
القصاص من اصبع
صدقونى
رغم اننى مقتنع تماما بما فعلت ،الا اننى لم اقصده .لقد جاء عفو الخاطر ..لم افكر لحظة - او حتى اقل من لحظة - فى عواقبه ..رأيت الرجل شديد عبوس الوجه الى درجة تداخل ملامحه فى بعضها ..اشار ورقبته تبرز من اعلى قفصه الصدرى كسلحفاة باصبعه السبابه الى الخارج ..شعرت وانا ارى الاصبع فى فضاء الحجرة صلدا متعجرفا ، له هيئة حادة بارزة تحمل معانى الازدراء ..تعجبت ان يكون لأصبع ما كل هذا التأثير..رأيت ان هذه فرصة رائعة ..لحظة فريدة ..قررت لاشعوريا ان التقطها ..وفعلت !
...........................................
صدقونى
هى الظروف وحدها التى صنعت هذا ..تكاتفت مع المشاعر التى تولدت فى تلك اللحظة فكان ماكان .
لقد بدأ الامر مثل اى شىء عاديا جدا ..وقفت امام باب الحجرة ارقب المكتب الرفيع الفخامة منتظرا ان يتفضل سيادته برفع رأسه ليرانى ..طال وقوفى ..عدت الى السكرتير بالخارج ..همس فى اذنى :-
- سعلة خفيفة تنبهه اليك.
- قد يكون مشغولا.
- هو الذى طلبك
عدت الى الداخل من جديد ..سعلت سعلة خفيفة ..بنصف رقبة او اقل قليلا ،ودون ان ترتفع رأسه عن الاوراق امامه اشار باصبعه السبابه الى الخارج .
حدقت فى شعر رأسه القليل الذى يخالطه البياض ، بالصلعة فى منتصف الرأس ، وهو يرتكز بمرفقيه على الاوراق امامه على مكتبه ، منهمكا فى الفحص والتنقيب ، مشيرا باصبعه الى الخارج ، دون ان يكلف نفسه مشقة النظر الّى .تقدمت قليلا الى الامام فى هدوء ، وانا احاذر ان يصدر عنى صوت يبعثر انتظام الصمت فى المكان ، انتهزت فرصة ارتفاع جفنيه قليلا عن الحدقتين وقلت هامسا : -
-هل تسمح لى سيادتك ان ....
لم يدعنى اكمل ..فتح الفم ..تدلى اللسان وانسابت الالفاظ وانا امامه فأر لايملك الا الحيرة والصمت .
عاد اصبعه يرتفع فى وجهى ..رأيته متعجرفا ..ممطوطا ..متضخم الحجم ..اندفعت اليه محاولا الامساك به ..صرخ الرجل ..اخذت اهدىء من روعه قائلا : -
- لاتخش شيئا. سأخلصك منه.
وانا احاول الامساك بالاصبع ..دون جدوى ،حتى فوجئت بمن يقيد حركتى ..سألتهم : -
- ما الامر ؟
- اعتداء على شخصية هامة
صدقونى لم اقصد هذا ..لقد اردت صالحه .
على كل هو الخاسر مادام هذا الاصبع معه ..!
ذاكرة الغد
...........
قصة قصيرة
حين رأيته هناك أدركت من هيئته أن الأمور ليست على مايرام ..قررت الاٍٍبتعاد فورا ، قاصدا الهرب من عينيه الى مكان لايصلنى فيه شعاع من نظره ، ولا موجة من صوته . لمحنى على البعد ، رشق فى ظهرى حبتى عينيه واتبعهما بصليل صرخاته المدوية :-
- انت ..تعالى
رجعت اليه ..تفجرت طاقاته المختزنة من دهور سحيقة فى وجهى:- - ستظل هكذا عاجزا
تتركهم يفعلون مايريدون دون تصويب
أين دورك؟ أين تعليماتك ؟
أين ...........؟
لم أنتبه لبقية كلماته ، اذ أمتدت يداه الى وجهى وهو يتكلم، لم أجرؤ على الاعتراض وهو ينتزع عينّى ويضع بدلا منهما عينيه ، ويشير بيده فى اتجاههم آمرا :-
- اذهب اليهم
تصرف معهم ..قل لهم أننى الأصل ..أنا الأمس وأنا اليوم ..أما هم فلا شىء ..أتفهم ماأعنى ؟
فتحت فمى لأتكلم، لم أقصد اعتراضا على شىء مما قال ، فهذا لاأستطيعه ولا أفكر فيه ، ربما عن رهبة من عقاب ، وربما أيضا لا متلاكى شخصية ضعيفة أمام عينيه المتجهمتين، ولسانه الذى لايهد أ. بل أردت أن أسأل ماهو ذاك الذى يعنيه .. بمجرد اٍنفراج شفتى مد يده الى فمى ..سحب لسانى ووضع لسانه بدلا منه ، و أمرنى أن أذهب الآن،أصرخ فيهم،أنبههم أن الأمر ليس هزلا ، وسوف تتم محاسبتهم بشدة تتناسب مع مدى اهمالهم وتراخيهم فى تنفيذ ماهو موكل اليهم ..نظرت اليه بعينيه وحادثته بلسانه فوجدتنى أعرف جيدا مايعنيه ، وأقتنع تماما أنهم مخطئون ، ليس مهّما كيف ، أو ماهى الحيثيات التى بنيت عليها حكمى ، فليس هذا فى تلك الواقعة بالذات بالأمر الهام ، المهم أننى مقتنع وهذا شىء ليس باليسير . ومضيت اليهم.
