أروقة الصمت
قصة قصيرة
رآهم..ارتعد..تحركوا نحوه ..مدوا أيديهم اليه ..زادت إرتجافه جفونه وهو يرقب مايفعلون .
كان قبل قليل يصعد السلم ، يمنّى النفس بدقائق يقضيها ممدداً على الفراش يفكر فى تناول طعامه المجمع إفطار وغداء وعشاء ، يحلم بدقائق يريح فيها رأسه قبل ظهره من الأفكار المتأججة التى تشتعل فيها بلا إنتهاء ، فهو فى تلك المدينة عود يابس لاأصول له يكافح للبقاء ، صمته أنيسه كأنما نسي الكلمات أو نسيته ، مكتفياً من الحياة برحلة يومية متكررة لاتتغير فيها سوى المسميات ، يقوم فيها كل صباح ، يمضى الى مقهى العمال على قمة الطريق فى أول الميدان ، يوضع كوب الشاى أمامه, يرتشفه وهو يرقب العربات المارة ، وكلما هدّأت إحداهن من سرعتها قريباّ منه لمعت أحداقه ببريق الأمل و هب واقفاً ، فاذا مضت انطفأ البريق على حدقتيه وعاد للجلوس ، أما اذا توقفت فهو أول من يجرى ليقف قبالتها صامتاً ، حاملاً كماً هائلاً من الأدعية ، راجياً أن يشيروا اليه ، فاذا حدث اتجه للخلف ، صعد الى الصندوق حيث يجلس القرفصاء وسط بقية العمال .. عادة لايكون معه ثمن إفطاره ، يقوم بما يوكل اليه من عمل ، وقت الراحة يجلس بعيداً عن رفاقه ، هم يتسامرون وهو سادر فى صمته ، يقرصه الجوع أو تشكو رأسه من صداع ، يمنى نفسه بلحظة إنفراده بالطعام فى حجرته حينما يعود اليها مساء ..ينتهى العمل ، يأخذ أجره ويعود مع طعامه راضى النفس ، يواجه السلم بدرجاته المتآكلة وجدرانه العارية من الطلاء ، برائحة الرطوبة المحملة بالعطن المعششة فى أركانه ، ينفذ وسط الظلمة منذ ولوجه من باب البيت ، حافظاً خطواته ، متقدماً فى حذر قاطعاً الممر القصير الى السلم ، يمد يده الى الدرابزين الخشبى صاعداً ، حالماً باللحظة التى يرى فيها الفراش ليلقى بإجهاد يومه بين يديه .
فى أيام أخرى تأتى العربات النقل ذات الصندوق المعدنى الكبير ، تختار آخرين دونه ، يعود الى حجرته دون طعام ، يبحث بين بقايا الخبز البائت عما يسد جوعه ويلهى معدته ، يجلس القرفصاء على فرشته محملقا فى الظلمة ، أو واضعاً رأسه بين ساقيه ، تمر به رؤى شتى ينتشى لها قلبه ،عمل يومى لاينقطع ، طعام لاتعافه النفس ،تغيير فرشته التى يرقد رغماً عنه عليها ، ثوب جديد لأيام عطلته ..تمضى به الرؤى ، يغرق فى النوم ، توقظه صرخات أم السيد فى البيت المجاور ، شباكها يواجه شباك حجرته ، تقابل زوجها العائد بعد منتصف الليل بصراخها المعتاد ، ترميه بكل مالديها من سباب ، يرد عليها ، يهتكان بصوتهما ستر الليل ..ينظر من وراء الشيش منتظراً لحظات بعينها تحدث كل يوم وبذات الترتيب ، وربما بذات النبرات وتعبيرات الوجوه ، اذ يهدأ الصوتان رويداً ، يسود الصمت قليلاً ، تبدأ أم السيد فى البكاء حسرة على ماتلاقيه فى حياتها ، .يقترب أبو السيد مطيباً خاطرها ، يتطور الأمر بينهما ، يحاصرهما بنظراته من وراء الشيش ، يعيش معهما لحظة بلحظة ، يشتعل جسده بالنيران ، نيرانه تتأجج ، يرتمى على فرشته لاهثاً، بعدها يسود صمت تضيع بين جنباته الأفكار والرؤى ويغمض عينيه طلباً للنوم .
فى الصباح يلج النور الحجرة عبر الشيش المغلق ، يبتسم للنور ويمضى الى المقهى .. اليوم بالذات عاد متهالكا ، يتوكأ على عصا خشبية وجدها على الطريق ، طعامه بيمينه ، وشماله تتحسس رأسه بين الحين والآخر ، وهو يشعر بألم يصعد من ساقه الى أم رأسه مباشرة ، معجون بفرحة لم يعرفها منذ زمان ، لأنهم طلبوا منه أن يعمل عندهم شهراً كاملاً ..فتح الباب ، وسط الظلمة رأى أشباحاً تتربص به ، أعيناً متجهمة تترصده ، وأيدى تمتد اليه ..ارتعد ، فكر أن يصرخ ، لم يجد كلمات او حروفاً تسعفه ، اكتفى بعلامات الدهشة التى كسا بها ملامحه ، فاغراً فاه الى أقصى مدى ، انزلقت العصا مرتطمة ببلاط الحجرة مصدرة صوتاً خشناً ، لم يبال به ، صرخت أم السيد فى زوجها كالمعتاد ، لم يجرؤ على النظر ناحية الشيش ..رآهم يقتربون منه ، نسى الم ساقه والعمل الذى ينتظره بالغد ، ضم كيس الطعام الى صدره واحتمى بأروقة الصمت ، مكتفياً بلمعة صارخة تتأجج فى مقلتيه ، ووقف ينتظر
الحذاء
قصة قصيرة
تعملقت جذور الحيرة فى صدرى وانا أحدق فى الشاشة الفضية ، الرجل يبدو وقوراً جاد الملامح ، يتكلم بتؤدة مفكر وبعلم خبير ، حروفه مرتبه ولغته سليمة، يوظف ملامح وجهه بإتقان وهو يتحدث عن الحذاء العجيب الذى هو ثورة ستزيل الغباء من الكون ، والذى تم تصميمه ليمنح الإنسان من خلال دائرة الكترونية فيه الذكاء ، الشاشة الفضية كبيرة تعلو مدخل حانوت لبيع الأحذية ،المحل صارخ الألوان ، ذو واجهات زجاجية مضيئة بأضواء ملونة بالوان مبهرة ، تحيط بالأحذية الجديدة ذات الألوان والمقاسات المختلفة ،أحدق فيها لعلى أصل الى جديد فى شكلها أو إضافة الى تركيبها ،لاشىء ،أرى وجهاً يحمل سمات الجد تغطى عينيه نظارة طبية ، تعلوها رأس ملساء يحيط بجوانبها شعر خفيف ، ويحمل بين يديه حذاءّا جديداً ويخرج من الحانوت فى كبرياء قاصداً الطريق ، اتصدى له بسؤال غبى لامفرمنه :-
