حمدان يعلن الحرب
قصة قصيرة
(1)
كان الممر طويلا
يصل باب العمارة الخارجى - على الشارع - بالباب الخشبى الداخلى ، ويمتد الى حيث حجرة البواب الصغيرة ، لينعطف بعد ذلك يسارا لجراج العمارة ، باتساع الدور الأول بالكامل ، ببابه الذى يفتح على الشارع الخلفى .
أوقف حمدان العصا رأسيا ..أمسك بها من أعلاها بيد ، وأستند على الأرض بالأخرى ورفع جسده ..عادت العصا للأنزلاق على البلاط ثانية ،وشق السكون من جديد صوت الارتطام .
اندفع صوت (رئيسة ) من داخل الحجرة فى أقصى الممر ناعسا ،ممزوجا بصوت السرير وهو يئن تحت ثقلها :-
- مالك ياحمدان ؟
أشاح بيده وقد آلمته الوقعة الجديدة ،وعلا صوته متسائلا بمرارة :-
- الاتعرفين مالى ؟
هبت ؤئيسة التى أفاقتها من نومها قوة الارتطام ..تحركت ناعسة ماتزال ، تشعر بثقل جسدها ، وبارتخاء جفونها التى تفتحها بالكاد ، واتجهت اليه متبرمة ،لاتعرف ماالذى يجبره على السير فى أنصاف الليالى هكذا ليطمئن على الجراج والممر والباب الخارجى ، كأن اللصوص اذا فكروا فى السرقة سيخشون منه ومن ساقه التى يجرها خلفه جرا .
وقفت بجانبه حاملة ضيقها فى صدرها ، لكنه أزاح يدها فى ضيق ..ستظل الى متى ترى عجزه ،وتتسلى بالشفقة عليه ؟؟.؟.انه لم يرقد بعد ،ومازلت لديه الصحة والعزيمة ليتحرك ،هو الذى صال و جال فى الحرب الأخيرة وواجه الدبابات بصدره وكان يمتع ناظريه بتدميرها .
عاودت مد يدها اليه . عاود ازاحتها عنه ..فكرت فى العودة من حيث أتت ..يكفيها ما تلاقيه أثناء النهار من تعب ..هو يعرف أنها لاتستريح ..طول اليوم شقاء حتى تستطيع ان توفر لهم لقمة العيش ..تتحمل هذا وتصبر على ذاك لتواصل عملها ..أفلا يحق لها ان تجد راحتها ليلا بدلا من هذا العذاب ؟
غير أنها تنهل من معين الصبر ،وتربت كتفه مترفقة وهى تحدق فى عينيه مسترضية ،ينظر اليها ،تطول نظرته الى وجهها ، ذلك الوجه الذى سحره وربطه بها ،وجعله بعد عودته من الحرب حينما وجدها قد استدارت عروسا بهية يتكلم عليها ،ويعد نفسه أسعد المخلوقات لفوزه بها ،ويحاول بكل جهده اسعادها ،حتى حينما طلبت منه أن تترك القرية وتعيش فى الأسكندرية مثل ابنة خالتها (أنعام ) لم يستطع أن يمانع ..نزل عند قريب له أياما حتى يجد عملا مناسبا .جاءه قريبه بالعمل ..بشره بأن عمارة جديدة تحتاج لحارس ..كانت دقات قلبه نواقيس تهز فراغ رأسه بعنف ..آاااه يارئيسه ..كيف طاوعتك وجئت ؟؟
مد يده يحاول التقاط العصا ليعاود القيام ..همست :-
- استند علّى
حدجها بنظرة لائمة وهو يهمس :-
- جئت اسكندرية يارئيسه ؟؟
.............
(2)
أغمضت عينها بجواره بحثا عن النوم ..لامجال لكلمات ولا أى شىء آخر ..نظر اليها تحت الغطاء بجسدها السارح الممتلىء وهو يغمغم ...صبرك طال يارئيسه !
كانت بعض نوافذ العمارة مفروشة بالنور ..أشعة خفيفة تتداخل مع الظلمة
فتصنع جوا بين الحلم والأوهام أمام عينيه ،وكان الممر ساكنا ، ممتدا الى حيث الباب الحديدى هناك على الطريق ،حينما رأى رجلا قادما من أول الباب ..السيجارة فى يده والنظارة على عينيه ،وبذلة كاملة لها لون زاه تتألق على جسده ، وهو يهز سلسلة مفاتيح ذهبية بيده ، و يحدق ناحية الحجرة بنهم لايحاول ستره قائلا بلهجة آمرة :-. ابعث رئيسه
.وقف شعر رأس حمدان وبرقت عيناه وتدلى فكه الأسفل وشل تفكيره تماما ..