اندفعت اتكلم بلسانه فى ثقة ، مرددا كلمات ذات ثقل، من بينها أنه الأصل ، والماضى العريق واليوم المشرق ، وأنظر اليهم بنظراته وانا فى حالة انتشاء ، اٍذ أرى رؤسهم محنية على الصدور فى تشكيل بديع ، ذكرنى بمواقف لا أذكرها الآن ، كنت أقف فيها مثلهم .. حدقت فيهم بعينيه متفحصا ، مدققا ، كما طلب منى ، فوجئت بكبيرهم يختطف تلك الأعين منى ويضع عينيه بدلا منها ..تحول عبوسى الى ابتسام فورا ، وصار البحث والتدقيق سكونا ، شعرت به و انزعجت ، فتحت فمى صارخا بلسانه مؤكدا جرم مافعلوه ، مسارعا باغلاق فمى ، حتى لايقوم كبيرهم بحركة خداع جديدة ، ويضع لسانه بدلا من الأخر فأتحول انا الى متهم وينتهى أمرى ، غير أننى لدهشتى رأيت أحدهم يحضر ماء معطرا ، وآخر يأتى بطست كبير ، وثالث وهو كبيرهم يخرج قلبى من مكمنه ، ويغسله مما علق به من شوائب وأدران ، ثم يعيده مكانه ..لحظتها رأيتنى أفتح فمى ..أخرج لسانه والقيه جانبا ، وأعلن دعمى الكامل لهم قائلا أنه اذا كان هو الماضى فأنتم المستقبل ، واذا كان له قواعد يستند عليها فأنتم لكم جذور ممتدة فى عروق وخلايا الأرض، ليس هذا فقط بل أننى عدت اليه حاملا لسان كبيرهم وعينيه .كان ثائرا ،واجهنى بطوفان من الصراخ ..لم ابال به ولا بصراخه ، ولا حتى بتساؤله عن نوع الجزاء الذى أرى اننا نستحقه .. لم أبال بكل هذا ..كل مافعلته أن القيت اليه بلسانه وعينيه وقفلت عائدا ..اليهم !!
بعث
ليس غريبا ان تكون – واخوك –فى مكان مغلق ..ترفرف فوق رأسيكما طيور سوداء،تنعق بصوت حاد يهزصدريكما ،وانتما معلقان من ارجلكما
..كل معلق الى حلقة مثبتة فى السقف والرأس لأدنى ..والصمت ينزف
ناره فى الاحشاء ..والعيون ترى الكون مقلوبا ..والفكر يدور.
اخوك التوأم تحتويه سكينة ..يبدو كلوحة عبثية رسمها مجنون ..بينما تركض انت فى فضاء لحظاتك ..تطاردك الصور والخيالات ..تصرخ ..تتكلم ..تحرك ذراعيك بالكاد كحشايا مكدسة بقطن معطن قديم ..تطلق عليه اسئلتك حروفا باكية ..لايرد ..الحجرة مغلقة والظلام غول ..والزمن سهام تنغرز فى الاحداق ..يفتح الباب الحديدى الصدىء مصدرا عويلا صاخبا ..تدور فى داخلك دوامات من انين ..ترددها هامسا كأنما تخاطب بها الجدران اللزجة الغارقة فى السواد ..تسمع فحيحا قادما من غور عميق..(هل حان وقت الحوار؟)..تنتبه لنفسك ورأسك للأرض مقلوبا تهمس ..(بلى )..يثور اخوك ..(اياك ان تنطق بحرف )..ترتجف (لا أملك طاقة اكثر للآحتمال )..تنزف كلماته انينا ( حذار من الضعف)..تتدافع الدموع رغما عنك (تعبت )..يصرخ فيك (حتى لو مت)..تنطلق قهقهة ماسخة تمجها اذناك ..(اسمع نصيحته ولا تتكلم )..وتسمع ازيز كرباج مجنون وهو يشق الهواء قادما اليك ..يرتعد جوفك ..(سأقول كل شىء)..يعاود اخوك الصراخ ..(لا)..تتلاشى صرخاته وسط ضجة العجلة الحديدية الصدئة وهى تدور ، وجسدك يواصل الهبوط حتى تتكور على الارض ..يعاود اخوك الصراخ ..يعالجه الكرباج ..تزداد صرخاته ..يزداد ارتعاد جوفك..فجأة يصمت اخوك ..تنظر اليه..جسده يبدو لعينيك مصلوبا على جدار اسود يعتليه شبح بلا ملامح ..تصرخ انفاسك ..ترتعد نظراتك وتندك النبضات فى صدرك ، بينما تتردد مذعورة فى فضاء رأسك كلمة (اخى....ى ى ى)..وانت تنظر اليه ونزيف نظراتك انين ..تسمع امرا بالنهوض ..رغم عجزك تقوم ..تسمع امرا بالكلام ..تفتح فمك لتتكلم ..ترى اخاك طائرا يرفرف بجناحيه فى فضاء المكان ..امام الاعين وبجوارالكرباج والجنزير والحلقة الحديدية اعلى السقف..يدور هنا وهناك حرا لايملكون ايقافه ..تتابعه عيناك ..تشهد شفتاك مولد ابتسامة وانت تراه يبتسم لك ..يعاودون اصدار الامر بالكلام ..تتجه بوجهك اليهم ..تحدق فى الاعين هادئا ..مغلق الفم !
انشطار
........
