تحية وسلام

تلك كلماتى بين يديك ..انظر ..دقق ..ستجد عبر الحروف نبضات تعلو معطرة بالحب ..تطلب السلام ..ترجو الوفاق ..المشكلات سوء تقدير مشترك بين اثنين او اكثر ..الحب كلمة ..وربما كان نظرة ..او هو لحظة صمت تجمع بين اثنين ينعمان بالدفءوحرارة الامن ..تفضل ..اقرأنى ..بكل الحب استقبلك ..ومتى ما اردت المغادرة لك منى ايضا كل الحب ..وسلام ...محمد عباس على

السبت، 18 ديسمبر 2010

;كارت شحن


                                          كارت شحن
لأول مرة يفعل هذا، يتخلى عن حرصه ويطلب الكلام عبر الهاتف المحمول، ذلك  الذى طالماسماه بالهراء الذى يسعى أهل الفراغ اليه ،الليلة بالذات هو الذى سعى اليه، ولو وصل الأمر الى الرجاء لفعل وهو على سريره مسنداً ظهره على الوساده، مواجهاً للتليفزيون الذى أصر الليلة على إطفاءه، رضوخاً لذلك الشعور الذى اجتاحه مع بداية الغروب وهو يلعب الطاوله كعادته مع أصدقاء المقهى،  يداعب هذا ويشاغب ذاك، ويشد أنفاس الشيشة مطلقاً الدخان فى وجه الدقائق الفارة من بين يديه، غير عابىء بوقت يمر أو ليل على متن الظلام يأتى، فهو يعرف أنه سيعود الى الصمت يقضم فتات اللحظات أمام التليفزيون، أو منغمساً بين طيات النت والحوارات الملونة بالخداع ، حتى اذا مّل انزلق الى سريره، مستتراً بغطاءه من أعين الليل، والكلمات المغسولة بالدموع، التى لايعرف هل تترقرق على حواف جفونه أم على ضفاف شفتيه كلما راجعت  ذاكرته صورة إمرأته وهى بين راحتى سريرها ،  باسمة الوجه كلوحة أتم راسمها تزيينها بنقوش الملائكة وتركها تحفة ، تنتظر عودته من مقهاه آخر الليل  بعد أن قضى سهرته مع الصحاب ،رآها فتبسم لها كعادته، داعبها ببعض الكلمات قاصداً أن يوقظها لتعد له طعامه ، لم تبال به ،هز ها،  لم تجبه ،الوجه نوره يفيض على المكان حانياً ، والجسد دافء كحلم ،عاود المداعبة وقد بدأت خفافيش الخوف تعشش فى جوفه ،لم يتأكد من ظنونه الا حينما قال الدكتور الذى استدعاه كلمته ،لحظتها نظر الى وجهه فى المرآة ،الوجه هزيل النظرات، ذابل التغضنات يبكى الصمت على شفتيه إمرأة  واجهت الموت وحيدة ، واستقبلته ببسمة هادئة ولم تشك من شىء ، فقط رحلت وتركته..الليلة بالذات داهمه هذا الشعور ،شعر أن دوره  قد حان عليه ، هب من جلسة المقهى مهرولا الى البيت خشية أن يجىء ملك الموت بمنجله ليحصد روحه فى الطريق،  يتعرض جثمانه لما يخشى منه من إيذاء وتقليب وتفتيش ،  وربما تشريح لمعرفة سبب الوفاة ، ثم إيداعه الثلاجةانتظاراً لتقدم احد لإستلامه،  وحيث أنه لاأحد سيتقدم لتلقيم فوهة الأرض به لجهل أولاده بما جرى له، لعدم انتظام زيارتهم له،  فسوف يظل أسير الثلاجة،  أو ربما باعوه لأحد طلبة الطب فيظل جسده يتقطع أبد الدهر..  العودة الى البيت أجدى  على فراشه داخل شقته  يلقى الموت،  يباركه ، ويمضى معه مودعاً الوجود ببسمة كما فعلت هى من قبل ، ولا مانع من محادثة بعض معارفه الليلة ، حتى اذا غاب وطالت غيبته فكروا فيه وسألوا عنه،  وقد يدور طائر القلق امام أعينهم ويأتون الى شقته،  أو يتصلوا بأولاده لحضهم على زيارته واكتشاف سبب غيابه،  وساعتها سيكونون مسئولين عن جثمانه الى أن يواره التراب ..أخذ يضغط الزر باصبعه متنقلاً من إسم الى آخر باحثاً عن معارفه،  متغاضيا عن الرصيد الذى طالما حرص أشد الحرص عليه ، لم يبال به وهو يتهاوى امامه مع كل كلمة عجفاء تخرج من بين شفتيه،  وهو ينظر عبر المرآة الى هيكل آدمى متيبس العظام،   سقط شعره الثلجى من قبة رأسه تاركاً بقاياه متناثرة فى الأركان،  محيطة بأعين متهدلة الأجفان،  أحداقها برمادية لونها ترى الدقائق المارة بالآنات،  وحوله صمت كصمت القبور ، يقطعه من لحظة لأخرى صوته المتصاعد من تجويف صدره متشبثاً بحياة يشعر بها تنسحب من أطرافه ،ضرب رقماً جديداً ،رصيدك الحالى لايكفى لإتمام المكالمة ،ارتعد ،الأسماء المهمة لم يحدثها بعد ،جرت الأرقام أمام عينيه أولاده وهواتفهم المغلقة ،أعز أصدقائه، معارفه ،هب من مرقده بقدر ماوسعته الحركة قاصداً شراء كارت شحن جديد ، أغلق الباب خلفه ، على السلم رأى جارته الكركوبة كماتعود أن يسميها  ، تستند على خشب درابزين السلم صاعدة الى شقتها فى الدور الأعلى ، تعيش وحيدة ايضاً ،وجهها كلما رآه تذكر الفراعنة والعهد القديم ،  لذا كان يتحاشى النظر اليها مكتفياً برد سلامها وهو محنى الرأس ، ليس خجلاً ولكن لكى لايتطلع الى وجهها وهيئتها،  أو يعطيها الفرصة لبدء حوار لايملك اكماله بأى حال معها ..هذه المرة وقف أعلى السلم مترقباً صعودهاً ،القت التحية كعادتها ، سألها فوراً :-  تتجوزينى ؟