مارأيك فيه ؟ مشيراً الى الحذاء
ينظر الىً من خلف نظارته الطبية مباغتاً ، يحدق منقباً فى وجهى قبل أن يلفظ حروفه بجفاف :-
- معجزة
- جربته ؟
- سأجربه
مضيت مع إنحناءة الطريق لأجد الشارع الكبير أمامى حيث الحوانيت أكبر واللافتات تشد العين وتسلب النظر بحروف النور المنبعثة منها بشتى الألوان ، و التى تروح وتجىء وتصعد وتهبط وتدور فى حلقات لاتهدأ ..تنبهت لأحدهم يقف وسط الشارع داعياً الى أوكازيون وتخفيض هائل فى سعر الحذاء الجديد ، الذى يحمل مميزات ستقلب الموازين وتغير الأفكار وتبدل القيم ، فهو الحذاء الذكى المناسب لكل المهن والأعمال، والذى سيمحو الفوارق تماما ً بين الأذكياء والأغبياء ، وسيجعل من الكرة الأرضية شعلة ذكاء تتأجج فى سماء الكون ، اندفعت الى الحانوت ، صفاً طويلا وقفت فى آخره على مضض خشية أن ينتهى العرض قبل أن أفوز بما أريد ، وصلت الى الأمام ، وجدتنى أمام حاسب آلى سألنى عن إسمى وعن عملى ، قلت انا الدكتور يوسف مكتشف الإنزيم المسئول عن درجة الذكاء فى جسد الإنسان ، نظر الىّ الرجل الجالس خلف الحاسب متسائلاً :-
- هل لهذا الإكتشاف فائدة الان ؟
لم أفهم مايعنى ،أوضح :-
- فى وجود الحذاء المعجزة لن تحتاج لهذا الإنزيم
لم أرد ، جربت الحذاء فى البيت ، لم الحظ جديداً ، حدقت فى ملامحى عبر المرآة ، كل شىء عادى ،اختبرت مستوى ذكائى بالحذاء وبدونه ، لم يتغير ، هرولت الى الطريق والحذاء فى يدى وعلامة إستفهام كبرى تتراقص أمام عينىّ كيف استطاعوا إغلاق عقلى والآخرين و دفعنا الى الشراء بهذا الإقبال الذى لم يحدث من قبل ، وكيف يمكن خداع كل هؤلاء الخلق وبنفس الدرجة وبذات الكيفية دون أن يخرج منهم من يقول لقد خُدعت ، دخلت الشارع الكبير ، كان مزدحماً ، حادثت نفسى ساخراً أن الخديعة تسرى فى النفوس الساذجة وتعبرها الى العقول المغوية و القلوب الواهنةالتى تلغى كل مساحات التفكير لتضع مكانها مساحات أكبر للغفلة والغباء ، مؤكد هؤلاء جميعا ً يتسارعون على أسبقية الشراء لمجرد الفخر بأنهم حصلوا على الحذاء الجديد ، اقتربت أكثر ، سمعت عبارات التذمر تسرى عبر الأفواه ،إنفرج همى قليلا ً ،تطايرت العبارات مزمجرة وسط الحوانيت ذات الواجهات الزجاجية بالوانها الصارخة وشاشتها العملاقة التى ماتزال تتحدث عن المعجزة القادمة من الغرب والتى ستحيل ظلام الغباء الى نور من الذكاء والفهم ، كان الأمن ينتشر تحسباً لحدوث مشاغبات ، ترنحت وانا أسمع الهتافات تعلو ، تهز الشارع والحوانيت والأمن معاً منددة بالحذاء وبمن باعوه ، تسللت عبر الأجساد المتلاحمة نافذا ً الى الحانوت الذى باعنى الحذاء ، قدمت شكواى طالبا ً رد نقودى ، رد الكمبيوتر :-
- غبى ..لم يعرف كيف يستعمل الحذاء !!
الأستاذ
...........
قصة قصيرة
قست ملامحه ..قطع المسافة بينه وبين الفتى طائراً ..وقف على رأسه المحنية أسفل الدرج ينظر معه ..علا اللغط حوله ..انتبه الفتى ..رفع رأسه ..أنشب الأستاذ زيدان مخالبه فى الموبايل المتوارى عن عينيه ..نظر فى شاشته ..غرق فى بحور بلاهة طارئة وأبعد عينيه مرتاعاً ، أما الفتى فقد وقف داخل درجه منبسط الملامح بدون حراك .. فتح زيدان فمه باحثاً عن كلمات تناسب موقفأ لم يره قبلا . عاجله الفتى قائلاً وهو يحدق فى عينيه بذات هدؤه أنه لايريد سماع شىء ..سيخرج وينتهى الأمر .انهارت كلمات زيدان..حدق عاجز الحروف والكلمات مكتفياً بنظرات تشى بما فى جوفه من نيران أخيراً قال فى بطء
- أخرج من الفصل ..لاتعد الا بولى أمرك
ضحك الولد ضحكة معجونة بلا مبالاة ومضى متمهلا ً نحو الخارج ..ركل الباب بقدمه بعد خروجه ليعاود إغلاقه..صرخ زيدان أنه سيشكو لأبيه .. سيجبره على احترام الدرس .هدأ قليلاً ثم أكمل:-
- الولد خسارة ..ياي مرن لولا بعض الصدأالذى يعوق حركته.. واستدار خارجاً من الحصة
..................
فى مكتب المدير أخذت صورة الولد تبدو لعينيه وهو يقول بملامحه المتراخية أنه لايريد أى كلام .يقول هذا بلا خوف ..لايخشى حتى من ضربة عصا أو ركلة قدم ..وقوف زيدان أمام السبورة كاشفا ً ظلمتها ببياض الطباشير عمره كله لم يشفع له اليوم أمام هذا الولد ، وقال له أمام الفصل ماقال ..طوال عمرك يازيدان تتعامل معهم على أنهم يايات تتفاوت قابليتها للإنضغاط حسب مرونتها ونوع معدنها ، وتقول أن مهمتك الكبرى الحفاظ على الا يصدأ منها ياي.. الأولاد أحداقهم تبرق بالذكاء لكنهم لايفقهون شيئاً ..يضغط عليهم ..يغيبون عن المدرسة ..يطلب أولياء امورهم.. لاجدوى منهم . ، فما الذى جرى ؟
- سأله المدير :- مابك ؟
- هز رأسه وهو يتحامل على نفسه تاركاً المدرسه ومن فيها الى البيت
- ..................
