تحية وسلام

تلك كلماتى بين يديك ..انظر ..دقق ..ستجد عبر الحروف نبضات تعلو معطرة بالحب ..تطلب السلام ..ترجو الوفاق ..المشكلات سوء تقدير مشترك بين اثنين او اكثر ..الحب كلمة ..وربما كان نظرة ..او هو لحظة صمت تجمع بين اثنين ينعمان بالدفءوحرارة الامن ..تفضل ..اقرأنى ..بكل الحب استقبلك ..ومتى ما اردت المغادرة لك منى ايضا كل الحب ..وسلام ...محمد عباس على

الأحد، 25 أبريل 2010

حمدان يعلن الحرب

حمدان يعلن الحرب



قصة قصيرة






(1)

كان الممر طويلا
يصل باب العمارة الخارجى - على الشارع - بالباب الخشبى الداخلى ، ويمتد الى حيث حجرة البواب الصغيرة ، لينعطف بعد ذلك يسارا لجراج العمارة ، باتساع الدور الأول بالكامل ، ببابه الذى يفتح على الشارع الخلفى .
أوقف حمدان العصا رأسيا ..أمسك بها من أعلاها بيد ، وأستند على الأرض بالأخرى ورفع جسده ..عادت العصا للأنزلاق على البلاط ثانية ،وشق السكون من جديد صوت الارتطام .
اندفع صوت (رئيسة ) من داخل الحجرة فى أقصى الممر ناعسا ،ممزوجا بصوت السرير وهو يئن تحت ثقلها :-
- مالك ياحمدان ؟
أشاح بيده وقد آلمته الوقعة الجديدة ،وعلا صوته متسائلا بمرارة :-
- الاتعرفين مالى ؟
هبت ؤئيسة التى أفاقتها من نومها قوة الارتطام ..تحركت ناعسة ماتزال ، تشعر بثقل جسدها ، وبارتخاء جفونها التى تفتحها بالكاد ، واتجهت اليه متبرمة ،لاتعرف ماالذى يجبره على السير فى أنصاف الليالى هكذا ليطمئن على الجراج والممر والباب الخارجى ، كأن اللصوص اذا فكروا فى السرقة سيخشون منه ومن ساقه التى يجرها خلفه جرا .
وقفت بجانبه حاملة ضيقها فى صدرها ، لكنه أزاح يدها فى ضيق ..ستظل الى متى ترى عجزه ،وتتسلى بالشفقة عليه ؟؟.؟.انه لم يرقد بعد ،ومازلت لديه الصحة والعزيمة ليتحرك ،هو الذى صال و جال فى الحرب الأخيرة وواجه الدبابات بصدره وكان يمتع ناظريه بتدميرها .
عاودت مد يدها اليه . عاود ازاحتها عنه ..فكرت فى العودة من حيث أتت ..يكفيها ما تلاقيه أثناء النهار من تعب ..هو يعرف أنها لاتستريح ..طول اليوم شقاء حتى تستطيع ان توفر لهم لقمة العيش ..تتحمل هذا وتصبر على ذاك لتواصل عملها ..أفلا يحق لها ان تجد راحتها ليلا بدلا من هذا العذاب ؟
غير أنها تنهل من معين الصبر ،وتربت كتفه مترفقة وهى تحدق فى عينيه مسترضية ،ينظر اليها ،تطول نظرته الى وجهها ، ذلك الوجه الذى سحره وربطه بها ،وجعله بعد عودته من الحرب حينما وجدها قد استدارت عروسا بهية يتكلم عليها ،ويعد نفسه أسعد المخلوقات لفوزه بها ،ويحاول بكل جهده اسعادها ،حتى حينما طلبت منه أن تترك القرية وتعيش فى الأسكندرية مثل ابنة خالتها (أنعام ) لم يستطع أن يمانع ..نزل عند قريب له أياما حتى يجد عملا مناسبا .جاءه قريبه بالعمل ..بشره بأن عمارة جديدة تحتاج لحارس ..كانت دقات قلبه نواقيس تهز فراغ رأسه بعنف ..آاااه يارئيسه ..كيف طاوعتك وجئت ؟؟
مد يده يحاول التقاط العصا ليعاود القيام ..همست :-
- استند علّى
حدجها بنظرة لائمة وهو يهمس :-
- جئت اسكندرية يارئيسه ؟؟

.............
(2)

أغمضت عينها بجواره بحثا عن النوم ..لامجال لكلمات ولا أى شىء آخر ..نظر اليها تحت الغطاء بجسدها السارح الممتلىء وهو يغمغم ...صبرك طال يارئيسه !
كانت بعض نوافذ العمارة مفروشة بالنور ..أشعة خفيفة تتداخل مع الظلمة
فتصنع جوا بين الحلم والأوهام أمام عينيه ،وكان الممر ساكنا ، ممتدا الى حيث الباب الحديدى هناك على الطريق ،حينما رأى رجلا قادما من أول الباب ..السيجارة فى يده والنظارة على عينيه ،وبذلة كاملة لها لون زاه تتألق على جسده ، وهو يهز سلسلة مفاتيح ذهبية بيده ، و يحدق ناحية الحجرة بنهم لايحاول ستره قائلا بلهجة آمرة :-. ابعث رئيسه
.وقف شعر رأس حمدان وبرقت عيناه وتدلى فكه الأسفل وشل تفكيره تماما ..

قال بلا وعى :-
- أجىء أنا

أشاح الآخر بيده ،راسما على فمه ملامح سخرية :-
- لا ..أنت عاجز
برقت عينا حمدان ..أرسل نظراته تحدق فى الرجل الذى لم يبال به ..فكر أن يقوم اليه يعيد له صوابه ..غير انه يعرف أنه لن يستطيع ..انخفضت عيناه لأدنى وحروف الكلمة الأخيرة يدوى صداها فى جنبات دماغه..عاجز ..عاجز ..عاجز!
صرخ بقوة ..لا..وهب من مرقده يريد الذهاب اليه وليكن مايكون ..غير أنه وقع أرضا ولم يجد عصاه ليقوم فأخذ يزحف باصرار والرجل من أعلى ينظر اليه متأففا ،ثم مالبث أن تركه ومضى بعد أن أشار بيده محذرا :-
- اياك أن تنسى تبعث رئيسه .

أخذ يصرخ ..رئيسه لا ..رئيسه لا.
غير أن صوت رئيسة علا متوترا ،ملولا :- مالك يارجل ؟؟ ..نام ..عاوزه أنام
حدق فى الممر الخالى بسكونه الممتد ، ودارت عيناه وقد انتبه لنفسه وسط حيرة تتعملق أمام عينيه ..الأيام تدور وتتكور دون أن تصل لانتهاء ،وهو لن يظل هكذا ..لن يظل هكذا مهما كان المر ..ان لم يستطع شفاء قدمه ثانية سيقطعها ....الأطباء أجمعوا على انها حالة نفسية ..سألوه عما رآه فى الحرب ..احتار ماذا يقول لهم .
اخذ يرقب ساقه ويرى رئيسة تكرر باشفاق :- ياما ناس عندهم أكثر من هذا
تريد أن تهّون عليه ..لكنها لاتعرف أنها تزيده الما وتشعره بعجزه ..يراها وهى الشابة الجميلة المرغوبة تنتقل بين الشقق ، تنظف هنا وتغسل هناك ، ويعلم الله مقدار ماتراه فى عملها هذا ،خاصة من (فارس بك ) صاحب العمارة الرجل الشايب الذى لايعرف العيب..ينظر اليها بنهم أمامه ..حمدان يعرف هذه النظرات ..يفهمها ويظل على نار متأججة وهى فى شقته ..لكنه يطمئن نفسه أن المدام موجودة وانه لاخوف هناك ، فاذا ماعادت رئيسة راقب وجهها وحركتها واهتمامها بنفسها وزينتها ،وتفهم رئيسة نظراته هذه ،لكنها تتحاشى أن تحدثه فى هذا الأمر حتى لاتجرحه ،غير انها ذات مرة قالت محاولة تهدئة ظنونه :-
- فارس لن ينظر لأمرأة بواب
صرخ فيها:- عينه فارغة ..ثم أننى مستأجر هذه الحجرة بعرقى وجهدى .
ردت بحدة:- لكنك مريض ولا تفعل شيئا .
لحظتها حدق فى وجهها وقد اشتعلت النيران فى خلاياه ، وشعر برأسه ينفلق من الانفعال .
الا انه رغما عنه تمرغ فى الصمت مقهورا .
..........
(3)

نائما الى جوار رئيسة
رأى الليل يجثم على صدره بأنفاس مظلمة تفح نارا فيكتوى بها وجهه ،فتح عينيه الى أقصاهما ..الجراج معظم الوقت يكون خاليا من الناس لاتدخله عربة من عربات السكان الا فى مواقيت محددة هو يعرفها ..سيسير بغير عصا ..سيواصل الليل بالنهار لارغام ساقه على مطاوعته ..سيخضعها لارادته ..اما أن تسير والا ...!
لن ينتظر اكثر من هذا ..انه يلحظ هذه الأيام أشياء تنكرها عيناه ولايقدر لسانه على الخوض فيها ..لم تعد رئيسة المهدودة المتبرمةالتى تحمل بين عينيها مرارة الصبر وقسوة الحرمان ..انها تبدو سعيدة وراضية كأنما ليس هناك شىء..عيناها باسمتان والضحكة لها رنين وعادت للمرآة بعد غياب ...الأكثر من هذا أنها صارت تتباسط فى الحديث مع من حولها وخاصة ( فارس بك ) .. فاذا انتبهت لنظرات زوجها قالت لامبالية أنها تخدم عندهم !!
يشعر حمدان ويرى انها لم تعد تراعى مشاعره ، أو تهتم بكلماتها امامه .. تندفع فى قول مالديها ضاحكة مستهترة ، وعليه هو أن يرضى .
آاااااه..انه لم يتعود هذا ..لم يتعوده ..لابد لهذه الساق أن تشفى ،وأن تعود رئيسة الى حجرتها قبل أن تضيع فى بحر لاقرار له ..فى الوقت الذى ستكون فيه بالخارج سيحاول وحده ..سيدرب نفسه ..أبدا لن يهدأ حتى يعود الى سابق عهده .
عادت عيناه ترمقان الليل بعناد .
أضىء على البعد مصباح أبيض شقت أشعته ركام الظلمة ..شعر براحة وأغمض عينيه .
.............
(4)

قامت رئيسة وقد جفاها النوم تمسح وجهها وعينيها محتمية بالظلمة ، بينما حمدان الى جوارها ساكن الجسد ،منتظم النفس ،والى جواره صباح ابنتهما الصغيرة لايظهر منها الا رأس كحبة الرمان ،وعلى الكنبة المواجهة ترقد ليلى ابنة الأعوام الخمسة.
أحس بها تأخذ جلستها على عتبة الباب ، وتبكى بصوت لايكاد يبين ..فتح عينيه ببطء متابعا لها :- رئيسه ..رئيسه
استدارت اليه مباغتة وهى تلم دموعها بكفيها ..همس :- اسندينى ..عاوز أقوم
قامت متكاسلة وهى تلعن المرض والحاجة التى تجبرها على تحمل مالاتطيق ..مدت يدا متراخية اليه ..هب من مرقده واقف على قدميه الاثنتين ..تسمرت مكانها وعيناها مصلوبتان على جسده .
..............
(5)

بنشوة اللحظات المضيئة التى يحسها تسرى فى أوصاله جلس حمدان الى رئيسة يحكى لها مشاعره والامه ، وهو يراها هكذا حائرة تدور مع الأيام ،صابرة لاتملك الا صمتا مغلوبا ، ونظرات مشبعة بالتعاسة ، ويعدها أنه سيحمل عنها هذا ،سيحمل عنها المهانة والعذاب هنا وهناك ،سيبعدها عن هذا العمل الذى اضطرتها الظروف اليه ..لاحاجة لهم الآن بخدمة الناس ..بيتها وزوجها أولى بها ..من اليوم سيعرق ويشقى من أجل أن تتحرر وتشعر أنها سيدة بيتها الصغير .
كانت الكلمات تتدفق من فمه وهو يمسك بيدها فى نشوة ، وعيناه تضمان وجهها بنظرات شوق عارمة ، وهويشعر أنه انتصر فى حربه ،وأنه استطاع أن ينقذها من هذا العمل الذى تكرهه ، والذى مؤكد كانت تبكى الان مما تلاقيه فيه ..همس يسألها وقد لاحظ طول صمتها :- مالك يارئيسه ؟
- لن أترك العمل
- نعم !!!

هبت من مكانها وواجهته ..رأى فى عينيها نارا تستعر ،ووسط الليل السادر رأى جسدها البض ينتفض وهى تعد له مطالب البيت واحتياجاتهم ،وتؤكد له أنه وحده لن يستطيع الوفاء بما يريدون . وأنها لهذا ستستمر !
سألها متفكرا :- أحببت الشغل يارئيسه ؟
قالت بلا تفكير :- نعم ،ولن أتركه
نظر الى الليل حوله ،والى ساقه متفحصا ، وعاد اليها ..وجهها وسط الظلمة لايبين ..قام الى الخارج فى صمت .
كان الهواء ثقيلا والصمت خانقا والليل مايزال يستبد فى الأرجاء ..غير أن المصباح
البعيد بضوئه الزاهى البياض عاد يرسل أشعته لتشق ركام الظلمة من جديد .
قرر حمدان أمرا .

طقوس قتل الكلمات

طقوس قتل الكلمات
........................




قصة قصيرة
.............




محمد عباس على
.....................










تملك زوجتى مالا يملكه الآخرون ..مقدرة باهرة على قذف الكلمات
..سرعة لاتجارى ومهارة لاتخيب ..فى عيد ميلادها الأخير قدمت لها جهاز تسجيل فائق الحساسية ..هدية حب منى ..قلت أنه يمتلك المقدرة على متابعة كلماتها ،وأنا أخفى فى نفسى هدفا خبيثا لم أصارحها بها ،وهو أنه سيشغلها عنى ،وهذا سبب شرائى له ..هذا بالاضافة الى أنه سوف يستهلك قدرتها على الكلام فى غيابى فتقول ماتشاء ،واثقة أن هناك من يتابعها ولو كان جهاز تسجيل ، فاذا عدت لم أجد الا صمتا وهذا ما أسعى اليه.

..قدمته لها وطلبت منها ممارسة هوايتها براحة وبعمق ، غير أننى فوجئت بأمرلم يدر بخاطرى قط ، اذ قالت لى ببديهية تحسد عليها:-
- أقبل هديتك بشرط
أسرعت برسم ابتسامة على شفتى و أعلنت راضيا قبولى لشرطها قبل ان تنطق به . قالت:-
- حينما تعود الى المنزل تسمع كل ماسجلته
ارتميت على مقعدى هاويا الى لجة صمت طاحنة ، ولم انطق بحرف . تساءلت بدلال :-
- مفاجأة ؟؟
قلت :- رائعة
.وأنا أبحث عن ريقى محاذرا من عينيها . لاحت لى خاطرة فاسرعت بالقول :-
- حينما أعود الى البيت أريد سماعك أنت .. لاالمسجل
اشرق وجهها بابتسامة . قالت :-
- لم يغب هذا عنى .. طالما أنا متيقظمة سأحادثك وحين أنام أو أخرج سأترك لك المسجل حتى لاتشعر بالوحدة
صمتت قليلا وهى تتفرس فى ملامحى ، تبحث عن ذرة تحمل شبهة اعتراض ، لم تجد . اكملت كلماتها :-
- طبعا حينما أعود أو أصحو سأناقشك فيما سمعته أغمضت عينّى حتى لاترى مابهما ، وهرولت من أمامها الى غرفة مكتبى عازما على كتابة استقالتى من وظيفة مستمع تلك ، المفروضة علىّ ، تدبرت الأمر جيدا ، وجدت أننى لن أتحمل ردها فى حالة اعلانى تلك الاستقالة. مؤكد الأمر سيتطور ، وساعتها لن أجنى الا الندم وتأنيب نفسى لتهورها . راودتنى نفسى على السفر والبعد كلية عنها . هززت رأسى ساخرا من تلك الفكرة لأننى مهما غبت سأعود ، ولحظتها ستضع الشرائط أمامى حصاد الغياب ، وحينها لن أنبس بحرف ..جلست واضعا يدى على خدى وانا اسأل نفسى وما العمل ؟.. جاءتنى فكرة كالبرق ..نتكلم بعدد متساو أنا وهى تطبيقا بمدأ المساواه بين الرجل والمرأة ، وطبعا لن أجاريها فى سرعتها ،فعليها اذن أن تلتزم بحد أقصى لاتتجاوزه من الكلمات ..أعجبتنى الفكرة ..قلبتها على وجوهها ..رائعة ..رجعت الى الردهة باسما ، بادرتنى فورا :- هاك ماسجلته فى لحظات غيابك
اتسعت ابتسامتى وانا احمل الجهاز منها
..ملأ وجهها العجب سألتنى فى ريبة :-
- مابك ؟
قلت :- فكرة أريد عرضها عليك
ازدادت مساحة الدهشة على أطراف وجهها سألتنى :- ماهى ؟
- أطلب المساواة معك
- نعم ؟
قلت :- أريد حقى
تغيرّ وجهها فورا بفعل الغضب ..بدأ صوتها يتخذ شكلا جديدا وهى تسأل متوجسة :-
- كيف ؟
قلت وأنا أعطيها المسجل :- نطبق المساواة على الكلام
ازداد صوتها غلظة وهى تقرب وجهها من وجهى متحفزة :-
- مازلت لاأفهم
قلت بسرعة :- نتكلم بقدر متساوى
علت شفتيها نظرة سخرية وهى تنظر الّى من أعلى
- لن تلحقنى
قلت :- انت التى ستساوينى
برقت عيناها :- تقتل كلماتى !! .. كيف؟
جلست أشرح لها .

الملكة


الملكة


قصة قصيرة




هبطت السلم متمهلا ..حاملا هم هذا العناء الذى لابد منه ..ابنتها كانت تبكى ..عيناها الصغيرتان كان فيهما ذعر .
- عم عاشور عاوز يأخذ ماما
السلم عال ..انحناءاته متعبة ..استندت على الدرابزين الخشبى ..علا أنينه تحت ثقل جسدى .
- يأخذ أمها الى أين ؟
حاذرت وأنا انقل قدمى وسط الضوء الأصفر الشحيح الى أسفل ..الحاجة كريمة زوجتى قالت :- المعلم عاشور صاحب محل الجزارة المجاور للبيت ..رغم أنه جارنا لا أشترى منه ..طريقته لاتعجبنى.. ارتفع مواء قطة تحت قدمى ..حاذرت حتى لا أتعثر فيها وتوقعنى ..أخذت نفسا عميقا بعد هبوط الدرجة الأخيرة ، ورؤية الأرض تنبسط تحت قدمى ..وقفت أدير وجهى فى المكان حولى ..الفناء الواسع الذى لايهدأ فيه وشيش بوابير الجاز ..اللمبة الصغيرة التى تعلو الحجرة الوحيدة فى الفناء بلونها الأصفر المغطى بالأتربة والغبار ، والتى تبدد وحشة المكان ، وأخيرا والى اليمين العربة الخشبية الصغيرة التى تحمل قدرة الفول كل صباح ..مضيت متمهلا نحو الحجرة .
- ماالذى يريده عاشور منها ؟
دققت الباب ..فتحت ابنتها ..المكان عبارة عن حجرة صغيرة للمعيشة ، تفضى الى حجرة أخرى على اليسار ، هى بالتأكيد للنوم ، بينما الى اليمين المطبخ والحمام ..هبت فاطمة من جلستها على الأريكة المواجهة للباب مرحبة ،وقام عاشور الذى كان يجلس على مقعد بجوار المائدة الصغيرة الى يسار الباب مسلما :-
- اهلا ياحاج ..عاوزينك تحضرنا فى موضوع .
نقلت نظراتى بينهما ..فاطمة عادت الى جلستها على الأريكة ، وقد أحاطت أولادها بيديها ، بينما عاد هو الى مقعده .جلست الى يمينه وأنا أهمس :- خيرا أن شاء الله
قالت محتجة :- تعال شوف ياحاج
وهى تشير بعجب اليه..دافع قائلا :-
- عاوزك فى الحلال يابنت الناس
باغتنى الأمر ..كان المقعد متهالكا ..بذلت مجهودا لأوازن جسدى عليه ..اتجهت الى الوجه المكتنز بعينيه الصغيرتين ..تركته الى يده البضة المتخمة باللحم ، المزينة بالخاتم الذهبى المحشور فى أحد أصابعها الجاثم على المائدة ، مما يجعلها كلما هزها تصدر أنينا خافتا ..ارتدت نظراتى عنه الى فاطمة..أخذت احدق فى الوجه وأعجب ..كيف هذا ؟..صورتها فى خاطرى وهى تقف أمام عربتها الخشبية الصغيرة ، المغرفة فى يدها ، والقدر فوهته أمامها ، والفول حبات ناضجة رائقة اللون ، تشع منها البهجة ، تدعو المارة بشكلها ومذاقها الى الاحاطة بالعربة ، والى جوار هؤلاء ابتسامة واثقة ، كبرياء فطرى، و لمعة عينين بلونهما العسلى الرائق وهى تنظر اليك فتزيد الجمال بهاءا وحسنا .. الآن أبحث عن هؤلاء ..لا أجد شيئا..لا أجد حتى فاطمة نفسها .. التى أمامى صورة جديدة لأمرأة أعرفها ..صورة لأول مرة أعاينها ..وجه مرهق السمات ..حتى كلماتها فقدت مرحها ..فقدت انطلاقتها ..لم تعد تزغرد فى الهواء وهى تنطلق من فمها وسط الحارة . قال الرجل الغليظ الوجه بصبر نافذ :-
- قل شيئا ياحاج
هززت رأسى بتؤدة وأنا انتبه ربما للمرة الأولى الى صدره المرتفع تحت الجلباب الأزرق ، بفتحته التى يبدو منها صديريه الأبيض المنتفخ الجانبين ..عدت اليها ..جسدها بالنسبة له صغير ..كيف
يتزوجها؟ .. مر بخاطرى ماقاله البعض عنها ممن يحيطون بها فى الحارة ، أو يجلسون اليها والى زوجها فى المساء ، أن لهوها كان بريئا ، ليس وراءه الا روح مرحة لأمرأة هدها مرض زوجها ، فقامت تحمل عنه حمله ببسمة تخفى وراءها الكثير ، تضحك أمام عربتها تعابث هذا وتضحك مع تلك لتروج بضاعتها .
- الحقنى ياحاج
من متاهة الشرود انتبهت على صوتها، و عاد وجهها يلوح لى ..عيناها مشرقتان بالدموع.. لا أعرف لماذا لم أتخيل هذه العيون تبكى من قبل ، صغارها حولها – مازالوا - تضمهم تحت جناحيها ، والرجل يجلس أمامها ، عيناه الصغيرتان تتجهان الّى ..يعاود الالحاح :- احضرنا ياحاج ..حاول تقنعها ..أنا عاوز أريحّها ..أسندها وأرعى أولادها
قلت بحيرة وأنا أنقل نظراتى بينهما :- أعرف الموضوع أولا
قالت ابنتها بحدة :- يريد الزواج بماما
اتجهت اليها ..نكست رأسها وشدت الصغار اليها أكثر ..وجهها المغسول بالدموع جفت نضارته وشحب لونه ، وأن كانت تبدو فى جلبابها الأسود هذا فاتنة الملامح رقيقة التعبير ..يحق لها أن تتزوج ..لكن أولادها !!
عدت للمعلم الذى كان يحدق فى وجهى متفرسا بعينيه الصغيرتين ..وجهه المكتنز يكاد الدم يثب منه ..فمه الواسع بشفتيه الغليظتين يدل على نهم ..أخذ يهز رأسه الحليق ليؤكد ماقالته ابنتها ..لاحظ صمتى ..عاد يلح :-
- ماذا قلت ياحاج. ؟
قلت وأنا أتوجه اليها :- القول لفاطمة .
رأيت عينيها تلتمع حدقاتهما بدمع حار وهى تقول محتجة :-
- لاياحاج ..الرجل لم يمر عليه عام وأفكر فى غيره؟!
شعرت بارتياح لقولها ..لا أعرف لم ..رأيتنى أميل لرأيها ..أنظر الى عاشور هذا ..لو كنت امرأة لخشيت منه ..غير أنه لم يستسلم