قصة قصيرة
جلس
بجوار الباب يبحث عن انفاسه ..كان الباب مفتوحا مازال ، ورائحةرطوبة تدور حوله ، وصمت ناعم يداعب اذنيه .. اغلق الباب بدفعة من قدمه التى هدها صعود السلم ، واسترخى على مقعده ، تراخت يداه الى جانبيه ، ومد ساقيه امامه .. القى رأسه الى الوراء ، واغمض عينيه .. بجوار الباب مباشرة وامام المقعد الذى جلس عليه كانت مرآة عريضة ترتفع الى مافوق قامته قليلا .. بدت على صفحتها المتربة عتمة شفافة ، لم يلغها نور اللمبة الضئيل الذى اناره عند دخوله .. الشقة خالية الا من انفاسه وتهدج صدره صعودا وهبوطا ، وعاصفة من الخواطر تطارده .. قراره بالابتعاد وشعوره بالرفض لأى محاوله للأقتراب منها، هى التى كانت الوجود بالنسبة له .. انتبه لحركة يجانبه لم يحدد مصدرها .. انتفض ..اهتزت الشعيرات القليلة اعلى رأسه ، وعاد قلبه الى ارتجافته .. عبر ضوء اللمبة الضئيل رأى - من خلال المرآة - عينين تحدقان فيه النظر على البعد .. عينان لايبدو منهما الا بريق يخترق العتمة قادما اليه .. حاملا نظرات يضيق بها .. يرفضها لقد اتى الى هنا هاربا ، يريد ان ينأى بنفسه ، ينفرد بمشاعره ، بأنفاس ابويه التى مازالت تعبق المكان .. الشقة كما هى منذ اغلقها آخر مرة .. الاثاث تغطيه ملاءات يعلوها التراب .. والاركان ممتلئة بذكريات تدغدغ مشاعره كلما رنا اليها .. ولاشىء هناك الا صمت وعتمة ، وصوت انفاسه المتلاحقة ، وتلك النظرات التى تلوح له .. اتسعت عيناه وهو يعتدل محدقا فيها بنظرات متسائلة مرتعدة .. عبر الضوء الباهت تلاقت الاعين .. تصادمت النظرات .. حملت عيناه عبوسا كالغيم واجه به خصمه .. حتى هنا لم يتركه .. تعقبه مترصدا خطواته .. متتبعا لحركاته .. مصرا الا يفلته .. كأنما لم يخطىء - ان كان اخطأ - فى الكون سواه .. استدار اليه بقوة صارخا :-
- انت
تبسم الآخر ساخرا :- ضايقتك ؟
صرخ :- نعم
صمت قليلا ثم أردف :- لماذا جئت ؟ تغاضى الآخر عن الجواب عامدا .. دار بعينيه فى المكان .. تعقب نظراته بنظرات قلقة ..ماله به ،مال كل الناس به ؟
يبتعد عنها ،يقترب منها ،يحادثها ،يرفض لقاءها ؟
هذا شأنه وحده
وكأن الآخر يقرأ افكاره عاد اليه محدقا فى عينيه ..انتبه للون الحدقات حينما تواجها تحت ضوء اللمبة الضئيل خلف الباب ..لونها بهت بفعل الايام ، أو الاحداث ، أو ربما مايكبته من احاسيس فى صدره ..وجهه ذاته يحمل سمات كهولة ..رغم هذا فهو لايهدأ ولا يعرف الصمت ..فى الايام الأخيرة صارت صحبته ثقيلة على نفسه .. هو الذى كان يزهو به ..يقدمه لمعارفه متفاخرا بصحبته ..الآن صار كثير الكلام ..الشيخوخة اثرّت على عقله ..كم اللوم والتأنيب لايطاق ..
- لماذا تركتها ؟
حدجه بنظرات نارية ..من بين أسنانه أجاب :-
- ولماذا لا أتركها ؟
عادت تلح عليه الصور ..تلوح له متعاقبة متتالية ..تدورأمام عينيه ..تتقارب وتتباعد ، وهو ينظر مبهوتا ، مبهور الأنفاس والدماء تتدفق من شراييه لتدق جدران رأسه صارخة.
واجهه الآخر بقوة :- مازلت تحبها .
- لا
- تحبها
- لا
هجم عليه ..ضربه بيد\يه واقدامه طالبا منه الصمت ..ظل الآخر - غير مبال بما يجرى - يواجهه فى ثبات ..يحاصره بعينيه ..شعر بالهواء يتسرب ..صدره يضيق وانفاسه تختنق ..هرول نحو الباب ..فتحه بقوة ومضى، بينما مازالت قطع من زجاج المرآة تهوى متناثرة على الأرض المتربة ، ونقاط من دماء تتواصل متجهة نحو الباب . !
المصير
قصة قصيرة
رأى نفسه معلقا على جسر خشبى عال ..مصلوبا عليه
كعلامة (x) ادمية محطمة العظام ..تتأجج تحته نيران هوجاء ، السنتها تتصارع كمردة الشياطين وسط الظلمة ، رامية بظلالها على ماحولها ، وهو هنالك لايملك الا عينين يرتعدان خلف جفون فزعة ، يسمع لعويل الريح ،
ويرى تلاطم امواج متدافعة من النيران لاتهدأ ، وينتبه وسط هؤلاء لأعين صارخة الحدقات ، نظراتها الملتهبة تحاصره ، وصوت آت من اعماق فضاء معتم يصرخ فى اذنيه:-
- مذنب
وهو وسط قيوده ، جسده يئن تحت لطمات اللحظات المتعاقبة ، تنهمر نظراته فزعة عبر الادخنة المتصاعدة وتراقص الظلال ، وقلبه بالكاد يرسل همساته الخافتة طالبا الخلاص ، وعيناه تدوران رغما عنه على الوجوه المحيطة متوسلة ، بينما السنة النيران كحيات تسعى .. ترميه الاعين بلهب النظرات ، توسعه لطما باقسى النعوت ، يمتلأ قلبه بصديد الخوف تصرخ نظراته :-
- الرحمة
تجابهه الظلمة ..يزلزله الصمت.. تعاود عيناه الصراخ ، بينما لسانه داخل فمه مكوم فى صخريته يشكو جفاف حلقه :-
- كنت امد اليد
اطعم الفم
املأ العيون
وآوى الاجساد
كنت.....!
