تحية وسلام

تلك كلماتى بين يديك ..انظر ..دقق ..ستجد عبر الحروف نبضات تعلو معطرة بالحب ..تطلب السلام ..ترجو الوفاق ..المشكلات سوء تقدير مشترك بين اثنين او اكثر ..الحب كلمة ..وربما كان نظرة ..او هو لحظة صمت تجمع بين اثنين ينعمان بالدفءوحرارة الامن ..تفضل ..اقرأنى ..بكل الحب استقبلك ..ومتى ما اردت المغادرة لك منى ايضا كل الحب ..وسلام ...محمد عباس على

الأربعاء، 17 نوفمبر 2010

الآخر


الآخر



  
                                               قصة قصيرة
 


تلقاها على  ظهره - بين منكبيه - ضربة قوية ،كاد أن ينكفىء على أثرها على وجهه .
إجتاح صدره إعصار من غضب ،كّور يده واستدار استعداداً للكمة باطشة ، وجدها إمرأة شابة تقف متنمرة له والشرر يتطاير من عينيها، وهى تصرخ فيه :- الى متى    ستهرب ؟
إنداح الغضب مفسحاً براحاً واسعاً لدهشة هائلة فى نفسة، شعر برأسه يدور وتوازنه يختّل، بينماالمارة يتوقفون تماماً صانعين دائرة حولهما ..صعدها من أسفل الى أعلى متفحصا  ملابسها وتعبيراتها الوحشية وهى تحاصره بلهب نظراتها حتى لايفلت من يدها ..نحيلة هى ..جسدها الصغير يشبه أجساد الصبية لولا كرتيها أعلى الصدر، وتحمل وجهاً رغم وحشيته فى نضرة صباح بكر ..غمغم فى غضب جامح :- كيف تجرؤين ؟
ولم يكمل ..إندفع صوتها عالياً وهى تقتحم البراح بينها وبينه قابضة على اعلى قميصه:-   الم يكفك مافعلت  ؟
خلص ملابسه بصعوبة من بين يديها ودماغه يغلى ،و الناس حولهما أجساد تتكون من عيون وآذان ..صرخ :- من تظنِنى بالضبط؟
وهو يحدق فى بؤبؤ حدقتيها .. أكمل :- انا لا أعرفك
دقت صدرها هولاً وهى تسأله صارخة :-  لاتعرفنى ياحسن ، لاتعرف زوجتك،إمرأتك،أم أولادك ،تصر على الهرب ؟
لمعت عيناه ببريق الظفر ،تلفت الى الأعين المتربصة به وهو يمد يده الى حافظته ويرفعها عالياً وهو يؤكد :-  هاهى بطاقتى ..إسمى رفعت وليس حسن
قبل أن يدير وجهه اليها اندفعت الى يده بسرعة،  التقطت البطاقة وهى تقول كمن عثرت على دليل إدانته :- بطاقة مزورة ،وصل الأمر لهذا ؟ 
هجم على يدها محاولاً استرداد ها منها ،دستها فى صدرها ، مدت يدها الى حقيبتها وأخرجت صورة لهما معاً ..وجهتها الى عينيه بقوة :- انظر ..من هذا ؟..انكمشت يده فى التومباغَتة وهو يرى صورته الى جوارها ضاحك الفم ،شعور بالعجز أمامها تسرب الى نفسه :- ماذا تريدين ؟
قالت بهدوء :- أن تأتى معى .
عاد الى الإحتجاج :- لكنى لا أعرفك
ارتفع صوت :- الأفضل الذهاب لمركز الشرطة .
أيدته أصوات اخرى ..استدارت اليهم فى غضب :- وأضيّع زوجى بعد أن وجدته ؟
ثم عادت اليه :- الم توحشك أمك العجوزالمرضة وأولادك ، الم أوحشك أنا زوجتك عطيات ؟
وشدته من يده لتخرج به من الطوق البشرى المحيط بهما ..بعد خطوات ربتت كتفه بحنو قائلة :- انا بحاجة اليك
ارتجف ..لا يدرى غضباً منها ام دهشة وصرخ :- انا لا أعرفك
ابتسمت مهدئة من ثورته :- قل هذا بعد أن نعود من مشاويرنا
-        بأى صفة أسير معك ؟
-        بصفتك زوجى حسن
-        لست هو
-        صدقنى انا بحاجة اليك،أعدك الا أضايقك ثانية ،واذا سألتك عن شىء أو طلبت منك شيئاً اتركنى من جديد
-        أرجوك ..!
-        انا التى ترجوك
-        أسف
-        إذن سنعود للصراخ وفرجة الناس وصورتنا معاً
أحنى رأسه وترك لقدميه حرية الحركة .
خطوات قليلة سارها وعاد اليها متسائلاً :-
      :- لماذا انا بالذات ؟
حدقت فى حبتى عينيه محاولة اكتشاف ماخلف الأحداق، استدارت الى الطريق من جديد :- ستعرف
عاد يسأل :- وماهو المطلوب منى بالضبط ؟
استمرت فى السير :- لاشىء ..احتاج وجودك بجوارى فقط .
حدق فى رأسها الصغير المرفوع فى وجه الطريق ..هل تعى ماتفعل ،أم ستزج به فى ورطة ،وماذا سيقول اذا حدث هذا ، ومن سيصدق أنه يحدث له ماحدث ؟
استدارت له كأنما تقرأ أفكاره ..قالت بهدوء :- لا تقلق
وعادت الى الطريق ..اقتربت من أحد البيوت الرقيقة الحال ،مضت الى مدخله الضيق ، صعدت على سلالم متهالكة الحواف متساندة  على درابزين بلا ملامح ،توقفت أمام أحد الأبواب ،دقت الجرس ..فتح الباب عن إمرأة كبيرة تغضنات الوجه،  ملونة الملامح ، بمجرد أن رأتهما زادت عبوس وجهها عبوساً وتساءلت عما يريدان ،قالت عطيات بقرف:- محمود