- تحرك متوجساً شراً من ساقيه .. طالما حملتاه وسط الفصل روحة وإياباً ووقوفاً لساعات وأيام وسنين .. الآن كلّتا ، لم تعودا تساعداه على السير ، يضطر الى البطء فى حركته ، ولولا حرجه من اهل المنطقة الذين يعرفونه ويوقرونه لجلس على أقرب مقعد أو رصيف يقابله بين مسافة واخرى ..اليوم بالذات يشعر أن شقاء العمر لم يثمر ...اليايات صدأت وضرب أحدها قلبه ..أصابه فى الصميم ..الأولاد دوماً يخشون من صوته ..يهرولون أمام عصاته التى لم يعد يستعملها ..لم يحدث قط أن تجرأ منهم لسان على الارتفاع امامه ولم تجرؤ رأس على عدم الخضوع لأوامره ..صرت عاجزاً يازيدان ، وعجوزاً لاجدوى منك ..لم تعد لك هيبة أمام أولادك فى البيت ولا حتى فى المدرسة ..حتى وظيفة خيال المآتة لم تعد تصلح لها .!
- تمنى الوصول سريعاً الى البيت ليمدد جسده على الفراش شاعراً أنه بين لحظة وأخرى سيسقط رغماً عنه ..سار يحرك قدميه بالكاد ..سمع صوتاً
- خشناً ينطق باسمه آمراً إياه بالوقوف ، ورأى جسداً مربعاً ينتهى برأسٍ مظلمة يواجهه :- أنت زيدان ؟
- رفع عينيه الى الوجه الجاحظ العينين :- ماذا تريد؟
- -الولد الذى طردته اليوم سيعود غذا الى المدرسة ..لن تنظرنحوه..لن تفكر فى توجيه كلمة اليه ..أفهمت
؟
حدق فى وجهه الذى يحاصره بحدقتين تعومان وسط بحيرتين من دماء .. نسى الام ساقيه وهمود جسده ..تنبهت حواسه ولمعت أحداقه وأقترب منه معترضا:- الكلام فى المدرسة وليس هنا
زمجر الآخر :- بل هنا .والآن
وامسكه من ياقة قميصه جاذباً إياه الى الأمام بقوة :- هل لديك إعتراض ؟
تخاذلت ساقاه نتيجة الهزة المفاجئة ولولا أن الآخر يمسك بياقة قميصه لتهاوى أرضاً ..تحامل على الامه ليستمر فى الوقوف ، بينما أطلقه الآخر واعطاه ظهره مدمدماً بكلمات غير مفهومة ومضى ..نظر زيدان حوله ..عيون المقهى تتابعه ..آذان الشرفات والنوافذ تترصده ..احنى رأسه ومضى .
.............
قالت إمرأته :- مابك؟
وقد طالعها وجهه على باب الشقة كاشفاً عما بداخله ..أشاح بيده دون أن يمتلك ناصية الحروف ومضى الى غرفته ..أغلق بابها خلفه وهوى على سريره مستعيداً ماجرى ، تاركاً لدموعه العنان لتنهمر على خديه بلا توقف ، وكلما أجهده البكاء استعاد ماجرى فتعاود دموعه الانهمار موبخاً نفسه انه صمت ولم يمتلك القدرة على المواجهة ، ولم يصر على رفض أى حوار بالطريق .. تحدثه نفسه أن الصمت فى هذه الحالة أجدى وأقل ضرراً ، يتهمها بالجبن والتخاذل ، شاعراً أنه بعد الآن لن يجد وجهاً ولا كرامة يواجه بها الأولاد ..مؤكد تناثر الخبر هنا وهناك وحسم الأمر ..غداً سيضحكون منه ، تمتلىء الأفواه بالضحكات وهى تروى حكايته ، تتوارى الأعين بسخريتها منه ..الأولى به أن ينسحب بكرامته أو ماتبقى منها ولا يجازف بتلك البقية فى معركة خاسرة لن يجديه منها شيئاً ..دخلت زوجته تدعوه للغداء ..أغمض عينيه ولم يرد
..............
مجهد العقل والجسد عَبَر باب المدرسة ..التف حوله الولاد ..تطايرت عبارات صغيرة محملة بالمشاعر ..حدق فى الوجوه .. صارخة بالرفض .. اتسعت عيناه ..اليايات تتحرك ..لم تصدأ بعد !.. إتسع صدره ..صار بحراً يهدر ماؤه بالغضب ..رفع رأسه ..تألقت عيناه فى وجه الشمس ، ومضى الى الأمام ..قابله المدير .
- لن أسكت وسوف ترى
.هز رأسه بهدوء:- بل أرى أن تسكت ..الموضوع بسيط
وتحرك نحو الفصل .. رأى الولد جالساً فى هدوء ينظر اليه بذات النظرة المعجونة باللامبالاة ..أشار اليه:-
- أنت .. قف ..قلت لاتحضر بدون ولى أمرك .
-
-
-
- الجنة
-
-
- قصة قصيرة
-
-
- صباح هذا اليوم
- رأيت وجه أمى يطفح بالبشر على غير عادتها ..قالت إن أبى زارها ليلاً ..تحدث اليها ثم مضى ..حاولت إحتمال فضولى لمعرفة ماألّم به فى تلك الجنة التى حكت لى عنها ..حدقت فى وجهها أتفحص قسماته بعد مطالعته له ..سألتها كثيراً عنه ، عن السكن الذى فضله على شقتنا هذه الضيقة التى بالكاد تتسع لنا، وتخيلته حاملا ً قسماته الطيبة ونظرات عينيه المترعة بالحنان وهو يدخل عليها حجرتها ، وهى تسبّح كعادتها بعد صلاة العشاء ..مؤكد سألها عنى و إخوتى الكبار وقالت له مالديها .لحظتها شعرت بأنفاسه حولى ..بادلت صورته على الجدار البسمات ، قررت أن أترك المدرسة والسكن، أذهب اليه فى جنته تلك أشكو له طول غيابه وشوقنا اليه ، وأرجو منه العودة معى الى البيت ، أو السماح لى بالعيش معه وحين أشتاق لرؤية أمى أعود لأراها ..واجهتنى مشكلة لم تكن فى الحسبان أين أجد تلك الجنة وكيف أصل اليها ..قلت لأمى هذا تقهقرت النظرات فى عينيها ، رأيتها تمسك بكتفى وتشدنى الى أحضانها ، أتدثر بسواد ملابسها شاعراً بنقاط مالحة من الماء تدق ظهرى .
- ...........
- عند سطوع شمس الظهيرة وإعتلائها قبة السماء ذهبت أمى .
- رأيتها بين يدى مرضها عاجزة حتى عن طلب العون ..عيناها تغوصان رويداً فى ماء بحر آسن لاقاع له ..احتضنت يدها ..دف ء الحياة ينبض واهناً ..يخف رويداً ..حاولت إستخلاص جسدها من بين براثن الغياب ..لم استطع ..ضمتنى أختى الكبرى الى صدرها ..أمك ذهبت للجنة مع أبيك ..بقوة الفقد صرخت أريد الذهاب معهما ..أغرقت كتفى سيول الدمع من جديد .
