
الملكة
قصة قصيرة
هبطت السلم متمهلا ..حاملا هم هذا العناء الذى لابد منه ..ابنتها كانت تبكى ..عيناها الصغيرتان كان فيهما ذعر .
- عم عاشور عاوز يأخذ ماما
السلم عال ..انحناءاته متعبة ..استندت على الدرابزين الخشبى ..علا أنينه تحت ثقل جسدى .
- يأخذ أمها الى أين ؟
حاذرت وأنا انقل قدمى وسط الضوء الأصفر الشحيح الى أسفل ..الحاجة كريمة زوجتى قالت :- المعلم عاشور صاحب محل الجزارة المجاور للبيت ..رغم أنه جارنا لا أشترى منه ..طريقته لاتعجبنى.. ارتفع مواء قطة تحت قدمى ..حاذرت حتى لا أتعثر فيها وتوقعنى ..أخذت نفسا عميقا بعد هبوط الدرجة الأخيرة ، ورؤية الأرض تنبسط تحت قدمى ..وقفت أدير وجهى فى المكان حولى ..الفناء الواسع الذى لايهدأ فيه وشيش بوابير الجاز ..اللمبة الصغيرة التى تعلو الحجرة الوحيدة فى الفناء بلونها الأصفر المغطى بالأتربة والغبار ، والتى تبدد وحشة المكان ، وأخيرا والى اليمين العربة الخشبية الصغيرة التى تحمل قدرة الفول كل صباح ..مضيت متمهلا نحو الحجرة .
- ماالذى يريده عاشور منها ؟
دققت الباب ..فتحت ابنتها ..المكان عبارة عن حجرة صغيرة للمعيشة ، تفضى الى حجرة أخرى على اليسار ، هى بالتأكيد للنوم ، بينما الى اليمين المطبخ والحمام ..هبت فاطمة من جلستها على الأريكة المواجهة للباب مرحبة ،وقام عاشور الذى كان يجلس على مقعد بجوار المائدة الصغيرة الى يسار الباب مسلما :-
- اهلا ياحاج ..عاوزينك تحضرنا فى موضوع .
نقلت نظراتى بينهما ..فاطمة عادت الى جلستها على الأريكة ، وقد أحاطت أولادها بيديها ، بينما عاد هو الى مقعده .جلست الى يمينه وأنا أهمس :- خيرا أن شاء الله
قالت محتجة :- تعال شوف ياحاج
وهى تشير بعجب اليه..دافع قائلا :-
- عاوزك فى الحلال يابنت الناس
باغتنى الأمر ..كان المقعد متهالكا ..بذلت مجهودا لأوازن جسدى عليه ..اتجهت الى الوجه المكتنز بعينيه الصغيرتين ..تركته الى يده البضة المتخمة باللحم ، المزينة بالخاتم الذهبى المحشور فى أحد أصابعها الجاثم على المائدة ، مما يجعلها كلما هزها تصدر أنينا خافتا ..ارتدت نظراتى عنه الى فاطمة..أخذت احدق فى الوجه وأعجب ..كيف هذا ؟..صورتها فى خاطرى وهى تقف أمام عربتها الخشبية الصغيرة ، المغرفة فى يدها ، والقدر فوهته أمامها ، والفول حبات ناضجة رائقة اللون ، تشع منها البهجة ، تدعو المارة بشكلها ومذاقها الى الاحاطة بالعربة ، والى جوار هؤلاء ابتسامة واثقة ، كبرياء فطرى، و لمعة عينين بلونهما العسلى الرائق وهى تنظر اليك فتزيد الجمال بهاءا وحسنا .. الآن أبحث عن هؤلاء ..لا أجد شيئا..لا أجد حتى فاطمة نفسها .. التى أمامى صورة جديدة لأمرأة أعرفها ..صورة لأول مرة أعاينها ..وجه مرهق السمات ..حتى كلماتها فقدت مرحها ..فقدت انطلاقتها ..لم تعد تزغرد فى الهواء وهى تنطلق من فمها وسط الحارة . قال الرجل الغليظ الوجه بصبر نافذ :-
- قل شيئا ياحاج
هززت رأسى بتؤدة وأنا انتبه ربما للمرة الأولى الى صدره المرتفع تحت الجلباب الأزرق ، بفتحته التى يبدو منها صديريه الأبيض المنتفخ الجانبين ..عدت اليها ..جسدها بالنسبة له صغير ..كيف
يتزوجها؟ .. مر بخاطرى ماقاله البعض عنها ممن يحيطون بها فى الحارة ، أو يجلسون اليها والى زوجها فى المساء ، أن لهوها كان بريئا ، ليس وراءه الا روح مرحة لأمرأة هدها مرض زوجها ، فقامت تحمل عنه حمله ببسمة تخفى وراءها الكثير ، تضحك أمام عربتها تعابث هذا وتضحك مع تلك لتروج بضاعتها .
- الحقنى ياحاج
من متاهة الشرود انتبهت على صوتها، و عاد وجهها يلوح لى ..عيناها مشرقتان بالدموع.. لا أعرف لماذا لم أتخيل هذه العيون تبكى من قبل ، صغارها حولها – مازالوا - تضمهم تحت جناحيها ، والرجل يجلس أمامها ، عيناه الصغيرتان تتجهان الّى ..يعاود الالحاح :- احضرنا ياحاج ..حاول تقنعها ..أنا عاوز أريحّها ..أسندها وأرعى أولادها
قلت بحيرة وأنا أنقل نظراتى بينهما :- أعرف الموضوع أولا
قالت ابنتها بحدة :- يريد الزواج بماما
اتجهت اليها ..نكست رأسها وشدت الصغار اليها أكثر ..وجهها المغسول بالدموع جفت نضارته وشحب لونه ، وأن كانت تبدو فى جلبابها الأسود هذا فاتنة الملامح رقيقة التعبير ..يحق لها أن تتزوج ..لكن أولادها !!
