فى حيرته :- ماهذا ؟ ولم يأتنى رد
.
..............
-بين فكى آلة عملاقة طلبت منى الرقود..تحادثنى بصوت فاقد الحرارة ..لاتهتم إن كنت أسمع أم لا.. :- :- لاتتحرك طوال وجودك تحت الجهاز ..أى حركة مهما كانت ستفسد العمل
أصعد بالجلباب الأبيض الذى طلبوا منى إرتداؤه ..أرقد على لوحة حديدية ..تعيد إصدار التعليمات :-
:- تعالى هنا قليلا ..بالضبط هنا ..حذار من النَفَس ..ضع يديك على صدرك .
أفتح عينّى ..فوقى مباشرة وعلى بعد حوالى عشرين سنتيمترالجزء الحديدى الأعلى من الجهاز ..أعاود إغماضهما سابحاً فى ملكوت دعاء خافت يستطيل ويتمدد بمدى دقائق سلحفائية الخطو ،أدور معها متنقلاً عبر آيات قرآنية متعددة ،حاسباً أنى لست بين فكى غول حديدى أصم بل فى رحم الأرض أنتظر الحساب.. أحسبنى - دون البشر -قد ُأُعطيت فرصة ذهبية أن أقرأ القرآن فى قبرى قبل أن يأيتنى الملكان ..أذهب مع القراءة بكل قواى محاذراً حتى من مجرد الارتعاش ،شاعرا ً أننى بين لحظة وأخرى سأواجه حسابى الأخير ، تتحرك السلحفاة بطيئة بشكل قاتل ..أصمد للقلق والضيق .. انبثق من داخلى الى الخارج مرة واحدة على صوت يخرق أستار الصمت وينفذ الى تلافيف العقل - رغم خفوته – هادراً:-
:- يمكنك القيام الآن
أشعر بانفراجة هائلة تخترق خلاياى ونشوى الفكاك من قيدٍ لم يكن من سبيل للفكاك منه .. أتحرك محاذراً من بين فكى الجهاز.. أعاود التنفس شهيقاً وزفيراً كما أشاء وأحك جلدى هنا وهناك ..يأتينى الصوت المحايد:-
:- يمكنك ارتداء ملابسك
أفتح الباب الى الممر الضيق ..أنفذ الى الحجرة الصغيرة ..أشعر بارتياح غريب وانا اتخلص من الجلباب الأبيض و من كلمة (حالة ) التى أطلقوها علىً ..اتحرك خارجاً
:- غداً تستلم الأشعة
أبتسم شاكراً ..تتدفق لدهشتى ابتسامة على جليد الملامح ..تتألق العينان وتكسو الوجه حرارة سرور طارىء ..أتجه نحو الباب
..............
عدت الى البيت وكلمة (حاج ) تؤرقنى ..ليس لضيقى بهذا اللقب فأنا أتمناه، لكن لأنه تكرر معى ومعنى هذا أن مظهرى يدل على أننى - لمن ينظر الّىّ من الخارج - عجوز !
..نظرت الى المرآة ..صدمت ..الوجه لم يعد هو.. الملامح أصابها الهرم ..العينان تحولت نظراتهما من لهب فى الأحداق الى رماد هادىء
يحيط بالجفون . تحولت من شموخ النظرة الى انحناء البريق اذا كان للبريق فى الأحداق انحناء ..استدرت محنى الظهر ملتزماً الصمت هارباً من عينى المرآة قال الطبيب بعد أن أجرى فحصاً سريعاً على الأشعة المغناطيسية التى قدمتها له :- هل تعرف أن سبب الغضروف نفسى وعضوى؟ اعتدلت فى جلستى :- الحالة النفسية لها تأثير أيضاً..انتبهت اكثر :- الاكتئاب مثلاً ..القلق ..الضيق المستمر
قمت واقفاً ..اتسعت عيناه :- مابك ؟
قلت بتسليم :- اذن لاجدوى من العلاج..
تبسم قائلا :- اجلس ياحاج اطعته صاغراً ..حدق فى وجهى قائلاً ببطء :-
تحتاج الى عملية
اندفعت قائلاً :- الا العمليات .
أدار وجهه عنى:- اذن تعيش على المسكّنات .
وأمسك القلم من جديد .
.................
قلت لزوجتى ماحدث مع الطبيب ..أشرت الى تحذيره من حمل أى ثقل مؤكداً أن مازاد عن وزن الجريدة يعتبرثقلاً من الآن ..مصمصت شفتيها قائلة:- :- من الآن لن نحتاج اليك وضحكت ..أعرف أنها كانت تنتهزفرصة وجودى معها فى السوق لتحمّلنى ماشائت من خضر وزيوت وصابون ومااليها ، لأن وجودى - على حد قولها - فرصة لأحمل عنها أثقالاً تهّدها ، وأمضى الى موقف الأتوبيس أنافس الخلق وأندٍس وسط الأجساد المهرولة الى أن أجد موطآ لقدمى فأصعد لأحجز مقعدين أنافح عنهما الطامعين الى أن تهدأ الأمور تماما ً فتصعد لتجلس الى جوارى بهدوء الملكات ..الآن يكسو وجهها القلق ..تحنى رأساً يعلو ملامحه ضحك متوتر وتقول لن نحتاج اليك برنة حروف تلفظها أذناى..أشعر بها إحالة الى المعاش- مبكرة - من البيت.. أنظر الى الوجه الذى عاشرته سنيناً طوال ..مايزال حاملاً ضحكته المتوترة ..تربت كتفى مراضية ..سلامتك ياحاج ..أهب من مكانى بقوة رافضاً الاستماع الى المزيد. يبدو الليل فى عز النهار فارداً أشرعته، مبحراً فى قلب الظلمة ..أحمل شمعة مضيئة أبحث على هدى ضوئها عن موطأٍ لقدمىّ .
.
..................
.................
...............
..............
--------
-----------
...............
----------