قال بلا وعى :-
- أجىء أنا
أشاح الآخر بيده ،راسما على فمه ملامح سخرية :-
- لا ..أنت عاجز
برقت عينا حمدان ..أرسل نظراته تحدق فى الرجل الذى لم يبال به ..فكر أن يقوم اليه يعيد له صوابه ..غير انه يعرف أنه لن يستطيع ..انخفضت عيناه لأدنى وحروف الكلمة الأخيرة يدوى صداها فى جنبات دماغه..عاجز ..عاجز ..عاجز!
صرخ بقوة ..لا..وهب من مرقده يريد الذهاب اليه وليكن مايكون ..غير أنه وقع أرضا ولم يجد عصاه ليقوم فأخذ يزحف باصرار والرجل من أعلى ينظر اليه متأففا ،ثم مالبث أن تركه ومضى بعد أن أشار بيده محذرا :-
- اياك أن تنسى تبعث رئيسه .
أخذ يصرخ ..رئيسه لا ..رئيسه لا.
غير أن صوت رئيسة علا متوترا ،ملولا :- مالك يارجل ؟؟ ..نام ..عاوزه أنام
حدق فى الممر الخالى بسكونه الممتد ، ودارت عيناه وقد انتبه لنفسه وسط حيرة تتعملق أمام عينيه ..الأيام تدور وتتكور دون أن تصل لانتهاء ،وهو لن يظل هكذا ..لن يظل هكذا مهما كان المر ..ان لم يستطع شفاء قدمه ثانية سيقطعها ....الأطباء أجمعوا على انها حالة نفسية ..سألوه عما رآه فى الحرب ..احتار ماذا يقول لهم .
اخذ يرقب ساقه ويرى رئيسة تكرر باشفاق :- ياما ناس عندهم أكثر من هذا
تريد أن تهّون عليه ..لكنها لاتعرف أنها تزيده الما وتشعره بعجزه ..يراها وهى الشابة الجميلة المرغوبة تنتقل بين الشقق ، تنظف هنا وتغسل هناك ، ويعلم الله مقدار ماتراه فى عملها هذا ،خاصة من (فارس بك ) صاحب العمارة الرجل الشايب الذى لايعرف العيب..ينظر اليها بنهم أمامه ..حمدان يعرف هذه النظرات ..يفهمها ويظل على نار متأججة وهى فى شقته ..لكنه يطمئن نفسه أن المدام موجودة وانه لاخوف هناك ، فاذا ماعادت رئيسة راقب وجهها وحركتها واهتمامها بنفسها وزينتها ،وتفهم رئيسة نظراته هذه ،لكنها تتحاشى أن تحدثه فى هذا الأمر حتى لاتجرحه ،غير انها ذات مرة قالت محاولة تهدئة ظنونه :-
- فارس لن ينظر لأمرأة بواب
صرخ فيها:- عينه فارغة ..ثم أننى مستأجر هذه الحجرة بعرقى وجهدى .
ردت بحدة:- لكنك مريض ولا تفعل شيئا .
لحظتها حدق فى وجهها وقد اشتعلت النيران فى خلاياه ، وشعر برأسه ينفلق من الانفعال .
الا انه رغما عنه تمرغ فى الصمت مقهورا .
..........
(3)
نائما الى جوار رئيسة
رأى الليل يجثم على صدره بأنفاس مظلمة تفح نارا فيكتوى بها وجهه ،فتح عينيه الى أقصاهما ..الجراج معظم الوقت يكون خاليا من الناس لاتدخله عربة من عربات السكان الا فى مواقيت محددة هو يعرفها ..سيسير بغير عصا ..سيواصل الليل بالنهار لارغام ساقه على مطاوعته ..سيخضعها لارادته ..اما أن تسير والا ...!