..ضربت يده البضة اللحم بالخاتم الذهبى المحشور باصبع منها المائدة بضيق ، وهو يردد محدقا فى وجهى بلهجة لوم حادة :- - وبعدين ياحاج ؟
كان وشيش الوابور يخبو صوته كلما علا صوت عاشور ..استدرت لفاطمة التى التحمت بأولادها ..تذكرت قول زوجتى يوما وهى تراها أمام عربتها ، جسدها الممتلىء يعبر عن نفسه بعظمة ، وثدياها يرتفعان فى شموخ ، ووجهها بجبهتها العالية ، واستدارة ابعاده بالفم الباسم فى تحفظ ، بالعينين ذواتى البريق الحاد والمقتحم
:- تصلح ملكة
اتجهت بعينى يومها الى زوجها الجالس هناك بجوار باب البيت لاعمل له الا رد سلام المارة ..قلت :-
- هى فعلا ملكة ..لها رعيتها ..لكن !!
وصمت ..أردت أن أكمل أن هناك من يقول أنها عاشقة لعاشور الجزار . . تأخذ ماتريده منه ..عوضا عن زوجها العاجز نحوها ..غير أنى آثرت الصمت .
هب عاشور رافعا يده الغليظة فى وجهها :-
- يابنت الحلال اولادك محتاجون الي رعاية وأنت محتاجة الى سند ..وأنا أريدك بشرع الله .
ازداد وجهها انفعالا ..اكتسى الشحوب بحمرة طارئة بينما بدا عسل العينين باهتا لالمعة له ..صدقت زوجتى تصلحين ملكة ..لكن حزينة ..أشاحت بيدها :-
- حينما أحتاج سألجأ اليك .
استدار حانقا الىّ :- ماتتكلم ياحاج ..حاول معها ..أراك ساكتا
محتارا عدت اليها ..شد انتباهى على الجدار فوق رأسها وجه زوجها الباسم ..كانت ابتسامته مؤطرة بشريط أسود ..بينما نظراته تحيط الغرفة ومن فيها.. تذكرت ماحدث منذ شهور عدة ،حينما صحت الحارة على صراخ فاطمة وعويلها :-
- الرجل مضى وتركنى ..ترك لى الهم ..تركه لى وحدى ..همست احدى الجارات ارتاحت منه ..اعترضت اخرى ..ياأختى ظل رجل ...1
بعدها احتجبت فاطمة لاتخرج بالعربة أياما، ثم خرجت امرأة أخرى ، تقف أمام عربتها صامتة ، حتى نداؤها المعتاد الذى ورثته من أيام زوجها:-
- احلى من اللوز يافول
نسيته ، فاذا اضطرت للابتسام ابتسمت ، الا أن ابتسامتها لم تعد كما كانت من قبل .
-يابنت الناس ..لأخر مرة ..أنا شارى وأريد صالحك . أنت صغيرة ..كفاك شقاء ..دعينى أتحمل عنك .. أنت لم تخلقى للبهدلة .
قلت معترضا استرساله :- انتظر يامعلم
وأنا أحدق فى عينيه الصغيرتين على ضوء اللمبة الصفراء ، الذى يحيطنا بخيوطه التى لاتبين ، ثم اتجهت الى فاطمة منهيا الحوار :- - فاطمه ..ماله المعلم عاشور ؟
نظرت الّى فى لوم وقالت عاتبة :- لأجل خاطرى ..لاتحادثنى فى هذا الموضوع
عدت أسألها :- هل نعطيك وقتا للتفكير ؟
هزت رأسها نفيا وهى تؤكد :- لا ..لقد اقترنت بأولادى وانتهى الأمر
أدرت وجهى اليه ..وجهه المكتنز رأيته محمرا ، بينما ضاقت عيناه وقطب جبينه وهو يقول بحدة :- أنت الخاسرة
وأحنى رأسه على صدره ودفع الباب ومضى ..علا فجأة وشيش الوابور ..قمت مستأذنا ..من بين دموعها المتحجرة فى المآقى نظرت الىّ ممتنة وقد عادت ابتسامة تزين شفتيها ..ابتسامة رغم شحوبها الا أنها كانت بازغة من عسل العينين كلها بهاء ..وان كانت أكثر وقارا عن ذى قبل ِِِِ

-

رحيل


رحيل
----
قصة قصيرة
-----------












أمام الباب الخشبى بزخارفه البهيجة توقفت .. أعدت قراءة العنوان الذى قرأته مرات ومرات ..تأكدت من الرقم المدون ..أعد ت التأكد ..دققت جرس الباب ، ووقفت مثقلا بحمل لهفتى أنتظر ..بعد دهر رأيت الباب يفتح ..أطل وجه ابنى ..تلقيته بين أحضانى ..أخيرا من قلب المتاهة عثرت عليك ..أخذ يمسح الدموع عن وجهى.
- كيف حال السفر معك؟
- كل آثار التعب تبددت الآن
أخذنى من يدى ..كان الصباح يافعا مايزال ..سرت وسط الخضرة أتنسم عطر الصفاء ..أدير النظر حولى ..أشار الى مظلة تكوّنّها الأغصان الملتفة ..قال :-
- الوكر..هنا أجلس وسط الحديقة أتناول الافطار
أخرجت منديلا ورقيا أمسح به ماتبقى من شعيرات برأسى ..العرق ابر حامية تنفذ فى مسامى وأسفل ظهرى..حملقت فى المائدة التى تتوسط الوكر - كما يسميه - والمقعدين الخاليين :-
- أين الاولاد ؟
رد باسما :- فى المدرسة
كانت الشمس ترشق أسهمها الذهبية من خلال أوراق الشجر فى أضلع المقعدين والمائدة ..فكرت أن أجلس قليلا ..أستريح من عناء الطريق .؟.بنفس البسمة أشار الى مبنى ساكن وسط الخضرة زاهى البياض ..قال بمرح :-
- تعالى أفرجك على البيت
سرت معه ..أيام طوال لم أره فيها ..افتقدته.. أحسست أن العمر يهرول .. يدنو من نهايته دون أن أراه .. البيت لم يعد فيه مايشدنى للبقاء ..الزوجة ذهبت ..اقترح علىّ أن أسافر اليه فى اجازة قصيرة
- تفضل يابابا

فتحت الباب وتقدمت ..مسافة طويلة قطعتها لأجله ..رفعت وجهى لأعلى ..تلا قت عيناى بأربعة أعين باسمة معلقة على الجدار تستقبل الداخل مباشرة ..تبسمت باجهاد اللحظة من أجلها . زوجته معلقة بيده فى فخر ، وهو يقف مواجها الكاميرا ببسمة ثقة طالما أعجبتنى فيه
- مارأيك ؟
حدقت فى ملاحة الملامح ..همست بجد :- جميلة
اتسعت ابتسامته :- زوجتى .. ستعجبك أكثر حينما تراها
ومضى الى الأمام ..سرت خلفه الى وسط الردهة ..رأيتنى أفتح عينى الى أقصاها ..الأنوار خافتة ..تنبع من لمبات صغيرة ،تحجبها بلورات زجاجية خشنة السطوح ..الظلال تتلاقى على فرش المقاعد والأرائك بالوانها النضرة ، لتصنع عالما من غموض ..النور الخافت يكتفى بفتراش الجدران ..بينما تبزغ من الأركان موسيقى هادئة تنسل لتطيح بالحواس.
شد انتباهى صورة ثانية زاهية الأوان تتوسد منتصف الجدار المقابل ..كانت لأمرأته وحدها ..تأملت وجهها ..حسنها فياض ..قسماتها رقيقة .. بسمتها رائعة ..من صغره يتمنى هذا ..يسعى اليه ..تركنا منذ سنين قائلا أنه سيبحث عن ذاته ..سنوات مرت لم أر منه الا كلمات عجلى عبر الهاتف ..كنت كثيرا ما أسأله ..الم تجد ذاتك التى تبحث عنها الى الآن ؟ ..فترن ضحكته عبر السماعة :- مازلت احاول ..أخيرا اضطرنى أنا للسفر اليه ..واضح أنه كما أرى وجد مايريد .
- تفضل من هنا يا أبى
أهمس فى ارهاق :- لا داعى للفرجة الآن
تتسع ابتسامته :- الا تريد رؤية بيتى ؟
أهز رأسى مسلما وأسير خلفه ..يمضى الى ممر ضيق ،به حجرات الى اليسار ..أرى الى اليمين هرة ناعمة ، ساحرة العينين تطل من اطار ذهبى على الجدار ..يفتح باب الحجرة الأ ولى ..أدخل بعده ..تقابلنى ستارة مزركشة ذات ورود مطرزة بقماشها السماوى ، تغطى جزءا من الجدار ،الجزء الآخر به نافذة مفتوحة المصراعين ..الهواء يسبح مرحا فى المكان ..وجهى تنبسط أساريره أمامى فى المرآة ..حجرة وفاء ..أرمق الصور المتزاحمة على الجدران ..ممثلين ومطربين ..أشعة الشمس عبر النافذة ترشقهم بمطر الضوء ..أهز رأسى عجبا ..أرسل بصرى عبر النافذة الى الحديقة ..أسمع صوته يقول :- وفاء فى المدرسة
ويتجه للحجرة التالية ..خطوة قدمى لم تعد تساعدنى ..أتقدم متمهلا خلفه ..آاااه ..حجرة أشرف ...المح وجهين متلاصقين على الكوميدينو الملاصق للسرير ..ضحكتهما الصغيرة رائعة ..أقبّله وأخته بشغف ..أعيد وضع الاطار مكانه وأمضى ..يقابلنى وجهى فى المرآة مرهقا ، ملامحه تستغيث من التعب ..أتأمل الشعيرات البيضاء فى فودى ،الزاحفة الى أعلى ،الصاخبة فى الذقن ..ذهب العمر بك الى مالا عودة منه ..التغضنات يغطيها العرق و..أدير رأسى عن المرآة ..أتمنى أن أسأله الراحة أولا وبعدها أتفرج كما أشاء .
- تفضل ياأبى

لا أجد الجرأة على البوح بمالدى ..أمضى برغمى خلفه الى الحجرة الثالثة على اليسار ،المطلة على الحديقة من الوراء ، بالتحديد كما قال لى تطل على الوكر ..أراعها متسعة ،أكبر من الحجرات السابقة ..تقابلنى ستارة لبنية اللون ذات نقوش مطرزة تغطى الجدار ،تنسل عبرها خطوط مستقيمة من الضوء من خصاص الشيش لترتمى تحت قدمى ،تحيل الظلام الى عتمة ناعمة ،الفرش الوردى المبعثر يؤكد أنها حجرة نومه ..أغادرها محرجا ..هذا هو الوكر الحقيقى أيها الشقى ..من يومه هكذا ..أرقبه بجانب عينى ..أتعبنى ..مع هذا أشعر به أكثر ..أراه قريبا منى ..أمه رحمها الله كانت تقول ..لا أعرف كيف يشبهك الى هذا الحد ..رغم هذا فأنا أختلف عنه كثيرا ..لم أكن يوما أحمل تطلعات أكثر من طلب الستر ..أمرأة ترضى بعيشتها ،تشعر أننى رجلها ،وأولاد أحسن تريتهم ،ولا شىء أكثر ..أما هو ..!
- تطلع السطح يابابا ؟ ..المنظر من فوق رائع

صرخت :- يابنى ..هذا اجهاد لا أتحمله
نعود الى الردهة ..تحت الصورة الزاهية الأ لوان لامرأته نجلس .
- تأكل أولا ؟
ويشير الى مائدة الطعام فى الجانب الأيمن ..حولها أربعة مقاعد بعدد أفراد الأسرة ..رغم أن الجوع يتعملق فى أحشائى أقول :-
- بل ننتظر الأولاد
- اذن تشرب شيئا
يهرول نحو المطبخ..أسمع صوت مزلاج الباب يفتح ..أرى أصل الصورة التى أجلس تحتها حيا أمامى ..أتامل الشكل بانبهار ..وجهها ..دهشتها ..أعالج القيام .
- من أنت ؟
أفتح فمى ..أنا !!
يعود بالمشروبات ..يهش لها:-
- بابا ..جاء من مصر
تمد يدها بالسلام ..بسمتها جافة ..عيناها حدقاتهما لامعتان تومضان بنظرة معجونة بازدراء أو كره أو ..أو ..لا أدرى ..شعرها القصير هالة من ذهب تحيط بوجهها الأبيض ..ينفرج فمها بالكاد :-
- اهلا ..عن اذنك
وتمضى الى حجرتها ..الثالثة على اليسار ..مؤكد هى التى وضعت صورة الهرة الناعمة ساحرة العينين فى الممر ..لكن أين مخالبها ؟
يمد يده بالشراب :-
- تفضل يابابا ..البيت بيتك طبعا..بعد اذنك ثوانى .
أشير اليه :- سأجلس بالحديقة ..خذ راحتك
أفتح الباب وامضى ..أتجه الى المظلة أو الوكر كما يسميها ..القى بارهاق جسدى على أحد المقعدين ..يصلنى صوتها محتجا من خلف النافذة التى فتحت توا فى حجرتها :-
- لايوجد له مكان هنا ..أفهمت ؟
أنتبه للكلمات ..يتصلب جسدى ..أبحث عن صوته ..يعود صوتها للارتفاع :- هذه مشكلتك ..تصرف .
أجاهد الوقوف ..لا أحاول تعقب صوته أو محاولة معرفة رده ..أحدق على البعد فى الباب الخشبى ...

الثلاثاء، 20 أبريل 2010

اسنان المقت


أسنان المقت
...............
قصة قصيرة
..............













تنظر اليها
الى انفعالها البادى مشفقة
تلك البنت ..النسخة الثانية منها.. لم تعد هى ..صارت أخرى لاتعرفها ، ويوما بعد آخر تتباعد المسافات بينهما ..الصمت الذى كان غريبا عن بيتها صار الآن جزءا من حياتهما ..تشعر بشىء لم يمر بها من قبل ..شىء لم تتخيل أن يحدث لها ، هى التى لم تكن تعترف بكلمة( ضعف) ، تنظر اليها على انها انعدام شخصية ، صاحبها لايستحق الحياة . الآن تشعر أنها ضعيفة لاتملك لنفسها - ولا لأبنتها - قرارا ، تائهة وسط صحراء يملؤها الصقيع ، تضربها الرياح من كل جانب فى عنف ، هى وحدها ولا أحد معها . كم سعدت بشبه علياء لها، نظرت الى وجهها ، تأملت عينيها،جبهتها، أنفها، حتى أفعالها - كانت - لاتختلف كثيرا عنها ، نفس الكلمات والتصرفات ، حتى ذمة الفم حين تضيق بشىء ما مثلها ..توافق طالما تفاخرت به وسط المعارف والأصدقاء ، فكانت تتعمد مناوشتها أمامهن ، يضحكن ، يقلن لها مسّلمات :-
- نسخة منك يا أحلام
وتسعد هى بهذا ..فهاهى امتدادها أمام عينيها ، الشباب الذى ودعته مرغمة، تراه ماثلا بكل عنفوانه أمامها ،تقترب وابنتها ، تلتصقان الى حد الاندماج . لم تشعر يوما بخوف أو قلق عليها ، فما بداخلها تشعر به ، تراه وتحفظه وتتقن صونه. الا الآن ..الآن بالذات يهرول قلبها فى فراغ صدرها قلقا على تلك الابنة ، وتتذكر كلمات صبتها فى أذنيها :-
- حاذرى ياأبنتى من الأعين ..انتبهى للألسنة..واياك
والاستماع للكلام المنمق .
فكانت تنظراليها بنصف عين وهى تشيح بيدها :-
- هذه الكلمات ( الحيطة والحذر ومااليها ) كلمات الضعفاء .
..القوى لايحتاج اليها
تضحك منها :-
- وأنت .. من الأقوياء؟
ترفع رأسها بكبرياء ، يتدلى شعرها ذيل الحصان شامخا على ظهرها وهى تجيب :- طبعا .
تدعو لها بالستر . تكمل :-
- كل شىء يقاس الآن بقيمته المادية ،
خاصة المشاعر .
تسألها مداعبة :- والحب ؟
تقول بجد :- اذا مال قلبى لرجل سأسحقه بأسنان مقتى
تذكر جيدا كيف نظرت الى ابنتها ذاهلة العينين ،هامسة :-
- مالذى يدعوك لتقولى هذا ؟
لحظتها اندفعت كلماتها كقذيفة:-
- لن تكون ارادتى الا بيدى ..الارتباط معناه أسرة ،
والأسرة معناها استمرار ،وحينما أكون مستعدة لهذا سأناقشه
بعقلى وليس بمشاعرى
الى مدى قريب كانت تقول هذا ، وهى تسمع لها ، أما الأن ..! ..تتنهد وهى تبتلع ذكرياتها مسائلة نفسها .. ماذا تفعل معها ؟ .. ما يحدث الآن لم يخطر لها على خيال ..البنت تتباعد ..تتنائى وهى بجوارها ..عيناها فيهما شفرات لاتملك حلها ..وجهها عليه امارات تستعصى على نظراتها ..تسألها ..تبتسم مراضية ..أو تبكى فى حضنها دون أن يبدو منها ماكان صفحة مفتوحة بالأمس ..تجلس اليها .. كيان منفصل غامض ، ينأى بمشاعره عنها ، وهى لاتريد الضغط عليها ، فهى تعرف عنادها ، ولذا تلزم الصمت ، تتأجج الأفكار فى رأسها ، تحترق خواطرها بلهيب الليالى التى أصبحت تدمن مصاحبتها ، ويوما بعد آخر تتنائى البنت عنها ، تجلس وحدها تسمع أغنيات لم تكن تبالى بها ، تتحدث عن المشاعر والأحاسيس ورغبات القلب التى لاتقاوم ، وهى تنظر اليها ، تعرف أن هناك حبا قد ملكها ، متى وكيف ؟ .. لاتدرى .. ولماذا لاتبوح لها به ؟ ..أيضا لاتدرى
و لأول مرة فى عمرها ترى نفسها عاجزة عن حل مشكلة تعترض طريقها ، وفى ذات الوقت لاتملك الخيار لعرضها على أحد . أخيرا حملت كراستها الخاصة وقلمها ، جلست الى سريرها كما كانت تفعل قديما ، تشّرح المشكلة ، تكتب أبعادها ، والمعوقات التى تعترضها ، والحلول المقترحة لحلها ،وتناقشها واحدة تلو الآخرى وتستبعد مالا ترضى عنه ،الى أن استقرت على واحدة ، لحظتها عرف النوم طريقه الى عينيها .
فى الصباح بحثت علياء عنها ..فى الفراش كانت ..تقرأ القرآن الكريم .شاكية من اجهاد يمنعها من الافطار معها ..بعد الظهر راحت فى النوم وتركتها للغذاء وحدها ..فى العشاء شدها مسلسل لم تكن تبالى به قبلا عن المائدة ،وصار الصمت شعارها ..الأكثر من هذا أنها لم تعد تسألها عما بها ..غابت فى العمل ..عادت لتجد باب امها مغلقا دونها ..لم يحدث هذا من قبل ..دخلت اليها ..ادارت وجهها عنها غضبا ..بكت بين يديها ..تدافعت الكلمات ثائرة على شفتيها
- لا أريد أن أشغلك معى
فكرت أن تضمها الى شغاف قلبها ..تماسكت بالكاد .. سمعتها تهمس :-
- قلبى يا أمى
ازدادت حدقتا عينيها لمعانا وهى تغرز نظراتها فى حبتى عينيها ، تغوص الى قلبهامنقبة كما كانت تفعل قبلا ،بينما الحروف تتدافع مبللة بالدموع الى أذنيها .