الثلاثاء، 14 ديسمبر 2010

لحظة البدء


لحظة البدء

                                               قصة قصيرة


رآهم قادمين ،إرتّد الى الخلف مرتعداً ،أغلق النافذة ووقف وراء الشيش ، من فرجة فيه تجاسر على إطلاق إحدى عينيه الى الطريق ثانية ، مضت نظراته تحبو على الدرب الذى خلا  الا منهم ،انتبه لأحدهم يرسل نظراته باتجاهه ،إرتّد عن الشيش فوراً ، تخاذلت ساقاه ، ارتطم ظهره بالأرض ، دقت ساعة الجدار معلنة لحظة المغيب !
...........
قالت إمرأته المشغولة بقضم اللحظات مع أظافرها :- محمود لم يأت بعد
حدق شيب نظراته فى ذبول وجهها ، نظراتها تشق الهواء ساعية اليه ..عاود الحركة الى النافذة مخاطباً الجدار :- ربما تأخر فى السوق
ونظر من فرجة الشيش ،ارتّد ملتاعاً :-  محمود هناك ،يحيطون به،سيأخذونه معهم !!
هو يعرفهم ،القرية كلها تعرفهم ،يهبطون مع الغروب ، يتوارون خلف الظلمة ،يحيطون بالمارة ،يقتلعون حتى الهواء من الصدور ،وأهل القرية يقيدهم الصمت ، يعتصر عظامهم ولايملكون الا الإنطواء خلف الجدران .
هز أنينه الكون :- محمو....وود
ومضى نحو الباب ،ثقب عين الخوف وهو يطأ اللحظات والسلم والطريق اليهم،  ناسياً الام ظهره وثقل حركته والضباب الذى يغشى عينيه خاصة  بعد بدايات الغروب ..حينما وقف الى جواره عاد الخوف يتفجر شظايا فى جسده وشدّه الم ظهره من جديد
...................
أخذوا يتجمعون ، يدورون حولهما ، يصرخون فرحين بصيدهم الجديد،  بينما طيور سوداء تنعق فوق الرؤس ، جثا على ركبتيه :- خذونى واتركوا  ولدى
شدته يد إبنه لأعلى فى صمت ، حاول الإعتدال ،خانته قواه ، عادت يد ولده تمتد ، منعوها من الوصول اليه ، وسحبوا الولد الى الخلف تمهيداً للذهاب به ، انتبهوا لصوت إمرأة قادم من خلف شيش أحد المنازل المحيطة يأمرهم بترك الولد فوراً ،إرتفعت الأعين لأعلى منقبة ،أشار أحدهم الى فوهة بندقية مصوبة نحوهم ،ارتفعت الضحكات هازلة ، غير أنهم إبتلعوا  ضحكاتهم  قصراً وهم يرون  فوهات أخرى  تنتظر لحظة البدء  .

السبت، 11 ديسمبر 2010

ترقية


ترقية
                                           قصة قصيرة




فوق الجميع هو
فوق الناس والعربات والبيوت ،يراهم من أعلى ويبتسم للجميع ،يأخذ من سعادته وينثر فى الأرجاء ،لايبخل على أحد ،الكل لديه سواء ،وإن كان أصحاب القلوب النقية مثله لهم نصيب أكبر لديه .
يمرق وسط العربات،  لمباتها البيضاء والحمراء تبتسم له،  تحييه،  يرد تحيتها،  يتجه الى شارع جانبى ،  ضؤه الخافت يستقبله ،  الأشجار حرس شرف على الجانبين ،  ضوء القمر ينفذ من بين الفروع والأوراق التى تصنع ظلالا راقصة تداعبه فى سيره ،  يضحك من القلب ،  ترتفع ضحكته ، ينتبه بعض المارة له ،  يشير محيياً هامسا لنفسه لو عرفوا سوف يشاركوننى الفرح ،   الوظيفة التى لم تخطر لى على بال سوف أنالها  ،الكبار الذين كنت أراهم على البعد سأكون منهم .
عاد الى الظلال المتراقصة  والأنوار الملائكية الرائقة،  الأيام القادمة ستشهد انقلاباً فى حياته،  سيترك الأتوبيس والزحام والمنازعات ويركب سيارة وحده ،يقودها سائق خاص يحترمه ويطلب رضاه ،أيضا سيكون له سكرتير ،لايريد سكرتيرة فهو ضعيف أمام النساء ، لن يتحمل نظرة ناعسة أو كلمة رقيقة ،الأفضل سكرتير ويكون وقوراً ، ثم تلك الوظيفة الجديدة.. لابد أن يشعر الجميع إنه أضاف اليها ،غّير فيها ولم تستطع هى أن تغيّره كما فعلت بغيره ، سيفعل هذا،  ويجعل أولاده وبناته يفتخرون به وزوجته تتباهى ..آه بمناسبة الزوجة ،لابد أن يتغير نظام البيت فوراً،  لاصراخ مع الجيران ،لاجدال مع بائع جوال من الشرفة ،لاسباب للأولاد بصوت زاعق..  الأولاد أيضا عليهم التزام الهدوء والبنات عليهن التحلى بالحشمة ،زوجته  نفسها عليها أن تكتسى بتواضع معجون بالعظمة فهى ستصبح زوجة رجل ذى حيثية ،صحيح أنه انتظر طويلاً ، لكنها فى النهاية جاءته ،يكفى أن السيارة ستنتظره كل صباح أمام باب البيت ويسارع السائق بفتح الباب له،  لذا فالأمر لن يخلو من هيبة وإن كان سيلتزم فى أحاديثه وتعاملاته بالتواضع والصفح ،سوف ينسى إساءة جاره فى الطابق الأعلى ،وتطاول جاره فى الطابق الأدنى، عن سخرية زملائه وهزلهم معه ، سوف يتغاضى عن كل هذا ويرتفع فوقه  لأعلى ،لأعلى   ..ورفع رأسه فى شموخ ،تلاقت نظراته والقمر ، تبسم له وهو يعبر الشارع ، لم ينتبه لإحمرار إشارة المرور !!

