القطار
رأيته جالساً وحده
مواجهاً للداخل ،السيجارة بين يديه دخانها يصنع ستاراً ضبابياً بينى وبينه، من خلف الضباب رأيت عينيه تبرقان ،نجمتان يخترق نورهما ضبابية اللحظة،لكنهما شاردتان ،تائهتان فى فضاء لانهائى ،يرمحان عبر براحه ،لايهدآن .
لحظتها فهمت معنى أن يفقد الإنسان عزيزاً . اطلق بعض الدخان من فمه ،ازدادت ضبابية اللحظة بيننا ،من خلفها واصلت النظر ناحيته .كان ينتظر منى الخبر ،ينتظر أن انطق به ،أهز ركود الصمت الذى يحتوى كلينا ،لكنى لم استطع النطق به .رأيتنى أعود اليها ،أتصورها تصرخ ذاهلة ،ترفع يديها أمامها ،تحاول رد القدر ،يطلق القطار صفيره ،أفزع ،تعاودنى الرعدة ،أنفجر فى وجه الضباب والدخان :- دهسها القطار
قاصداً أختى ..قال ببطءٍ :- أعرف
ونفخ مزيداً من الدخان ..تفجرت الدموع من عينى ..القطار حديد يتحرك ،و الحديد لاقلب له ،مهما ارتفعت حرارته لايحس ،لايلين ،قلت :-
- أبى ..لا أحب القطار -
- من خلف السحابة المضببة بلونها الرمادى قال :-
- - لم يكن لها أن تقف أمامه
- الردهة ممتلئة بالسواد ،دنوت من أمى ،عيناها حمراوان ،قسماتها ذابلة يعلوها اصفرار .تمنيت أن أعتذر لها لأننى تأخرت .لو أسرعت قليلا وقلت لها الخبرالذى لدّى كانت ستفرح لبعض الوقت قبل أن يدهمها الحزن.
- مددت لها يدى ،اعتمدت عليها ،همست وهى تنظر فى حبتى عينّى :- لن ترى أختك ثانية
- إنشرخ صدرى من الحزن ،عاد القطار يرسل صفيره المشئوم ،يصرخ منذراً ،مهدداً ،مطلقاً طيوره السوداء تحلق أمام عينّى ،تحجب ضوء الشمس ،وأختى هناك ،تستدير ،ترتعد، تتصلب فى مكانها ،وتمد يد ها ظناً منها أنها تملك القدرة على صده والنجاة منه ،يدوّى الصفير فى الآفاق ،يزداد شعورى بالذنب ،اليوم بالذات كنت سعيداً ،باسماً طول الطريق بعد أن رأيت نتيجة الامتحان ،كنت الأول ،شىء لم يحدث من قبل ،كنت محلقاً كعصفور نبت له جناحان منذ قليل ،يضرب بهما الهواء ويمضى..اقتربت من البيت ،من أول الشارع أخذت أسابق اللحظات وحين اقتربت ارتجف بدنى ،دخلت الشقة ،بياض الجدران غطاه سواد الثياب .زفة الأنوار حجبتها ظلمة الدموع ..حكت لى إحداهن عن القطار ..قالت إنه كان يركض ،لايتوقف ،قلبه الحديدى لايدق ،وعيناه لاتبصران ..اطلقه القدر ليراه الناس ..يحكون عنه ويخشون منه ..لا أعرف لحظتها لماذا رفرف العصفور الصغير بجناحيه الرقيقين عاجزاً عن حمل نفسه وهوى أرضاً ..شعرت أننى بحاجة لوجود أبى ..ابتعدت صامتاً ابحث عنه وحين وجدته كانت سحابة ضبابية تفصل بينى وبينه ..كان لدّى الخبر الذى أعرف أنه يتوق لسماعه ..لكننى لم أجد له معنى الآن
- ..بكيت !
- ..............
- خرج أبى من حجرته ،وجهه قسماته جامدة ،عيناه نظراتهما حادة ،والسيجارة فى يده متأججة النيران ..فتح باب الحجرة ومضى عبر الممر الواصل الى الردهة وهناك توقف ..رفع صوته الجهورى آمراً النسوة بالصمت ..رفعت أمى حدقتى عينيها نحوه محتجة ..العينان حمراوان ،يركض عبر ساحتهما الأنين ،تدور الدموع ،غير أنها لم تنبس بحرف ..شبكت ذراعيها أعلى صدرها وأحنت رأسها ومضت تدور فى متاهة أفكارها فى صمت ..قال أبى موضحاً :- لاتؤذوها فى مرقدها
- وعاد الى حجرته ..شدنى وجه أمى ..نظراتها نظرات حمامة بلا جناح ..تجلس ساكنة تنتظر شيئاً ما لاتدرى كنهه ..فكرت أن أهبها لحظة فسحة من الحزن ..أخبرها فيها بالخبر الذى لدّى ..أشعر اننى منحت الحمامة جناحين جديدين ..فتحت فمى ..لم أر جدوى للكلمات ..لن تشفى جرحاً ..لن تعيد روحاً الى جسد بلى ..والحمامة حين ينكسر جناحاها لاتفيدها عبارات تعزية مهما كان صدقها .
- انتبهت لأبى قادما عبر الردهة ،متسع العينين كأنه فى حالة دهشة دائمة وكان محنى الظهر ..تقدمت نحوه ..استند بيده على كتفى ومضينا نحو الباب ..فى الطريق وانا امضى الى جواره مهدئاً من خطوتى لأسايره قلت هامساً :- أننى نجحت وأن ترتيبى الأول هذا العام ..شد على كتفى فى صمت ..داهمنى فيض من مشاعر ..رأيت القطار من جديد يطلق صفارته قادما كقدرٍ لافكاك منه، والطيور السوداء والتى كانت من المؤكد انها حلقت فى مكان الحادث، وأختى وهى تمد يديها وتقف مكانها ، والقطار يتقدم وصفيره يعلو ..يعلو ..يصم أذنى ..صرخت ..عادت اليد تشد على كتفى وسمعته يهمس كأنما ينتزع الكلمات من جب :- لاتنسى أنك رجل