لن ينتظر اكثر من هذا ..انه يلحظ هذه الأيام أشياء تنكرها عيناه ولايقدر لسانه على الخوض فيها ..لم تعد رئيسة المهدودة المتبرمةالتى تحمل بين عينيها مرارة الصبر وقسوة الحرمان ..انها تبدو سعيدة وراضية كأنما ليس هناك شىء..عيناها باسمتان والضحكة لها رنين وعادت للمرآة بعد غياب ...الأكثر من هذا أنها صارت تتباسط فى الحديث مع من حولها وخاصة ( فارس بك ) .. فاذا انتبهت لنظرات زوجها قالت لامبالية أنها تخدم عندهم !!
يشعر حمدان ويرى انها لم تعد تراعى مشاعره ، أو تهتم بكلماتها امامه .. تندفع فى قول مالديها ضاحكة مستهترة ، وعليه هو أن يرضى .
آاااااه..انه لم يتعود هذا ..لم يتعوده ..لابد لهذه الساق أن تشفى ،وأن تعود رئيسة الى حجرتها قبل أن تضيع فى بحر لاقرار له ..فى الوقت الذى ستكون فيه بالخارج سيحاول وحده ..سيدرب نفسه ..أبدا لن يهدأ حتى يعود الى سابق عهده .
عادت عيناه ترمقان الليل بعناد .
أضىء على البعد مصباح أبيض شقت أشعته ركام الظلمة ..شعر براحة وأغمض عينيه .
.............
(4)
قامت رئيسة وقد جفاها النوم تمسح وجهها وعينيها محتمية بالظلمة ، بينما حمدان الى جوارها ساكن الجسد ،منتظم النفس ،والى جواره صباح ابنتهما الصغيرة لايظهر منها الا رأس كحبة الرمان ،وعلى الكنبة المواجهة ترقد ليلى ابنة الأعوام الخمسة.
أحس بها تأخذ جلستها على عتبة الباب ، وتبكى بصوت لايكاد يبين ..فتح عينيه ببطء متابعا لها :- رئيسه ..رئيسه
استدارت اليه مباغتة وهى تلم دموعها بكفيها ..همس :- اسندينى ..عاوز أقوم
قامت متكاسلة وهى تلعن المرض والحاجة التى تجبرها على تحمل مالاتطيق ..مدت يدا متراخية اليه ..هب من مرقده واقف على قدميه الاثنتين ..تسمرت مكانها وعيناها مصلوبتان على جسده .
..............
(5)
بنشوة اللحظات المضيئة التى يحسها تسرى فى أوصاله جلس حمدان الى رئيسة يحكى لها مشاعره والامه ، وهو يراها هكذا حائرة تدور مع الأيام ،صابرة لاتملك الا صمتا مغلوبا ، ونظرات مشبعة بالتعاسة ، ويعدها أنه سيحمل عنها هذا ،سيحمل عنها المهانة والعذاب هنا وهناك ،سيبعدها عن هذا العمل الذى اضطرتها الظروف اليه ..لاحاجة لهم الآن بخدمة الناس ..بيتها وزوجها أولى بها ..من اليوم سيعرق ويشقى من أجل أن تتحرر وتشعر أنها سيدة بيتها الصغير .
كانت الكلمات تتدفق من فمه وهو يمسك بيدها فى نشوة ، وعيناه تضمان وجهها بنظرات شوق عارمة ، وهويشعر أنه انتصر فى حربه ،وأنه استطاع أن ينقذها من هذا العمل الذى تكرهه ، والذى مؤكد كانت تبكى الان مما تلاقيه فيه ..همس يسألها وقد لاحظ طول صمتها :- مالك يارئيسه ؟
- لن أترك العمل
- نعم !!!
هبت من مكانها وواجهته ..رأى فى عينيها نارا تستعر ،ووسط الليل السادر رأى جسدها البض ينتفض وهى تعد له مطالب البيت واحتياجاتهم ،وتؤكد له أنه وحده لن يستطيع الوفاء بما يريدون . وأنها لهذا ستستمر !
سألها متفكرا :- أحببت الشغل يارئيسه ؟
قالت بلا تفكير :- نعم ،ولن أتركه
نظر الى الليل حوله ،والى ساقه متفحصا ، وعاد اليها ..وجهها وسط الظلمة لايبين ..قام الى الخارج فى صمت .
كان الهواء ثقيلا والصمت خانقا والليل مايزال يستبد فى الأرجاء ..غير أن المصباح
البعيد بضوئه الزاهى البياض عاد يرسل أشعته لتشق ركام الظلمة من جديد .
قرر حمدان أمرا .