انتظار


انتظار
                                                 أقصوصة


بين يديها تتلكأ اللحظات،عقارب ملعونة تأبى الا التباطؤ الى حد الموت،   سكين اللحظة باردة على رقبتها،  تحز العظام،  تجحظ عيناها وهى تعاود النظر  الى سواد الساعةوتجد العقارب مكانها  تبادلها التحد يق بأعين زجاجية النظرات،  تحمل إناء الزهور الخزفى الملقى على المائدة الصغيرة فى غرفة الصالون،  ترفعه قاصدة قذف هذه الساعة الجاحدة به ، ينطلق رنين الهاتف ،تنتفض ،تلقى الإناء جانباً وتهرول اليه ،تطير اللحظات معها لهفاً ،ترى الرقم الطالب ،تتألق عيناها بلون الفرح ،تهتف من قلبها :- الو .
تهرول فى أرجاء المكان الذى يتسع بالكاد لأحلامها،  يشرق فى نواحيه ضياء يلمس قلبها فينتشى،  ترتب المقاعد والأريكة،  تزيل ترابها،  تنسق الحشايا فى أركانها،  تنشر أريج العطر فى نواحيها،  تلمس الإناء الملقى على جانبه فى رفق بباطن كفها،  تمر على ثنايا جسده الخزفى متأملة وتضعه حانية مكانه منتصف المائدة، يدق جرس الهاتف ثانية قاطعا ًتدفق صمت هانىء يضمها ،  تنظر الى الرقم  ، تشيح بيدها وتمضى عنه ،  تتجه الى دولاب ملابسها على بساط من هناء،   تسكن الحيرة عينيها ونظراتها تتقافز من ثوب الى آخر ،تحدق فى الأحمر ،الشقاوة تكون معه ،شعر ثائر يتموج حول النحر وعطر ساحر ونيران لاتهدأ ..ترسل طرفها الى الأبيض ،الرومانسية معه والشعر المنسدل على الكتفين والعطر الخجول والنظرة الناعسة ..اتجهت الى الأسود ،الوقار والشعر السارح فى ضفيرة هادئة على بساط الظهر والعطر النفاذ..لمحت عيناها الثوب الأصفر بحيرة خيوطه ،تركته الى الأزرق السماوى بخيالاته ،عادت الى الأبيض وتبسمت فى خفر وهى تضمه الى صدرها بحنو .
بدت المائدة وضوء الشموع يتراقص حول الأطباق معطراً برائحة الطعام رقعة من نعيم ..الى الجوار استقر جهاز التسجيل الصغير محتضناً شريط الموسيقى المفضل،   وهى هناك تمر بها اللحظات وردية حالمة ، تداعب خديها وثوبها الأبيض وشعرها المنسدل على كتفيها.
عاد جرس الهاتف يزغرد احتوته بحنان ،رسالة منه ، قرأتها فوراً ،سقط الهاتف على الأرض !

الجمعة، 10 ديسمبر 2010

الشاهد


الشاهد
                                                    قصة قصيرة


للحظة لم يستوعب عادل مايرى،  وقف فاتحاً عينيه والصور تتوالى أمامه دون ترجمة الى معنى لشلل مفاجىء فى عقله، شلل لحظى جعله يتسمر فاتحاً عينيه وفمه،  ممسكا بستارة النافذة، قابضا عليها بلا وعى وهو يحدق فيما أمامه،  وقلبه يتقافز لأعلى وأسفل فى جوفه فزعاً.. السرقة تتم فى الطريق وفى وضح النهار ،  السارق يشهر سلاحه  فى وجه المسروق بيد بينما الأخرى ممدودة لسلب المسروقات .
تحركت خلف النافذة أجفانه صعوداً وهبوطا وعقله يعود رويداً لمنطقة الوعى،  هرول ناحية الباب هابطاً اليه  ،  عاد وتوقف قائلا لنفسه :-
        -  السلاح بيده ، لن أتمكن منه
عاد الى النافذة،  رأى السارق يأمر المسروق بخلع ملابسه  ،  اشتعلت النيران فى جسده ، هرول نحو الهاتف ،  اتصل بنقطة الشرطة  ، الخط مشغول  ،  عاد الى النافذة  ، السارق يقف مطمئناً، الطريق خالى من المارة ،   الضاحية بعيدة عن صخب المدينة،  عاد الى الهاتف ثانية،  تحدث الى بعض الجيران ، تحركوا مجموعة لمواجهة الأمر ..   رأى اللص عدداً من الرجال يحيطون به ،  شهر سلاحه فى وجوههم ، فرهارباً ، لم يلحظ الملاءة البيضاء التى وضعت كساتر أمامه،  لفوها حوله سريعاً ،  حملوه فى عربة أحدهم وأقتادوه الى الشرطة  .. شكرهم المسئول هناك ،   فتح أوراقه،  سأل        -من فيكم قبض عليه  ؟ 
  قالوا :-  كلنا  
 ابتسم راضياً قال بود :-    يكفينى واحد فقط كشاهد