- .................
- الآن وانا على أعتاب المغرب أحمل الشوق لأبى واللهفة لأمى.. ينفذ حفيدى باسماً من بين السيقان المتزاحمة حولى .. تضمه عيناى قبل يدى ..له حروف خاصة به.. أحبها من شفتيه ..يسأل وهو يقف بجوار سرير مرضى.. وجهه بالكاد يحاذى وجهى -: مالك ياجدى ؟
- :- بوهن الصوت أهمس يطالعنى وجه أمى وصورة أبى ..
- : سأذهب الى الجنة
- ضرب قدمه بالأرض وقال غاضباً :-
- -: خذنى معك
- حدقت فى عينيه وظل إبتسامة يرتسم على شفتى .
-
-
- المضمار
-
- قصة قصيرة
-
- اركض
- لاتتوقف هكذا ..نعم
- ادفع هذا الذى كلّت قدماه..المضمار لايقبل الضعفاء..اركض وانظر أمامك .. نعم ..ولاتبالى بهؤلاء الذين يمرقون بجانبك ، فهم لايبالون بك ، ولا ينظرون اليك الا لتحديد الخطوة التى ستكون أمامك .. فى البيت سيهللون لك اذا سبقت ..سوف ترى فى الأعين السرور ،وسوف يظلون على فخرهم بك طالما أنت تواصل الركض داخل المضمار بنفس العزم ، وربما تطوع أحدهم راضيا ً أن يمضى معك ، يتعلم منك ،عازماً فى نفسه إن استطاع أن يسبقك ذات يوم .
- .................
- آااااااه
- هذا ماكنت تخشاه طول الوقت قد حدث ، السقوط وسط المضمار ، تدوسك الأقدام ، تطأ رأسك ، يحملوك خارجا ً، يتركونك وحيداً لاتبالى بك عين ولا يأبه لك سمع ، بالكشف يتضح وجود كسر ٍ فى إحدى ساقيك يمنعك من العودة ، تصرخ ، ترفض الإعتراف بالأمر ، تحاول النهوض
- لمواصلة السباق ، لاتستطيع ، تتجه عيناك الى قبة السماء ،ولأنها المرة الأولى لك لاتعرف مالذى يجب أن يقال ، تسقط رأسك فى إعياء على براح صدرك ، تذكر والدك الفران وذرات الدقيق تغطى جسده ، وأنت ذاهب اليه تأخذ مصروفك منه ، صورة تشغل ركناً فى ذاكرتك لايمحى ، رحمه الله لم يكن يحسن العدو ، كان بالكثير يمشى ، خطوته البطيئة جعلته فى المؤخرة دوما ً ، سبقه آخرون ، قطعوا المسافت بعيداً وتركوه مكانه ، كان السفح بالنسبة له آمناً ، لايرى فيه خشية السقوط التى تنتاب أهل القمم ، كانت لديه مقولات محفوظة من جدوده أصحاب الكهوف والسراديب والحفر أن القناعة كنز، والصبر ثروة ، ومحاولة تسلق المرتفعات مغامرة غير مأمونة العواقب ، لذا حينما نزلت أنت الى المضمار بدلا ًمنه إتجهت اليك أنصاف الأنظار ، بعضها مشفق من طول السباق ومن قلة الخبرة بقانون الركض وحيل الراكضين ، والبعض الآخر إستهزأ بك قائلا ً أن الولد سر أبيه ، ومؤكد يحفظ عبر سراديب عقله الممتلئة بخفافيش الظلمة المتوارثة مقولات أبيه ، وأنك بالكثير ستهرول قليلاً فى براح السفوح ثم تنقطع منك الأنفاس لأن لين عظامك لن يساعدك على الإستمرار ، وانطلقت الى الأمام ،رأيت الحواجز تعترض طريقك ، والليل يدور بك والأعين ترصدك ، والسقوط يتعقبك ، لم تبال بشىء ،هرولت بكل جهدك وصورة أبيك لاتفارقك ،هرولت ولم تضع فى حسابك إمكانية التعثر أو احتمال السقوط ، حتى الآن وأنت فى مكانك على جانب الطوار وحيداً الا من عينيك اللتان ترصان المضمار ومن فيه ، وصدرك الذى لاتهدأ ناره لاتفكر فى الشكوى ، ولاتلعن من أوقعك ، ولاتبكى لعدم وجود ساق جاهزة بدلا ً من تلك التى لم تعد ذات جدوى ، بل تستند على عكازك وتواصل العدو ،صحيح أن خطوتك تأثرت كثيرا ً باصابتك لكنك تمضى ماوسعك المضى ، المهم أن تكون داخل المضمار ،وهذا يحسب لك !!
بسم الله الرحمن الرحيم
سيرة ذاتية
....................
على داود الاسم محمد عباس
المهنة مهندس كهرباء وقوى كهربيه
شارع مصطفى أبوهيف -سابا باشا العنوان: اسكندريه - مصر -63
الكتابة قصه قصيرة -روايه -شعر
كتب مطبوعه :-
- الوهم والضحكات قصص
-حين تميل الجدران قصص
- الطريق الى منبع الشمس قصص ط1
الطريق الى منبع الشمس ط2
- الملكه قصص
-مرتين رواية أشياء لاتحدث
- حلم الذى هوى روايه
- ثورة الحمير قصص اطفال
- آنات وترمشدود قصص
قصص منشوره فى :-
نشر فى مجلات : -
العربى - الحرس الوطنى - الفيصل -الكويت الثقافة الجديدة - حواء-القصه -الهلال- حسمى- الرافد - المجلة العربية
ونشر فى جرائد : الاهرام
الاخبار -الجمهوريه -القاهره - المساء - طنجة الأدبية
ناقش اعماله النقاد :
- المرحوم د. مصطفى هدارة - د.سعيد الورقى
د.محمد عبد الحميد -د.مدحت الجيار
-شوقى بدر يوسف -د.مصطفى الضبع -د.مجدى توفيق- كمال عماره
جوائز ادبيه :
مجله النصروالقوات المسلحة جائزه نادى القصه - جائزة
-جائزه هيئه قصور الثقافه( الطريق الى منبع الشمس )كأفضل مجموعة قصصية على مستوى مصر عام 2002 - جائزه نادى الطائف بالسعوديه-
النوادى الادبيه
:- عضو عامل باتحاد كتاب مصر -- عضو اتحاد كتاب الانترنت العرب- عضو نادى القصة- عضو ندوات أدبية سكندرية مثل مختبر السرديات بمكتبة اسكندريه
عضو منتديات ادبيه على الانترنت- مثل القصه العربيه - صدانا .. نشيج المحابر . ملتقى الابداء والمبدعين ..مشرف الشعر الفصيح فى منتدى أنساق- مشرف القصة القصيرة فى منتدى الكلمة نغم..الخ )
بسمة أبى
قصة قصيرة
سعادة باكتشاف جديد مرت بى ..رأيتنى أحمل فيضاً من لهفة لخوض تجربة كثيراً مانأيت بنفسى عنها ، شاعراً بلاجدوى الإنغماس فى ماءها الآسن برائحته المميزة..اليوم مضيت وأبى حاملا أعين الشوق لتلك الممارسة بعد أن تحرك الماء وفار ، غازلاً من ذراته حروفاً مبهجة بارزة للأعين ، حاملة روائح ذكية تملأ الروح أملاً وتبعث فى النفس نشاطاً ورغبة فى الحركة والتدفق .