محمد عباس على

طقوس قتل الكلمات

طقوس قتل الكلمات
........................




قصة قصيرة
.............




محمد عباس على
.....................










تملك زوجتى مالا يملكه الآخرون ..مقدرة باهرة على قذف الكلمات
..سرعة لاتجارى ومهارة لاتخيب ..فى عيد ميلادها الأخير قدمت لها جهاز تسجيل فائق الحساسية ..هدية حب منى ..قلت أنه يمتلك المقدرة على متابعة كلماتها ،وأنا أخفى فى نفسى هدفا خبيثا لم أصارحها بها ،وهو أنه سيشغلها عنى ،وهذا سبب شرائى له ..هذا بالاضافة الى أنه سوف يستهلك قدرتها على الكلام فى غيابى فتقول ماتشاء ،واثقة أن هناك من يتابعها ولو كان جهاز تسجيل ، فاذا عدت لم أجد الا صمتا وهذا ما أسعى اليه.

..قدمته لها وطلبت منها ممارسة هوايتها براحة وبعمق ، غير أننى فوجئت بأمرلم يدر بخاطرى قط ، اذ قالت لى ببديهية تحسد عليها:-
- أقبل هديتك بشرط
أسرعت برسم ابتسامة على شفتى و أعلنت راضيا قبولى لشرطها قبل ان تنطق به . قالت:-
- حينما تعود الى المنزل تسمع كل ماسجلته
ارتميت على مقعدى هاويا الى لجة صمت طاحنة ، ولم انطق بحرف . تساءلت بدلال :-
- مفاجأة ؟؟
قلت :- رائعة
.وأنا أبحث عن ريقى محاذرا من عينيها . لاحت لى خاطرة فاسرعت بالقول :-
- حينما أعود الى البيت أريد سماعك أنت .. لاالمسجل
اشرق وجهها بابتسامة . قالت :-
- لم يغب هذا عنى .. طالما أنا متيقظمة سأحادثك وحين أنام أو أخرج سأترك لك المسجل حتى لاتشعر بالوحدة
صمتت قليلا وهى تتفرس فى ملامحى ، تبحث عن ذرة تحمل شبهة اعتراض ، لم تجد . اكملت كلماتها :-
- طبعا حينما أعود أو أصحو سأناقشك فيما سمعته أغمضت عينّى حتى لاترى مابهما ، وهرولت من أمامها الى غرفة مكتبى عازما على كتابة استقالتى من وظيفة مستمع تلك ، المفروضة علىّ ، تدبرت الأمر جيدا ، وجدت أننى لن أتحمل ردها فى حالة اعلانى تلك الاستقالة. مؤكد الأمر سيتطور ، وساعتها لن أجنى الا الندم وتأنيب نفسى لتهورها . راودتنى نفسى على السفر والبعد كلية عنها . هززت رأسى ساخرا من تلك الفكرة لأننى مهما غبت سأعود ، ولحظتها ستضع الشرائط أمامى حصاد الغياب ، وحينها لن أنبس بحرف ..جلست واضعا يدى على خدى وانا اسأل نفسى وما العمل ؟.. جاءتنى فكرة كالبرق ..نتكلم بعدد متساو أنا وهى تطبيقا بمدأ المساواه بين الرجل والمرأة ، وطبعا لن أجاريها فى سرعتها ،فعليها اذن أن تلتزم بحد أقصى لاتتجاوزه من الكلمات ..أعجبتنى الفكرة ..قلبتها على وجوهها ..رائعة ..رجعت الى الردهة باسما ، بادرتنى فورا :- هاك ماسجلته فى لحظات غيابك
اتسعت ابتسامتى وانا احمل الجهاز منها
..ملأ وجهها العجب سألتنى فى ريبة :-
- مابك ؟
قلت :- فكرة أريد عرضها عليك
ازدادت مساحة الدهشة على أطراف وجهها سألتنى :- ماهى ؟
- أطلب المساواة معك
- نعم ؟
قلت :- أريد حقى
تغيرّ وجهها فورا بفعل الغضب ..بدأ صوتها يتخذ شكلا جديدا وهى تسأل متوجسة :-
- كيف ؟
قلت وأنا أعطيها المسجل :- نطبق المساواة على الكلام
ازداد صوتها غلظة وهى تقرب وجهها من وجهى متحفزة :-
- مازلت لاأفهم
قلت بسرعة :- نتكلم بقدر متساوى
علت شفتيها نظرة سخرية وهى تنظر الّى من أعلى
- لن تلحقنى
قلت :- انت التى ستساوينى
برقت عيناها :- تقتل كلماتى !! .. كيف؟
جلست أشرح لها .

ابتسامة سرمدية من وجه قديم

ابتسامة سرمدية على وجه قديم





قصة قصيرة





محمد عباس على








فتنة
اللحظة تأخذها ، تنسى هرولتها الى الحجرة ، اٍغلاقها الباب خلفها ، ارتمائها على السرير باكية ، دافنة رأسها فى الفرش حتى لايسمع مخلوق بكاءها ..تنسى كل هذا ولا تتذكر الا وجهه، وبسمته الحانية وهو بين يديها . تحدق فى عينيه ، تبتسم له ، تتمدد ابتسامتها بطول اللحظات ، تحادثه ، تسأله لماذا لايتكلم ، لايناغشها كما كثيرا فعل . تنتبه له يمد يسراه الى يمينها التى تهنأ بالرقاد على راحة يده مطمئنة، يمد اليسرى واحة حنان على بساط خصرها ، يشدها للوقوف ، تلين معه كعادتها ، تدور والحجرة والكون بين ذراعيه ، وابتسامتها تواصل التمدد ، وقلبها الطفل يرقص على خيوط وحبال نظراته الحانية فرحا ، يبحرا معا عبر اللحظات الى أماكن لم ترها عين من قبل ، فوق مياه حانية تهدهدهما مترفقة ، تمضى بهما وسط ريح رخاء ، من ميناء الى ميناء وهى بين دفتى ذراعيه ، مجدافهما أحاسيس عذراء تتدفق حولهما ، تتقدمهما من مكان الى آخر، وابتسامتها تواصل الاتساع . فجأة يخترق أذنيها زمجرة ريح عاصفة تحطم قاربهما ، غمام كاسح يغطى وجه السماء دونها ، وصوت راعد يأتيها من كل الجهات :-
- هناء .عريسك حضر
ترتعد ، يفلت من بين يديها المتعلقتين به ، يمد يديه مستصرخا ، تهوى كلها اليه ..تنتبه لنفسها مكومة على أرض الحجرة ، محيطة صورته التى وقعت منها بكلتا يديها .. وتواصل البكاء!
...........................
فى ذلك الصباح هطلت أمطار صمتها فأغرقت المكان ،حاصرتها كلمات أبيها ، ذات الكلمات التى طالما احرقت أذنيها ..حاولت الهرب من صوته ، من كلماته ، ومن وجهه . ادارت رأسها ناحية النافذة ، رأته هناك ، ملامحه تتمدد مخترقة المكان كله الى الأفق .. نظراته بأذرعها الأخطبوطية تقيدها ،وفمه بأجراسه الرعدية يدق جدران رأسها :-
- المرأة للزواج .. أم تريدين ....؟
وهى من خلف أمطار صمتها الهاطلة تنظر اليه ..ترى الريح تعبث بوجهه المدود هناك على صفحة الأفق ، تدفعه يمينا فلا يبدو منه الا عين يسرى ترمى بالشرر ، وترده يسارا فتقابلها عينه اليمنى بشرر أشد . بينما وجه أمها روضة يانعة الزهر ينبع منها أريج يملأ النفس سكينة ..ترمى نفسها بين ذراعيها تتفتح الأزهار وتشرق الشمس بعد طول كسوف :-
- أبوك يريد صالحك
يتدفق سيل من نبعى عينيها يملأ تخوم وسهول خديها وذقنها:-
- وفريد ياماما ؟!!
- فريد ياحبيبتى راح
ينتفض الجسد صارخا بكل خلاياه و دماؤه الهادرة فيها: لا
وتتحرك لتواجه عينى أمها بعاصفة النظرات ، تلاحقها الأم باعتراض له أريج ناعم :-
- فاتت سنة ياعلياء ..مازلت صغيرة ..مرغوبة
تتسع عيناها لدهشة باتساع محيط ..سنة مرت ؟!
تتجه لعينى أبيها .. تتحول نارهما الى نيران حانية اللمسات ،دفئها يحتويها ،يشدها هامسا فى رفق :-
- أشعر بمتاهة الأحزان التى تبتلع أيامك..لكن الى
الى أين ؟
تجيبه عيناها :- الى أى مكان مادام معى
تلسعها حرارة النيران :- لكنه راح ..راح
تهوى نظراتها من حالق .. يغادر والدها المكان ، لائذا بفجاج الصمت

....................
باب مغلق على جدران عمياء ..الصمت كونها ..برودة ثلجية تحصرها ..وهى هناك ..على الأرض ماتزال تحنو على صورته ..يبسم لها مهونا ..تبسم له..يطل وجه أمها كالقدر:-
- علياء ..الفستان
ترل عيناها اليه ..مفرودا على سريرها كان ..كفنا أبيض له زرقة خفيفة تعطيه رونقا للقاء لحد..زحفت اليه ..اقتربت من السرير ..ضجت نبضاتها بالصراخ ..استدارت عنه ..ارتطمت بوجه أبيها على الجدار .. استغاثت به :( لاأملك الاقتراب منه ) ..عبست ملامحه..صرخت:- ..( ماذا افعل؟).. تحول العبوس الى نفور ..هربت من عينيه الى فريد ..بزغت من وسط الدموع بسمةصغيرة وهى تسحب برفق صورته .. حدقت فى عينيه ..شكت له من أبيها ..من قسوته .. ربت يدها برفق .. رفع ذقنها الى أعلى مدققا فى حبتى عينيها :-
- الوحدة ..البكاء ..الذبول ..ثم ماذا ياعلياء ؟
اتسعت حدقتاها لبحار من حيرة هادرة :- ماهذه الكلمات ؟!
رفع يده اليسرى لتتعلق بها يدها اليمنى كما طالما فعل..طاوعته ومدت يدها ..فتح الباب برفق ..تراجعت خطوة ..شدها بحنو ..تقدمت ..رأتها أمها قادمة ..انطلقت من عينيها ابتسامة وهبت اليها .. مدت كفها الى يدها اليسرى وسارتا الى الأمام ..أخفى جسدها وهى تتقدم الى الردهة صورة مؤطرة باطار أسود منذ عام ، تحمل ابتسامة سرمدية ، تشمل الجميع !!

عين الآخر

عين الآخر
...........


قصة قصيرة



رشق فى ظهرى حبتى عينيه واتبعهما بصليل صرخاته المدوية :-
- انت ..تعالى
رجعت اليه ..تفجرت طاقاته المختزنة من دهور سحيقة فى وجهى:- - ستظل هكذا عاجزا
تتركهم يفعلون مايريدون دون تصويب
أين دورك؟ أين تعليماتك ؟
أين ...........؟

لم أنتبه لبقية كلماته ، اذ أمتدت يداه الى وجهى وهو يتكلم، لم أجرؤ على الاعتراض وهو ينتزع عينّى ويضع بدلا منهما عينيه ، ويشير بيده فى اتجاههم آمرا :-
- اذهب اليهم
تصرف معهم..أتفهم ماأعنى ؟
فتحت فمى لأتكلم، لم أقصد اعتراضا على شىء مما قال ، فهذا لا أفكر فيه ، ربما عن رهبة من عقاب ، وربما أيضا لا متلاكى شخصية ضعيفة أمام عينيه المتجهمتين . أردت فقط أن أسأل ماهو ذاك الذى يعنيه .. بمجرد اٍنفراج شفتى مد يده الى فمى ..سحب لسانى ووضع لسانه بدلا منه ، و أمرنى أن أذهب ،أصرخ فيهم،أنبههم أن الأمر ليس هزلا ، وسوف تتم محاسبتهم بشدة تتناسب مع مدى اهمالهم وتراخيهم فى تنفيذ ماهو موكل اليهم ..نظرت اليه بعينيه وحادثته بلسانه فوجدتنى أعرف جيدا مايعنيه ، وأقتنع تماما أنهم مخطئون ، ليس مهّما كيف ، أو ماهى الحيثيات التى بنيت عليها حكمى ، فليس هذا فى تلك الواقعة بالذات بالأمر الهام ، المهم أننى مقتنع وهذا شىء ليس باليسير . مضيت اليهم.،
اندفعت اتكلم بلسانه فى ثقة ، مرددا كلمات ذات ثقل، وأنظر اليهم بعينيه وانا فى حالة انتشاء ، اٍذ أرى رؤسهم محنية على الصدور فى تشكيل بديع ، ذكرنى بمواقف لا أذكرها الآن ، كنت أقف فيها مثلهم .. حدقت فيهم متفحصا ، مدققا ، كما طلب منى ، فوجئت بكبيرهم يختطف تلك الأعين منى ويضع عينيه بدلا منها ..تحول عبوسى الى ابتسام فورا ، وصار البحث والتدقيق سكونا ، شعرت به و انزعجت ، فتحت فمى صارخا بلسانه مؤكدا جرم مافعلوه ، مسارعا باغلاق فمى ، حتى لايقوم كبيرهم بحركة خداع جديدة ، ويضع لسانه بدلا من الأخر فأتحول انا الى متهم وينتهى أمرى ، غير أننى لدهشتى رأيت أحدهم يحضر ماء معطرا ، وآخر يأتى بطست كبير ، وثالث وهو كبيرهم يخرج قلبى من مكمنه ، ويغسله مما علق به من شوائب وأدران ، ثم يعيده مكانه ..لحظتها رأيتنى أفتح فمى ..أخرج لسانه والقيه جانبا ، وأعلن دعمى الكامل لهم ،ليس هذا فقط بل أننى عدت اليه حاملا لسان كبيرهم وعينيه .كان ثائرا ،واجهنى بطوفان من الصراخ ..لم ابال به ولا بصراخه ، ولا حتى بتساؤله عن نوع الجزاء الذى أرى أن يطبق فورا .. لم أبال بكل هذا ..كل مافعلته أن القيت اليه بلسانه وعينيه وقفلت عائدا ..اليهم !!

الجمعة، 9 أبريل 2010

व्ह्जप्म ,वर्म ज्व्ग्प गग;jhfm


رائحة ورقة تصلح للكتابة





1-
ارادت ام حسين أن تؤدب زوجها المرسى .. لم تجد افضل من تعليقه عاريا على حبل الغسيل بالشرفة .. قاصدة ان يراه الجيران ..يعرف القاصى منهم قبل الدانى ماجنته يداه..قالت امرأة من الجيران اركب الحذاء واتركه يهرول بى الى هناك ..اعرف من ام حسين ماجرى ..اعلقه على صدرى ليقرأه ويعرفه من لم يعرفه بعد من الاحباب
والاصحاب ..اعتلت حذاءها ومضت الى حيث ارادت .
رأى المرسى اعينا تتسلق الجدران المواجهة لبيته ..تبحث لها عن مواقع مميزة ترى منها ماتشاء ..قذف احداها بمشبك غسيل مجاور ..هوت العين تتدحرج على ارض الطريق
قالت المرأة وهى تعلق على وجهها مجموعة بسمات منتقاة لأم حسين:- اصابنى القلق عليك..ماالذى جرى؟
زعقت ام حسين :- طهقنى ..طول النهار يجرى فوق ورقة كراس ..يشعر بالملل يقفز فى قلب كتاب ..اقول له كفى..يرمينى بنظرة ضيق قائلا ..عدوة الابداع
مصمصت المرأة شفتيها وهى ترميها بنظرة اشفاق هائلة وتدير رأسها مغادرة: اعانك الله على ما ابتلاك
وتركتها مهرولة الى السلم الذى لفظها الى الطريق
..................................
2-
عاد الى الورقة من جديد ..انحدر مع سطر منها الى ادنى رغما عنه..انتبه ..حدقت عيناه غضبا من السطر المراوغ الذى زاغ عنه وحاول الصعود ثانية الى اعلى ..رأى سدودا تمتد امامه تعوق تحركه..ارتجف..مضى بينها يبحث عن مهرب..انسابت من فتحات رأسه شرائط ورقية رفيعة تحمل افكارا ومواضيع شتى ..مضت تتسلق الجدران ..تمسك بطرفها صاعدا حتى وقف على قمة سطر وعب من الهواء مايكفيه لتعويض مافقده فى رحله الصعود....انتبه للشرائط الورقية تتطاير الى انفه مع الهواء ..صرخ ..الافكار ستخنقنى .
...........................................
3-
من ثقب الباب رأى زوجته تنبثق وتتشكل امامه فى صورتها التى يعرفها صارخة ..عاوزين فلوس يامرسى .
اشار الى بنطاله على الجدار..حدجه البنطال مليا..اخرج جيوبه الخاوية هازئا وادار وجهه عنه..وجهت المرأة عينيها واسنانها نحوه..همس ..تصرفى الآن ..ودعينى لأفكارى.
انشبت اظفارها فيه ..رفعته من ياقة قميصه الى مروحة السقف ..ربطته فيها وادراتها بأقصى سرعتها..طارت الافكار عبر النافذة..بقى بدونها شاعرا انه بلا غطاء.

4-
قررت ام حسين تصعيد المواجهة مع المرسى ..قررت عدم السماح لأى ورقة بدخول بيتها..علا صوته ساخطا ..والكتابة؟ ..لم تبال به..هرول خارجا الى الطريق ..قائلا لنفسه سأكتب على اى صفحة متاحة ..ومضى باحثا بعينيه على ارض الطريق عن ورقة تصلح لمعانقة القلم..انتبهت اذناه لصوت خطوات مجاورة ..انصت جيدا ..دقق فى الانصات وهو يكاد يضج من الفرح ..الاقدام تكتب بخطواتهاحروفا..توقعها على الارض ..الحروف تتشكل جملا ..الجمل تتشابك لتصنع عبارات ..الاقدام تكتب ..العبارات تضج بالمشاعر..اكمل سيره متابعا خطوات اخرى ،فأخرى ..اسعده اكتشافه..صار قادرا على قراءة الخطوات..يحدد عن طريقها المشاعر ..عاد يعب من الهواء بقدر مايستطيع .
5-
حينما اتى الليل انسل من عقب الباب الى داخل شقته..احتمى بالظلمة ومضى داخلا ..فتح زجاجة الحبر وقذف بنفسه فيها ..اغترف منها مايكفيه وقفز خارجا..ارسل انفه بتشمم رائحة ورقة تصلح للكتابة..رأى واحدة اسفل مقعد قريب..قفز فوقها ..زغردت السطور ورقص الحبر سعيدا ،اما هو فنسى ام حسين وقرارها المتعسف ،ولم يعد يذكر لها وجود.