تقدم عادل ، قال:-   أنا 
   اتجه اليه :-   غداً صباحاً تحضر للشهادة
 فى غرفة التحقيق وقف عادل ، أمامه لوحة سوداء الخطوط مؤطرة بإطار ذهبى   (واذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل )   أعلى مكتب المحقق ، تبسمت عيناه ،فكرة الملاءةفكرته ،خدع بها السارق وتمكن منه ..نادى المحقق عليه ،تقدم ،سأله عما رأى ،حكى ماكان ،تركه الى السارق :- هل تعترف بجريمتك ؟
رد بثقةوهو يحق فى وجهه بعينين زجاجيتين ماؤهما لايهتز  :-
         - انا المجنى عليه
أشرق وجه المحقق بدهشة :- والآخر !!؟
مشيراً  الى المسروق منه
قال بتؤدة :- الجانى
خطف المحقق نظرة الى وجه عادل قبل أن يمضى الى المسروق منه:-
- مارأيك ؟                          
أحنى رأسه فوق صدره مخفياً آثاراً زرقاء وحمراءتعلوه ، ولم يرد ، صرخ المحقق مكرراً السؤال ،أجاب بصوت خافت ورأسه محنية :- انا الجانى
اتسعت عينا عادل وهو يحاول جاهداً استيعاب  الأمر ، حدق فى وجه السارق الذى يشرق بعلامات النصر ، تركه الى المسروق ،  صرخ :- هناك خطأ
تجهم وجه المحقق  ، ضاقت عيناه وسدد اليه سهام الحنق المغموسة فى ماء عينيه متسائلا :- ماذا قلت ؟
أجاب :- هذا هو اللص
وأشار اليه
قال المحقق من بين أسنانه وهو يرميه بنيران نظراته :-  الاعتراف سيد الأدلة ..الآخر اعترف دون إكراه أو ضغط ..فهمت ؟
بلا تفكير قال عادل :- لا
ضاقت عينا المحقق ، أمر بعقابه فوراً ، قرر وضع عصابة سوداء على عينيه يسير بها فى الطرقات ولايخلعها ،تم تنفيذ الحكم فوراً ، وضعت قطعة  عريضة من قماش سميك على عينيه ، استلم فرع شجرة مقلم ليتوكأ عليه ، اقتادوه الى الطريق  ، دق بعصاه على الأرض ، جاوبته الاف الدقات !!

أول رمضان


أول رمضان


منذ متى لم تره ؟
الأشواق فى صدرها تتعملق ،تعيش به لحظاتها ،تدور فى فلك سيرته كأنها أوقفت حياتها على لحظة عودته واكتحال عينيها برؤيته. اتجهت قدماها الى الردهة ، مقعده الأثير هناك،  والمائدة الصغيرة التى يكتب عليها، والصينية الألومنيوم الصغيرة التى كانت تضع عليها كوب الشاى فى صمت وهى تحاذر أن يصدر عنها صوت يقلقه ..اقتربت من الباب ، تهللت نظراتها وهى تراه مكانه متألق العينين كعادته،  باسم القسمات،  يرسم على شفتيه كلمة ماما بأرق ماتكون الحروف ، نطقت باسمه كأنها تتلمس طعم حروفه  راضية أنه لم يخلف موعده وجاء ،تقدمت منه فاردة ذراعيها ..ظلت الذراعان فارغتين وامتلأ صدرها بالهواء ..رمقت مكانه الخالى من خلف شلال من دموع.
..............
محنية الظهر سارت،   محصورة بالصمت واللحظات،  قدماها بطيئتان ، فى لمسهما للأرض حروف شكوى لاتبين، حروف باللمس تتشكل كلمات وجملاً باكية الخطوط ..ترمى بطرفها الى الساعة .اللحظات كسيحة الخطو،لو تحركت قليلا ربما عجّلت بقدومه.
اتجهت اليه ، تلاقت وعينيه على الجدار ،تبسم لها، شقت الدموع طريقها من جديد الى المآقى ، مسحتها بطرف كمها وعادت اليه ، مدت يدها تتحسس وجهه، أحست برودة الزجاج.
..........................
 بدأت قدماها تزحفان نحو المطبخ قاصدة إعداد الطعام،  مدت يدها الى حبات البطاطس تنتقى بعضها،  سهلة التحضير، وجبة خفيفة مع سلطة خضراء وطبق خشاف مادامت وحدها .
عادت ووضعتها،  أجالت النظر فى المكان باحثة عن شىء لاتدرى ماهو، أخيراً همست لنفسها بصوت مسموع:-  سآكل أى شىء
 وعادت الى غرفة النوم تحمل جسدها بالكاد باحثة عن مرقدها   تذكرت أنه   عما قليل سيأتى،  توقفت مكانها وسط الطريق  وإبتسامة حانية تزين وجهها وهى تسأل نفسها عما يحبه من الطعام أكثر لتعده له .
هرولت قدماها عائدة الى المطبخ، عانقت عيناها أركانه وبدأت العمل،  كان موعد آذان المغرب يتعجلها ، بين لحظة وأخرى تنظر الى الساعة،  تعد اللحظات،  تنظر نحو الباب،  ترسل أذنيها الى السلم باحثة عن وقع خطواته . وعندما انتهت شعرت بقلبها يزغرد  ، أعدّت المائدة لأثنين وعادت الى الساعة على الجدار ، مايزال هناك بعض الوقت .
 جلست تنتظر!!

..........................