تجابهه عين دامية بصراخ اشد مكملة :- تذل القلوب وتحنى الهامات
يرمى رأسه على صدره ..يتأوه الصدر من ملامستها ..يرفعها بالكاد مجابها الا عين الراصدة:-
- كنتم تصمتون
تتصادم النظرات ..تجابهه عين اخرى :-
- صمتنا رغما عنا
يواجهها متحديا:-
- الصمت معناه الرضا تبصق نظراتها فى وجهه مكملة
- او العجز
بدا المكان حوله رمادى اللون ،خفيف الضوء ، اقرب الى الظلمة ، محاط بالظلال السوداء ، بينما الصمت صراخ يهز الصدور . رفع جفنيه بالكاد باحثا عن وجه السماء ، قديما كان يطيل النظر اليها ، يبحث فى طياتها عن برج سعده الذى اشاروا له اليه ، مسائلا النجوم عن اوقاته ، هامسا لنفسه انه لولا الالهام الذى يأتيه ماملك امره ونفذت كلماته . دوما كان يثق بقدرته على مجابهة الاعين وماتبوح به من خفايا الصدور ، وكان دستوره المهابة والخضوع ، فما من قلب يعرفهما الاانحنت هامته ،وارتخت اجفانه ، وصمت لسانه ، اما بدون المهابة فلاشىء هناك يمنع التمرد واعلان العصيان . الكل عليه ان يحنى الرأس لكى يرى ماتحت قدميه ، هذا يكفي العامة ، اما ارتفاع العينين لأعلى فسوف يولد فى النفس رغبات خطرة ، يرغّبها فى اعتلاء ابراج لايصلح لها الا من منح الالهام مثله . الشىء الذى يحيره الآن هو تلك السرعة التى سار بها الى ماهو فيه ، لايدرى كيف ابحرت لحظاته فى تلك العواصف ، وانتزعته من احضان افلاكه العلوية الى ادران ارض كان يأبى النظر اليها من قبل ، وضاع منه الالهام كأنه لم يكن يحمله ذات يوم .
رفع جفنيه بالكاد لأعلى ، رأ ى السماء كما لم يرها من قبل ، سدودا سوداء تمنع عنه وجه النور ، وبينها نجوم مظلمة الوميض ، ترميه بشرر يتغلغل فى اديم عينيه .
ومن طيات الصمت الناشب اظفاره فى صدره اقتحم الصوت النارى النبرات اذنيه من جديد :-
- مذنب
صرخ :- لا
لم يجاوز صوته حلقه ، انتبه لأيدى تصل اليه ، تشده من موضعه ، تمتد نحوه مقبوضة الأكف عدا السبابة
والوسطى تريد فقأ عينيه ، ارتفع صراخه وهو يحنى رأسه ، يدفنها بين ساقيه ، يأخذ وضع الجنين ، ويتقازم
، يتقازم ..
بلا انتهاء.
القصاص
قصة قصيرة
ادخل هذا البيت .نعم هو..الا تعرفه؟
تقدم ..اعبر الباب قاطعا الساحة الصغيرة الى السلم..اصعد مترفقا ..ستقابلك الدرجات بترحاب فهى تعرفك ..الجدران الرطبة المتآكلة الطلاء ستطل عليك ، لن تنفر منك فأنت منها قريب اكمل الصعود ،لاتخشى الظلمة ، فهاهنا الظلمة ترى من خلا لها بروحك ماحولك ، تشعروخطاك تجتازها بذات هدوئك
، اصعد السلم اذن حتى تصل الى الدور الاول ، هناك توقف واستدر الى الباب الخشبى العتيق بنقوشه المتآكلة الالوان ، حدق فيها ، تذكر ايامك الاولى معها ، ثم دق الباب فى رفق وانتظر قليلا ، لاتتعجل الرد ، فالمرأة التى ستفتح لك عجوز بطيئة الحركة ،انظر اليها ، املأ عينيك من سمرة قسماتها ، من رحابة تعبير اللهفة التى تفجرت به كل ذرة من كيانها حين تراك ، لاتأبه لسواد ملابسها ، ولا لخطى دمع يشقان خديها ، ايضا من الافضل الا تنتبه لارتجافة يديها وهى تمدهما اليك ، كل ماعليك ان تترك نفسك لأحاسيسك معها ، ستفتح لك ذراعيها ، تحتويك فى اعماق احضانها ،هى هكذا ، حين تراك يدق قلبها بقوة بعد خفوت ، و تومض احداقها بعد سكون ، وتضمك الى روحها ، استكن بين الذراعين مجاورا القلب فهاهنا عشك القديم ، انصت الى دقات قلبها العجوز جيدا، افتح اذنيك واستمع الى دعوات هى خالصة لك ، وحين تطلقك ذراعاها قبّل يديها ووجهها المغضن بحبات نبضها القديم ، وتحرك نحو الباب ، اهبط السلم وثبا ، وحينما تصل الى الطريق لا تتلفت كما كنت تفعل قديما ، خذ وجهتك اليهم ، حاربهم بكل ماوسعك الجهد ، لحظتها سترى حولك من ذهبوا ، ستراهم بجوارك لايهابون الموت ، واذا شعرت ولو للحظة بوهن ارفع رأسك لأعلى ، ستعرف ان هناك من يرقب عملك ، يسعد بقرارك ويقّدر جهدك ، او فتش فى قلبك لترى ذات المرأة العجوز التى من المؤكد تنتظر عودتك ، حدق فى الوجه المغضن بأنات القلب ، تفحص خطى الدمع العابرين الخدين ،انظر ، تفحص ، دقق .