كان والدى مايزال يحمل شكوك الأمس فى قلبه ، ينظر صامتاً بينما عيناه تبوحان بتردد مثير . أشرت له الى البوابة الحديدية ..أمامها صف بشرى ينتظم بطول الشارع الكبير ،لا أحد يحاديه أو يرقب خطوته ..برقت نظراتى وهى تتجه لعينى أبى وهمست :- شخصية غريبة نحن ..نمتلك المقومات ولدينا الأساس ونعرف كيف نتصرف ورغم هذا يحكمنا مزاجنا الشخصى وفكرتنا المسبقة ولا نعرف من الألوان الا الأبيض الناصع البرىء من متاهات السواد أو الأسود العميق الذى يأكل نظرات العيون .
هدأت خطى أبى ولم يرد ..هو هكذا حينما تهاجمه بالحجة البينة ، تنطق عيناه بالرضا أما لسانه فيد ور فى متاهة الصمت . مددت يدى اليه فتشابكت ذراعانا وأكملنا السير ..مضينا الى آخر الصف لننضم الى الوقوف ..أشار أحدهم الينا :- الكبار (يقصد أبى ) لهم إعفاء من الصف .
واشار نحو الباب ..حملت سنوات عمرى قرير النفس ومضيت خلف أبى ..قدمت بطاقة هويتى وتسلمت ورقة الإقتراع ..لأن الماء الآسن تحرك وفار قاذفاً بالخبث والنفايات خارج مجراه أتى الناس اليوم..فاجئنى خاطر ..لم يكن أمام الباب سماسرة الأصوات ..لم تمتد يد بنقود عطنة الرائحة ،ولم يرجونى أحدهم ن أقول مايريد ..أدرت البصر حولى ..مكتب قديم تجلس خلفه وجوه جديدة ذات سمات بيضاء رغم قمحيتها ..نظراتها تطلق طيوراً بديعة التغريد تدفعنى دفعا ً لفتح فمى ورسم ابتسامة وردية على شفتى ..يعلوها إطار ذهبى الحواف أبيض القلب يحمل عبارة الله أكبر ..أشير لوالدى بطرف عينى اليه ..تتبسم عيناه مدركا ماأقصد .. ..أتجه الى صندوق الإقتراع الخشبى ..جدرانه من الزجاج الشفاف ..داخلها أصوات الناخبين ..أمسك القلم ..أشير الى خانة نعم بلا تردد ..أضع الورقة عبر الفتحة العلوية فى الصندوق ..بمجرد عبورها الفتحة تفرد أجنحتها محلقة فى فضاء المكان راضية ..أنظر لأبى ..أرى عينيه باسمتين ..ابتسم له !!
عودة الميت
قصة قصيرة
إختار سيد وظيفته الأخيرة بناء على إقتراح أحد الزملاء على المقهى، همس فى أذنه أن يعمل ميتاً ، من يومها وهو يسمى سيد الميت ، وهى وظيفة والحق يقال قد عادت عليه وزميله بإيراد يومى لم يكن يحلم به ، فقد عمل فى أشياء كثيرة أما الموت فلم يخطر بباله من قبل وبهذه الطريقة الشيك التى لاتكلفه الالحظات من الصمت والجمود ، يقوم فيها بالتمثيل وسط تجمع من البشر يلتفون حوله ، يقلّبون فى جيوبه بحثا ً عن شخصيته ، بعدها يتدخل صاحبه ، يقوم بعمل اللازم من إستدرارعطف القلوب على هذا الميت المسكين الذى ترك خلفه أسرة كبيرة لاعائل لها ، تحتاج مساعدة عاجلة ، بالإضافة لمصاريف الدفن ومواراته التراب ، وبسرعة تمتد الأيدى ، يجمع الزميل النقود ، يساعده المارة على نقل الجثة الى إحدى العربات التى تنطلق بهما الى حيث يقتسمان الغلة ويذهب كل منهما فى طريق ، على وعد بلقاء جديد ومنطقة أخرى يستخدم فيها مواهبه ، ورغم سهولة المهمة الا إنه دائم الشكوى منها ، من الأيدى التى تمتد اليه ، تقلّب جسده وجيوبه ، وعليه مهما فعلوا به عليه أن يظل ساكناً مقطوع النفس والا فشلت مهمته ،أ مر آخر فى هذا العمل يقلقه وهو أمانة زميله،إذ انه يأخذ النقود ، يبتلعها ، وحين يطالبه بالتقسيم يخرج له القليل مقسماً بأغلظ الإيمان أنها كل مالديه ، يحدق فى عينيه متهما ً ، يصر الآخر على إبعاد التهمة عنه ، أما غير هذا فلا شىء هناك ، العمل سهل يشعر وهو يؤديه بمتعة التحدى اليومى لمهاراته ، خاصة والعيون ترصده متربصة بأقل حركة قد تصدر منه ، وهم يقلبون فى جسده أو وهم ينقلونه الى العربة التى اتفق وزميله مع صاحبها، لتنقلهما الى الأماكن المختلفة التى يختاراها بعناية ، وتكون جاهزة حين يصيح زميله طالباً عربة لحمل الميت الى بيته بدلا ًمن الذهاب الى المستشفى وتشريح الجثة ، متعللآ بأن سُترة الميت دفنه ،وقد اعتاد ا الذهاب الى مناطق الأثرياء للمبالغ الكبيرة التى تقدم لهما ، اليوم والعربة تمضى بهما الى ضاحية مشهورة بمستوى قاطنيها شعرسيد بقلبه يدق بسرعة مخترقا ً حاجز الصمت الذى يسود عادة جو العربة مشحوناً بتوتر اللحظات السابقة لكل عملية ، رأى العرق يغطى وجهه وانتبه لأطرافه تتثلج ،همس صاحبه وهو يرمقه بطرف عينه أن هذا سيسهل مهمته ،رسم إبتسامة بالكاد على شفتيه ولم يرد ، اقترب المكان المختار ،هبط من السيارة ، سار قليلاً قبل أن يقع أرضا ً وسط الطريق وبين العربات المارة ، مما استرعى إنتباه الأعين والتفاف الأجساد حوله ، تقدم صاحبه ليقوم بعمله المعتاد من شرح ظروف الميت وظروف أسرته، إنتبه لأحدهم يقاطعه صارخا ً أن هذا الميت قد مات كثيرا ً من قبل فى أماكن أخرى ، تسلل الزميل من بين السيقان هارباً ، موقناً بالهلاك إن أمسكوا به ، أما سيد فقد سمع جيداً مايقال ، حاول أن يستمر فى دوره ،لم يستطع ، فتح عينيه بالكاد مديراً حدقتيهما فى الوجوه المتحلقة حوله ، كان وجهه مايزال ممتقعاً والعرق يغمر قسماته ، صرخ أحدهم مهللاً بأن الميت قد عاد للحياة ، هللت الأصوات خلفه فرحا بحدوث هذه المعجزة أمامها ، ضاع الصوت الأول فى مهرجان الأصوات الجديد ، أما سيد فلم ينطق بحرف !!