الخميس، 8 أبريل 2010


القصاص من اصبع







صدقونى
رغم اننى مقتنع تماما بما فعلت ،الا اننى لم اقصده .لقد جاء عفو الخاطر ..لم افكر لحظة - او حتى اقل من لحظة - فى عواقبه ..رأيت الرجل شديد عبوس الوجه الى درجة تداخل ملامحه فى بعضها ..اشار ورقبته تبرز من اعلى قفصه الصدرى كسلحفاة باصبعه السبابه الى الخارج ..شعرت وانا ارى الاصبع فى فضاء الحجرة صلدا متعجرفا ، له هيئة حادة بارزة تحمل معانى الازدراء ..تعجبت ان يكون لأصبع ما كل هذا التأثير..رأيت ان هذه فرصة رائعة ..لحظة فريدة ..قررت لاشعوريا ان التقطها ..وفعلت !
...........................................
صدقونى
هى الظروف وحدها التى صنعت هذا ..تكاتفت مع المشاعر التى تولدت فى تلك اللحظة فكان ماكان .
لقد بدأ الامر مثل اى شىء عاديا جدا ..وقفت امام باب الحجرة ارقب المكتب الرفيع الفخامة منتظرا ان يتفضل سيادته برفع رأسه ليرانى ..طال وقوفى ..عدت الى السكرتير بالخارج ..همس فى اذنى :-
- سعلة خفيفة تنبهه اليك.
- قد يكون مشغولا.
- هو الذى طلبك
عدت الى الداخل من جديد ..سعلت سعلة خفيفة ..بنصف رقبة او اقل قليلا ،ودون ان ترتفع رأسه عن الاوراق امامه اشار باصبعه السبابه الى الخارج .
حدقت فى شعر رأسه القليل الذى يخالطه البياض ، بالصلعة فى منتصف الرأس ، وهو يرتكز بمرفقيه على الاوراق امامه على مكتبه ، منهمكا فى الفحص والتنقيب ، مشيرا باصبعه الى الخارج ، دون ان يكلف نفسه مشقة النظر الّى .تقدمت قليلا الى الامام فى هدوء ، وانا احاذر ان يصدر عنى صوت يبعثر انتظام الصمت فى المكان ، انتهزت فرصة ارتفاع جفنيه قليلا عن الحدقتين وقلت هامسا : -
-هل تسمح لى سيادتك ان ....
لم يدعنى اكمل ..فتح الفم ..تدلى اللسان وانسابت الالفاظ وانا امامه فأر لايملك الا الحيرة والصمت .
عاد اصبعه يرتفع فى وجهى ..رأيته متعجرفا ..ممطوطا ..متضخم الحجم ..اندفعت اليه محاولا الامساك به ..صرخ الرجل ..اخذت اهدىء من روعه قائلا : -
- لاتخش شيئا. سأخلصك منه.
وانا احاول الامساك بالاصبع ..دون جدوى ،حتى فوجئت بمن يقيد حركتى ..سألتهم : -
- ما الامر ؟
- اعتداء على شخصية هامة
صدقونى لم اقصد هذا ..لقد اردت صالحه .
على كل هو الخاسر مادام هذا الاصبع معه ..!



ذاكرة الغد
...........


قصة قصيرة






حين رأيته هناك أدركت من هيئته أن الأمور ليست على مايرام ..قررت الاٍٍبتعاد فورا ، قاصدا الهرب من عينيه الى مكان لايصلنى فيه شعاع من نظره ، ولا موجة من صوته . لمحنى على البعد ، رشق فى ظهرى حبتى عينيه واتبعهما بصليل صرخاته المدوية :-
- انت ..تعالى
رجعت اليه ..تفجرت طاقاته المختزنة من دهور سحيقة فى وجهى:- - ستظل هكذا عاجزا
تتركهم يفعلون مايريدون دون تصويب
أين دورك؟ أين تعليماتك ؟
أين ...........؟

لم أنتبه لبقية كلماته ، اذ أمتدت يداه الى وجهى وهو يتكلم، لم أجرؤ على الاعتراض وهو ينتزع عينّى ويضع بدلا منهما عينيه ، ويشير بيده فى اتجاههم آمرا :-
- اذهب اليهم
تصرف معهم ..قل لهم أننى الأصل ..أنا الأمس وأنا اليوم ..أما هم فلا شىء ..أتفهم ماأعنى ؟
فتحت فمى لأتكلم، لم أقصد اعتراضا على شىء مما قال ، فهذا لاأستطيعه ولا أفكر فيه ، ربما عن رهبة من عقاب ، وربما أيضا لا متلاكى شخصية ضعيفة أمام عينيه المتجهمتين، ولسانه الذى لايهد أ. بل أردت أن أسأل ماهو ذاك الذى يعنيه .. بمجرد اٍنفراج شفتى مد يده الى فمى ..سحب لسانى ووضع لسانه بدلا منه ، و أمرنى أن أذهب الآن،أصرخ فيهم،أنبههم أن الأمر ليس هزلا ، وسوف تتم محاسبتهم بشدة تتناسب مع مدى اهمالهم وتراخيهم فى تنفيذ ماهو موكل اليهم ..نظرت اليه بعينيه وحادثته بلسانه فوجدتنى أعرف جيدا مايعنيه ، وأقتنع تماما أنهم مخطئون ، ليس مهّما كيف ، أو ماهى الحيثيات التى بنيت عليها حكمى ، فليس هذا فى تلك الواقعة بالذات بالأمر الهام ، المهم أننى مقتنع وهذا شىء ليس باليسير . ومضيت اليهم.
اندفعت اتكلم بلسانه فى ثقة ، مرددا كلمات ذات ثقل، من بينها أنه الأصل ، والماضى العريق واليوم المشرق ، وأنظر اليهم بنظراته وانا فى حالة انتشاء ، اٍذ أرى رؤسهم محنية على الصدور فى تشكيل بديع ، ذكرنى بمواقف لا أذكرها الآن ، كنت أقف فيها مثلهم .. حدقت فيهم بعينيه متفحصا ، مدققا ، كما طلب منى ، فوجئت بكبيرهم يختطف تلك الأعين منى ويضع عينيه بدلا منها ..تحول عبوسى الى ابتسام فورا ، وصار البحث والتدقيق سكونا ، شعرت به و انزعجت ، فتحت فمى صارخا بلسانه مؤكدا جرم مافعلوه ، مسارعا باغلاق فمى ، حتى لايقوم كبيرهم بحركة خداع جديدة ، ويضع لسانه بدلا من الأخر فأتحول انا الى متهم وينتهى أمرى ، غير أننى لدهشتى رأيت أحدهم يحضر ماء معطرا ، وآخر يأتى بطست كبير ، وثالث وهو كبيرهم يخرج قلبى من مكمنه ، ويغسله مما علق به من شوائب وأدران ، ثم يعيده مكانه ..لحظتها رأيتنى أفتح فمى ..أخرج لسانه والقيه جانبا ، وأعلن دعمى الكامل لهم قائلا أنه اذا كان هو الماضى فأنتم المستقبل ، واذا كان له قواعد يستند عليها فأنتم لكم جذور ممتدة فى عروق وخلايا الأرض، ليس هذا فقط بل أننى عدت اليه حاملا لسان كبيرهم وعينيه .كان ثائرا ،واجهنى بطوفان من الصراخ ..لم ابال به ولا بصراخه ، ولا حتى بتساؤله عن نوع الجزاء الذى أرى اننا نستحقه .. لم أبال بكل هذا ..كل مافعلته أن القيت اليه بلسانه وعينيه وقفلت عائدا ..اليهم !!





بعث



ليس غريبا ان تكون – واخوك –فى مكان مغلق ..ترفرف فوق رأسيكما طيور سوداء،تنعق بصوت حاد يهزصدريكما ،وانتما معلقان من ارجلكما
..كل معلق الى حلقة مثبتة فى السقف والرأس لأدنى ..والصمت ينزف
ناره فى الاحشاء ..والعيون ترى الكون مقلوبا ..والفكر يدور.
اخوك التوأم تحتويه سكينة ..يبدو كلوحة عبثية رسمها مجنون ..بينما تركض انت فى فضاء لحظاتك ..تطاردك الصور والخيالات ..تصرخ ..تتكلم ..تحرك ذراعيك بالكاد كحشايا مكدسة بقطن معطن قديم ..تطلق عليه اسئلتك حروفا باكية ..لايرد ..الحجرة مغلقة والظلام غول ..والزمن سهام تنغرز فى الاحداق ..يفتح الباب الحديدى الصدىء مصدرا عويلا صاخبا ..تدور فى داخلك دوامات من انين ..ترددها هامسا كأنما تخاطب بها الجدران اللزجة الغارقة فى السواد ..تسمع فحيحا قادما من غور عميق..(هل حان وقت الحوار؟)..تنتبه لنفسك ورأسك للأرض مقلوبا تهمس ..(بلى )..يثور اخوك ..(اياك ان تنطق بحرف )..ترتجف (لا أملك طاقة اكثر للآحتمال )..تنزف كلماته انينا ( حذار من الضعف)..تتدافع الدموع رغما عنك (تعبت )..يصرخ فيك (حتى لو مت)..تنطلق قهقهة ماسخة تمجها اذناك ..(اسمع نصيحته ولا تتكلم )..وتسمع ازيز كرباج مجنون وهو يشق الهواء قادما اليك ..يرتعد جوفك ..(سأقول كل شىء)..يعاود اخوك الصراخ ..(لا)..تتلاشى صرخاته وسط ضجة العجلة الحديدية الصدئة وهى تدور ، وجسدك يواصل الهبوط حتى تتكور على الارض ..يعاود اخوك الصراخ ..يعالجه الكرباج ..تزداد صرخاته ..يزداد ارتعاد جوفك..فجأة يصمت اخوك ..تنظر اليه..جسده يبدو لعينيك مصلوبا على جدار اسود يعتليه شبح بلا ملامح ..تصرخ انفاسك ..ترتعد نظراتك وتندك النبضات فى صدرك ، بينما تتردد مذعورة فى فضاء رأسك كلمة (اخى....ى ى ى)..وانت تنظر اليه ونزيف نظراتك انين ..تسمع امرا بالنهوض ..رغم عجزك تقوم ..تسمع امرا بالكلام ..تفتح فمك لتتكلم ..ترى اخاك طائرا يرفرف بجناحيه فى فضاء المكان ..امام الاعين وبجوارالكرباج والجنزير والحلقة الحديدية اعلى السقف..يدور هنا وهناك حرا لايملكون ايقافه ..تتابعه عيناك ..تشهد شفتاك مولد ابتسامة وانت تراه يبتسم لك ..يعاودون اصدار الامر بالكلام ..تتجه بوجهك اليهم ..تحدق فى الاعين هادئا ..مغلق الفم !




انشطار
........
قصة قصيرة






جلس
بجوار الباب يبحث عن انفاسه ..كان الباب مفتوحا مازال ، ورائحةرطوبة تدور حوله ، وصمت ناعم يداعب اذنيه .. اغلق الباب بدفعة من قدمه التى هدها صعود السلم ، واسترخى على مقعده ، تراخت يداه الى جانبيه ، ومد ساقيه امامه .. القى رأسه الى الوراء ، واغمض عينيه .. بجوار الباب مباشرة وامام المقعد الذى جلس عليه كانت مرآة عريضة ترتفع الى مافوق قامته قليلا .. بدت على صفحتها المتربة عتمة شفافة ، لم يلغها نور اللمبة الضئيل الذى اناره عند دخوله .. الشقة خالية الا من انفاسه وتهدج صدره صعودا وهبوطا ، وعاصفة من الخواطر تطارده .. قراره بالابتعاد وشعوره بالرفض لأى محاوله للأقتراب منها، هى التى كانت الوجود بالنسبة له .. انتبه لحركة يجانبه لم يحدد مصدرها .. انتفض ..اهتزت الشعيرات القليلة اعلى رأسه ، وعاد قلبه الى ارتجافته .. عبر ضوء اللمبة الضئيل رأى - من خلال المرآة - عينين تحدقان فيه النظر على البعد .. عينان لايبدو منهما الا بريق يخترق العتمة قادما اليه .. حاملا نظرات يضيق بها .. يرفضها لقد اتى الى هنا هاربا ، يريد ان ينأى بنفسه ، ينفرد بمشاعره ، بأنفاس ابويه التى مازالت تعبق المكان .. الشقة كما هى منذ اغلقها آخر مرة .. الاثاث تغطيه ملاءات يعلوها التراب .. والاركان ممتلئة بذكريات تدغدغ مشاعره كلما رنا اليها .. ولاشىء هناك الا صمت وعتمة ، وصوت انفاسه المتلاحقة ، وتلك النظرات التى تلوح له .. اتسعت عيناه وهو يعتدل محدقا فيها بنظرات متسائلة مرتعدة .. عبر الضوء الباهت تلاقت الاعين .. تصادمت النظرات .. حملت عيناه عبوسا كالغيم واجه به خصمه .. حتى هنا لم يتركه .. تعقبه مترصدا خطواته .. متتبعا لحركاته .. مصرا الا يفلته .. كأنما لم يخطىء - ان كان اخطأ - فى الكون سواه .. استدار اليه بقوة صارخا :-
- انت

تبسم الآخر ساخرا :- ضايقتك ؟
صرخ :- نعم
صمت قليلا ثم أردف :- لماذا جئت ؟ تغاضى الآخر عن الجواب عامدا .. دار بعينيه فى المكان .. تعقب نظراته بنظرات قلقة ..ماله به ،مال كل الناس به ؟
يبتعد عنها ،يقترب منها ،يحادثها ،يرفض لقاءها ؟
هذا شأنه وحده
وكأن الآخر يقرأ افكاره عاد اليه محدقا فى عينيه ..انتبه للون الحدقات حينما تواجها تحت ضوء اللمبة الضئيل خلف الباب ..لونها بهت بفعل الايام ، أو الاحداث ، أو ربما مايكبته من احاسيس فى صدره ..وجهه ذاته يحمل سمات كهولة ..رغم هذا فهو لايهدأ ولا يعرف الصمت ..فى الايام الأخيرة صارت صحبته ثقيلة على نفسه .. هو الذى كان يزهو به ..يقدمه لمعارفه متفاخرا بصحبته ..الآن صار كثير الكلام ..الشيخوخة اثرّت على عقله ..كم اللوم والتأنيب لايطاق ..
- لماذا تركتها ؟

حدجه بنظرات نارية ..من بين أسنانه أجاب :-
- ولماذا لا أتركها ؟

عادت تلح عليه الصور ..تلوح له متعاقبة متتالية ..تدورأمام عينيه ..تتقارب وتتباعد ، وهو ينظر مبهوتا ، مبهور الأنفاس والدماء تتدفق من شراييه لتدق جدران رأسه صارخة.
واجهه الآخر بقوة :- مازلت تحبها .
- لا
- تحبها
- لا

هجم عليه ..ضربه بيد\يه واقدامه طالبا منه الصمت ..ظل الآخر - غير مبال بما يجرى - يواجهه فى ثبات ..يحاصره بعينيه ..شعر بالهواء يتسرب ..صدره يضيق وانفاسه تختنق ..هرول نحو الباب ..فتحه بقوة ومضى، بينما مازالت قطع من زجاج المرآة تهوى متناثرة على الأرض المتربة ، ونقاط من دماء تتواصل متجهة نحو الباب . !



المصير


قصة قصيرة




رأى نفسه معلقا على جسر خشبى عال ..مصلوبا عليه
كعلامة (x) ادمية محطمة العظام ..تتأجج تحته نيران هوجاء ، السنتها تتصارع كمردة الشياطين وسط الظلمة ، رامية بظلالها على ماحولها ، وهو هنالك لايملك الا عينين يرتعدان خلف جفون فزعة ، يسمع لعويل الريح ،
ويرى تلاطم امواج متدافعة من النيران لاتهدأ ، وينتبه وسط هؤلاء لأعين صارخة الحدقات ، نظراتها الملتهبة تحاصره ، وصوت آت من اعماق فضاء معتم يصرخ فى اذنيه:-
- مذنب

وهو وسط قيوده ، جسده يئن تحت لطمات اللحظات المتعاقبة ، تنهمر نظراته فزعة عبر الادخنة المتصاعدة وتراقص الظلال ، وقلبه بالكاد يرسل همساته الخافتة طالبا الخلاص ، وعيناه تدوران رغما عنه على الوجوه المحيطة متوسلة ، بينما السنة النيران كحيات تسعى .. ترميه الاعين بلهب النظرات ، توسعه لطما باقسى النعوت ، يمتلأ قلبه بصديد الخوف تصرخ نظراته :-
- الرحمة

تجابهه الظلمة ..يزلزله الصمت.. تعاود عيناه الصراخ ، بينما لسانه داخل فمه مكوم فى صخريته يشكو جفاف حلقه :-
- كنت امد اليد
اطعم الفم
املأ العيون
وآوى الاجساد
كنت.....!
تجابهه عين دامية بصراخ اشد مكملة :- تذل القلوب وتحنى الهامات
يرمى رأسه على صدره ..يتأوه الصدر من ملامستها ..يرفعها بالكاد مجابها الا عين الراصدة:-
- كنتم تصمتون
تتصادم النظرات ..تجابهه عين اخرى :-
- صمتنا رغما عنا
يواجهها متحديا:-
- الصمت معناه الرضا تبصق نظراتها فى وجهه مكملة
- او العجز

بدا المكان حوله رمادى اللون ،خفيف الضوء ، اقرب الى الظلمة ، محاط بالظلال السوداء ، بينما الصمت صراخ يهز الصدور . رفع جفنيه بالكاد باحثا عن وجه السماء ، قديما كان يطيل النظر اليها ، يبحث فى طياتها عن برج سعده الذى اشاروا له اليه ، مسائلا النجوم عن اوقاته ، هامسا لنفسه انه لولا الالهام الذى يأتيه ماملك امره ونفذت كلماته . دوما كان يثق بقدرته على مجابهة الاعين وماتبوح به من خفايا الصدور ، وكان دستوره المهابة والخضوع ، فما من قلب يعرفهما الاانحنت هامته ،وارتخت اجفانه ، وصمت لسانه ، اما بدون المهابة فلاشىء هناك يمنع التمرد واعلان العصيان . الكل عليه ان يحنى الرأس لكى يرى ماتحت قدميه ، هذا يكفي العامة ، اما ارتفاع العينين لأعلى فسوف يولد فى النفس رغبات خطرة ، يرغّبها فى اعتلاء ابراج لايصلح لها الا من منح الالهام مثله . الشىء الذى يحيره الآن هو تلك السرعة التى سار بها الى ماهو فيه ، لايدرى كيف ابحرت لحظاته فى تلك العواصف ، وانتزعته من احضان افلاكه العلوية الى ادران ارض كان يأبى النظر اليها من قبل ، وضاع منه الالهام كأنه لم يكن يحمله ذات يوم .
رفع جفنيه بالكاد لأعلى ، رأ ى السماء كما لم يرها من قبل ، سدودا سوداء تمنع عنه وجه النور ، وبينها نجوم مظلمة الوميض ، ترميه بشرر يتغلغل فى اديم عينيه .
ومن طيات الصمت الناشب اظفاره فى صدره اقتحم الصوت النارى النبرات اذنيه من جديد :-
- مذنب
صرخ :- لا
لم يجاوز صوته حلقه ، انتبه لأيدى تصل اليه ، تشده من موضعه ، تمتد نحوه مقبوضة الأكف عدا السبابة
والوسطى تريد فقأ عينيه ، ارتفع صراخه وهو يحنى رأسه ، يدفنها بين ساقيه ، يأخذ وضع الجنين ، ويتقازم
، يتقازم ..
بلا انتهاء.




القصاص



قصة قصيرة


ادخل هذا البيت .نعم هو..الا تعرفه؟
تقدم ..اعبر الباب قاطعا الساحة الصغيرة الى السلم..اصعد مترفقا ..ستقابلك الدرجات بترحاب فهى تعرفك ..الجدران الرطبة المتآكلة الطلاء ستطل عليك ، لن تنفر منك فأنت منها قريب اكمل الصعود ،لاتخشى الظلمة ، فهاهنا الظلمة ترى من خلا لها بروحك ماحولك ، تشعروخطاك تجتازها بذات هدوئك
، اصعد السلم اذن حتى تصل الى الدور الاول ، هناك توقف واستدر الى الباب الخشبى العتيق بنقوشه المتآكلة الالوان ، حدق فيها ، تذكر ايامك الاولى معها ، ثم دق الباب فى رفق وانتظر قليلا ، لاتتعجل الرد ، فالمرأة التى ستفتح لك عجوز بطيئة الحركة ،انظر اليها ، املأ عينيك من سمرة قسماتها ، من رحابة تعبير اللهفة التى تفجرت به كل ذرة من كيانها حين تراك ، لاتأبه لسواد ملابسها ، ولا لخطى دمع يشقان خديها ، ايضا من الافضل الا تنتبه لارتجافة يديها وهى تمدهما اليك ، كل ماعليك ان تترك نفسك لأحاسيسك معها ، ستفتح لك ذراعيها ، تحتويك فى اعماق احضانها ،هى هكذا ، حين تراك يدق قلبها بقوة بعد خفوت ، و تومض احداقها بعد سكون ، وتضمك الى روحها ، استكن بين الذراعين مجاورا القلب فهاهنا عشك القديم ، انصت الى دقات قلبها العجوز جيدا، افتح اذنيك واستمع الى دعوات هى خالصة لك ، وحين تطلقك ذراعاها قبّل يديها ووجهها المغضن بحبات نبضها القديم ، وتحرك نحو الباب ، اهبط السلم وثبا ، وحينما تصل الى الطريق لا تتلفت كما كنت تفعل قديما ، خذ وجهتك اليهم ، حاربهم بكل ماوسعك الجهد ، لحظتها سترى حولك من ذهبوا ، ستراهم بجوارك لايهابون الموت ، واذا شعرت ولو للحظة بوهن ارفع رأسك لأعلى ، ستعرف ان هناك من يرقب عملك ، يسعد بقرارك ويقّدر جهدك ، او فتش فى قلبك لترى ذات المرأة العجوز التى من المؤكد تنتظر عودتك ، حدق فى الوجه المغضن بأنات القلب ، تفحص خطى الدمع العابرين الخدين ،انظر ، تفحص ، دقق .
لحظتها ستكمل من اجلها\اجلهم القصاص !