لحظتها ستكمل من اجلها\اجلهم القصاص !
ملامح يوم سعيد
.....................
قصه قصيره
...............
- امسح ماعلى وجهك
كلمة عابرة قالتها ، و رمت بوجهها الى الجدار من جديد ، نائية بملامحها العابسة عنى
.مددت براح يدّى على سهول وهضاب الوجه ، بعدها فردتهما مبسوطتين ورشقت فيهما نظراتى ، لم أر شيئا ، تحركت متجها الى المرآة والقيت بوجهى على صفحتها ، ابتسامة عريضة تشد الفم من ركنيه ليتسع ، وترمى بألقها على العينين فتنيران كبدر راقص فى ساحة الفضاء ..أشرت للمرآة راضيا ، هللت من الضحك وغمزت بعينها اليمنى ، اطلقت صفيرى المحبب - الذى نسيته منذ دهور طوال - وأنا أعود الى جحرى فى حجرة النوم . رمقتنى بعينين مازالتا تحت تأثير عبوس مقيم ، ومصمصت شفيتيها ، وأطلقت كلمتين من قاموس كلماتها الذى اعتدت - من طول العشرة على مفرداته - وعادت الى مضاجعة الجدار . مددت مخالبى الى كتفيها - لم أخمشهما كبقية الكائنات الشرسة - و أدرتها بقوة الّى مباعدا بينها وبين الجدار الذى فضلته علّى ، اتسعت عيناها اتساع مابين الأرض والسماء وهى ترمينى بشرر نظراتها اللاهثة ، متسائلة :-
- هل جننت ؟
انطلقت ضحكتى مجلجة :- نعم
وقبلتها على خديها اليابسين ، زغردت شعيرات رأسها البيضاء ، وأضاء جبهتها قنديل لم أره منذ زمان ، رغم هذا حاولت معاودة اللحاق بأذيال الجدار ، لم أعطها الفرصة ، واطلقت كلمتى التى كانت تحبها قديما الى أذنيها مؤكدا على كل حرف منها :- احبك
ضربت كفا أعجف بآخر أعجف منه وهى تتعجب مماجرى لى . اكتفيت بهذا حتى لا تتطور الأمور الى ما لا أريد ، وتحركت ملبيا نداء ملابسى على المشجب .
...........................
بدا السلم مغسولا بماء الصباح ، ندّى الجسد ، تلوح على ملامحه نعومه ودفْ ، مسحت على سطحه الخشبى بموده وانا أهبط الدرجات متمهلا ، شاعرا أن كل درجة أهبطها خطوة الى النور . رأيت بابا فى الطابق الاول وجهه سقيم ، عليه آثار خدوش من مخالب زمن قديم ، ابتسمت له ، هش لى مبينا فتحة فمة المثروم . حين جاورته زغردت مفصلاته وهى تتحرك الى الخلف ، مفسحة الطريق لجسد ثقيل - كنت قديما لا أطيق رؤيته -
تقابل وجهانا لثانية ، كانت كافية لأن ابتسم للوجه المظلم ، بتقطيبه جبينه ذات الحيز الضيق ، بخطوطها الأفقية المترامية الأطراف ، أبتسم له وأحييه وآوخر نفسى لأفسح له الطريق وأنا أسأله عن الأحوال ، تحول الظلام الى عتمة خفيفة وهو يهز رأسه محاولا الافلات من قيد العبوس ، وحينما لم ينجح تركنى مهرولا على الدرجات لأدنى ، وعبوسه معه.
.................................
اقتحمت الطريق بصدر خال من ركود الضيق ، لم أبال بتساؤل يهز جنبات رأسى لماذا اليوم يغزونى هذا الشعور ، وأطير مرفرفا فو ق النظرات المدققة ، والوجوه المحدقة ، غير مبال بتعبيرات الوجوه المتراميه الدهشة ، قابضا على بسمتى ، منطلقا أعلى المنحدرات التى كونت بركا من المياه الراكدة التى أخضّر لونها بطول معاشرتها لشارعنا هذا ، والتى كنت على الدوام أقابلها بما تمليه علّى ظروف اللحظة التى أعيشها من عبوس ، وكلمات ساخطة وماالى هذا من أساليب أتقن استخدامها داخليا ، ولا أملك ترف اعلان رفضى لها الا بين أفراد الأسرة ، أو الجيران . اليوم رأيتنى أطير فوقها ،أرى الاخضرار والاصفرار ورمادية الأتربة حولها يصنعون لوحة بديعة المنظر رغم كل شىء . انزلقت قدم أحدهم وهو يسير على الحجارة المرصوصة كالكبارى فوق المياه المتسعة الأطراف ، الواصلة الى حواف الجدران المجاورة لنهر الشارع ، ملأنى الضحك لمنظره – رغم تعاطفى الانسانى معه - وهو يطلق كلماته الغاضبة ، ويضيق عينيه ، ويوجه كلماته لمجهولين ، واصفا اياهم بكل مافى قاموسه من الفاظ يعاقب عليها القانون . رآنى أضحك ، حدق فى وجهى منشبا مخالب نظراته فى عينى ، قلت لأدارى خجلا طارئا :-
- اما الضحك واما ....!