الاثنين، 6 ديسمبر 2010

القطار


القطار



رأيته جالساً وحده
مواجهاً للداخل ،السيجارة بين يديه دخانها يصنع ستاراً ضبابياً بينى وبينه، من خلف الضباب  رأيت عينيه تبرقان ،نجمتان يخترق نورهما ضبابية اللحظة،لكنهما شاردتان ،تائهتان فى فضاء لانهائى ،يرمحان عبر براحه ،لايهدآن .
لحظتها فهمت معنى أن يفقد الإنسان عزيزاً . اطلق بعض الدخان من فمه ،ازدادت ضبابية اللحظة بيننا ،من خلفها واصلت النظر ناحيته .كان ينتظر منى الخبر ،ينتظر أن انطق به ،أهز ركود الصمت الذى يحتوى كلينا ،لكنى لم استطع النطق به .رأيتنى أعود اليها ،أتصورها تصرخ ذاهلة ،ترفع يديها أمامها ،تحاول رد القدر ،يطلق القطار صفيره ،أفزع ،تعاودنى الرعدة ،أنفجر فى وجه الضباب والدخان :- دهسها القطار
قاصداً أختى ..قال ببطءٍ :- أعرف
ونفخ مزيداً من الدخان ..تفجرت الدموع من عينى ..القطار حديد يتحرك ،و الحديد لاقلب له ،مهما ارتفعت حرارته لايحس ،لايلين ،قلت :-
-            أبى ..لا أحب القطار     -     
-      من خلف السحابة المضببة بلونها الرمادى قال :-
-          -  لم يكن لها أن تقف أمامه
-      الردهة ممتلئة بالسواد ،دنوت من أمى ،عيناها حمراوان ،قسماتها ذابلة يعلوها اصفرار .تمنيت أن أعتذر لها لأننى تأخرت .لو أسرعت قليلا وقلت لها الخبرالذى لدّى كانت ستفرح لبعض الوقت قبل أن يدهمها الحزن.
-      مددت لها يدى ،اعتمدت عليها ،همست وهى تنظر فى حبتى عينّى :-  لن ترى أختك ثانية
-      إنشرخ صدرى من الحزن ،عاد القطار يرسل صفيره المشئوم ،يصرخ منذراً ،مهدداً ،مطلقاً طيوره السوداء تحلق أمام عينّى ،تحجب ضوء الشمس ،وأختى هناك ،تستدير ،ترتعد، تتصلب فى مكانها ،وتمد يد ها ظناً منها أنها تملك القدرة على صده والنجاة منه ،يدوّى الصفير فى الآفاق ،يزداد شعورى بالذنب ،اليوم بالذات كنت سعيداً ،باسماً طول الطريق بعد أن رأيت نتيجة الامتحان ،كنت الأول ،شىء لم يحدث من قبل ،كنت محلقاً كعصفور نبت له جناحان منذ قليل ،يضرب بهما الهواء ويمضى..اقتربت من البيت ،من أول الشارع أخذت أسابق اللحظات وحين اقتربت ارتجف بدنى ،دخلت الشقة ،بياض الجدران غطاه سواد الثياب .زفة الأنوار حجبتها ظلمة الدموع ..حكت لى إحداهن عن القطار ..قالت إنه كان يركض ،لايتوقف ،قلبه الحديدى لايدق ،وعيناه لاتبصران ..اطلقه القدر ليراه الناس ..يحكون عنه ويخشون منه ..لا أعرف لحظتها لماذا رفرف العصفور الصغير بجناحيه الرقيقين عاجزاً عن حمل نفسه وهوى أرضاً ..شعرت أننى بحاجة لوجود أبى ..ابتعدت صامتاً ابحث عنه وحين وجدته كانت سحابة ضبابية تفصل بينى وبينه ..كان لدّى الخبر الذى أعرف أنه يتوق لسماعه ..لكننى لم أجد له معنى الآن
-       ..بكيت !
-      ..............
-      خرج أبى من حجرته ،وجهه قسماته جامدة ،عيناه نظراتهما حادة ،والسيجارة فى يده متأججة النيران ..فتح باب الحجرة ومضى عبر الممر الواصل الى الردهة وهناك توقف ..رفع صوته الجهورى آمراً النسوة بالصمت ..رفعت أمى حدقتى عينيها نحوه محتجة ..العينان حمراوان ،يركض  عبر ساحتهما الأنين ،تدور الدموع ،غير أنها لم تنبس بحرف ..شبكت ذراعيها أعلى صدرها وأحنت رأسها ومضت تدور فى متاهة أفكارها فى صمت ..قال أبى موضحاً :-  لاتؤذوها فى مرقدها
-      وعاد الى حجرته  ..شدنى وجه أمى ..نظراتها نظرات حمامة بلا جناح ..تجلس ساكنة تنتظر شيئاً ما لاتدرى كنهه ..فكرت أن أهبها لحظة فسحة من الحزن ..أخبرها فيها بالخبر الذى لدّى ..أشعر اننى منحت الحمامة جناحين جديدين ..فتحت فمى ..لم أر جدوى للكلمات ..لن تشفى جرحاً ..لن تعيد روحاً الى جسد بلى ..والحمامة حين ينكسر جناحاها لاتفيدها عبارات تعزية مهما كان صدقها .
-      انتبهت لأبى قادما عبر الردهة ،متسع العينين كأنه فى حالة دهشة دائمة وكان محنى الظهر ..تقدمت نحوه ..استند بيده على كتفى ومضينا نحو الباب ..فى الطريق وانا امضى الى جواره مهدئاً من خطوتى لأسايره قلت هامساً :- أننى نجحت وأن ترتيبى الأول هذا العام ..شد على كتفى فى صمت ..داهمنى فيض من مشاعر ..رأيت القطار من جديد يطلق صفارته قادما كقدرٍ لافكاك منه، والطيور السوداء والتى كانت من المؤكد انها حلقت فى مكان الحادث، وأختى وهى تمد يديها وتقف مكانها ، والقطار يتقدم وصفيره يعلو ..يعلو ..يصم أذنى ..صرخت ..عادت اليد تشد على كتفى وسمعته يهمس كأنما ينتزع الكلمات من جب :-   لاتنسى أنك رجل 

