الصفحات
تحية وسلام
تلك كلماتى بين يديك ..انظر ..دقق ..ستجد عبر الحروف نبضات تعلو معطرة بالحب ..تطلب السلام ..ترجو الوفاق ..المشكلات سوء تقدير مشترك بين اثنين او اكثر ..الحب كلمة ..وربما كان نظرة ..او هو لحظة صمت تجمع بين اثنين ينعمان بالدفءوحرارة الامن ..تفضل ..اقرأنى ..بكل الحب استقبلك ..ومتى ما اردت المغادرة لك منى ايضا كل الحب ..وسلام ...محمد عباس على
الثلاثاء، 9 نوفمبر 2010
وجهاً لوجه
وجهاً لوجه
.............
قصة قصيرة
...............
شده صوت منصور من شروده :-
- دكتور .. أحضرت التصريح الخاص بموافقة السلطات؟
رد فوراً وهو يغرز نظراته فى حبتى عينيه : -
- - تم الاستعداد لكل شىء
هز رأسه الضخم راضياً.. تابع الدكتور قفاه وهو يستدير عنه ..رغم نفوره منه وشعوره كلما رآه أنه بين لحظة وأخرى سيتناثر التراب من خلايا وجهه ويديه، أو يخرج له من جيب جلبابه الباهت الزرقة جمجمة غائرة العينين والوجنات ، الا أنه هو ذاته الشخص المطلوب بصفته مندوب إدارة المدافن الذى سيتعاون معه ، بهدف تسهيل إجراء تجربة علمية تستخدم فيها أحدث التقنيات لبحث ماهية الروح، وطريقة مغادرتها البدن ، والتغيرات التى تطرأ على الجسد بمجرد تجرده منها وتحوله الى مادة خالصة.
بدأت الترتيبات حسب الخطة التى أعدها فريق البحث بواسطة الحاسب الآلى ..الألات ..التوصيلات ..الإضاءة ..الكشافت الأساسية ..الكاميرات ..أجهزة التسجيل .. جهاز الإنذار الفرعى.. وأخيراً جهاز الإنذار الرئيسى الذى ماإن يضغط على زره الأحمر حتى يقوم بالغاء العملية بالكامل . تحرك الدكتور متابعاً مايجرى ..اصطدمت عيناه بعينى مندوب إدارة المدافن المعلم منصور شيخ الترابية من جديد ..عيناه واسعتان .حدقاتهما بهت لونها وصار قريباً من الطين ..كلما نظر اليه شعر فى نظراته بسخرية متواريةخلف قناع من ثلج . ملامحه متجمدة على تعبير لايتغير ..يشعر وهو ينظر اليه أنه إما إبله لايفقه شيئاً أو هو رجل عميق الغور يخفى مشاعره وأفكاره فى الوقت الذى يقرأ فيه مابداخلك ..باغته صوته متسائلاً :-
-هل تشعر أنك ستصل الى شىء؟
عاد يغرز نظراته فى بؤبؤ عينيه ..العينان فيهما دهشة سرمدية لاتغيب ..قال له :- لا أعرف إن كنت ستفهم أم لا ..لكن العلم فتح كل الأبواب
تركه المعلم منصور الى المقابر المتناثرة حولهما ثم عاد متسائلا :-
- -حتى باب المقبرة ؟
اتسعت عينا الدكتور وتاهت فى سراديب سؤاله المباغت ..هل يعرف ماهية هذه المهمة ؟..حاول العودة من رحلة شروده اليه .:- ماذا تقصد ؟
حدقت العينان الواسعتان فى وجهه وسمعه يقول :-
- - أقصد سلامتك داخل المقبرة
- إهتز قلبه بعنف فى فراغ صدره وتداخلت دقاته ..هز رأسه محاولا التشبث باللا مبالاة وهو يسأل راسما بسمة استخفاف على شفتيه :-
- - ما الذى سيجرى ؟
- باغته الرجل بسؤال :- الم يقل لك الكمبيوتر ؟
- أدار وجهه عنه ..تشاغل بمتابعة التجهيزات مع طاقم الفنيين ..ارتفع صوت الرجل بسؤال جديد :-
- - واذا حدث لك شىء بالداخل ؟
- إمتلأ صدره ضيقاً منه ..استدار اليه ووجهه ينطق بحقيقة مشاعره :-
- - ماذا تريد ؟
- لم يبال بقراءة ملامحه ..قال بقوة :-
- - تكتب إقراراً بإخلاء مسئوليتى تماماً
- أدار وجهه عنه :- لك ماتريد .
