تحية وسلام

تلك كلماتى بين يديك ..انظر ..دقق ..ستجد عبر الحروف نبضات تعلو معطرة بالحب ..تطلب السلام ..ترجو الوفاق ..المشكلات سوء تقدير مشترك بين اثنين او اكثر ..الحب كلمة ..وربما كان نظرة ..او هو لحظة صمت تجمع بين اثنين ينعمان بالدفءوحرارة الامن ..تفضل ..اقرأنى ..بكل الحب استقبلك ..ومتى ما اردت المغادرة لك منى ايضا كل الحب ..وسلام ...محمد عباس على

الجمعة، 3 ديسمبر 2010

الطاووس


الطاووس



                                               قصة قصيرة



وسط الحارة ذات الهواء المغسول بالتراب كان الطاووس يسير مختالا،  وفى ذات الوقت يحاذر من الحفر الخبيثة التى تنتشر هنا وهناك،  يغطيها ماء آسن يميل لونه الى لون طين الأرض،  فلا تدرك القدم موضعه الا بعد أن تغوص فيه .  يتحرك متجهاً الى الشارع الرئيسى صباحاً،  مزهواً بما حباه  الله من هيئة تشد الأعين،  فالرأس منسقة ذات حسنٍ ٍ،  والجسد الوانه لها ألقٌ وعليها بهاء .يتحرك وسط الحارة مؤكداً لنفسه ماسبق وقاله مراراً،  أن حارة تسكنها الماشية والخراف عليها أن تعرف للطاووس مقامه  ،  وكلما لاقى وجهاً من الوجوه رفع يده اليمنى بعظمة رداً للسلام،  مشفوعة بنظرةٍ جانبية تغوص  بها نظراته فى الملامح المقابلة والتعبيرات المرسومة عليها،  فرد الفعل المقابل له عنده أقصى اهتمام ،   اذ أنه يحاذر أشد الحذر من اولئك الجيران الذين لايملكون خرائط وراثية محددة،  فردود أفعالهم تعتمد فى أولها وآخرها على إنفعالاتهم وليس العقل أو المنطق،  لذا فأقرب طريق للسلامة أن يبتعد مكتفياً بسلام مقتضب ، فاذا اضطرته الظروف للحديث مع أحدهم أو إحداهن احتمى برونق مظهره وحروف كلماته النضرة،  والقى كلمتين منتظراً أسرع فرصة للفرار وهرب  ، وقد عرف الجميع فيه هذا فبالغوا ساخرين من تحيتهم له،  خاصة أثناء عودته عصراً من عمله،   وبدأ بعض عمال الورش بطول الحارة  فى الانشغال به والتحدث عنه،  خاصة الصرماتى  الذى يجلس على مقعده خارج ورشته منتظراً أبواب الرزق التى طال انتظاره لفتحها دون جدوى،  مكتفياً صباح كل يوم بإخراج الشيشة وغسل قلبها الزجاجى فى المقهى المجاور،  وتسليكّ الجزء المعدنى مما به من قطران عالق من أثر الدخان،  وتجهيز حجر المعسل بالولعة،  ثم وضع الساق بحذائها المثقوب على الساق الأخرى الحافية ،   ويبدأ شد الأنفاس مراقباً المارة بنصف عين،  فاذا مر به الطاووس انزل قدمه فوراً واعتدل مرتدياً فردة الحذاء الباليةالملقاة أرضاً هاتفاً:-
    - اتفضل ..الشاى جاهز
ينتفخ صدره وهو يحنى رأسه مبدياً التواضع،  هاتفاً بحرارة :-
    -  شكراً يا أسطى 
  يضحك القهوجى خلفه مشيراً للنجار بطرف خفى،  فيشيح الأخير بيده قائلاً
    -أنه ريش على مفيش
..يتحداه الصرماتى أن يقول هذا أمامه..يتطور النقاش ، يثور النجار مقسماً أن يريه مشهداً لاينساه، يسمع أصحاب الدكاكين المجاورة بالأمر ..تنتقل الهمسات والإشارات بينهم ، ترقب الأعين عقارب الساعةانتظاراً للحظة الحاسمة ، وفى ذات الوقت يرقبون النجار وهو يجلس متحفزاً للطاووس حين يهل شامخاً بأنفه أمام الحارة ومواشيها وخرافها،  حتى اذا عبر النجار واعطاه ظهره قام الأخير هادئاً ولطمه على قفاه بقوة وعاد الى كرسيه فى صمت يشد أنفاس الشيشة،  غير مبالٍ  بالنظرات الراصدة للمشهد ..شعر الطاووس بقسوة اللطمة ، انتفض ريشه بقوة محاولا التوازن حتى لايقع على وجهه وسط الحفر والطين،  احمّرت أذناه وارتعدت أطرافه وأخذ قفاه يؤلمه لدرجة أن الدموع طفرت من عينيه،  ولولا رؤيته لبعض الأعين الراصدة لأطلق لها العنان، استدار الى الخلف، الوجوه لاتحمل سمات مشاعر من أى نوع، الأعين لاهية ونهر الحارة خال من المارة ،  دارت عيناه بذعر على الدكاكين، لا أثر هناك يدله على شىء، اقترب وصب نظراته على النجار وخشبه وداكنه الواسع والفراغ الذى يدور فى الأرجاء،  بادله التحديق فى صمت منذر  برهة كانت لديه دهراً قبل أن يسأله:-
-           - وقعت منك حاجة  ؟
هز رأسه بنظراته المتحجرة ولم يرد،  واستدارعنه منكس الرأس الى بيته ..نوقشت المسألة عبر الدكاكين  اللاهثة وراء البحث عما يشغل وقت الفراغ ، قرر القهوجى تكرار التجربة ولكن بطريقة أرقى ، ضربه بالشلوت وسط الحارة  ، ترك حذاؤه  بقعة طينية مكان الضربة استدار مفزوعاً ليرى القهوجى واقفاً يبحلق فيه بعينين زجاجيتين ..صرخ:-
-             - ليه ؟ 
-         يرد الآخر بتلقائية  :- مزاجى 
-        تترسب الدموع على حواف مآقيه ويستدير الى الأعين المحدقة :-  ليه كده  ؟
يقوم البعض محاولين ترضيته،  يجبرون القهوجى على الإعتذار له
اليوم قام الحلاق بدفعه من الخلف ، طار منغمساً بكامله فى الطين بريشه المنمق البديع الألوان ، بينما الأعين من الخلف تترصده منتظرة أن يقوم من وقعته لإرضائه من جديد،  وجبر خاطره،  وإجبار الحلاق على الإعتذار له