الجمعة، 3 ديسمبر 2010

الطاووس


الطاووس



                                               قصة قصيرة



وسط الحارة ذات الهواء المغسول بالتراب كان الطاووس يسير مختالا،  وفى ذات الوقت يحاذر من الحفر الخبيثة التى تنتشر هنا وهناك،  يغطيها ماء آسن يميل لونه الى لون طين الأرض،  فلا تدرك القدم موضعه الا بعد أن تغوص فيه .  يتحرك متجهاً الى الشارع الرئيسى صباحاً،  مزهواً بما حباه  الله من هيئة تشد الأعين،  فالرأس منسقة ذات حسنٍ ٍ،  والجسد الوانه لها ألقٌ وعليها بهاء .يتحرك وسط الحارة مؤكداً لنفسه ماسبق وقاله مراراً،  أن حارة تسكنها الماشية والخراف عليها أن تعرف للطاووس مقامه  ،  وكلما لاقى وجهاً من الوجوه رفع يده اليمنى بعظمة رداً للسلام،  مشفوعة بنظرةٍ جانبية تغوص  بها نظراته فى الملامح المقابلة والتعبيرات المرسومة عليها،  فرد الفعل المقابل له عنده أقصى اهتمام ،   اذ أنه يحاذر أشد الحذر من اولئك الجيران الذين لايملكون خرائط وراثية محددة،  فردود أفعالهم تعتمد فى أولها وآخرها على إنفعالاتهم وليس العقل أو المنطق،  لذا فأقرب طريق للسلامة أن يبتعد مكتفياً بسلام مقتضب ، فاذا اضطرته الظروف للحديث مع أحدهم أو إحداهن احتمى برونق مظهره وحروف كلماته النضرة،  والقى كلمتين منتظراً أسرع فرصة للفرار وهرب  ، وقد عرف الجميع فيه هذا فبالغوا ساخرين من تحيتهم له،  خاصة أثناء عودته عصراً من عمله،   وبدأ بعض عمال الورش بطول الحارة  فى الانشغال به والتحدث عنه،  خاصة الصرماتى  الذى يجلس على مقعده خارج ورشته منتظراً أبواب الرزق التى طال انتظاره لفتحها دون جدوى،  مكتفياً صباح كل يوم بإخراج الشيشة وغسل قلبها الزجاجى فى المقهى المجاور،  وتسليكّ الجزء المعدنى مما به من قطران عالق من أثر الدخان،  وتجهيز حجر المعسل بالولعة،  ثم وضع الساق بحذائها المثقوب على الساق الأخرى الحافية ،   ويبدأ شد الأنفاس مراقباً المارة بنصف عين،  فاذا مر به الطاووس انزل قدمه فوراً واعتدل مرتدياً فردة الحذاء الباليةالملقاة أرضاً هاتفاً:-
    - اتفضل ..الشاى جاهز
ينتفخ صدره وهو يحنى رأسه مبدياً التواضع،  هاتفاً بحرارة :-
    -  شكراً يا أسطى 
  يضحك القهوجى خلفه مشيراً للنجار بطرف خفى،  فيشيح الأخير بيده قائلاً
    -أنه ريش على مفيش
..يتحداه الصرماتى أن يقول هذا أمامه..يتطور النقاش ، يثور النجار مقسماً أن يريه مشهداً لاينساه، يسمع أصحاب الدكاكين المجاورة بالأمر ..تنتقل الهمسات والإشارات بينهم ، ترقب الأعين عقارب الساعةانتظاراً للحظة الحاسمة ، وفى ذات الوقت يرقبون النجار وهو يجلس متحفزاً للطاووس حين يهل شامخاً بأنفه أمام الحارة ومواشيها وخرافها،  حتى اذا عبر النجار واعطاه ظهره قام الأخير هادئاً ولطمه على قفاه بقوة وعاد الى كرسيه فى صمت يشد أنفاس الشيشة،  غير مبالٍ  بالنظرات الراصدة للمشهد ..شعر الطاووس بقسوة اللطمة ، انتفض ريشه بقوة محاولا التوازن حتى لايقع على وجهه وسط الحفر والطين،  احمّرت أذناه وارتعدت أطرافه وأخذ قفاه يؤلمه لدرجة أن الدموع طفرت من عينيه،  ولولا رؤيته لبعض الأعين الراصدة لأطلق لها العنان، استدار الى الخلف، الوجوه لاتحمل سمات مشاعر من أى نوع، الأعين لاهية ونهر الحارة خال من المارة ،  دارت عيناه بذعر على الدكاكين، لا أثر هناك يدله على شىء، اقترب وصب نظراته على النجار وخشبه وداكنه الواسع والفراغ الذى يدور فى الأرجاء،  بادله التحديق فى صمت منذر  برهة كانت لديه دهراً قبل أن يسأله:-
-           - وقعت منك حاجة  ؟
هز رأسه بنظراته المتحجرة ولم يرد،  واستدارعنه منكس الرأس الى بيته ..نوقشت المسألة عبر الدكاكين  اللاهثة وراء البحث عما يشغل وقت الفراغ ، قرر القهوجى تكرار التجربة ولكن بطريقة أرقى ، ضربه بالشلوت وسط الحارة  ، ترك حذاؤه  بقعة طينية مكان الضربة استدار مفزوعاً ليرى القهوجى واقفاً يبحلق فيه بعينين زجاجيتين ..صرخ:-
-             - ليه ؟ 
-         يرد الآخر بتلقائية  :- مزاجى 
-        تترسب الدموع على حواف مآقيه ويستدير الى الأعين المحدقة :-  ليه كده  ؟
يقوم البعض محاولين ترضيته،  يجبرون القهوجى على الإعتذار له
اليوم قام الحلاق بدفعه من الخلف ، طار منغمساً بكامله فى الطين بريشه المنمق البديع الألوان ، بينما الأعين من الخلف تترصده منتظرة أن يقوم من وقعته لإرضائه من جديد،  وجبر خاطره،  وإجبار الحلاق على الإعتذار له   