- ومضى الى الملف الذى يضم تفاصيل العملية ..راجع وضع الآلات ومكان الجثة القادمة وكذلك الغرفة الزجاجية الصغيرة التى سيجلس فيها داخل المقبرة للمراقبة وتسجيل الملاحظات ..باغته صوت منصور :-
- - ستبدأ الآن ؟
- من فوق إطار نظارته الطبية رماه بشرر نظراته قائلاً :- أنت تابع تنفذ مانريد ..حينما نريد
- واستدار عنه ..التجربة أجريت من قبل فى ظروف مشابهة للواقع ..وضعت الألات اللازمة فى إحدى المقابر .؟.تم دفن ميت فيها وأُعيد إغلاقها ، لكن الألات فشلت فتقرر أن تعاد التجربة على أن ينزل الدكتور بنفسه مراقباً ، وبدلاً من وضع ميت سوف يوضع رجل قارب على الموت لتصبح التجربة أكثر صدقاً ويصبح والموت وجها ً لوجه ..لكن هل يمكن رؤية الموت ؟
- رفع عينيه عن الورق.. وجههما لا أراديا الى منصور .. الإنسان ابن بيئته وهذه حقيقة ..هل يدرك ماهنالك بحكم معايشته للموتى؟.. سأله فجأة :- هل رأيت الموت من قبل ؟
- لاحظ فى تعبيرات وجهه الثلجية تموجاً ..تحركت الأجفان وفتح الفم عن أسنان مثرومة وبرقت عيناه قائلا ً :-
- - ( انا فى شبابى كنت أعمل بيدى ..أفتح مدافن المنطقة ..أعرفها ورأيت منها الكثير ..الميت الذى أرقدته ووجهت وجهه للقبلة وبدأت أفك كفنه فاذا بعينيه مفتوحتين ينظر الي متسائلاً ..أين انا ؟ ..والميت الذى التقطه من يدى ثعبان فمه باتساع فتحة المقبرة ..والميت الذى اشتعل ناراً بمجرد وضعه فى مضجعه والميت الذى رأيته هيكلا عظمياّ راكعاً على ركبتيه مستنداً بيديه بانحناء جذعه على الجدار ..هذا الميت بالذات أفزعنى .. فهمت ماجرى له وحده فى الظلام ومحاولته الفرار من الموت . .لحظتها كان المفروض أن أزيح العظام القديمة استعداداً لقادم جديد ..لكننى توقفت وانا أرى هذا الهيكل ناشباً أظفاره فى
- الجدار مكافحاً الفناء حتى أخر لحظة من عمره ..صرخت بكل ماأملك من مشاعر فجرها هذا المنظر فى صدرى وتمثل لى الموت كما لم أره من قبل .)
- أُعلن عن وصول سيارة الإسعاف بالمطلوب ..لمعت عينا الدكتور ومرت رجفه على جفنيه ..لاحظ منصور هذا ..رآه يتحرك نحو رجال قادمين يحملون شخصاً على محفة تحيط به الجهزة متجهين به الى الداخل ..قال أحدهم أنه غائب عن الوعى منذ شهور ..يعيش على أجهزة التنفس الصناعى ..قلبه لاتكاد تسمع دقاته ..أهله انصرفوا عنه بعد أن كلفتهم اقامته بالمستشفى كل مالديهم ..قرر الأطباء رفع أجهزة التنفس عنه وافقوا على الانتفاع به فى التجربة مادام مصيره قد تقرر ..توجهت المحفة الى داخل المقبرة ومعها الألات وأجهزة قياس الضغط واشارات المخ والقلب وما اليها ..إندس المعلم منصور بين الأجساد الى حيث رأى وجها شاحباً يتطلع اليه ..سأل :- دكتور ..ماذا ستفعلون بهذا الرجل ؟
لم يبال به
عاد يسأل :- هل ستتركونه يموت ؟
استدار عنه ..لحظة رفع أجهزة التنفس الصناعى تقترب ..عليه الآن أن يهبط الى المقبرة ..يتحصن بصندوقه الزجاجى ..يرقب بعينيه ويسجل ملاحظاته .. لكن لماذا يرتجف وتصعد من جوفه هزات متوالية تمنعه من الحركة ؟.. سمع صوتاً يناديه ..تزلزل جوفه ..بذل جهداً ليقول أنه جاهز وتقدم نحو المقبرة ..مد ساقاً للداخل ..لم تطاوعه الأخرى وغاصت الدماء من وجهه ..أدار نظراته فى الأجهزة والآلات والجسد المسجى والغرفة المحصنة بزجاجها الشفاف ثم تقدم الى حيث جلس فى مكمنه مراقبا ً الباب وهو يغلق والأنوار الصناعية وهى تملأ المكان بيضاء زاهية تتربص بالموت وتستعد له ..اتجهت عيناه الى عدادات القياس أمامه..المؤشرات ..القراءات ..الكاميرات المثبتة فى الأركان وشاشة الكمبيوتر التى تتلقى البيانات اولا بأول ..مد يده الى زر أزرق أمامه ..ضغطه بعزم ليفصل فوراً أجهزة التنفس الصناعى ..اتسعت عيناه وهو يرى الجسد الذى كان ساكنا منذ شهور ينتفض انتفاضة ملحوظة فى أقل من ثانية قبل أن يهمد الى الأبد وتتحرك أجهزة القياس امامه ..تجحظ عيناه ، يرتعد جوفه ..يحاول أن يتحرك فى مكانه ..يضغط على أى زر ..يصرخ حتى ..لم يملك الا إذعاناً كاملاً لسطوة شلل مفاجى ينشب اظافره فى ثنايا عقله .
اما فى الخارج فقد استمر سيل الصور القادمة للجثة وماحولها، والقراءات والبيانات المعتادة تملأ شاشة الكمبيوتر، مما يعنى أن كل شىءتحت السيطرة ..انتهت التجربة..فُتحت المقبرة..كان مكانه..سألوه عما كان ..لم ينطق بحرف، وحتى الآن ماتزال المحاولات جارية معه!
-