ملامح يوم سعيد
.....................

قصه قصيره
...............






- امسح ماعلى وجهك

كلمة عابرة قالتها ، و رمت بوجهها الى الجدار من جديد ، نائية بملامحها العابسة عنى
.مددت براح يدّى على سهول وهضاب الوجه ، بعدها فردتهما مبسوطتين ورشقت فيهما نظراتى ، لم أر شيئا ، تحركت متجها الى المرآة والقيت بوجهى على صفحتها ، ابتسامة عريضة تشد الفم من ركنيه ليتسع ، وترمى بألقها على العينين فتنيران كبدر راقص فى ساحة الفضاء ..أشرت للمرآة راضيا ، هللت من الضحك وغمزت بعينها اليمنى ، اطلقت صفيرى المحبب - الذى نسيته منذ دهور طوال - وأنا أعود الى جحرى فى حجرة النوم . رمقتنى بعينين مازالتا تحت تأثير عبوس مقيم ، ومصمصت شفيتيها ، وأطلقت كلمتين من قاموس كلماتها الذى اعتدت - من طول العشرة على مفرداته - وعادت الى مضاجعة الجدار . مددت مخالبى الى كتفيها - لم أخمشهما كبقية الكائنات الشرسة - و أدرتها بقوة الّى مباعدا بينها وبين الجدار الذى فضلته علّى ، اتسعت عيناها اتساع مابين الأرض والسماء وهى ترمينى بشرر نظراتها اللاهثة ، متسائلة :-
- هل جننت ؟
انطلقت ضحكتى مجلجة :- نعم
وقبلتها على خديها اليابسين ، زغردت شعيرات رأسها البيضاء ، وأضاء جبهتها قنديل لم أره منذ زمان ، رغم هذا حاولت معاودة اللحاق بأذيال الجدار ، لم أعطها الفرصة ، واطلقت كلمتى التى كانت تحبها قديما الى أذنيها مؤكدا على كل حرف منها :- احبك
ضربت كفا أعجف بآخر أعجف منه وهى تتعجب مماجرى لى . اكتفيت بهذا حتى لا تتطور الأمور الى ما لا أريد ، وتحركت ملبيا نداء ملابسى على المشجب .
...........................
بدا السلم مغسولا بماء الصباح ، ندّى الجسد ، تلوح على ملامحه نعومه ودفْ ، مسحت على سطحه الخشبى بموده وانا أهبط الدرجات متمهلا ، شاعرا أن كل درجة أهبطها خطوة الى النور . رأيت بابا فى الطابق الاول وجهه سقيم ، عليه آثار خدوش من مخالب زمن قديم ، ابتسمت له ، هش لى مبينا فتحة فمة المثروم . حين جاورته زغردت مفصلاته وهى تتحرك الى الخلف ، مفسحة الطريق لجسد ثقيل - كنت قديما لا أطيق رؤيته -
تقابل وجهانا لثانية ، كانت كافية لأن ابتسم للوجه المظلم ، بتقطيبه جبينه ذات الحيز الضيق ، بخطوطها الأفقية المترامية الأطراف ، أبتسم له وأحييه وآوخر نفسى لأفسح له الطريق وأنا أسأله عن الأحوال ، تحول الظلام الى عتمة خفيفة وهو يهز رأسه محاولا الافلات من قيد العبوس ، وحينما لم ينجح تركنى مهرولا على الدرجات لأدنى ، وعبوسه معه.

.................................
اقتحمت الطريق بصدر خال من ركود الضيق ، لم أبال بتساؤل يهز جنبات رأسى لماذا اليوم يغزونى هذا الشعور ، وأطير مرفرفا فو ق النظرات المدققة ، والوجوه المحدقة ، غير مبال بتعبيرات الوجوه المتراميه الدهشة ، قابضا على بسمتى ، منطلقا أعلى المنحدرات التى كونت بركا من المياه الراكدة التى أخضّر لونها بطول معاشرتها لشارعنا هذا ، والتى كنت على الدوام أقابلها بما تمليه علّى ظروف اللحظة التى أعيشها من عبوس ، وكلمات ساخطة وماالى هذا من أساليب أتقن استخدامها داخليا ، ولا أملك ترف اعلان رفضى لها الا بين أفراد الأسرة ، أو الجيران . اليوم رأيتنى أطير فوقها ،أرى الاخضرار والاصفرار ورمادية الأتربة حولها يصنعون لوحة بديعة المنظر رغم كل شىء . انزلقت قدم أحدهم وهو يسير على الحجارة المرصوصة كالكبارى فوق المياه المتسعة الأطراف ، الواصلة الى حواف الجدران المجاورة لنهر الشارع ، ملأنى الضحك لمنظره – رغم تعاطفى الانسانى معه - وهو يطلق كلماته الغاضبة ، ويضيق عينيه ، ويوجه كلماته لمجهولين ، واصفا اياهم بكل مافى قاموسه من الفاظ يعاقب عليها القانون . رآنى أضحك ، حدق فى وجهى منشبا مخالب نظراته فى عينى ، قلت لأدارى خجلا طارئا :-
- اما الضحك واما ....!
هز رأسه محاولا تقبل منطقى ، ثم استدار عنى مكملا سيره ، أما أنا فعدت أتقافز على الحجارة مطلقا مع كل حركة بسمة طائرة بجناحيها ، مرفرفة تملأ الافق
........................
حين أشرت لسائق العربة الاجرة المتسكع على الطريق الرئيسية رأيته يقف فورا . قلت لنفسى هذا فأل حسن ، رميته ببسمة من فيض البسمات المتراكمة فى تلافيف صدرى هذا الصباح ، وصعدت الى الحافلة ،جائت جلستى بجوار فتاة رائعة الحسن ، لا أدرى هل رأيتها هكذا للشعور الذى يعترينى اليوم ، أم هى فعلا جميلة ، رميتها بنظرة ذات بريق ، جاورتها نظرة ممتلئة بالبسمات وأنا أقول لنفسى لابأس ، فهى فى عمر ابنتى أو ربما حفيدتى ، على كل أنا فى أى حال لا اقصد الا تبادل البسمات الودية مع كائنات الأرض اليوم لا أكثر ،
و تركتها الى النافذة . أعجبنى أن الزجاج مفتوح يرحب بالهواء النقى المندفع الى داخل العربة - رغم أن هذا شىء عادى يحدث كل يوم - رميت ببسمتى الى ذاك الهواء محييا ، وعبرته الى الطريق . وجوه كثيرة تتراكم على الأرض ، أياديها تشير للعربات المارة ، حاملة عبوسا لا أدرى لم ، ذرات غبارتصنع سحابة تطويها ، وكلها يرفع يده مشيرا باشارات محفوظة لسائقى العربات ، فمن يريد محطة القطار يقبض أصابع يده عدا
الابهام ،ويوجهه ناحية اليمين ، ومن يريد نصف البلد يقبض يده عدا الابهام أيضا و يوجهه ناحيه اليسار ، أما من يريد الموقف العام فأنه يقلب يده على ظهرها ويرفع أصابعه الخمسة لأعلى ، منتظرا أن يكون هناك مقعد خال يثب اليه . البيوت بطول الطريق تتوضأ بنور الصبح ، متطهرة بماء الندى ، موجهه وجهها ناحية سماء ناصعة النور ، توحى بنهار صحو . جاء مكان نزولى ، القيت نظرة سريعة على الفتاة ذات الحسن ، التمس من جمالها تميمة لأستكمال مالدى من تفاؤل ملازم منذ تيقظت . نزلت نشيطا الى نهر الطريق ، تبسمت العربة مودعة ، رددت ابتسامتها بأروع منها ، ومددت يدى لاشعوريا أتحسس حافظتى وبطاقة هويتى ، لم أجدها ، انتفض شعور بالقنوط محاولا ملء صدرى ، ورأيتنى أضرب الآرض بقدمى ، مطلقا مااعتاد لسانى اطلاقه فى مثل هذه المناسبات ، غير أننى اليوم رأيتنى أعود الى الصمت ، متأملا معركة تدور رحاها بين ذاك الشعور المتطفل و البسمة التى تصر على مصاحبتى ، وقفت اتأمل
صراعهما منتظرا نهايته بلا حماس ، حتى اذا رأيت البسمة منهكة تعاود تسلق شفتى ، قلت لنفسى : -
- ضحكت علّى واستولت على اعجابى وحافظتى
من الذكاء أننى أحفظ أرقام العربات التى استقلها ،على الأ قل لعشر دقائق بعد نزولى منها ،. بعد العمل ان شاء الله أذهب الى السائق وأتحرى الأمر
، وتحركت قاصدا عملى

.........................................
البهجة تتقافز من مكتب الى آخر هذا الصباح ، الكلمات - رغم روتينية القائها - تحمل اليوم سمة جديدة هى نظرتى اليها ، الحوار لم يعد مكررا ، والشكوى ليست مملة من اناس خاملين لايملكون غيرها ، والوجوه ليست بليدة ذات ملامح متراخية الحدود والأبعاد ، منطفئة الوميض ، ذات ابتسامات باهتة ضيقة الحدود .. أبدا .. اليوم بالذات الوجوه تحمل تألقا ، والجباه مرتفعة ، والضحكات ذات أجنحة تعبر الباب الى الممر ، ومنه الى الطريق . أجلس بصفتى الأ قدم على مكتبى فى مدخل الغرفة ، مواجها لبقية المكاتب المتراصة بطول الحجرة ، أوزع الابتسامات بالتساوى على الوجوه ذات اللحى الرقيقة ، الموزعة مابين الأبيض والأسود بطريقة فنية عاليه ، منتظرا لحظة مناسبة لأهمس لهم أن لدىّ موضوعا جديدا وأحكى كيف ضاعت حافظتى هذا الصباح ،صحيح أن التعليقات ستتطاير مرحة مرفرفة بجناحيها فوق رأسى سخرية لكن لا بأس ،هذا خير من مواضيع تهرأت من كثرة الاستعمال ،جائت اللحظة المناسبة ،فتحت فمى وقلت :-
- ضاعت اليوم
دخل أحدهم حاملا أمرا اداريا من المدير العام بترقية الموظف الجديد ( ماهر ) رئيسا على المكان، المكاتب و ماعليها وأنا وابتسامتى ايضا ، هزنى الأمر لبضع ثوان غلبتنى فيها صرخات مدممة من دموع لا أعرف من أين جائت ، واكتسح صدرى اعصار حزن لا أعرف كيف وصل اليه ومن أين ، وقبضت أصابعى على حافة المكتب وانا أشعر بانهيار مفاجىء يجرفنى معه لآنحدار سريع الى أدنى ، و زلزال يهز الكائنات والأرض وابتسامتى المرسومة على حدود وتخوم شفتى ..كل هذا فى لحظة أو أقل ، أعقبه صراع أشد مرارة تأجج داخل صدرى وعينّي وأصابعى وتلافيف عقلى ، صراع طال وأمتد ، مما جعلنى أنظر وأدقق وأبحث محاولا الوصول الى نهايته ، حتى اذا ما أعياتى الانتظار شعرت بفمى يتمدد بالكاد ليرسم صورة ابتسامة منهكة التقاطيع ، مقطبة الجبين من طول صراعها الذى خرجت منه فى التو ، وانتبهت للسانى الذى تحجر منذ برهة أو أقل يتحرك داخل فمى ، وأ نا اقوم من مكانى طالبا من ماهر منذ اللحظة أن يعتليه ، متدثرا ببقايا بسمتى ، صفق الزملاء تقديرا للموقف ، قلت لنفسى هذا شىء يستحق رد فورى ورفعت رأسى اليهم ، درت بفيض ابتسامات جديد وزعته عليهم بالعدل . سألنى جارى فى المكتب المجاور
هامسا :-
- قلت ( ضاعت اليوم ) ولم تكمل ..ماالذى ضاع منك ؟

بحثت عن ابتسامتى .
لأ رد بها عليه !



محمد عباس على
اسكندريه فى 2010-03-09




علياء لاتعرف الحب
........................
قصة قصيرة
..............













تنظر اليها
الى انفعالها البادى مشفقة
تلك البنت ..النسخة الثانية منها..الحياة الممتدة بالنسبة لها لم تعد هى ..صارت أخرى لاتعرفها ، ويوما بعد آخر تتباعد المسافات بينهما ..الصمت الذى كان غريبا عن بيتها صار الآن جزءا من حياتهما ..تشعر الآن بشىء لم يمر بها من قبل ..شىء لم تتخيل أن يحدث لها ، هى التى لم تكن تعترف بالضعف البشرى ، وتنظر اليه على انه انعدام شخصية ، وصاحبه لايستحق الحياة ، الآن تشعر أنها ضعيفة لاتملك لنفسها - ولا لأبنتها - قرارا ، تائهة وسط صحراء يملؤها الصقيع ، وتدور بها الرياح من كل جانب فى عنف ، وهى وحدها ولا أحد معها . كم سعدت بشبه علياء لها، كم نظرت الى وجهها ، تأملت عينيها،جبهتها، أنفها، حتى أفعالها - كانت - لاتختلف كثيرا عنها ، نفس الكلمات والتصرفات ، حتى ذمة الفم حين تضيق بشىء ما مثلها ..توافق بينهما طالما تفاخرت به وسط المعارف والأصدقاء ، فكانت تتعمد مناوشتها أمامهن ، يضحكن ، يقلن لها مسّلمات :-
- نسخة منك يا أحلام
وتسعد هى بهذا ..فهاهى امتداداها أمام عينيها ، الشباب الذى ودعته مرغمة، تراه ماثلا بكل عنفوانه أمامها ،تقترب وابنتها ، تلتصقان الى حد الاندماج . لم تشعر يوما بخوف أو قلق عليها ، فكل شىء داخلها تشعر هى به ، تراه وتحفظه وتتقن صونه. الا الآن ..الآن بالذات هرول قلبها فى فراغ صدرها قلقا على تلك الابنة ، القرينة ، كما طالما خشيت أمها قديما عليها من اندفاعها ، فكانت تهمس فى أذنها :-
- حاذرى ياأبنتى من الأعين ..انتبهى للألسنة..واياك
والاستماع للكلام المنمق .
فكانت تنظراليها بنصف عين وهى تشيح بيدهاقائلة :-
- هذه الكلمات ( الحيطة والحذر ومااليها ) كلمات الضعفاء .
..القوى لايحتاج اليها
تضحك أمها منها :-
- وأنت .. من الأقوياء؟
ترفع رأسها بكبرياء ، يتدلى شعرها ذيل الحصان شامخا على ظهرها وهى تجيب :- طبعا .
تدعو لها المرأة العجوز بالستر . هى أيضا تعرضت لمثل هذا مع علياء ..سمعتها تقول :-
- الصراحة أقصر الطرق للعيش الآن ..الحياة لم تعد تحتمل التجمل ، نزعت عن نفسها ورقة التوت التى كانت تستر آخر جزء فيها ، وصار كل شىء يقاس بقيمته المادية ،
خاصة المشاعر .
فسألت مداعبة :- والحب ؟
قالت بجد :- اذا مال قلبى لرجل سأسحقه بأسنان مقتى
تذكر جيدا كيف نظرت الى ابنتها ذاهلة العينين ،هامسة :-
- مالذى يدعوك لتقولى هذا ؟
قالت :-
- لن تكون ارادتى الا بيدى ..الارتباط معناه أسرة ،
والأسرة معناها استمرار ،وحينما أكون مستعدة لهذا سأناقشه
بعقلى وليس بمشاعرى
الى مدى قريب كانت تقول هذا ، وهى تسمع لها ، تسرح بأفكارها الى أيامها التى خلت ، قيل عنها الكثير أيامها ، شديدة الحدة و العناد ، خاصة فى مسألة العلاقة بالرجل هذه ، تذكر جيدا يوم همست لها المرحومة أمها قائلة أن عريسا تقدم لها ، هى تعرفه جيدا ، تعرف أخلاقه وأصله، يومها كان الزمن مختلفا ، البنت لاتملك الا قول نعم ، والا أصبحت فى نظر والديها متمردة تستحق العقاب ،والعقاب أيامها كان الضرب ، والحرمان من الخروج من البيت ، أو ربما فرض حظر التجول عليها ، وتحديد اقامتها داخل حجرتها حتى تعود الى رشدها ..يومها - تذكر جيدا - نظرت فى
عينى امها جادة وقالت :-
- لن اتزوج هكذا
ربتت امها كتفها برفق قائلة :-
- قابليه فقط ..انظرى اليه حادثيه ، اذا اعجبك خيرا وبركة والا فلن نخسر شيئا
اشاحت بوجهها عنها :-
- بل سنخسر كثيرا ، سيقال علياء جاءها عريس ولم يرض بها
رجتها امها :-
- يابنتى !
هزت رأسها رفضا .. الغريب أن ابيها - يرحمه الله - أيّد رأيها ، قال :-
- ابنتى تعرف ماتريد
تنمرت الأ م لهما:-
- سيجىء العريس وسوف تراه وبعدها تقرر ماذا ترى .
واشتعل الموقف، ولم يهدأ الا حينما رأى أبوها أن ترضى أمها وترى العريس وترفضه ولكن -اشترط عليها - بدون اندفاع أو احراج له . وجاء اليوم، طلبت منها أمها أن تتزين ، أقسمت الا تفعل ، وجلست متجهمة الوجه ، صامتة ، الا أنها فوجئت به يقول فى جد:-
- أعرف أفكارك وأقدرها، لذا فاننى لم اجىء اليوم لكى آراك وأقرر اذا ماكنت أريدك أم لا ، بل جئـت لأننى أريدك ، ورغم أننى أعرف أننى مرفوض أصلا فقد جئت متحملا النتيجة ، وعارضا عليك أمرى ، ومنتظرا منك نظرة عدل الى رجل يعرض عليك حياته ومستقبله
لحظتها رفعت عينيها اليه ، رأته لأول مرة منذ حضر، وتبسمت
، اطلقت امها نظرة ارتياح وهمست لأبيها مفاخرة :-
- نجحت خطتى .
ونظرت الى العريس ممتنة لاتباعه مشورتها ، وصار هذا العريس والد علياء ..تنهدت وهى تبتلع ذكرياتها وتعود الى حكاية ابنتها .. ماذا تفعل معها ؟ .. ما يحدث الآن لم يخطر لها على خيال ..البنت تتباعد ..تتنائى وهى بجوارها ..عيناها فيهما شفرات لاتملك حلها ..وجهها عليه امارات تستعصى على نظراتها ..تسألها ..تبتسم مراضية ..أو تبكى فى حضنها دون أن يبدو منها ماكان صفحة مفتوحة بالأمس ..تجلس اليها .. لم تعد هى ، بل كيان منفصل غامض ، ينأى بمشاعره عنها ، وهى لاتريد الضغط عليها ، فهى تعرفها ..تعرف عنادها ، ولذا تلزم الصمت ، تتأجج الأفكار فى رأسها ، تحترق خواطرها بلهيب الليالى التى أصبحت تدمن مصاحبتها ، ويوما بعد آخر تتنائى البنت عنها ، تجلس وحدها تسمع أغنيات لم تكن تبالى بها ، تتحدث عن المشاعر والأحاسيس ورغبات القلب التى لاتقاوم ، وهى تنظر اليها ، تعرف أن هناك حبا قد ملكها ، متى وكيف ؟ .. لاتدرى .. ولماذا لاتبوح لها به ؟ ..أيضا لاتدرى
و لأول مرة فى عمرها ترى نفسها عاجزة عن حل مشكلة تعترض طريقها ، وفى ذات الوقت لاتملك الخيار لعرضها على أحد . أخيرا حملت كراستها الخاصة وقلمها ، جلست الى سريرها كما كانت تفعل قديما ، تشّرح المشكلة ، تكتب أبعادها ، والمعوقات التى تعترضها ، والحلول المقترحة لحلها ،وتناقشها واحدة تلو الآخرى وتستبعد مالا ترضى عنه ،الى أن استقرت على واحدة ، لحظتها عرف النوم طريقه الى عينيها .
فى الصباح بحثت علياء عنها ..فى الفراش كانت ..تقرأ القرآن الكريم .شاكية من اجهاد يمنعها من الافطار معها ..بعد الظهر راحت فى النوم وتركتها للغذاء وحدها ..فى العشاء شدها مسلسل لم تكن تبالى به قبلا عن المائدة ،وصار الصمت شعارها ..الأكثر من هذا أنها لم تعد تسألها عما بها ..غابت فى العمل ..عادت لتجد باب امها مغلقا دونها ..لم يحدث هذا من قبل ..دخلت اليها ..ادارت وجهها عنها غضبا ..بكت بين يديها ..تدافعت الكلمات ثائرة على شفتيها
- لا أريد أن أشغلك معى
فكرت أن تضمها الى شغاف قلبها ..تماسكت بالكاد ..همست الآخرى :-
- قلبى يا أمى
ازدادت حدقتا عينيها لمعانا وهى تغرز نظراتها فى حبتى عينيها ، بينما الحروف تتدافع مبللة بالدموع الى أذنيها .