الأربعاء، 17 نوفمبر 2010

الآخر


الآخر



  
                                               قصة قصيرة
 


تلقاها على  ظهره - بين منكبيه - ضربة قوية ،كاد أن ينكفىء على أثرها على وجهه .
إجتاح صدره إعصار من غضب ،كّور يده واستدار استعداداً للكمة باطشة ، وجدها إمرأة شابة تقف متنمرة له والشرر يتطاير من عينيها، وهى تصرخ فيه :- الى متى    ستهرب ؟
إنداح الغضب مفسحاً براحاً واسعاً لدهشة هائلة فى نفسة، شعر برأسه يدور وتوازنه يختّل، بينماالمارة يتوقفون تماماً صانعين دائرة حولهما ..صعدها من أسفل الى أعلى متفحصا  ملابسها وتعبيراتها الوحشية وهى تحاصره بلهب نظراتها حتى لايفلت من يدها ..نحيلة هى ..جسدها الصغير يشبه أجساد الصبية لولا كرتيها أعلى الصدر، وتحمل وجهاً رغم وحشيته فى نضرة صباح بكر ..غمغم فى غضب جامح :- كيف تجرؤين ؟
ولم يكمل ..إندفع صوتها عالياً وهى تقتحم البراح بينها وبينه قابضة على اعلى قميصه:-   الم يكفك مافعلت  ؟
خلص ملابسه بصعوبة من بين يديها ودماغه يغلى ،و الناس حولهما أجساد تتكون من عيون وآذان ..صرخ :- من تظنِنى بالضبط؟
وهو يحدق فى بؤبؤ حدقتيها .. أكمل :- انا لا أعرفك
دقت صدرها هولاً وهى تسأله صارخة :-  لاتعرفنى ياحسن ، لاتعرف زوجتك،إمرأتك،أم أولادك ،تصر على الهرب ؟
لمعت عيناه ببريق الظفر ،تلفت الى الأعين المتربصة به وهو يمد يده الى حافظته ويرفعها عالياً وهو يؤكد :-  هاهى بطاقتى ..إسمى رفعت وليس حسن
قبل أن يدير وجهه اليها اندفعت الى يده بسرعة،  التقطت البطاقة وهى تقول كمن عثرت على دليل إدانته :- بطاقة مزورة ،وصل الأمر لهذا ؟ 
هجم على يدها محاولاً استرداد ها منها ،دستها فى صدرها ، مدت يدها الى حقيبتها وأخرجت صورة لهما معاً ..وجهتها الى عينيه بقوة :- انظر ..من هذا ؟..انكمشت يده فى التومباغَتة وهو يرى صورته الى جوارها ضاحك الفم ،شعور بالعجز أمامها تسرب الى نفسه :- ماذا تريدين ؟
قالت بهدوء :- أن تأتى معى .
عاد الى الإحتجاج :- لكنى لا أعرفك
ارتفع صوت :- الأفضل الذهاب لمركز الشرطة .
أيدته أصوات اخرى ..استدارت اليهم فى غضب :- وأضيّع زوجى بعد أن وجدته ؟
ثم عادت اليه :- الم توحشك أمك العجوزالمرضة وأولادك ، الم أوحشك أنا زوجتك عطيات ؟
وشدته من يده لتخرج به من الطوق البشرى المحيط بهما ..بعد خطوات ربتت كتفه بحنو قائلة :- انا بحاجة اليك
ارتجف ..لا يدرى غضباً منها ام دهشة وصرخ :- انا لا أعرفك
ابتسمت مهدئة من ثورته :- قل هذا بعد أن نعود من مشاويرنا
-        بأى صفة أسير معك ؟
-        بصفتك زوجى حسن
-        لست هو
-        صدقنى انا بحاجة اليك،أعدك الا أضايقك ثانية ،واذا سألتك عن شىء أو طلبت منك شيئاً اتركنى من جديد
-        أرجوك ..!
-        انا التى ترجوك
-        أسف
-        إذن سنعود للصراخ وفرجة الناس وصورتنا معاً
أحنى رأسه وترك لقدميه حرية الحركة .
خطوات قليلة سارها وعاد اليها متسائلاً :-
      :- لماذا انا بالذات ؟
حدقت فى حبتى عينيه محاولة اكتشاف ماخلف الأحداق، استدارت الى الطريق من جديد :- ستعرف
عاد يسأل :- وماهو المطلوب منى بالضبط ؟
استمرت فى السير :- لاشىء ..احتاج وجودك بجوارى فقط .
حدق فى رأسها الصغير المرفوع فى وجه الطريق ..هل تعى ماتفعل ،أم ستزج به فى ورطة ،وماذا سيقول اذا حدث هذا ، ومن سيصدق أنه يحدث له ماحدث ؟
استدارت له كأنما تقرأ أفكاره ..قالت بهدوء :- لا تقلق
وعادت الى الطريق ..اقتربت من أحد البيوت الرقيقة الحال ،مضت الى مدخله الضيق ، صعدت على سلالم متهالكة الحواف متساندة  على درابزين بلا ملامح ،توقفت أمام أحد الأبواب ،دقت الجرس ..فتح الباب عن إمرأة كبيرة تغضنات الوجه،  ملونة الملامح ، بمجرد أن رأتهما زادت عبوس وجهها عبوساً وتساءلت عما يريدان ،قالت عطيات بقرف:- محمود