فقد صديق
قصة قصيرة
فرت من عينيه نظرة عجب ٍ الى الطوار المقابل ..ذاك الطوارالذى زامله سنوات ، وجوده يوميا معه الغى المسافات بينهما ، كان يقف كل صباح يهمس لنفسه بما لديه ، ينظر هنا ويحدق هناك ، انتبه لهذا الطوار ، انتابته خاطرة شعر معها للحظه بتشابه بينهما ، هذا التشابه جعله يطيل النظر اليه ، يحكى ويضحك ويبكى بين يديه ، شاعراً بسعادة لأنه يزيح عن صدره مايؤلمه ، وفى ذات الوقت يجد من يشاركه الامه ، يتوحد معه فى الطباع وفى الأحاسيس ، وحتى فى الملامح ، فهنا أثر الزمن على قسمات الطوار حفراً ونتؤات وأتربة ، وهناك ذات الأثر على وجهه أيضا ً تغضنات وإنطفاء بريق الأحداق، حتى إنتظاره اليومى لمفاجأة يأتى بها القدر ، ترحمه من الذهاب لعمله الكئيب ، شعر أيضا ً أن ذاك الطوار ينتظر مفاجأة قدرية مثلها..ماهى ؟..لايدرى ..اليوم فقط إهتز بعنف وهو يرى مفاجأة القدر تأتى للطوار دونه ، يبدو وجهه جديداً بهى الطلعة يتألق تحت ضوء الشمس ، الأبيض زاه ٍ ، الأسود لامع ، وكلاهما له بريق يشد العين ، أما الحفر والنتؤات فقد استطاعت يد ماهرة أن تخفيهما بمهارة. لقد انتبوا للطوار أخيرا ً ، مدوا أيديهم اليه ، ازالوا عن وجهه ماأعتراه تحولات أما هو فلم يره أحدهم ، أو ربما رآه ولم ينتبه أنه والطوار شريكان فى المكان وفى التحول أيضا ، لقد رآه بالأمس كما اعتاد أن يراه ، لم يتوقع هذا .. هز رأسه مرات وهو يشعر بأسفٍ لفقد صديق ، مؤكد لن يعرفه بعد اليوم لأن حالته تغيرت ، وحتى اذا عرفه فلن يشعر به كما كان . اجتاحه شعور لم يدر كنهه. ، هل هو إحساس تقزم ، أم هى غربةغلفت نظراته ؟..ظلت عيناه مصلوبتين على ملامحه قليلاً ، تشرق فيهما الفرحة وهو يحدق فى اللون الأبيض بنضرته ، سعيداً بما حدث لصديقة ، وتغيض منهما الإشراقة وتحل محلها غيرة ،وهو يغوص بنظراته فى اللون الأسود .. أخيراً هز رأسه مبتعداً فى تثاقل عنه
.
فاطمة تعيش الحلم
قصة قصيرة
القت بناظريها عبر النافذة الى الطريق ..من وراء الستار نصف الشفاف رأت زفة العروسين..الثوب على نوال ذو جناحين يطير بها ، يرفعها لأعلى ، عيناها تقولان أنها هائمة فى سمائها تعيش واقعاً كان حتى الأمس حلماً يترائى لها ، وهاهى الآن تعيشه وتتشربه حتى الثمالة ولاتشبع منه ، وهاهى البلدة كلها تعيش فرحها ، تنطلق الزغاريد وتعلو الضحكات ويستمر الغناء مدويا ً محيطاً بالعروسين .
من وراء الستار تتابع الموكب ، الخيل ترقص وسط الساحة ، التصفيق يعلو ، صوت الطبول يدور ، يعقبه بين الحين والآخر طلق نارى يهز قلب الليل .