هز رأسه محاولا تقبل منطقى ، ثم استدار عنى مكملا سيره ، أما أنا فعدت أتقافز على الحجارة مطلقا مع كل حركة بسمة طائرة بجناحيها ، مرفرفة تملأ الافق
........................
حين أشرت لسائق العربة الاجرة المتسكع على الطريق الرئيسية رأيته يقف فورا . قلت لنفسى هذا فأل حسن ، رميته ببسمة من فيض البسمات المتراكمة فى تلافيف صدرى هذا الصباح ، وصعدت الى الحافلة ،جائت جلستى بجوار فتاة رائعة الحسن ، لا أدرى هل رأيتها هكذا للشعور الذى يعترينى اليوم ، أم هى فعلا جميلة ، رميتها بنظرة ذات بريق ، جاورتها نظرة ممتلئة بالبسمات وأنا أقول لنفسى لابأس ، فهى فى عمر ابنتى أو ربما حفيدتى ، على كل أنا فى أى حال لا اقصد الا تبادل البسمات الودية مع كائنات الأرض اليوم لا أكثر ،
و تركتها الى النافذة . أعجبنى أن الزجاج مفتوح يرحب بالهواء النقى المندفع الى داخل العربة - رغم أن هذا شىء عادى يحدث كل يوم - رميت ببسمتى الى ذاك الهواء محييا ، وعبرته الى الطريق . وجوه كثيرة تتراكم على الأرض ، أياديها تشير للعربات المارة ، حاملة عبوسا لا أدرى لم ، ذرات غبارتصنع سحابة تطويها ، وكلها يرفع يده مشيرا باشارات محفوظة لسائقى العربات ، فمن يريد محطة القطار يقبض أصابع يده عدا
الابهام ،ويوجهه ناحية اليمين ، ومن يريد نصف البلد يقبض يده عدا الابهام أيضا و يوجهه ناحيه اليسار ، أما من يريد الموقف العام فأنه يقلب يده على ظهرها ويرفع أصابعه الخمسة لأعلى ، منتظرا أن يكون هناك مقعد خال يثب اليه . البيوت بطول الطريق تتوضأ بنور الصبح ، متطهرة بماء الندى ، موجهه وجهها ناحية سماء ناصعة النور ، توحى بنهار صحو . جاء مكان نزولى ، القيت نظرة سريعة على الفتاة ذات الحسن ، التمس من جمالها تميمة لأستكمال مالدى من تفاؤل ملازم منذ تيقظت . نزلت نشيطا الى نهر الطريق ، تبسمت العربة مودعة ، رددت ابتسامتها بأروع منها ، ومددت يدى لاشعوريا أتحسس حافظتى وبطاقة هويتى ، لم أجدها ، انتفض شعور بالقنوط محاولا ملء صدرى ، ورأيتنى أضرب الآرض بقدمى ، مطلقا مااعتاد لسانى اطلاقه فى مثل هذه المناسبات ، غير أننى اليوم رأيتنى أعود الى الصمت ، متأملا معركة تدور رحاها بين ذاك الشعور المتطفل و البسمة التى تصر على مصاحبتى ، وقفت اتأمل
صراعهما منتظرا نهايته بلا حماس ، حتى اذا رأيت البسمة منهكة تعاود تسلق شفتى ، قلت لنفسى : -
- ضحكت علّى واستولت على اعجابى وحافظتى
من الذكاء أننى أحفظ أرقام العربات التى استقلها ،على الأ قل لعشر دقائق بعد نزولى منها ،. بعد العمل ان شاء الله أذهب الى السائق وأتحرى الأمر
، وتحركت قاصدا عملى
.........................................
البهجة تتقافز من مكتب الى آخر هذا الصباح ، الكلمات - رغم روتينية القائها - تحمل اليوم سمة جديدة هى نظرتى اليها ، الحوار لم يعد مكررا ، والشكوى ليست مملة من اناس خاملين لايملكون غيرها ، والوجوه ليست بليدة ذات ملامح متراخية الحدود والأبعاد ، منطفئة الوميض ، ذات ابتسامات باهتة ضيقة الحدود .. أبدا .. اليوم بالذات الوجوه تحمل تألقا ، والجباه مرتفعة ، والضحكات ذات أجنحة تعبر الباب الى الممر ، ومنه الى الطريق . أجلس بصفتى الأ قدم على مكتبى فى مدخل الغرفة ، مواجها لبقية المكاتب المتراصة بطول الحجرة ، أوزع الابتسامات بالتساوى على الوجوه ذات اللحى الرقيقة ، الموزعة مابين الأبيض والأسود بطريقة فنية عاليه ، منتظرا لحظة مناسبة لأهمس لهم أن لدىّ موضوعا جديدا وأحكى كيف ضاعت حافظتى هذا الصباح ،صحيح أن التعليقات ستتطاير مرحة مرفرفة بجناحيها فوق رأسى سخرية لكن لا بأس ،هذا خير من مواضيع تهرأت من كثرة الاستعمال ،جائت اللحظة المناسبة ،فتحت فمى وقلت :-
- ضاعت اليوم
دخل أحدهم حاملا أمرا اداريا من المدير العام بترقية الموظف الجديد ( ماهر ) رئيسا على المكان، المكاتب و ماعليها وأنا وابتسامتى ايضا ، هزنى الأمر لبضع ثوان غلبتنى فيها صرخات مدممة من دموع لا أعرف من أين جائت ، واكتسح صدرى اعصار حزن لا أعرف كيف وصل اليه ومن أين ، وقبضت أصابعى على حافة المكتب وانا أشعر بانهيار مفاجىء يجرفنى معه لآنحدار سريع الى أدنى ، و زلزال يهز الكائنات والأرض وابتسامتى المرسومة على حدود وتخوم شفتى ..كل هذا فى لحظة أو أقل ، أعقبه صراع أشد مرارة تأجج داخل صدرى وعينّي وأصابعى وتلافيف عقلى ، صراع طال وأمتد ، مما جعلنى أنظر وأدقق وأبحث محاولا الوصول الى نهايته ، حتى اذا ما أعياتى الانتظار شعرت بفمى يتمدد بالكاد ليرسم صورة ابتسامة منهكة التقاطيع ، مقطبة الجبين من طول صراعها الذى خرجت منه فى التو ، وانتبهت للسانى الذى تحجر منذ برهة أو أقل يتحرك داخل فمى ، وأ نا اقوم من مكانى طالبا من ماهر منذ اللحظة أن يعتليه ، متدثرا ببقايا بسمتى ، صفق الزملاء تقديرا للموقف ، قلت لنفسى هذا شىء يستحق رد فورى ورفعت رأسى اليهم ، درت بفيض ابتسامات جديد وزعته عليهم بالعدل . سألنى جارى فى المكتب المجاور
هامسا :-
- قلت ( ضاعت اليوم ) ولم تكمل ..ماالذى ضاع منك ؟
بحثت عن ابتسامتى .