خرج شاب يافع ناضج العود بملابسه الداخلية اليهما ، بمجرد أن رآهماتعثر فى ارتباكه ، حمل وجهه معالم دهشة ممزوجة بذعر،قبل أن يرتمى على صدره باكياً :-   سامحنى ياأبى
وقف لايفقه شيئاً ، تدخلت عطيات :- أبوك غاضب عليك وانت تعرف لماذا ولولا الحاحى ماجاء الان .
اندفع محمود يقبل يديه :- ادخل ..تعالى ..تعالى ياأمى
حدقت فى عينيه ..عيناها بئراً لومٍ وتقريعٍ ليس لهما قاع ..تساءلت بصوت مغسول بالقهر :- تظننا ندخل  ؟
واستدارت عنه مغادرة .
فى الطريق سألها عن تفسير مارأى ..بزاوية عينيها  نظرت اليه:-                                                            الا تعرف ؟ 
اضطرب ، بدت على جفنيه ارتعادة  خفيفة وهو يهمس :- لا
قالت ووجهها للطريق مازال:- سترى بنفسك  .
 وصلت الى أحدى المستشفيات ..دخلا معاً ..أمام أحد الأسرة توقفت ..رأى فتاة شابة ترقد على ظهرها فى إعياء واضح ..قالت عطيات بعطف :- وفاء ..انظرى من جاء يراك .
رفعت اليها وجهاً اعتلاه الذبول ، امتصه المرض ، فتحت فمها لتتكلم وقد اكتست نظراتها  بدهشة بالغة لرؤيته:- أين كنت ياأبى ؟
ربتت عطيات كتفها برفق :- رغم غضبه من محاولتك الانتحار جاء يراك
ارتعدت بضع دمعات عجاف على حواف عينيها ،مدت يداً ناحلة الى يده ، القريبة ، ضغطها  مترفقاً .
فى الطريق عاد يسأل:- لماذا ؟
مشيراً الى مافعلته وفاء ..ردت عطيات باقتضاب :- ستعرف
.وهى مازالت تواجه الطريق، أسرع فى خطوه حتى وقف أمامها قاطعاً عليها الطريق :- إن لم تشرحى لى الأمر سأضطر الى الرحيل .
تبسمت بغم وهى تواجهه بعينين متسعتين تغطى حدقاتهما قطرات من ماء عزيز الهطول :- ترحل .. ثانيه !!
انتفض :- لست انا
صرخت :- إذن من ؟
ازدادت الحيرة تعملقاً فى مقلتيه .. كيف يقنعها ؟.. دلفت الى بيت منفرج الشبابيك يتقدمه مدخل بلا باب  وهو الى جوارها ،صعدت سلالم قليلة نظيفة رغم ضيقها،توقفت أمام أحد الأبواب ،فتحته ودخلت ،أضاءت المصباح وأشارت اليه ،تقدم محاذراً وهو ينظر حوله فى تأفف ..كانت هناك أريكة فى المواجهة ترقد عليها عجوز مستغرقة فى النوم ،الى جوارها من اليسار ممر يؤدى الى الداخل، ومن اليمين حجرة مغلقة زجاج بابها مكسور ومكانه قطعة من ورق مقوى
..مدت عطيات يداً حانية توقظ العجوز : - اماه ..هذا حسن ..إبنك
فتحت العجوز عينيها وفمها معاً ..الفم مثروم تماما ً ،وشعيرات قطنها ناصع البياض بلله العرق يلتصق بوجنتها ..همست :-   تقولين من ؟
وهى تحاول الاعتدال بلهفة من رقدتها دون أن تسمع أو تنتبه لرد،  أخذت تتمتم :- حسن ولدى
ومدت يديها المعروقتين تتلمسه مما اضطره للإقتراب منها، أمسكت يده ورفعتها الى وجهها تمسح بها قسماتها ، تقبلها ودموعها العجوز تنزلق ناحلة عبر تغضنات وجهها ،شعر بجسده يرتجف ..قشعريرة هائلة تدغدغ حواسه والمرأة تشده نحوها،تحتويه بين ذراعيها وهى تبكى :- سلامتك ياحسن
وهو بين يديها عاد بنظراته الى عطيات ..كانت تبكى.
رآهاتفر من دموعها الى الممر الواصل الى الداخل ..مضى خلفها ، فتحت بابا فى المواجهة ،وقفت مشيرة اليه بالدخول وهى تمسح عينيها..رأى سريراً خشبياً قديماً يأخذ ركناً، يجاوره دولاب باهت اللون إحدى دلفه منزوعة ،ومائدة صغيرة عليها تليفزيون صغير، وحصير قديم مهترىء الأطراف يفترش الأرض ،وعلى  حافة الشباك صينية من الألومنيوم عليها قلة من الفخار مغطاه بقطعة قماش بيضاء، سمعها تتكلم وهى تمد اليه يدها ببطاقة هويته :-
  - لولا حاجتى ..ماسعيت اليك.
همس :- لست حسن
حدقت فى عينيه بنظرات حديدية  ولم ترد ،أشارت الى جلباب معلق على مسمار خلف الباب :-  جلبابك نظيف ينتظرك
وغادرته الى الخارج .
صرخ فى مواجهة السرير والدولاب والحصير والشباك وجدران الحجرة المتساقطة الطلاء :- لست حسن .
انتبه لصورة على الجدار تجمعه وعطيات فى ملابس العرس ..أشاح بناظريه عنها ..رأى الجلباب المشنوق من رقبته بالمسمار  خلف الباب..نظر اليه بعداء!