- تترك النافذة ..من خلف الباب الموروب تلمح النسوة يملأن صحن الدار ، يرسمن بأجسادهن دائرة تتوسطها إحدى الفتيات ، وقد حزمت وسطها بمنديل رأس أبيض ذى نقط سوداء ، واندمجت فى الرقص على أنغام طبلة تدقها بمهارة فتاة أخرى ، بينما ثالثة ترفع صوتها بالغناء والكل يردد خلفها ماتقول . وسط الحجرة محاصرة من الباب والنافذة ، مقيدة بدموعها ، لاتستطيع حراكاً ، تمسك بمنديل أصفر تمسح به وجهها ، ترمق الباب الموروب بحذر خشية أن تدخل إحداهن عليها وترى مابها . تبتعد عن مرمى النظر عبر النافذة حتى لاتخترقها عين متلصصة ، وفى ذات الوقت تخشى الخروج حتى لاتفضحها قسماتها الناضحة بما تطويه فى صدرها ، الألم حينما نكتمه فى صدورنا يكون ناراً تنهش ،عواصف تضرب ورياحاً لاترحم ، كيف تواجه الأعين بالخارج ومن أين تأتى بإبتسامة تلقاهم بها ؟ مد ت يداً واجفة تمسح بها الدموع من فوق شقوق وقسمات وجهها الذى يبس من من الخروج فجر كل يوم الى الطريق ، حيث لسع الهواء وسياط البرد والظلمة التى تسير معها ، لاتسمع الا نباح الكلاب تشيعها الى محطة السكة الحديد ، بحملها من الجبن والزبد والبيض لتركب القطار ماضية الى المدينة ، حيث السوق ومعارك لقمة العيش . قامت الى المرآة المشقوقة من منتصفها فى واجهة الدولاب القديم تحدق فيها ، رأت وجهها مشقوقا ً نصفين ، نصف تحوم حوله الظلمة ، تلبس عينه لباس الهموم والشقاء اليومى ، وحمل ثقل أسرة بكاملها تركها عائلها ومضى ، لتقوم - هى الإبنة الكبرى - مكانه دون أن يخطر على بالها أن من حقها أن تحلم ، وأن تعيش الحلم ولو لحظات ، تنسى الدراسة التى كانت تدرسها فى مدرسة القرية ، وتفوقها، ونظرة المعلمين والمعلمات لها، وتنبأهن بمستقبل ينتظرها ، ولاترى الا أم محمد جارتهم وعملها فى سوق المدينة ، واقتراحها بأن تنضم اليها ليستمر البيت مفتوحاً ، حاولت الإعتراض والرفض ، صدمتها أمواج الحقيقة العاتية بعنفوانها والبيت الخالى الا من أنفاس أخوة ينتظرون الطعام اليوم وليس غداً .. بينما تبدو العين الأخرى والمواجهة للنافذة فى بهاء النور تحلم وترجو كما تشاء وهى ترى نوال تتزوج..نوال الصغيرة التى تركها أبوها طفلة تجرى فى حوارى القرية وبين الغيطان لاتدرى من أمرها شيئا ً ، نوال الصغيرة التى كانت تهرول نحوها وهى قادمة من السكة الحديد تحتضن ساقيها وتسألها عما أتت به من حلوى .. تتنهد فاطمة فى شرود ..الآن تسكن وحدها تلك الحجرة مع الليل والظلمة والعمر الذى يذوى أمام عينيها ، وتجف أوراقه فى سكون كانه يعرف قدره ويرضى به ولاينتظر من الحياة غيره ، ماذا لو تقدم لها حمدان بائع الخضر فى السوق ؟ هو مثلها فرع شارد يضرب فى الحياة وحده بغير جذور، ترك دراسته هو أيضا من أجل لقمة العيش ،عمل بنقل الخضر بعض الوقت قبل أن ينضم لزمرة البائعين فى السوق..عينه عليها منذ رآها لأول مرة فى السوق ..هل تحادثه ؟..لم لا ؟ هو رجل حقيقى وسيقدر لها هذا ..المرأة الشريفة تختار لنفسها ..هكذا فعلت السيدة خديجة ..مادام الرجل يستحق ويفهم ويقدر مافعلته ..لا ..لا ..ومنذ متى فى عرفنا طلبت المرأة الرجل ؟. لو حدث هذا لن يصدقها وربما ظن بها الظنون ، وحتى إن لم يحدث هذا لن ينظر لها بذات نظرته الى إمرأة سعى هو اليها وبذل جهده لينال رضاها . لن تحادثه أبداً ،أبدا ً .واستدارت الى الخلف ، انتبهت للمرآة أمامها ، وجهها خلالها نصفان ينقسمان ، يتباعدان أفقيا ً مرة ، ورأسيا ً أخرى ..نصف عقلها يرفض النصف الآخر .. فتحت فمها ملتاعة تحاول الصراخ ..رفضت الكلمات الآنصياع لإراداتها ، شعرت بمتاهة تلقى بها من حالق الى حيث لاترى قرار ، شعرت بنفسها تنزلق فى صمت الى أدنى وقد حرمت نعمة الرفض أو حتى فرصة البكاء فهناك الأعين المتلصصة وخاصة اليوم وهناك الكلمات التى سوف تتأجج نارا ً ..النساء فى الدار يافاطمة ..مؤكد غيابك سوف يقلقهم .. المدعوون جاؤا لأجلك ، الفرح فرحك ..فرحك !!.. تسمع الكلمة ، تهتز لها ، تراها تتردد فى أعماقها وصداها يضرب جدران رأسها بقوة ..تملك الحروف أخيراً تهمس للفراغ بل هو فرح نوال .. تنتفض فزعاً على صوت مدو ينطق باسمها من خلف النافذة ، تنصت الى حروفه الزاعقة وجلة ..تمسح وجهها وعينيها بسرعة ، تحاول تمالك صوتها وهى تقترب من الستار نصف الشفاف ملبية :- من ؟
- ضيوف
ترفع الستار، يملأ النور جليا ً واضحا ً الحجرة ، تبحث بعينها فى الفضاء الممتد أمامها ، يواجهها جسد فارع الطول يكسوه جلباب صوفى أزرق ، تعلوه ناصية عريضة تزينها عمامة ناصعة البياض ، وعينان نظراتهما
نفاذة تحدقان فى عينيها بذات النظرة التى تعرفها ..تترك عينيها أسيرتين لعينيه قليلا قبل أن تسمع صوته يعلو مرفرفا ً بجناحيه بقوة فى وجهها:-
- سترحبين بضيفك من الشباك ؟
- من؟
تساءلت وهى تشعر بعجزها عن ملاحقة دقات قلبها وهرولته فى فضاء صدرها ، وتخشى أن تطغى دقاته على صوت الطبل والمزامير و طلقات النار ، حاولت مداراة إنهمار مشاعرها مرة واحدة و التحكم فيها لتمضى على مهل ، ضحكت عيناها ..شفتاها ..جوارحها .. تركت النافذة وطارت اليه ..تلقفت عيناها نظراته..احتضنت نظراتها عينيه.. نطقت حروف إسمه كما لم تنطقها من قبل :-
- - حمدان!!
وخرجت اليه .
.
الهبوط من لحظة حلم
قصة قصيرة
حين فتح الباب رآهم..ارتعد ..نظراته وشت لهم بما لديه ..تحركوا نحوه ..مدوا أيديهم اليه ..زادت إرتجافه جفونه وهو يرقب مايفعلون .
كان منذ قليل وهو يصعد السلم يمنى النفس بدقائق يقضيها ممداً على الفراش قبل أن يفكر فى تناول طعامه المجمع إفطار وغداء وعشاء ..دقائق يريح فيها رأسه قبل ظهره من الأفكار المتأججة التى تشتعل فيها بلا إنتهاء ، فهو فى تلك المدينة فرع لا أصول له ..عود يابس يكافح للبقاء ..صمته أنيسه كأنما نسي الكلمات أو نسيته ..يقوم كل صباح ..يمضى الى مقهى العمال على قمة الطريق فى أول الميدان ..يوضع كوب الشاى أمامه..يرتشفه وهو يرقب العربات المارة ..تقف إحداها يحتاجون لعمالة يوميه..حينما يشيرون اليه يتجه الى الخلف ..دائماً الى الخلف ..يصعد الى الصندوق حيث يجلس القرفصاء وسط بقية العمال .. عادة لايكون معه ثمن إفطاره ..يقوم بما يوكل اليه من عمل ..وقت الراحة يجلس وسط رفاقه ..هم يتسامرون وهو سادر فى صمته ..يتخذ له ركناً يرى منه مايجرى عن بعد ..يقرصه الجوع أو تشكو رأسه من صداع ..يمنى نفسه بلحظة إنفراده بالطعام فى حجرته حينما يعود اليها مساء ..ينتهى العمل ..يأخذ أجره ويعود مع طعامه راضى النفس ..يواجه السلم بدرجاته المتآكلة وجدرانه العارية من الطلاء ، برائحة الرطوبة المحملة بالعطن المعششة فى أركانه بعينين هادئتين ، ينفذ وسط الظلمة منذ ولوجه من باب البيت ، حافظا خطواته ،متقدماً فى حذر الى الأمام ، قاطعاً الممر القصير الى السلم ، يمد يده الى الدرابزين الخشبى ،ماداً قدمه اليمنى الى الأمام حالماً باللحظة التى يرى فيها الفراش ليلقى بإجهاد يومه بين يديه .
