غروب
قصة قصيرة
نظر الى عقارب الساعة على الجدار ، ترتعد من البرد فى ذلك الوقت من الليل ، وهم هناك فى الردهة ما زالوا ساهرين ، يشاهدون فيلما من النوع الكوميدى الساخن القفشات !
لم يمر شهران بعد على غيابها ، مع هذا نسى الجميع كل شىء . الأم .. البيت .. الواحة التى تظلل الجميع.. حين ذهبت لم يكد يمر الأربعون حتى عادوا الى ماكانوا عليه ..ماذا عليه أن يفعل الآن ؟ كيف يقول أصمتوا بعض الوقت حتى أذهب فى النوم ، أوأصمتوا أريد أن أخلوا الى نفسى بعض الوقت ؟
نظر الى الظلام حوله ..الى الشباك الذى تسطع من خلفه أنوار الطريق .. الستائر مسدلة أمامه والزجاج والشيش مغلقان ، مع هذا استطاعت خطوط الضوء أن تنفذ من الخصاص لتصنع خطوطاً متوازيةً على السجادة العتيقة التى تغطى أرض الحجرة .
جال بعينيه فى السجادة وخطوط الضوء ..بدت له الخطوط قضبانا ً حديدية تحول بينه وبين عرض الطريق .. غشى عينيه كدر ٌ ..لقد ابتعد عن الناس..عن الحياة بكل مافيها..ضاق بكل شىء ، حتى بأصوات أولاده التى تخترق الجدران لتصل اليه ، وهو لايعرف إن كانت ضحكات أم كلمات ، ولا يهمه أن يعرف ..الذى يهمه جيداً أن تبتعد عنه ، واذا كانوا يسخرون مما حولهم ، فلم لايسخرون من أنفسهم لهذا العقوق ؟ إنها.. لم يمض شهران بعد على غيابها !
اعتدل فى مرقده معطيا ً ظهره للشباك والقضبان الضوئية على أرض الحجرة باحثا ً عن مهرب لنفسه ..رفع الوسادة ..وضعها فوق أذنه ..أغمض عينيه .. عاوده الفكر..ترى عندما يذهب هو أيضا ً كم يطول حزنهم عليه ؟ لايظنهم سيذكرونه للأربعين .. ارتجف قلبه ..عاد للآعتدال ..نظر الى الشباك المغلق والستائر المسدلة والقضبان التى تلوح لعينيه ..اتجه الى الباب ..غاصت عيناه فى الظلام ..لابد أن يذكروه طول العمر ..لا ينسوه مهما جرى ..إنه مايزال يذكر أبويه ..يترحم عليهما ..يحمل صورة مائية لأبيه أخذت قبل رحيله بأيام .. يتذكر ملامح أمه ..يتذكر أقوالها ونصائحها له ، وأبدا ً لن ينسى حتى الموت .
لكن أولاده وبناته .. هذا الجيل الجديد ..ماذا يفعل وهو يراهم لاهين ، يتمتعون برؤية فيلم فيديو من الكوميديا السوداء ، ولا يذكرون أمهم ؟
الفيديو ..آه ..فكرة رائعة ..لو يصور شريط فيديو ويتركه لهم ..بالتأكيد سيظل معهم طول العمر ..لكن هل يذكرون الشريط ذاته بعد رحيله ويخرجونه من مرقده ليشاهدوه؟
لايظن ..ليس أمامه إذن إلا أن يشترط عليهم لكى يرثوه شرطاً جوهريا ً لاغنى عنه ، هو أن عليهم أن يزوروه ويداوموا على زيارته ، ومن يخّل بهذا الشرط يُحرم من الميراث ..هكذا يجب أن يكون الأمر . انفرجت أساريره .. قام من مرقده..وقف أمام القضبان الضوئية على أرض الحجرة ..أراد أن يدوسها بقدميه ..لم يستطع.. ابتعد عنها ..اتجه الى الباب ..تعالت الضحكات مرة واحدة فارتّد الى الخلف ..يمم وجهه شطر الشباك ..كانت بجواره على الجدار صورة زوجتة تبتسم فى سرور ..حدق فى ابتسامتها ..لأول مرة تذهب الى مكان بدونه ..لم تخبره ..لم تستأذنه كما كانت تفعل من قبل ، ولم تقل له كما كانت تقول فى كل مرة أن يذهب معها ، يؤانسها خاصة أنه ترك العمل ولم يعد يشغله شىء ، فالأولاد لايطيقون السير معها لأنها بطيئة الخطوات ، تسير على مهل ، وربما وقفت تستريح فى ركن على الطريق ولن يتحملها الا هو .
آه .. هاهى التى كان يعيب عليها سيرها البطىء تسبقه .
عاد الى الجدار والظلام والقضبان والباب المغلق والشباك ..عندما يصبح الصباح سيذهب الى المحامى ليكتب وصيته ..لكن ..هل يصبح عليه الصباح ؟ ربما يموت الآن ..بعد الآن ..فى الفجر ..قرب الصبح ..فهل يكون حينذاك وحيدا ً لايدرى به أحد ؟
قام الى الشباك ..أزاح الستائر ..فتحه على مصراعيه ..غمر النور الحجرة ..اختفت القضبان ..كان الباب لايزال مغلقا ً والضحكات من خلفه تترامى على الأركان ..فكر أن يسد أذنيه ..لكنه عاد واستمع فى تسليم ..نظر الى الشارع الهادىء فى مثل هذ الوقت من الليل ..فكر أن ينام ..خشى من الرقاد ..لم يجد بدا ً من فتح الباب والاتجاه الى حيث يجلسون !