الكلب


الكلب












بالامس بعت الكلب الباقى من العائلة ..حاولت ان ابدو اصيلا امامه فأجريت دمعة او اثنتين على خدى فى صمت ..فى الحقيقة ..هو ايضا كان حزينا ..بدا حزنه نبيلا مثله وظل صامتا طول الوقت .
كنت قد شرحت له الامر بالتفصيل قبل ان نخرج الى الطريق ..اجلسته على مقعد مقابل فى الردهة وتحدثت اليه ..لم يأخذ الامر وقتا اذ وجدت لديه استعدادا طيبا لتفهم الامر ..ضممته الى صدرى فى رفق ومضيت الى الطريق ..وصلت السوق ..وقفت صامتا اتذكر كلمات ( كريمه ) خطيبتى الحالية وزوجة المستقبل ..لا أعرف لماذا اهتم بعباراتها ..ارددها واحفظها وانفذ ماتريد....اعيش عبر الحروف ..واستلهم من العبارات حياة اعيشها واتنسم ريحها بلهفة لامثيل لها ..وقفت اذن اتذكر كلماتها وهى تقول : -
- اريد بيتا خاليا من الاغراب

ولأننى احبها واتوق الى الزفاف سريعا ليس لغرض سوى ان اكون بجوارها كل - وليس بعض - الوقت فقد تحمست للأمر ..انتحيت بكلبى جانبا ..اعدت عليه ماقالت ، واضفت : -
- اياك ان تظننى اطيعها وافعل المستحيل لأرضيها من اجل جاه ابيها ،او مركزه ،او اننى اعمى لا أرى دمامتها ..كلا .
- واقسمت له تأكيدا على ما أقول..حرك ذيله ..ادركت انه اقتنع ..اكملت : -
- اننى اريد زواجا سعيدا ..هل تفهم ما أعنى ؟
- حدق فى وجهى ونبح مرة او اثنتين ..قالت عيناه انه يقدر ما اقول ولايجد فى صدره شيئا من ناحيتى ..تبسمت له وحملته بين يدّى وانا اؤكد انه ليس غريبا عنى ، فأبوه كان يحرس البيت قبله ومات فى حادثة مشهورة ،كتبت عنها الصحف فى حينها ،فقد اصر على مطاردة لص اطلق عليه النار ليكف عنه ،ولم يكف ولم يتركه الا حينما رأى رجال الشرطة ،لحظتها تركه لهم واتخذ ركنا مات فيه بهدؤ ودون ضوضاء ،بعدها ونتيجة للذكرى الاليمة المرتبطة بالمكان لم تتحمل الكلبة الام المعيشة معنا وهجرت البيت ،وبقى هو موظفا امينا قليل الطلبات ..يأخذ مايصل اليه بصدر رحب ..لايطلب المزيد ولايفكر مجرد تفكير فيه ،ومتى رآنى يهب واقفا فى احترام نبيل وهو يهتف بلغته هتافات مدوية تخجلنى فأنظر اليه فى عطف وارفع يدى نصف رفعة وابتسم نصف ابتسامة واسأله عن حاله وهل هو سعيد فى مكان عمله ام لا ،وهل يأتيه طعامه فى موعده ام لا ،واتركه شاعرا اننى فعلت مابوسعى تجاهه . لكننى امام الظرف الجديد كان لابد ان اضحى .فأخذته رغما عن ايجابية مشاعرى نحوه ومضيت الى السوق .. حملته ووقفت جانبا ..غارقا فى بحيرة صمت راكدة راسما ملامح اسى ،كلما ادار وجهه ناحيتى يراها فيطلق عقيرته بالنباح تضامنا معى ..اقترب رجل بدا من ملامحه انه يريد الشراء ..مد نظراته اولا ..ازداد وجهى تغضنا ..مد يده ..لم اتحرك ..سأل ان كنت اريد بيعه ..همست مبديا مزيدا من الاسى انه اصيل ،من النوع النادر ولولا الظروف مااضطررت لبيعه ..سأل : -بكم تبيعه ؟
سألت : - بكم تشتريه ؟
قال الثمن ..وافقت فورا دون نقاش ومددت يدى اليه ..حمله ونسى ان يعطينى النقود ..انا ايضا تشاغلت عنه بفرحة العودة الى كريمه ملبيا طلبها .. كان الوقت ظهرا ..جلست على طرف المائدة اتناول ماوضعوه امامى من طعام ..هبت تاركة مكانها..لم انتبه لهذا الا حينما سمعتها تنطق اسمى مشفوعا بالفاظ لا اعتقد انها تقصدها مثل (الدناءه – الجرثومه –وما اليها ) وتطلب منى مغادرة المائدة فورا و المثول بين يديها..تمنيت ان اطلب منها الانتظار لحين شعورى بالشبع ..لم استطع ..رأيتنى اهرول نحوها ..اطأطىء رأسى هامسا : - نعم
سألتنى : -ماذا فعلت ؟
قلت بفرحة :- لن يوجد بيننا اغراب بعد الآن ..لقد بعت الكلب .
وانتظرت ان تفرح مثلى ..غير اننى فوجئت تضيقان وتحدق فى وجهى : -
- لم اقصد الكلب ..انا اقصد اباك
- اتسعت عينّى
- ودق قلبى فى عنف ..جال بخاطرى لحظتها اننى نسيت ان اخذ ثمن بيع الكلب ..نحيت هذا الخاطر جانبا واتجهت بعينى الى وجهها.. البثور المنثورة فيه متوترة ..النقاط السوداء منفعلة ، والاسنان بفكها العلوى النافر توشك على عقرى ..ابتعدت ..سألتنى ..فيم تفكر ؟.. سريعا قلت :- فى كيفية بيع ابى !!

الميزان


الميزان
........... قصة قصيرة
...............

تمهيد


معجونة كلماتها بالدموع..تنظر الى الأعين حولها..الأعين تبادلها النظرات ..بينما على الأرض بجوارها يقبع البيض المكسور التى كانت تنوى بيعه فى السوق مختلطا بالجبن والطين..الكل ينتظر رحيلها ليهرول نحو البرعى طلبا لرضاه..البرعى يقف أمام حانوته حاملا نظراته الثعلبية مقسما أنه لا دخل له فى هذا بل هى رغبة الباعة فى السوق !

1- الطرد

يحيطون بها كالقيد ..ملامحهم عابسة الى حد العاصفة ..أعينهم ضيقة تتأجج فيها النيران ،والسنتهم حادة تقطربالحروف السوداء..تدير عين الرعب فيهم..تهطل فى أعماقها أمطار الرعب ..ترتعد..تهمس للمرأة السمينة بجوارها ،مستجيرة بها : - خالتى أم محمد !
المرأة تغشاها ايضا غاشية من خوف ..تتسع عيناها كبئرين غاض منهما الماء،ويتلون وجهها بلون غروب زاعق الاحمرار ..الوقت مايزال مبكرا ..السوق ينفض عنه أثار الليل.. من أين أتى كل هؤلاءالباعة أصحاب عربات الخضر والفاكهة ،و معهم الجائلون الذين يحملون بضاعتهم فوق أيديهم أو يفرشون على الأرض وسط السوق أو يحملونها على عربات صغيرة تدور بهم بين الحارات ..كلهم ترك فرشته وترك بضاعته وأتى كالصقر..دار حول فاطمة تسبقه مخالبه..عينا المرأة السمينة معجونتان بالدهشة وهى تبصق نظراتها على الجميع..لم تجمعهم كلمة من قبل ..مثل النور والظلام لايلتقون الاعلى فراق .الآن فقط ومن أجل فاطمة تتوحد كلمتهم!!
اتجهت الى البنت الصغيرة بجوارها بنصف عينها اليسرى ..منكمشة تحت جناحها..التصقت بها ونقلت اليها الرعشة..علا صوت سليمان : - أنت وهذه البنت التى جلبتها ..أخرجا من السوق .
تنظر فاطمة اليه ..وجهه قسماته ملطخة بتراب السوق ..معجونة بالغبار ..مترعة بالعرق..ترفع صوتها عله يصل اليه ..يفهم حقيقة الامر.. يعذرها..تضيع حروفها
وسط زحام الكلمات ..ترفع صوتها أكثر .الآذان لاتسمع والعيون لاتنتبه..تشعر أن هناك قرارا لابد أن ينفذ لذا لايسمعون ..الكل فقط يتكلم ..يطالبها بالرحيل ..تقوم أم محمد مستندة على الأرض ..رافعة جسدها الممتلىء بالكاد ..قسماتها مشربة باصفرار طارىء،يتمدد متشعبا على أجزاء جسدها المرتجف وهى تواصل الاحتجاج باحثة بينهم عن أذن تسمع .
يزأر صوت منصور من جديد : أنت وهى خارج السوق
ويهرول مندفعا نحو بضاعتها وبضاعة فاطمة من الجبن والبيض يريد القاءها أرضا ..تمتد الأيدى لتمنعه..يزيد حماسه ويمد ساقه من بين غابة السيقان المحيطة به ..ترتفع صيحات استياء كطيور سوداء تحوم فوق المكان .
...............................
2- حسرة
وجه أم محمد كسطح رغيف قارب على الاحتراق ..تسير به وسط الطريق ..تحدق فى الوجوه المارة ..ترميها بجمر النظرات..السوق الذى عرفته وعرفها ..ربت فيه زبونا يجىء من أجلها ويسأل عنها..الباعة أنفسهم ..من كانت تظنهم لها..
يطردونها منه..البنت أخطأت ..أغضبت البرعى ..مالها هى؟ ..ثم أن الحق يقال
البرعى هذا شره ..عينه فارغة ..ينظر الى الصبية الصغيرة بعين السوء ..البنت لاتفهم من هو البرعى أو غيره ..وهؤلاء الباعة الذين اجتمع جمعهم على رأى واحد هو ارضاءه يتسابقون الى طردها .. مادامت صغيرة ,جديدة فى المكان ولن يغضب أحد لها فليجتمع الكل عليها..تكمل سيرها وسط الطريق ..تبصق نظراتها على الوجوه العابرة ..بينما قدمها تودع الطريق بحسرة ..تنتبه لفاطمة الى جوارها وهى تتعثر ،تنقلب ببضاعتها على الارض ..تتفجر البراكين فى عينيها ..تلعن الظروف التى اضطرتها الى مساعدة هذه البنت وأسرتها ..جلبت لنفسها الضرر بيديها .
.................................
3- بعد الوقوع
كانت فاطمة تمضى ..جسدها النحيل لايقوى على حمل البضاعة والرعب معا ..تنظر الى الوجوه المحتشدة ..تتساءل لم يفعلون هذا ..الرجل البرعى الذى هو فتوة السوق ،الذى يفرض الأتاوات كما يقولون انفرد بها فى حانوته..الحانوت
يقسمه حاجز خشبى الى نصفين أمامى وخلفى ..انفرد بها فى ا لأخير ومد يده عليها ..لو نال ماأراد هل كانوا يصمتون ،يتغاضون مادام الامر بعيدا عنهم ؟ ..
تريد صوتا واحدا يقول لها أخطأت حينما تصيدت اصبعه وطحنته بين أسنانك ليبتعد عنك ..تدير عينيها فى الوجوه المنقبضة القسمات ..تهطل دموعها مطرا
وهى تتحرك خارجة الى الطريق ،حاملة مع البضاعة انكسارها ..المطر يصنع سحابة تغطى عينيها ..تحجب عنها المرئيات ..تتعثر قدمها فى حجر وسط الطريق ..تنقلب وبضاعتها على الأرض ..يختلط الجبن بالتراب بالبيض المكسور ..يمتلىء وجهها بالدموع والدم والطين ..البضاعة ضاعت ..ضاع ثمنها الذى اقترضته أمها من الجيران جنيها وراء جنيه على مدى أيام طويلة حتى استقام مبلغا تستطيع به أن تبدأ مشوارها فى السوق .. تدير وجهها بين العيون المتراصة
والتراب المعجون بالجبن والبيض..تحدق فيهم بعينين متحجرتين غاض ماؤهما
وهى مكانها على الأرض..تنظر ..تترقب ..ثم مرة واحدة
تهذى بكلمات لايحاول أحد من الوقوف فهم معناها !!
محمد عباس على

طرد الشياطين






طرد الشياطين












تنظر
الى الساعة على الجدار .. الظلمة تفرد جناحيها على الأشياء حولها .. تتباطىء عقاربها وهى تدنو من الثالثة بعد الظهر .. لحظات ويأتى .. تراكمات الدقائق والثوانى ترهق كاهلها .. سؤال صارخ الحروف يتقافز فى فى فراغ رأسها :-
- هل الشياطين تطرد الملائكة أم الملائكة تطرد الشياطين ؟ .. لم يعد أمره يخفى عليها .. مذ عرفت وهى تغترف النيران بيديها كلما لامسها .. تكتشف يوما بعد آخر أنه لغز مبهم .. لغز تعمى عنه ، تجهل طبيعته ولاتصل الى كنه ذاته .. ماذا يريد منها، من الكون ،ومن الحياة حوله ؟ ..تتخبط فى متاهة شرودها وهى تتساءل كيف تستطيع الحرباء أن تغير لونها .. الغريب أنه فى دنياه لايشعر بالنيران المتأججة من حوله .. باللهب المتطاير من بوتقة صمتها ، وهى تحتمى خلف جدران هذا الصمت ، باحثة عبر سراديب فكرها عن فرصة تفرد فيها كعادتها بنود المشكلة بندا بندا ، تفحصها وتنبش فى ثناياها وتجوب نواحيها قبل أن تصدر قرارها ، الفراق فشل ..هى تعرف هذا ،و الفشل موت ،و الموت ترفضه مادامت تملك حق الرفض ..هى للآن تملك هذا الحق ، لكنها بالمقابل كلما رأته أمامها ، كلما تبسم ، حدثها ،لامسها اضطربت ، وتقلبت تربة قلبها ، لتطفو على السطح أشياء لاتريد لها أن تطفو الآن ، ابنتهما تؤدى امتحاناتها .. الزلزال لو ضرب البيت سيقضى عليها ..ليس الآن .تقول لنفسها .. لكنه يفترض فيها الغباء وهذا ماتأباه احاسيسها ..يظن نفسه أذكى من مشاعرها ، تلك المشاعر التى كانت مبسوطة بين يديه ، شرابا عذبافى متناول يديه ..لايعرف أنها أدركت الأمر منذ بدايته .. شعرت بهذا منذ فكر أن يغدق عليها مشاعر باهتة الألوان ، مائعة الطعم ، وهو يظنها لاهية عنه .. سائلت نفسها كثيرا ماالأمر ،هل هو ارهاق عمل ،فتور وقتى أم ماذا ؟ وبدأت حاستها العمل ،وحين عرفت ماهناك تفجرت ينابيع الدمع بين يدّى أمها التى شدتهااليها ، أخذتها بين جناحيها ، و ضمتها الى قلبها هامسة لها:-
- الملائكة تطرد الشياطين
ردت وهى مغمضة العيني:-
- كيف ؟
لم تجبها وان ضمتها الى قلبها أكثر ، أرادت أن تقول لها انه اذا حضرت الشياطين ذهبت الملائكة ، غير أنها لسبب لاتدريه لجأت الى واحة الصمت ، علها تجد بين دفتيها راحية من ليب الكلمات .
سوف يأتى الأن ..يفتح ذراعيه .. يهمس بكلمات باردة لادفء فيها .. ذراعاه لم يعودا باب جنتها المفتوح ابدا .. صارا قيدا يحكم قبضته على رقبتها .. سيهمس :-
- اوحشتنى
وهو يعرف جيدا أنه يشكّل حروفا صماء لاحياة فيها ، وقد يضطرها الى أن تنظر فى عينيه وهى لاتريد هذا ، بتلك العيون رأى الآخرى ،لاتريد أن ترى عينيه ، تتامل سوادهما كما كانت تفعل دوما ، الأفضل أن تبتعد ..تلتحف بلحاف الصمت منزوية فى حجرتها بعيدا عنه ..لكنه سيأتى ليراها الحل أن تترك المنزل ، تغادره فورا وقبل أن يعود من عمله ، تاركة له رسالة قصيرة :-
- حينما تطرد الشيطان سأعود
هبت من مكانها قاصدة حقيبة السفر ،فتحتها ، مدت يدها الى ملابسها على الأرفف ، رأت امها مقطبة الجبين تواجهها ، عيناها علامتا تحذير صارختين ، بريقهما علامة خطر ، والكلمات تخرج من بين شفتيها فى بطء مقصود :-
- الملائكة تطرد السياطين
تراجعت مضطربة النظرات ، راجفة اليدين ، هامسة والدموع ثائرة على أطراف جفنيها :-
- لست ملاكا
رأت ابنتها هناك من مكتبها فى الحجرة المجاورة تنظر اليها بوجه الارهاق، هامسة:-
- اماه ، انا خائفة
ازدادت ارتعادة جسدها ،هربت منها الى الخلف ، اصطدمت عيناها بالمرآة ، امرأة زائغة العينين تجابهها وماذا بعد ؟؟ صرخت :-
- ليس هناك بعد ..سأواجهه
واستدارت عن المرآة .. رأته امامها .. هزت كتفيه بمرارة اللحظة هامسة كيف ؟.. أحنى رأسه هاربا بعينيه منها .. بدا طفلا كبيرا بحاجة الى يدها لانتشاله من أيدى الأبالسة ..هوى نصف قلبها خوفا عليه .. صرخ النصف الآخر دعيه فى متاهته..دق جرس الباب ..هز رنينه بدنها .. انه هو .. ارتجفت .... ادارت عينيها - كالمتيقظة توا - حولها ، عاد الرنين يعلو ، خالطه صوت أمها مؤكدا :-
- الملائكة تطرد الشياطين
مضت نحو الباب .


طقوس الصعود لأسفل
........









جاء
وسط النهار
وسط الناس
ووسط الميدان الحافل بالحركة،قاضدا البرج الحديدى،المبنى
فوق هيئة التليفونات ..أمسك احدى الكمرات الحديدية بكلتا يديه،ووضع قدمه على الآخرى ،وبدأ الصعود موقنا أنه بمجرد وصوله الى أعلى ستنجذب اليه الأعين ،وتخفق من أجله القلوب ،ويأتى الأمن ،وعربات الأطفاء ذات السلالم العالية ،وربما مدير الأمن ذاته ،وسوف تبدأ المفاوضات وكلها تدور حول عبارة من جزئين .
( لاتقتل نفسك ، وسنلبى لك مطالبك )
وهو فى كل الأحوال لن يطلب الا طلبا واحدا ،سيطلبه ويصر عليه ،ويؤكد أنه وحده الذى سيعيد النبض الى أيامه.
مؤكد سوف يجىء الآمن وتبدأ المحاورات ..حدث هذا من قبل مع آخرين ..رآه مرارا وعلى هذا البرج بالذات ..كان صغيرا أيامها فلم يدر السبب الذى من أجله فعلوا هذا ..بعدها شعر أن هذا البرج ملاذه الأخير اذا سدت فى وجهه الأبواب .
واليوم بالتحديد قرر التنفيذ !
لم يسأل نفسه كيف يصعد هذا البرج فى هذه السن ،وقد شابت منه النظرات ووهن القلب وتآكلت العضلات ..وأكمل الصعود.
..........................

توقف عند احدى الكمرات الحديدية ..قبض عليها بعضديه بقوة ،ولف ساقيه حولها ،مرتكزا على سنها الحاد تحت قدميه..القى نظرة لأسفل ..بدا الناس صغارا ..رآهم أعواد كبريت ملونة بألوان شتى تتحرك ..ظهورهم محنية ،ونظراتهم للأرض ..اتسعت عيناه لمدى دهشة براح وهو يرى كلا منهم قابضا على كمرات برج خاص به ،يقف أعلاه حاملا نظرات تطلب الغوث ،طالبا أن يراه أحد ،يسمع صرخاته ،ويستجيب له ،ولا
مجيب ! أكتافهم محنية ونظراتهم لهذا السبب ..دهمه خاطر ..ماذا لو لم يرفع أحدهم رأسه ويراك ،وماذا لو رأتك الأعين ولم تبال بك ؟ شق الخوف صدره ..تخاذلت نظراته وتوقف مكانه منصتا الى دقات قلبه الصارخة ..مرت طائرة على البعد .. اندفع صوتها كصرخة عابرة مالبثت أن تلاشت ، رفع بعضهم عينيه فى اثرها . انبسطت أسارير وجهه وأكمل الصعود هامسا لنفسه أنه مؤكد سيراه أحدهم ويشير اليه ، وتتنبه الأعين ، وتبدأ الطقوس ..المهم ماذا سيطلب منهم ؟
عاد يملى على نفسه المطلوب ويكرره ويرتب كلماته ليكون جاهزا حينما يسألوه . محدثا اياها أنه يجب أن يطلب كل مايحتاج اليه مادام قد تجشم مشقة الصعود لهذه البرج ،على الأقل حينما تتم تلبية طلباته سينجو من لسان زوجته ،ومن نظرات أولاده ..أيضا يجب عليه الا ينسى العمل ،كلمه واحدة تقال لهم ..( اعطوا هذا الرجل حقه )..ويصبح له شأن آخر .
مر ظل ابتسامة على براح قسماته عند هذه الحد ..حاول الحركة ..شعر بجلده ملتصقا بالحديد ،وباطن قدمه رغم المها تتشبث
بسن الكمرة الحديدية .أراد أن يدير وجهه كما كان يفعل منذ لحظات ،خشى أن يختل توازنه ،اكتفى بخفض نظراته لأدنى أملا أن يراه أحدهم وتبدأ الطقوس كما يريد
....................