لأ رد بها عليه !
محمد عباس على
اسكندريه فى 2010-03-09
علياء لاتعرف الحب
........................
قصة قصيرة
..............
تنظر اليها
الى انفعالها البادى مشفقة
تلك البنت ..النسخة الثانية منها..الحياة الممتدة بالنسبة لها لم تعد هى ..صارت أخرى لاتعرفها ، ويوما بعد آخر تتباعد المسافات بينهما ..الصمت الذى كان غريبا عن بيتها صار الآن جزءا من حياتهما ..تشعر الآن بشىء لم يمر بها من قبل ..شىء لم تتخيل أن يحدث لها ، هى التى لم تكن تعترف بالضعف البشرى ، وتنظر اليه على انه انعدام شخصية ، وصاحبه لايستحق الحياة ، الآن تشعر أنها ضعيفة لاتملك لنفسها - ولا لأبنتها - قرارا ، تائهة وسط صحراء يملؤها الصقيع ، وتدور بها الرياح من كل جانب فى عنف ، وهى وحدها ولا أحد معها . كم سعدت بشبه علياء لها، كم نظرت الى وجهها ، تأملت عينيها،جبهتها، أنفها، حتى أفعالها - كانت - لاتختلف كثيرا عنها ، نفس الكلمات والتصرفات ، حتى ذمة الفم حين تضيق بشىء ما مثلها ..توافق بينهما طالما تفاخرت به وسط المعارف والأصدقاء ، فكانت تتعمد مناوشتها أمامهن ، يضحكن ، يقلن لها مسّلمات :-
- نسخة منك يا أحلام
وتسعد هى بهذا ..فهاهى امتداداها أمام عينيها ، الشباب الذى ودعته مرغمة، تراه ماثلا بكل عنفوانه أمامها ،تقترب وابنتها ، تلتصقان الى حد الاندماج . لم تشعر يوما بخوف أو قلق عليها ، فكل شىء داخلها تشعر هى به ، تراه وتحفظه وتتقن صونه. الا الآن ..الآن بالذات هرول قلبها فى فراغ صدرها قلقا على تلك الابنة ، القرينة ، كما طالما خشيت أمها قديما عليها من اندفاعها ، فكانت تهمس فى أذنها :-
- حاذرى ياأبنتى من الأعين ..انتبهى للألسنة..واياك
والاستماع للكلام المنمق .
فكانت تنظراليها بنصف عين وهى تشيح بيدهاقائلة :-
- هذه الكلمات ( الحيطة والحذر ومااليها ) كلمات الضعفاء .
..القوى لايحتاج اليها
تضحك أمها منها :-
- وأنت .. من الأقوياء؟
ترفع رأسها بكبرياء ، يتدلى شعرها ذيل الحصان شامخا على ظهرها وهى تجيب :- طبعا .
تدعو لها المرأة العجوز بالستر . هى أيضا تعرضت لمثل هذا مع علياء ..سمعتها تقول :-
- الصراحة أقصر الطرق للعيش الآن ..الحياة لم تعد تحتمل التجمل ، نزعت عن نفسها ورقة التوت التى كانت تستر آخر جزء فيها ، وصار كل شىء يقاس بقيمته المادية ،
خاصة المشاعر .