عدت للمعلم الذى كان يحدق فى وجهى متفرسا بعينيه الصغيرتين ..وجهه المكتنز يكاد الدم يثب منه ..فمه الواسع بشفتيه الغليظتين يدل على نهم ..أخذ يهز رأسه الحليق ليؤكد ماقالته ابنتها ..لاحظ صمتى ..عاد يلح :-
- ماذا قلت ياحاج. ؟
قلت وأنا أتوجه اليها :- القول لفاطمة .
رأيت عينيها تلتمع حدقاتهما بدمع حار وهى تقول محتجة :-
- لاياحاج ..الرجل لم يمر عليه عام وأفكر فى غيره؟!
شعرت بارتياح لقولها ..لا أعرف لم ..رأيتنى أميل لرأيها ..أنظر الى عاشور هذا ..لو كنت امرأة لخشيت منه ..غير أنه لم يستسلم
..ضربت يده البضة اللحم بالخاتم الذهبى المحشور باصبع منها المائدة بضيق ، وهو يردد محدقا فى وجهى بلهجة لوم حادة :- - وبعدين ياحاج ؟
كان وشيش الوابور يخبو صوته كلما علا صوت عاشور ..استدرت لفاطمة التى التحمت بأولادها ..تذكرت قول زوجتى يوما وهى تراها أمام عربتها ، جسدها الممتلىء يعبر عن نفسه بعظمة ، وثدياها يرتفعان فى شموخ ، ووجهها بجبهتها العالية ، واستدارة ابعاده بالفم الباسم فى تحفظ ، بالعينين ذواتى البريق الحاد والمقتحم
:- تصلح ملكة
اتجهت بعينى يومها الى زوجها الجالس هناك بجوار باب البيت لاعمل له الا رد سلام المارة ..قلت :-
- هى فعلا ملكة ..لها رعيتها ..لكن !!
وصمت ..أردت أن أكمل أن هناك من يقول أنها عاشقة لعاشور الجزار . . تأخذ ماتريده منه ..عوضا عن زوجها العاجز نحوها ..غير أنى آثرت الصمت .
هب عاشور رافعا يده الغليظة فى وجهها :-
- يابنت الحلال اولادك محتاجون الي رعاية وأنت محتاجة الى سند ..وأنا أريدك بشرع الله .
ازداد وجهها انفعالا ..اكتسى الشحوب بحمرة طارئة بينما بدا عسل العينين باهتا لالمعة له ..صدقت زوجتى تصلحين ملكة ..لكن حزينة ..أشاحت بيدها :-
- حينما أحتاج سألجأ اليك .
استدار حانقا الىّ :- ماتتكلم ياحاج ..حاول معها ..أراك ساكتا
محتارا عدت اليها ..شد انتباهى على الجدار فوق رأسها وجه زوجها الباسم ..كانت ابتسامته مؤطرة بشريط أسود ..بينما نظراته تحيط الغرفة ومن فيها.. تذكرت ماحدث منذ شهور عدة ،حينما صحت الحارة على صراخ فاطمة وعويلها :-
- الرجل مضى وتركنى ..ترك لى الهم ..تركه لى وحدى ..همست احدى الجارات ارتاحت منه ..اعترضت اخرى ..ياأختى ظل رجل ...1
بعدها احتجبت فاطمة لاتخرج بالعربة أياما، ثم خرجت امرأة أخرى ، تقف أمام عربتها صامتة ، حتى نداؤها المعتاد الذى ورثته من أيام زوجها:-
- احلى من اللوز يافول
نسيته ، فاذا اضطرت للابتسام ابتسمت ، الا أن ابتسامتها لم تعد كما كانت من قبل .
-يابنت الناس ..لأخر مرة ..أنا شارى وأريد صالحك . أنت صغيرة ..كفاك شقاء ..دعينى أتحمل عنك .. أنت لم تخلقى للبهدلة .
قلت معترضا استرساله :- انتظر يامعلم
وأنا أحدق فى عينيه الصغيرتين على ضوء اللمبة الصفراء ، الذى يحيطنا بخيوطه التى لاتبين ، ثم اتجهت الى فاطمة منهيا الحوار :- - فاطمه ..ماله المعلم عاشور ؟
نظرت الّى فى لوم وقالت عاتبة :- لأجل خاطرى ..لاتحادثنى فى هذا الموضوع
عدت أسألها :- هل نعطيك وقتا للتفكير ؟
هزت رأسها نفيا وهى تؤكد :- لا ..لقد اقترنت بأولادى وانتهى الأمر
أدرت وجهى اليه ..وجهه المكتنز رأيته محمرا ، بينما ضاقت عيناه وقطب جبينه وهو يقول بحدة :- أنت الخاسرة
وأحنى رأسه على صدره ودفع الباب ومضى ..علا فجأة وشيش الوابور ..قمت مستأذنا ..من بين دموعها المتحجرة فى المآقى نظرت الىّ ممتنة وقد عادت ابتسامة تزين شفتيها ..ابتسامة رغم شحوبها الا أنها كانت بازغة من عسل العينين كلها بهاء ..وان كانت أكثر وقارا عن ذى قبل ِِِِ
-