بدأ الأ لم يعتصر روحه ،والوقت يمر ،وحد الكمرات بضغط عضلات يديه وباطن قدميه الحافيتين كأنه سكين بارد ،أدار رأسه قليلا ليعطى لنفسه فرصة رؤية أوضح ،ورمى بنظرات متوسلة الى أدنى . . الظهور محنية ، والنظرات للأرض
اتعبته عيناه ورأسه الساقطة على صدره المنكمش بين ضلوعه
ومرت به لحظة نسى فيها هل هو ينظر لأسفل ، طالبا منهم الالتفات اليه ، أم هم فى الأعلى ولا يرونه لأنه هناك فى قاع سحيق لاتراه عين ، ولا يبالى به سمع ..؟
عاد اليه ادراكه سريعا ، رفع عينيه الى أعلى ..رأى ركاما من غمام يصد عينيه عن وجه السماء.انحدر وجهه الى الأرض ،
الوضع هناك لم يتغير .
صرخ كما لم يصرخ من قبل !!



بسمة لصرصار عابر









فى لحظة البدءامتطى الصمت
بدا للأعين الراصدة حجرا محدد الأبعاد .. تدحرج الى أن وصل الى الباب ، وعندها تفتت الى تراب أخذ طريقه من العقب عبر الأتربة والغبار الى الداخل .. واجه الكرش المتكور خلف المكتب المتورم الأبعاد ، بقمة رأسه الصلعاء ، بينما عيناه تتابعان تراب السجادة الحمراء ، ذات الخيوط المتهرئة من طول الوطء ..اعتدل الكرش باستدارته المتخفية خلف بنطلونه المرتفع الى تخوم الصدر ، وتمدد الى الأمام مستندا على حافة مكتبه التى تآكلت بفعل استمرار الأحتكاك..ظلت الرأس محنية بانتظار أن يفرغ الكرش محتوياته فورا ..طال الصمت ..رفع رأسه مترقبا..رأى عينين لوزيتين ترميانه بنظرات ثلجية التعبير ..عاد يحنى رأسه فورا وهو يطلق من بطنه صوتا شديد الالتهاب
- حضرتك طلبتنى ؟
شمله جليد النظرات قليلا فجّمده ،قبل أن تنطلق من الفم الصغير المكتنز الشفتين حروف متأكلة:-
- سأعلقك من أرنبة أنفك ان لم تنجز ما أريد
انكسر رأسه فانحنى يلعق الأرض بعينيه
انتفخ الكرش أكثر وهو يهب من مكانه يتصيد أذنه ويصب فيها كلماته المتآكلة آمرا :-
- لديك نصف ساعة و تعود بحنجرنه ملفوفة فى ورق سوليفان
عاد يتفتت من جديد منزلقا الى قاع حذائه بلا صوت ..كان الهواء حوله يفسد .. يفقد اكسجينه ويكتظ بثانى أكسيد الكربون الخارج من خياشيم الكرش الكبير ويزيده اختناقا ..من مكانه هناك على السجادة المتهرئة الخيوط عاد يرفع رأسا لاتجيد الارتفاع .. رأى الآخر باهت الملامح كذكرى لاتفيد ..يمد قيود نظراته الحديدية لتحيط به وتقيده ، وتزيد معاناته مع ثانى أكسيد الكربون المتزايد ، وهو لايملك الا أن يحرك أرنبة أنفه على نسيج السجادة هنا وهناك ، و يدور حول حذائه قاصدا عقب الباب ..عاد صوت الآخر يلاحقه :-
- لاأ ريد عنفا
كان النهار يتأرجح على الجدران والشمس العرجاء تدق الأرض ماضية من ركن الى أخر.
قبل أن يستدير الى كرش الرجل من جديد حدق فى ثقب طبلة الباب ..نفذ منها الى الخارج مستطلعا موقف السكرتيرة ذات النهود البهلوانية ، راقب أذنيها التى تجيد مدها الى أضيق الأماكن وأقوى التحصينات ..اطمئن أنهاتعتلى اطار مرآتها الصغيرة لتتقصى آخر أخبار قسماتها ..عاد من ذات الثقب الى الرجل المتورم هامسا بلهب الحروف :-
- كما تأمر
رفع الآخر رأسه الى السقف ملقيا اليه بفتات الكلمات –
- بمجرد أن تنتهى تعود الى صيوان أذنى وتصب مالديك
- كما تأمر
- اذهب
حمل جثته على كتفه وقفز من أعلى سور السجادة ..تفتت من جديد عند العقب ، فانزلق الفتات الى الخارج ..القى نظرة من أعلى على السكرتيرة التى لم تبال به ومضى الى الطريق .. كان الشارع يسير والناس يزحفون ..يلعقون الصهد ورائحة الأسفلت الساخن تحرق أغشية الأنوف ..كان يعرف مايريد ..فرد صدره ورفع رأسه لأعلى بعد أن ابتسم لصرصار كان يعبر الطريق




ابتسامة سرمدية على وجه قديم





قصة قصيرة













فتنة
اللحظة تأخذها ، تنسى هرولتها الى الحجرة ، اٍغلاقها الباب خلفها ، ارتمائها على السرير باكية ، دافنة رأسها فى الفرش حتى لايسمع مخلوق بكاءها ..تنسى كل هذا ولا تتذكر الا وجهه، وبسمته الحانية وهو بين يديها . تحدق فى عينيه ، تبتسم له ، تتمدد ابتسامتها بطول اللحظات ، تحادثه ، تسأله لماذا لايتكلم ، لايناغشها كما كثيرا فعل . تنتبه له يمد يسراه الى يمينها التى ترقد على راحة يده مطمئنة، يمد اليسرى واحة حنان على بساط خصرها ، يشدها للوقوف ، تلين معه كعادتها ، تدور والحجرة والكون بين ذراعيه ، وابتسامتها تواصل التمدد ، وقلبها الطفل يلهو على خيوط وحبال نظراته الحانية فرحا ، يبحرا معا عبر اللحظات الى أماكن لم ترها عين من قبل ، فوق مياه حانية تهدهدهما مترفقة ، تمضى بهما وسط ريح رخاء ، من ميناء الى ميناء وهى بين دفتى ذراعيه ، مجدافهما أحاسيس عذراء تتدفق حولهما ، وتتقدمهما من مكان الى آخر، وابتسامتها تواصل الاتساع . يخترق أذنيها زمجرة ريح عاصفة تحطم فجأة قاربهما ، وغمام كاسح يغطى وجه السماء دونها ، وصوت راعد يأتيها من كل الجهات :-
- هناء .عريسك حضر
ترتعد ، يفلت من بين يديها المتعلقتين به ، يهوى وهى ذاهلة النظرات تتابعه ، يمد يديه مستصرخا ، تهوى كلها اليه ..تنتبه لنفسها مكومة على أرض الحجرة ، محيطة صورته التى وقعت منها بكلتا يديها .. وتواصل البكاء!
...........................
فى ذلك الصباح هطلت أمطار صمتها فأغرقت المكان . قال أبوها ذات الكلمات التى طالما احرقت أذنيها ..حاولت الهرب من صوته ، من كلماته ، ومن وجهه . ادارت رأسها ناحية النافذة ، رأت ملامحه تتمدد مخترقة المكان كله الى الأفق هناك .. عيناه باتساع مدينة تخشى ولوجها ، وفمه بركان يرمى بالحمم :-
- المرأة للزواج .. أم تريدين ....؟
وهى من خلف أمطار صمتها الهاطلة تنظر اليه ..ترى الريح تعبث بوجهه المدود هناك على صفحة الأفق ، تدفعه يمينا فلا يبدو منه الا عين يسرى ترمى بالشرر ، وترده يسارا فتقابلها عينه اليمنى بشرر أشد . بينما وجه أمها روضة يانعة الزهر ينبع منها أريج يملأ النفس سكينة ..ترمى نفسها بين ذراعيها تتفتح الأزهار وتشرق الشمس بعد طول كسوف :-
- أبوك يريد صالحك
يتدفق سيل من نبعى عينيها يملأ تخوم وسهول خديها وذقنها:-
- وفريد ياماما ؟!!
- فريد ياحبيبتى راح
ينتفض الجسد صارخا بكل خلاياه و دماؤه الهادرة فيها: لا
وتتحرك لتواجه عينى أمها بعاصفة النظرات ، تلاحقها الأم باعتراض له أريج ناعم :-
- فاتت سنة ياعلياء ..مازلت صغيرة ..مرغوبة
تتسع عيناها لدهشة باتساع محيط ..سنة مرت ؟!
تتجه لعينى أبيها ..نارهما حانية اللمسات ،دفئهما يحتويها ،يشدها فى حوار بلا صوت
- أشعر بمتاهة الأحزان التى تبتلع أيامك..لكن الى
الى أين ؟
- الى أى مكان مادام معى
- لكنه راح ..راح
تهوى نظراتها من حالق يغادر والدها المكان ، لائذا بفجاج الصمت

....................
أطل وجه أمها من الباب :-
- علياء ..الفستان
مفرودا على سريرها كان ..كفنا أبيض له زرقة خفيفة تعطيه رونقا للقاء لحد ناعم الفراش ..اقتربت من السرير ..ضجت نبضاتها بالصراخ ..تباعدت ..ارتطمت بوجه أبيها على الجدار استغاثت به :( لاأملك الاقتراب منه ) ..عبست ملامحه..( ماذا افعل؟ ).. تحول العبوس الى مقت ..المقت تحول الى نفور ..هربت من عينيه الى دولاب ملابسها ..بزغت من وسط الدموع بسمةصغيرة وهى تسحب برفق صورة فريد .. حدقت فى عينيه ..شكت له من أبيها ..من قسوته .. ربت يدها برفق .. رفع ذقنها الى أعلى مدققا فى حبتى عينيها :-
- الوحدة ..البكاء ..الذبول ..ثم ماذا ياعلياء ؟
اتسعت حدقتاها لبحار من حيرة هادرة :- ماهذه الكلمات ؟!
رفع يده اليسرى لتتعلق بها يدها اليمنى كما طالما فعل..طاوعته ومدت يدها ..فتح الباب برفق ..تراجعت خطوة ..شدها بحنو ..تقدمت ..رأتها أمها قادمة ..انطلقت من عينيها نصف ابتسامة وهبت اليها .. مدت كفها الى يدها اليمنى وسارتا الى الأمام ..أخفى جسدها وهى تتقدم الى الردهة صورة مؤطرة باطار أسود منذ عام ، تحمل ابتسامة سرمدية الحنان ، تطل على الجميع !!

الأربعاء، 7 أبريل 2010

قصص مصرية

جنازة جسدى




عاشر

يا أبن أدم مهما تعاشر ..هكذا قلت لنفسى بعد أن قفلت راجعا من آخر مراسم دفن جثتى ..لم يكن حزنا مابى ، فالأحزان ماعادت تؤثر كالسابق علّى ،لكنها العشرة والمعرفة الطويلة ، وأحداثا مرت وأحداثا عاصرناها معا فى الخيال ، وتمنينا أن لو تحققت ..أشياء كثيرة سرت أفكر فيها ، وأنا عاود التساؤل المرة تلو الأخرى ، عن كيفية الحياة الجديدة التى سأحياها بلا جسد ، وكيف تكون؟ على الأرض أم فى السماء ؟وأن كنت الآن أسير وأتحرك ، وأمضى قاصدا منزلى الكائن هناك على أطراف الصحراء ، حيث أخترت أن أقيم بعيدا عن ضوضاء المدينة ، وقلبها الذى أصبح معتما ..الروح على ماأعرف لاتسير ، بل تطير أو نحو ذلك .. وهى خفيفة ..أخبرتنا الأخبار عنها أنها لطيفة .. دخلت الجسد غصبا وتغادره غصبا .. لكننى لم يحدث لى أى من هؤلاء ! فأى الأرواح أنا ،شقى أم سعيد ؟.. ارتطمت قدماى بحجر .. تألمت .. زاد عجبى ..هل الأرواح تتألم للمسة حجر ؟..أكملت سيرى قاصدا أن أعود الى البيت ، فأقصص روايتى على زوجتى ، وأسمع منها المفيد ، فهى رغم أنها تعليم متوسط وأنا تعليم فوق العالى بقليل أستمع لرأيها ، وأنفذه فورا ، ليس لخوفى منها ، ولا هو تحيز لها ، ولا قلة شخصية منى فأنا شخصيتى قوية جدا بشهادتها - شهادة زوجتى - ولكنه تعود تعودته منذ سنين ..اذا الّم شىء بى عدت اليها فأعطتنى المفيد ، وهكذا ..اكملت السير .. رأيت أعرابيا قادما على البعد ..قلت لن يرانى وهذا شىء طيب .. هؤلاء الناس لم يعد لديهم ماكان لهم طوال دهور طوال.. خاصة أيام الرسالة الأولى ..جاورنى الرجل ..قال :-
- السلام عليك
قلت متعجبا :-
- أنت ترانى ؟
قال بهدوء واثق :-
- نعم
قلت:-
- كيف ؟ ..انا عائد لتوى من جنازة جسدى فكيف ترانى ؟
تبسم الرجل العجوز عن فم أثرم ابتسامة هى الى البكاء أقرب وقال :- ..يابنى أنت لم تدفن جسدك بل روحك
اهتزت المرئيات أمام عينى ..ورأيت وجهه يصير وجوها عديدة تحدق بى ..تحاصرنى ..تحصرنى فى زاوية تحت نظراتها ، لا أملك معها الا أن أصلب مقلتى على براح وجهه ، منتظرا المزيد ..قال:-
- ماآراه الأن أمامى جسد بلا روح
تذكرت الحجر ..وسيرى على قدمّى وتساؤلى ..و..قلت لنفسى لن أصدق ماقال الا حينما أعود الى البيت وأستوثق من زوجتى
هروله


قصة قصيرة
محمد عباس على







رأيته هناك يجلس وحده فى مدخل المقهى على يمين الداخل .. كانت مائدته صغيرة ، تكفى بالكاد صينية الشاى .. انجذبت اليه الوجه أعرفه ..شعرت بهذا .. رأيته من قبل .. ليست غريبة علّى تلك الملامح القروية الرقيقة ، بسمرتها الرائقة ذات الطابع القمحاوى المميز .. أعرفه ..نعم ..لكن أين ومتى؟ لآ أدرى ..نظرت اليه من مكانى على يسار الباب ..انتبهت الى أنه يبادلنى النظرات ..مؤكد يتساءل عنى ..عيناه تقولان هذا ..رفع كوب الشاى الى فمه ..تذكرت كوب الشاى أمامى .
المقهى فسيح ..أرضه مغطاة بنشارة الخشب ..موائده مصفوفة..مقاعده مرصوصة..أصوات قواشيط الطاولة والدومينو تزغرد بين الحين والحين .أضواء اللمبات الفلورسنت يختلط بها دخان المعسل وهو يجلس هناك ..الاحظ أيضا أن مائدتى صغيرة تكفى بالكاد صينية الشاى ، وأنا ايضا وحدى . تتلاقى عيناى بعينيه عبر فرجة من رؤس لاعبى الطاولة..أين رأيتك؟ يصرخ صوت:- شيش بيش تانى !!
يعبس و جه كان يستعد للأبتسام..يكركر الماء فى قلب زجاجى للشيشة..لايزال وجهه مألوفا لى ..لكن أين ؟ ..أنادى عامل المقهى ..أشير اليه بطرف خفى ..أسأله عنه ..يهز العامل رأسه قائلا :- هو مثل آخرين يجيئون ويمضون فى هدوء ،لايشعر به أحد ، لايترك أثرا ما ،اللهم الا أثر حذائه على نشارة الخشب ،غير أن أقداما تجىء لتطمس ماقبلها. كان الآخر قد قام ..اتجه الى الخارج ..التفّت الى عامل المقهى أسأله :-
-هل سيعود ؟
- لاأدرى
شكرته وأسرعت نحو الباب ..تنبهت الى أن آثار أقدامنا قد توحدت قبل أن أخرج بعدة خطوات ..أكملت السير ..سألحق به ..أسأله :- من أنت ؟ ..سرت فى اصرار ..كان أمامى ..رفعت صوتى ..ناديته ..زمجرة العربات المارة وهدير الأصوات المتداخلة أضاع صوتى ..وسعت طول الخطوات ..ازداد الزحام بدخولنا السوق ..بذلت جهدا لأتتبع بعينى خطواته ..الوجوه كثيرة ..الملامح غريبة ..والوان الغروب تظلل الأشياء..يجب أن أتحدث اليه قبل أن يطوى الليل أستار النهار ..لو غاب عن عينى - أشعر أننى – لن أعثر عليه ثانية ..تزداد المسافة بيننا طولا ..أبدأ الهرولة ..يزداد العزم ..يقوى الاصرار ..لابد أن أكلمه ..صحيح أننى حتى الان لاأعرف ماذا سأقول له ..لكن حينما سنكون معا مؤكد سأجد ما أقول ..تزداد الظلمة توغلا ..تتلاطم المناكب ..تختلط الوجوه ..تزداد الهرولة ..قدماى تصرخان ..دقات قلبى تضج ..أحاول التوقف ..لا أستطيع ..أظل أسير .. أبحث عنه ..لا أمّل من البحث
الشرط



قصة قصيرة

لأننا يجب أن نجرى منهم فقد جرينا
كانت تعليمات الأمهات فى ذلك الحين :
( اذا قابلت أحدهم لا تقف أمامه..اذا حدث وأمسك بك فياويلك
منه..قد يأكل لحمك ويقرقش عظامك..أو ربما هو سيسمل
عينيك ويقطع أنفك..وقد يأخذك الى حيث يتناوبون ضربك
الى الأبد )
لذلك جرينا حتى تقطعت منا الأنفاس ، وحين وصلنا الى حيث شعرنا بالأمان وجلسنا نستريح ، رأيناهم فوق رؤسنا ،يحيطون بنا من كل الاتجاهات ،بحيث سدت فى وجوهنا كل منافذ الفرار ..انكمش كل منا فى صاحبه ، ونحن نترقب المصير الذى سمعنا عنه ..جرت الدموع بغير حساب على الخدود ،وهرولت دقات القلوب داخل الصدور ،وازدادت رجفة الأبدان الى مابعد الخوف،وانطلقت كلمات الاسترحام بلا انتهاء ..امتدت يد ضخمة مشعرة بارزة العروق الى أحدنا ،صرخ وهو يلوذ بأخيه محاولا الافلات ..اقترب وجه ذو شارب كث متنافر الشعيرات ..بدت منه أسنان عملاقة وهو يفتح فمه ..قدّرنا أنه يستعد لأكل لحمنا وقرقشة عظامنا ..تداخلنا فى بعضنا أكثر ،وتعالت صرخاتنا ونحن نغمض أعيننا حتى لانراه وهو يبدأمهمته فينا
................
قالت أمى حين قصصت عليها ماكان:-
- أنها دعوة طاهرة وأجيبت
ضمتنى الى صدرها وهى تحذرنى من الوقوع بين أيديهم ثانية..فجأة أبعدتنى وقد تغيّر لونها وسألتنى :-
- لماذا ذهبت اليهم ؟
قلت :- - لم أذهب ..هم الذين أتوا
صرخت فى وجهى واتهمتنى بالكذب ،وبدأت فى ضربى ..كان هذا أخشى ماأخشاه منها ،فأنا أعرفها حينما تغضب ، لذلك حاولت الهرب ، انزلق جسدى من بين يديها ، غير أنها طالتنى وواصلت الضرب ..صرخت :-
- سأقول الحق
وحكيت لها كيف عبرنا الجسر الى الناحية الأخرى للترعة، ومن هناك مضينا الى حيث تسلقنا السور الحجرى ، وهبطنا خلفه لنرى الأشجار والفواكه والثمار ، والخضرة والأرض المصقولة والجو المرشوش بالعطور والرياحين ..أكلنا وشبعنا وفى الأرض البراح لعبنا ،بعدها جلسنا - وقد طمأننا الصمت السائد حولنا والجو الهادىء - نتسامر ونأخذ راحتنا ، غير أننا فجأة غم علينا ورأينا أنفسنا محاصرين ..جرينا وسط الأشجار ماوسعنا حتى وصلنا الى السور الحجرى الذى تسلقناه من قبل هابطين ..حاولنا تسلقه صاعدين ..عجزنا ..عدنا الى الفرار ، الى أن وصلنا الى حيث شعرنا بالأمان وجلسنا نستريح ..لحظتها أحيط بنا ..انكمشنا فى جلودنا انتظارا لمصير محتوم غير أنهم رغم اللوم والتقريع لم يفعلوا ماانتظرناه ..أخذ كلا منا ضربة على رأسه لم تؤلمه ، وتحذير من معاودة الأمر والا فعلوا بنا الأفاعيل .
قلت كل هذا لأمى لكننى أغفلت عامدا قولهم لنا اذا أردتم شيئا فلديكم الباب ..اطرقوه بلطف ..شرط أن يكون كل منكم نظيف الثياب والوجه ..سنفتح لكم ..العبوا ..وكلوا ماتشاؤن ..!