فسألت مداعبة :- والحب ؟
قالت بجد :- اذا مال قلبى لرجل سأسحقه بأسنان مقتى
تذكر جيدا كيف نظرت الى ابنتها ذاهلة العينين ،هامسة :-
- مالذى يدعوك لتقولى هذا ؟
قالت :-
- لن تكون ارادتى الا بيدى ..الارتباط معناه أسرة ،
والأسرة معناها استمرار ،وحينما أكون مستعدة لهذا سأناقشه
بعقلى وليس بمشاعرى
الى مدى قريب كانت تقول هذا ، وهى تسمع لها ، تسرح بأفكارها الى أيامها التى خلت ، قيل عنها الكثير أيامها ، شديدة الحدة و العناد ، خاصة فى مسألة العلاقة بالرجل هذه ، تذكر جيدا يوم همست لها المرحومة أمها قائلة أن عريسا تقدم لها ، هى تعرفه جيدا ، تعرف أخلاقه وأصله، يومها كان الزمن مختلفا ، البنت لاتملك الا قول نعم ، والا أصبحت فى نظر والديها متمردة تستحق العقاب ،والعقاب أيامها كان الضرب ، والحرمان من الخروج من البيت ، أو ربما فرض حظر التجول عليها ، وتحديد اقامتها داخل حجرتها حتى تعود الى رشدها ..يومها - تذكر جيدا - نظرت فى
عينى امها جادة وقالت :-
- لن اتزوج هكذا
ربتت امها كتفها برفق قائلة :-
- قابليه فقط ..انظرى اليه حادثيه ، اذا اعجبك خيرا وبركة والا فلن نخسر شيئا
اشاحت بوجهها عنها :-
- بل سنخسر كثيرا ، سيقال علياء جاءها عريس ولم يرض بها
رجتها امها :-
- يابنتى !
هزت رأسها رفضا .. الغريب أن ابيها - يرحمه الله - أيّد رأيها ، قال :-
- ابنتى تعرف ماتريد
تنمرت الأ م لهما:-
- سيجىء العريس وسوف تراه وبعدها تقرر ماذا ترى .
واشتعل الموقف، ولم يهدأ الا حينما رأى أبوها أن ترضى أمها وترى العريس وترفضه ولكن -اشترط عليها - بدون اندفاع أو احراج له . وجاء اليوم، طلبت منها أمها أن تتزين ، أقسمت الا تفعل ، وجلست متجهمة الوجه ، صامتة ، الا أنها فوجئت به يقول فى جد:-
- أعرف أفكارك وأقدرها، لذا فاننى لم اجىء اليوم لكى آراك وأقرر اذا ماكنت أريدك أم لا ، بل جئـت لأننى أريدك ، ورغم أننى أعرف أننى مرفوض أصلا فقد جئت متحملا النتيجة ، وعارضا عليك أمرى ، ومنتظرا منك نظرة عدل الى رجل يعرض عليك حياته ومستقبله
لحظتها رفعت عينيها اليه ، رأته لأول مرة منذ حضر، وتبسمت
، اطلقت امها نظرة ارتياح وهمست لأبيها مفاخرة :-
- نجحت خطتى .
ونظرت الى العريس ممتنة لاتباعه مشورتها ، وصار هذا العريس والد علياء ..تنهدت وهى تبتلع ذكرياتها وتعود الى حكاية ابنتها .. ماذا تفعل معها ؟ .. ما يحدث الآن لم يخطر لها على خيال ..البنت تتباعد ..تتنائى وهى بجوارها ..عيناها فيهما شفرات لاتملك حلها ..وجهها عليه امارات تستعصى على نظراتها ..تسألها ..تبتسم مراضية ..أو تبكى فى حضنها دون أن يبدو منها ماكان صفحة مفتوحة بالأمس ..تجلس اليها .. لم تعد هى ، بل كيان منفصل غامض ، ينأى بمشاعره عنها ، وهى لاتريد الضغط عليها ، فهى تعرفها ..تعرف عنادها ، ولذا تلزم الصمت ، تتأجج الأفكار فى رأسها ، تحترق خواطرها بلهيب الليالى التى أصبحت تدمن مصاحبتها ، ويوما بعد آخر تتنائى البنت عنها ، تجلس وحدها تسمع أغنيات لم تكن تبالى بها ، تتحدث عن المشاعر والأحاسيس ورغبات القلب التى لاتقاوم ، وهى تنظر اليها ، تعرف أن هناك حبا قد ملكها ، متى وكيف ؟ .. لاتدرى .. ولماذا لاتبوح لها به ؟ ..أيضا لاتدرى
و لأول مرة فى عمرها ترى نفسها عاجزة عن حل مشكلة تعترض طريقها ، وفى ذات الوقت لاتملك الخيار لعرضها على أحد . أخيرا حملت كراستها الخاصة وقلمها ، جلست الى سريرها كما كانت تفعل قديما ، تشّرح المشكلة ، تكتب أبعادها ، والمعوقات التى تعترضها ، والحلول المقترحة لحلها ،وتناقشها واحدة تلو الآخرى وتستبعد مالا ترضى عنه ،الى أن استقرت على واحدة ، لحظتها عرف النوم طريقه الى عينيها .
فى الصباح بحثت علياء عنها ..فى الفراش كانت ..تقرأ القرآن الكريم .شاكية من اجهاد يمنعها من الافطار معها ..بعد الظهر راحت فى النوم وتركتها للغذاء وحدها ..فى العشاء شدها مسلسل لم تكن تبالى به قبلا عن المائدة ،وصار الصمت شعارها ..الأكثر من هذا أنها لم تعد تسألها عما بها ..غابت فى العمل ..عادت لتجد باب امها مغلقا دونها ..لم يحدث هذا من قبل ..دخلت اليها ..ادارت وجهها عنها غضبا ..بكت بين يديها ..تدافعت الكلمات ثائرة على شفتيها
- لا أريد أن أشغلك معى
فكرت أن تضمها الى شغاف قلبها ..تماسكت بالكاد ..همست الآخرى :-
- قلبى يا أمى
ازدادت حدقتا عينيها لمعانا وهى تغرز نظراتها فى حبتى عينيها ، بينما الحروف تتدافع مبللة بالدموع الى أذنيها .