خرج شاب يافع ناضج العود بملابسه الداخلية اليهما ، بمجرد أن رآهماتعثر فى ارتباكه ، حمل وجهه معالم دهشة ممزوجة بذعر،قبل أن يرتمى على صدره باكياً :-   سامحنى ياأبى
وقف لايفقه شيئاً ، تدخلت عطيات :- أبوك غاضب عليك وانت تعرف لماذا ولولا الحاحى ماجاء الان .
اندفع محمود يقبل يديه :- ادخل ..تعالى ..تعالى ياأمى
حدقت فى عينيه ..عيناها بئراً لومٍ وتقريعٍ ليس لهما قاع ..تساءلت بصوت مغسول بالقهر :- تظننا ندخل  ؟
واستدارت عنه مغادرة .
فى الطريق سألها عن تفسير مارأى ..بزاوية عينيها  نظرت اليه:-                                                            الا تعرف ؟ 
اضطرب ، بدت على جفنيه ارتعادة  خفيفة وهو يهمس :- لا
قالت ووجهها للطريق مازال:- سترى بنفسك  .
 وصلت الى أحدى المستشفيات ..دخلا معاً ..أمام أحد الأسرة توقفت ..رأى فتاة شابة ترقد على ظهرها فى إعياء واضح ..قالت عطيات بعطف :- وفاء ..انظرى من جاء يراك .
رفعت اليها وجهاً اعتلاه الذبول ، امتصه المرض ، فتحت فمها لتتكلم وقد اكتست نظراتها  بدهشة بالغة لرؤيته:- أين كنت ياأبى ؟
ربتت عطيات كتفها برفق :- رغم غضبه من محاولتك الانتحار جاء يراك
ارتعدت بضع دمعات عجاف على حواف عينيها ،مدت يداً ناحلة الى يده ، القريبة ، ضغطها  مترفقاً .
فى الطريق عاد يسأل:- لماذا ؟
مشيراً الى مافعلته وفاء ..ردت عطيات باقتضاب :- ستعرف
.وهى مازالت تواجه الطريق، أسرع فى خطوه حتى وقف أمامها قاطعاً عليها الطريق :- إن لم تشرحى لى الأمر سأضطر الى الرحيل .
تبسمت بغم وهى تواجهه بعينين متسعتين تغطى حدقاتهما قطرات من ماء عزيز الهطول :- ترحل .. ثانيه !!
انتفض :- لست انا
صرخت :- إذن من ؟
ازدادت الحيرة تعملقاً فى مقلتيه .. كيف يقنعها ؟.. دلفت الى بيت منفرج الشبابيك يتقدمه مدخل بلا باب  وهو الى جوارها ،صعدت سلالم قليلة نظيفة رغم ضيقها،توقفت أمام أحد الأبواب ،فتحته ودخلت ،أضاءت المصباح وأشارت اليه ،تقدم محاذراً وهو ينظر حوله فى تأفف ..كانت هناك أريكة فى المواجهة ترقد عليها عجوز مستغرقة فى النوم ،الى جوارها من اليسار ممر يؤدى الى الداخل، ومن اليمين حجرة مغلقة زجاج بابها مكسور ومكانه قطعة من ورق مقوى
..مدت عطيات يداً حانية توقظ العجوز : - اماه ..هذا حسن ..إبنك
فتحت العجوز عينيها وفمها معاً ..الفم مثروم تماما ً ،وشعيرات قطنها ناصع البياض بلله العرق يلتصق بوجنتها ..همست :-   تقولين من ؟
وهى تحاول الاعتدال بلهفة من رقدتها دون أن تسمع أو تنتبه لرد،  أخذت تتمتم :- حسن ولدى
ومدت يديها المعروقتين تتلمسه مما اضطره للإقتراب منها، أمسكت يده ورفعتها الى وجهها تمسح بها قسماتها ، تقبلها ودموعها العجوز تنزلق ناحلة عبر تغضنات وجهها ،شعر بجسده يرتجف ..قشعريرة هائلة تدغدغ حواسه والمرأة تشده نحوها،تحتويه بين ذراعيها وهى تبكى :- سلامتك ياحسن
وهو بين يديها عاد بنظراته الى عطيات ..كانت تبكى.
رآهاتفر من دموعها الى الممر الواصل الى الداخل ..مضى خلفها ، فتحت بابا فى المواجهة ،وقفت مشيرة اليه بالدخول وهى تمسح عينيها..رأى سريراً خشبياً قديماً يأخذ ركناً، يجاوره دولاب باهت اللون إحدى دلفه منزوعة ،ومائدة صغيرة عليها تليفزيون صغير، وحصير قديم مهترىء الأطراف يفترش الأرض ،وعلى  حافة الشباك صينية من الألومنيوم عليها قلة من الفخار مغطاه بقطعة قماش بيضاء، سمعها تتكلم وهى تمد اليه يدها ببطاقة هويته :-
  - لولا حاجتى ..ماسعيت اليك.
همس :- لست حسن
حدقت فى عينيه بنظرات حديدية  ولم ترد ،أشارت الى جلباب معلق على مسمار خلف الباب :-  جلبابك نظيف ينتظرك
وغادرته الى الخارج .
صرخ فى مواجهة السرير والدولاب والحصير والشباك وجدران الحجرة المتساقطة الطلاء :- لست حسن .
انتبه لصورة على الجدار تجمعه وعطيات فى ملابس العرس ..أشاح بناظريه عنها ..رأى الجلباب المشنوق من رقبته بالمسمار  خلف الباب..نظر اليه بعداء!