مأزق أنف ضال

قصة قصيرة





رأيته قادما على البعد ،حاملا منديله فى يده ، مغطيا به أنفه..بدا سريع الحركة،يسير كأنه يهرول قاصدا هدفا ما ..بينما بدت عيناه كأنهما كهفان فى أغوار وجهه المثلث الأبعاد ،تبسم وجهه حينما وقع علّىّ ..عبس وجهى ..كان المغرب تشتعل ناره فى الأفق احمرارا ،بينما السواد يزحف متربصا بالأرجاء ،وانا أجلس على باب المقهى أشد أنفاس الشيشة ،وأمامى كوب الشاى ..سحب مقعدا وجلس الى جانبى.
سأل :- مازلت ترفض ؟
فتحت فمى فانطلقت منه أبخرة رمادية اللون ،تحجز بينى وبينه قبل أن تنطلق الى أعلى .
قلت :- مازلت لا أفهم غرضك .
رفع المنديل عن أنفه ..قال :-
- العرض بسيط ..أستأجر جزءا من جسدك لمدة عام ..وهذا طبعا فى حدود الشرف والدين
نحيت مبسم الشيشة عن فمى ..انطلق الدخان هادرا فى وجهه ..قلت متربصا :- أى جزء تقصد ؟
قال بسرعة مخيفة :- الأنف !
بدا الأمر مبهما على نحو ما ..ربما لأنه اختارنى أنا ليطلب منى هذا الطلب ،وأنا المعلم صاحب المقهى ..قلت لنفسى ..يبدو غافلا .. استطيع أن أؤجر أنفا من الباطن ..أرضى صاحبه بمبلغ زهيد ،وأكسب أنا فارق الأجر ..استدعيت عاملا يدعى ماهر ،وأجلسته بجانبى ..قلت :- أريد أن أستأجر أنفك لمدة عام بمبلغ معقول.
نظر بعدم فهم ..أدرت وجهى عنه مشيحا بيدى قائلا :-
- اذا رفضت عد الى عملك
نظر الى وجهى جيدا ،مستطلعا امارات الجد فيه ..فتح فمه بحرفى اللام و الألف..لم يطاوعه لسانه ..تحرك الى الأمام وعاد الى الخلف ..أخيرا حسم أمره وأقترب منى بوجهه هامسا:-
- ومن قال أننى أرفض ؟ انا فقط استفسر

ربت كتفه برفق .
بعدها جاء الرجل المثلث الوجه ..قلت :-
- أتيتك بأنف حسب ا المواصفات ..وأى أجراء أو اتفاق أنا الضامن له .
عبست ملا محه وضاقت عيناه وقال مؤكدا :-
- ليس هذا ما أريد
أمسكت بمبسم الشيشة وسحبت نفسا قويا منه ..نفخته محملا بضيقى مما سمعت ..عادت الأفكار تهرول فى فضاء رأسى هامسة ..مؤكد يريد أنفا يعتد به ..أنفا ذا حيثية ..يستطيع التقاط أى رائحة يريد ..واخترت الولد حازم لهذه المهمة ..تحدثت اليه ..لم يفهم شيئا كسابقه ، ولكنه أعلنها مدوية أنه موافق على ماأريد ..ضحكت منه ..وماهو الذى أريد ؟أطلق ضحكة هزت أركان المقهى وهو يقول ..طلبات المعلم..لها درجة المعلمة على كل الطلبات ..
احنيت رأسى تأثرا ولم انبس بحرف
..جاء الرجل ..انهيت اليه الأمر ..عبست ملامحه وتكدر وجهه ،وأشار باصبعه السبابة مؤكدا :-
- أريد أنفك أنت
أزحت أصابعه عن وجهى قائلا :-
- اذكر المواصفات المطلوبة وأنا آتيك بها
عاد يكرر :- - أريد أنفك أنت .
القيت مبسم الشيشة بدخانه بعيدا واستدرت اليه :-
- هذا لن يكون
وقمت الى داخل المقهى .. هرول صوته خلفى ..عدت بوجهى اليه ..رأيته فاتحا حقيبته الصفراء والنقود واضعة ساقا على ساق فى جوفها ،تنظر الّى من أعلى ..بادلتها النظر بذات الكبرياء وعدت اليه ..ماذا تريد ؟
قال بذات رنين الصوت البطىء ، الذى يصل الأذن غير عابىء بوقت أو ظروف :- أريد أنفك أنت ..بالمبلغ الذى تريد .
اندفعت متسائلا :-
- وماذا ستفعل به ؟ ستأخذه بعيدا ؟

تبسمت عيناه ربع ابتسامة وهز رأسه نفيا ..قلت لنفسى فورا ..أنه ربما رأى فى أنفى مالم يره غيره ، ومدام الأنف سيبقى والنقود المغرورة ستجىء ، وأكسر فيها حده الكبرياء سأقبل ..
جلسنا نكتب العقد الذى أصر على أن يكون بيننا ..كنت قد أكدت له أنه لاداعى للعقود ،حيث أننا نلتزم بالكلمة ..هز رأسه وأصر على مايريد ..جلست مواجها له فى مكتب المحامى الذى طلب منى قراءة بنود العقد جيدا قبل التوقيع ..بعد الحاح مددت يدى وبدأت القراءة ..عقد ايجار بين طرفين ..يتعهد فيه الطرف الأول بتأجير أنفه للطرف الثانى نظير مبلغ مادى كبير ..على أن يتعهد صاحب الأنف أن يكون الضامن لأنفه فى أى طلب يطلب منه ..بحيث يتم التنفيذ فورا ،والا أصبح بالتضامن مع أنفه مسئولا أمام القانون .
- هل لديك اضافات ؟
انتبهت للمحامى يسألنى ..هززت رأسى نفيا ..تم التوقيع وتسلم كل منا صورة منه ..بعدها انتقلت الحقيبة الصفراء بما فيها الّى
..نظرت الى النقود متحفزا ..مقسما الا أدعها تهنأ براحتها فى هذا المكان ، وسأبدأ فورا ببعثرتها فيما كنت أحلم به ،. ..قمت واقفا ..أشار الىّ أن استمع ..قلت هات ماتريد ..طلب من أنفى أن يتشمم الأخبار والأحاديث التى تدور فى المقهى ،وأن يسجلها فى تقرير يومى يقدمه اليه ..قلت محتجا
- أنفى لايكتب
رد فورا بذات كبرياء النقود التى كانت ماتزال فى الحقيبة شامخة :-
- أنت متضامن معه ..بدليل أنك قبضت النقود عنه لأنه لايقبض نقودا

اضطررت تحت قوة حجته للصمت .
عاد ثانية بطلب جديد ..أن يقوم أنفى بالاندساس هنا وهناك ..لايترك شيئا فى المقهى أو حولها وباتساع الناحية كلها ..قمت معترضا بصوت عال :- أنفى لن يقوم بهذا
قال بهدوء واثق :- اقرأ العقد جيدا وبعدها تكلم
اضطررت للرضوخ
...............
لاأعرف من الذى أخبرهم فى المقهى بالمهام الموكولة الى أنفى ..رأيتهم فى البداية يعترضون بكلمات ميهمة ذات أطر رمادية تحتمل التأويل ..تطور الأمر الى تذمر هادىء..أعقبه ارتفع صيحاتهم وأيديهم ..بعدها بدأوا يتحركون ناحيتى..تراجعت الى داخل المقهى مضوا خلفى ....ناديت عمالى ..تخاذلوا عنى ..اندفعت الى الردهة العليا ..احتضنت الهاتف باحثا عن صوت الرجل المثلث الوجه.. أغلق هاتفه دونى ..صرخت
بكل ماأملك من ذعر :- ماذا تريدون ؟
قالوا :- أنفك
اضطررت انقاذا للموقف الى قطعه وتسليمه لهم ..غير أننى فوجئت بآخر جديد ينبت مكانه فورا ..امتلأت نفسى سعادة مادمت لم أخسر شيئا ..لكن سعادتى لم تدم طويلا ،اذ رأيتهم يتنبهون له ،و يصعدون الّىّ ،
مصرين على قطع الرقبة حتى لاينبت آخر جديد !


المحظوظ





قصة قصيرة


تبلغ الدقة عند زوجتى مداها ..أراها فى كل أمورها – خاصة فيما يتعلق بتعاملها معى - فأتعلم كيف يكون النظام ..والتعلم فى سنى هذا يحتاج الى تكرار ، وحتى التكرار فى معظم الاحوال مع من كان مثلى سريع النشسيان لايفيد ..لذا فقد هدانى عقلى الى
فكرة رأيت فيها الصواب اذ قالت لى نفسى مادمت تعمل بالتجارة وتهتم بالمحاسبة ، فهيا معى نسجل فى احصائيات دقيقة هذا النظام ..أعجبتنى الفكرة ..هرولت الى اوراقى وقلمى ..وضعتهما امامى بحيث يذكرانى اذا نسيت بما انتويت عليه من أمر .. وقد استطعت نتيجة لهذا العمل الشاق أن أسجل احصاءات شتى وكلها تؤكد ماقلت ، مثل عدد لحظات الكلام فى اليوم الواحد وعدد ساعات الصمت ، و زمن لحظات الصفو وأمد ساعات الاكتئاب ، وعدد مرات العبوس وعدد مرات الابتسام كل شهر .. وقد بهرتنى نتائج تلك الاحصائيات ، خاصة تلك التى تتحدث عن مرات الابتسام فى الشهر الواحد ، اذ اكتشفت أنها ثلاث لاتتغير ، لايؤثر فيها قدوم شهر كبيس ،
ولاورود شهر بسيط ، ولا يغيرها حضور مناسبات،
ولا يبدلها اشراق أعياد.. وهذا طبعا - حسب الاحصائية - يدل على دقة متناهية ، ولمزيد من المتابعة منى قمت بتسجيل مناسبات هذه البسمات الثلاث شهريا للأستدلال فكانت كالتالى:-
البسمة الأولى ..موعدها أول كل شهر وهو غالبا لايتغير ..يومها أرى منها مايملأ القلب بهجة ..تهلّ بسمتها مثل هلال القمر صغيرة ، ثم تكبر حتى تصير بدرا وهى تتناول منى راتب الشهر ،بعدها حين تختفى النقود من يدها يتحول البدر الى محاق فورى وينتهى الأمر .
أما الثانية وهى ذات موعد متحرك فيحين موعدها يوم الأستعداد لزيارة والدتها ..تشرق الشمس فى منتصف النهار ..يعم الضوءالذهبى البهيج أرجاء المنزل ، أسمع أحلى الكلمات ، ويتحول اسمى بقدرة قادر من عثمان الى (سونه ) ..تظل الشمس مشرقة الى مابعد العشاء حيث تنتهى الزيارة وتبدأ
رحلة العودة الى البيت ..وخلالها تبدأ الشمس بالأفول رويدا الى أن نعبر مدخل الشقة ونغلق الباب خلفنا ، لحظتها فقط تنطفىء الشمس تماما ويعّم الظلا م ، ويعود اسمى الى عثمان للحظات لاتكاد تحصى ، ثم يتم الغاؤه وتكتفى حين تحادثنى بلفظة (انت)
أما البسمة الثالثة وموعدها حسب الظروف فتمّن علّى بها يوم زيارة أخيها( حسام ) لنا ..فأرانى يومها وقد اصبحت محور ا
هاما من محاور اهتمامها ،واراها تبتكر أسماءا جديدة من أجلى وحدى ،مثل حبيبى ،روحى ،حياتى ..يومها أشعر أنها لاتتكلم ،بل تغرد قائلة ..سونا حبيبى هات من السوق..ومن البقال ياحياتى ..ومن الجزار ياروحى..!
ويجىء ضيفنا الكبير ..يرى جوا صافيا وطعاما وفيرا ..يبتهج ..تتطاير الضحكات وتنتشر العبارات ..ونقسم عليه حبا وكرامة أن يبيت الليلة عندنا ، فيجيب ضاحكا أنه لايريد أن يعكر الجو علينا ، وهو يضربنى فى كتفى ضربة ذات مغزى ، فأفهم وأفتح فمى كما يفعل الفرسان الكبار، و وأقوده الى الباب قائلا أننى يسعدنى وجوده معنا،وبمجرد غلق الباب تختفى (سونه) من الوجود وأعود عثمانا كما كنت ، وربما تعرضت لفيض من لوم نتيجة فعل أو قول لم يرضها ،وقد تبكى ندما لأنها عرفتنى فى يوم لم تطلع له شمس ،ومضطرة للعيش معى رغم أنفها .الصغير التى كثيرا ماتتباهى به.
....................
ولأن الاحصائيات خلقت للبحث والمقارنة ثم معالجة الأمور على هداها فقد قمت بالنظر والدراسة ، ثم اهتديت الى فكرة قررت أن أنفذها فورا ، وهى أن أقلدها وأبتسم ثلاث مرات فقط فى الشهر ..قالت لى نفسى أن هذا تفكير عقلانى ويرسخ مبدأ المعاملة بالمثل ،بدلا من هذا التبذير المغالى فيه فى فتح فمك ،فقلت لها موضحا أن ست بسمات فى الشهر ستجعل بيتنا سعيدا ..غير أننى واجهتنى مشكلة لم تكن فى الحسبان وهى تحديد ثلاث مناسبات كما تفعل هى ..جلست أفكر ..طال التفكير ..عدت لنفسى قائلا فى حدة ..هكذا سيضيع الأمل فى المساواة ..لن نصل الى شىء وستضيع الاحصائيات هباء ويصبح علم المحاسبة بلا جدوى .
سألتنى نفسى وماهو الحل ؟
هرول فكرى الى خارج البيت ..قلت لها ..مؤكد سأجد مناسبات عديدة تثير الضحك وليس البسمة فقط ..هناك العمل ..الأصدقاء ..الأقارب .
و بدأت البحث ..أطلت التفكير ..التنقيب ..الاستفسار ..لم أصل الى شىء ..صدمت .. أحنيت رأسى معلنا فشلى وقررت المثول بين يدّى زوجتى ، والتمس أن تزيد عدد بسماتها الشهرية لحاجتى الى بعض بسمات اضافيه ..غير أننى ترددت ، قلت لنفسى أن معنى هذا خطير ،ونتائجه مرعبة ،قالت فى حزن ..أرى أن تستشير صديقا ..اعجبتنى الفكرة ..هرولت اليه ..عرضت الأمر عليه ..أحنى رأسه متأثرا وهو يهمس :-
- انت أسعد حظا منى ..زوجتك تبتسم ثلاث مرات فى
الشهر ..حذار أن تبوح بهذا لأحد ..الأعين لاترحم
حدقت فى وجهه ..الجد يغلف نظراته..هرولت الى البيت ..اتجهت اليها مباشرة ..حدقت فى وجهها العابس هاتفا :-
- شكرا
ازداد الوجه عبوسا وهى تتساءل :-
- لماذا ؟
اضطررت للصمت ، اذ ربما تشعر أن ثلاث بسمات فى الشهر كثيرة وتفكر فى تخفيضها الى اثنتين !!


ابتسامة سرمدية على وجه قديم





قصة قصيرة





محمد عباس على








فتنة
اللحظة تأخذها ، تنسى هرولتها الى الحجرة ، اٍغلاقها الباب خلفها ، ارتمائها على السرير باكية ، دافنة رأسها فى الفرش حتى لايسمع مخلوق بكاءها ..تنسى كل هذا ولا تتذكر الا وجهه، وبسمته الحانية وهو بين يديها . تحدق فى عينيه ، تبتسم له ، تتمدد ابتسامتها بطول اللحظات ، تحادثه ، تسأله لماذا لايتكلم ، لايناغشها كما كثيرا فعل . تنتبه له يمد يسراه الى يمينها التى ترقد على راحة يده مطمئنة، يمد اليسرى واحة حنان على بساط خصرها ، يشدها للوقوف ، تلين معه كعادتها ، تدور والحجرة والكون بين ذراعيه ، وابتسامتها تواصل التمدد ، وقلبها الطفل يلهو على خيوط وحبال نظراته الحانية فرحا ، يبحرا معا عبر اللحظات الى أماكن لم ترها عين من قبل ، فوق مياه حانية تهدهدهما مترفقة ، تمضى بهما وسط ريح رخاء ، من ميناء الى ميناء وهى بين دفتى ذراعيه ، مجدافهما أحاسيس عذراء تتدفق حولهما ، وتتقدمهما من مكان الى آخر، وابتسامتها تواصل الاتساع . يخترق أذنيها زمجرة ريح عاصفة تحطم فجأة قاربهما ، وغمام كاسح يغطى وجه السماء دونها ، وصوت راعد يأتيها من كل الجهات :-
- هناء .عريسك حضر
ترتعد ، يفلت من بين يديها المتعلقتين به ، يهوى وهى ذاهلة النظرات تتابعه ، يمد يديه مستصرخا ، تهوى كلها اليه ..تنتبه لنفسها مكومة على أرض الحجرة ، محيطة صورته التى وقعت منها بكلتا يديها .. وتواصل البكاء!
...........................
فى ذلك الصباح هطلت أمطار صمتها فأغرقت المكان . قال أبوها ذات الكلمات التى طالما احرقت أذنيها ..حاولت الهرب من صوته ، من كلماته ، ومن وجهه . ادارت رأسها ناحية النافذة ، رأت ملامحه تتمدد مخترقة المكان كله الى الأفق هناك .. عيناه باتساع مدينة تخشى ولوجها ، وفمه بركان يرمى بالحمم :-
- المرأة للزواج .. أم تريدين ....؟
وهى من خلف أمطار صمتها الهاطلة تنظر اليه ..ترى الريح تعبث بوجهه المدود هناك على صفحة الأفق ، تدفعه يمينا فلا يبدو منه الا عين يسرى ترمى بالشرر ، وترده يسارا فتقابلها عينه اليمنى بشرر أشد . بينما وجه أمها روضة يانعة الزهر ينبع منها أريج يملأ النفس سكينة ..ترمى نفسها بين ذراعيها تتفتح الأزهار وتشرق الشمس بعد طول كسوف :-
- أبوك يريد صالحك
يتدفق سيل من نبعى عينيها يملأ تخوم وسهول خديها وذقنها:-
- وفريد ياماما ؟!!
- فريد ياحبيبتى راح
ينتفض الجسد صارخا بكل خلاياه و دماؤه الهادرة فيها: لا
وتتحرك لتواجه عينى أمها بعاصفة النظرات ، تلاحقها الأم باعتراض له أريج ناعم :-
- فاتت سنة ياعلياء ..مازلت صغيرة ..مرغوبة
تتسع عيناها لدهشة باتساع محيط ..سنة مرت ؟!
تتجه لعينى أبيها ..نارهما حانية اللمسات ،دفئهما يحتويها ،يشدها فى حوار بلا صوت
- أشعر بمتاهة الأحزان التى تبتلع أيامك..لكن الى
الى أين ؟
- الى أى مكان مادام معى
- لكنه راح ..راح
تهوى نظراتها من حالق يغادر والدها المكان ، لائذا بفجاج الصمت

....................
أطل وجه أمها من الباب :-
- علياء ..الفستان
مفرودا على سريرها كان ..كفنا أبيض له زرقة خفيفة تعطيه رونقا للقاء لحد ناعم الفراش ..اقتربت من السرير ..ضجت نبضاتها بالصراخ ..تباعدت ..ارتطمت بوجه أبيها على الجدار استغاثت به :( لاأملك الاقتراب منه ) ..عبست ملامحه..( ماذا افعل؟ ).. تحول العبوس الى مقت ..المقت تحول الى نفور ..هربت من عينيه الى دولاب ملابسها ..بزغت من وسط الدموع بسمةصغيرة وهى تسحب برفق صورة فريد .. حدقت فى عينيه ..شكت له من أبيها ..من قسوته .. ربت يدها برفق .. رفع ذقنها الى أعلى مدققا فى حبتى عينيها :-
- الوحدة ..البكاء ..الذبول ..ثم ماذا ياعلياء ؟
اتسعت حدقتاها لبحار من حيرة هادرة :- ماهذه الكلمات ؟!
رفع يده اليسرى لتتعلق بها يدها اليمنى كما طالما فعل..طاوعته ومدت يدها ..فتح الباب برفق ..تراجعت خطوة ..شدها بحنو ..تقدمت ..رأتها أمها قادمة ..انطلقت من عينيها نصف ابتسامة وهبت اليها .. مدت كفها الى يدها اليمنى وسارتا الى الأمام ..اخفى جسدها وهى تتقدم الى الردهة صورة مؤطرة باطار أسود منذ عام ، تحمل ابتسامة سرمدية الحنان ، تطل على الجميع !!