فى أيام أخرى وهو يقف أول الميدان تأتى العربات النقل ذات الصندوق المعدنى الكبير ..تختار آخرين دونه ..يعود الى حجرته دون طعام ..يبحث بين بقايا الخبز البائت عما يسد جوعه ويلهى معدته ..يجلس القرفصاء على فرشته محملقا فى الظلمة ،أو واضعاً رأسه بين ساقيه ..تمر به رؤى شتى ..عمل يومى لاينقطع ..طعام لاتعافه النفس ..تغيير فرشته التى يرقد عليها ..ثوب جديد لأيام عطلته ..تمضى به الرؤى ..يغرق فى النوم ..توقظه صرخات أم السيد فى البيت المجاور ..شباكها يواجه شباك حجرته ..تقابل زوجها العائد بعد منتصف الليل بصراخها المعتاد..ترميه بكل مالديها من سباب..يرد عليها ..يهتكان بصوتهما ستر الليل ..ينظر من وراء الشيش منتظرا لحظات بعينها تحدث كل يوم وبذات الترتيب ، وربما بذات النبرات وتعبيرات الوجوه ، اذ يهدأ الصوتان رويداً ..يسود الصمت قليلا ..تبدأ أم السيد فى البكاء حسرة على ماتلاقيه فى حياتها ..يقترب أبو السيد مطيباً خاطرها ..يتطور الأمر بينهما ..يحاصرهما بنظراته من وراء الشيش ..يعيش معهما لحظة بلحظة ..يدقق متابعاً يد أبى العربى وشفتيه..يشتعل جسده بالنيران ..نيرانه تتأجج ..يرتمى على فرشته لاهثاً..بعدها يسود صمت حالم
تضيع بين جنباته الأفكار والرؤى ويغمض عينيه طلباً للنوم .
فى الصباح يلج النور الحجرة عبر الشيش المغلق ..يبتسم للنور ويمضى الى المقهى .اليوم بالذات عاد متهالكا .. يتوكأ على عصا خشبية وجدها على الطريق ..طعامه بيمينه ، وشماله تتحسس رأسه بين الحين والآخر ، وهو يشعر بالم يصعد من ساقه الى أم رأسه مباشرة ، معجون بفرحة لم يعرفها منذ زمان ، لأنهم طلبوا منه أن يعمل عندهم شهراً كاملاً ..فتح الباب ..وسط الظلمة رأى اشباحاً تتربص به ..أعيناً متجهمة تترصده .. وأيدى تمتد اليه ..ارتعد ..فكر أن يصرخ ..لم يجد كلمات او حروفاً تسعفه ..اكتفى بعلامات الدهشة التى كسا بها ملامحه ، فاغراً فاه الى أقصى مدى ..انزلقت العصا مرتطمة ببلاط الحجرة مصدرة صوتاً خشناً .. لم يبال به ..صرخت أم السيد فى زوجها كالمعتاد ..لم يتحرك نحو الشيش ..رآهم يقتربون منه ..نسى الم ساقه والعمل الذى ينتظره بالغد ..ضم كيس الطعام الى صدره ووقف ينتظر
الطوفان
قصة قصيرة
(1)
حمل عبد المؤمن أكياس النقود الى الشرفة ، القى بما فيها على رؤس المارة ، تصارعت الأيدى قبل الأعين ، تناثرت الدماء ، غطت النقود ولطخت الأبدان ، أراد أن يوقف هذا سريعاً وقبل أن ينتبه أحد اليه ، أتى بأكياس أخرى وفى مخيلته أن يأخذ كل منهم مايكفيه ويمضى ، تناثرت الأوراق النقدية فى الهواء ، قابلتها الأعين الجاحظة والأيدى الممدودة بالأسلحة البيضاء هذه المرة ، تلون الهواء باللون الأحمر القانى ،ظل مصبوغاً دهراً ،أما هو فقد جلس فى شرفته أرضا ً موقناً بالهلاك !
(2)
هو هكذا فى حياته يسير على خط واحد لايغيره ، عيناه دائما تنظران الى الأمام ، يبتعد عن الأشياء الجانبية والأمور الهامشية مااستطاع ، واذا تكلم ففى رويّة وبدون إنفعال ، واذا شعر باشتداد الريح من حوله ينحنى فوراً خافضا ً رأسه ، وجزعه الأعلى كله اذا لزم الأمر ، يستمع للصغير كما يستمع للكبير ، ولامانع لديه أن يقف مع أى شخص كان يحادثه ويتباسط معه ، غير أن الحرس الخاص به يمنعون هذا الآن لدواع أمنية .!
وللحقيقة يحمل وجهه ملامح وداعة تجذب القلوب اليه ، خاصة وهم يعرفون أنه مايزال متمسكا ً بمنزله القديم فى السوق ، ويأبى أن يغيّره منذ كان موظفاً صغيراً فى الوزارة والى الآن ، وفوق هذا يقولون عنه أنه أقل الكبار شرورا ً ، فهو وإن كان يعرف جيداً كيف يوظف ملامحه لخدمة أغراضه ، ويعرف جيداً كيف يصل الى مايريد بعيداً عن الأعين والآذان المتربصة به ،الا أنه ليس دنىء النفس ، بل هو من النوع الذى يأكل ولاينسى غيره ، صحيح هو يترك فتات مائدته وبقايا طعامه ،الا أنه فى جميع الأحوال يُشكر على هذا ،على الأقل هو الوحيد تقريباً الذى يفكر فى الآخرين ..وهذا ما يقدروه له .قائلين إنه لايرفض طلباً لأحد ، فهو رغم أنه يأخذ مقابلا ً مادياً الا أنه قليل بالنسبة لغيره ، ثم أنهم يعرفون أن هذه المبالغ ليست له ، بل هى- كما أقنعهم - للآخرين ليسهلوا لهم المطلوب ، وإنه فقط ييسر الأمور ويختصر الوقت ويقدم خدمة بلا مقابل وعن طيب خاطر ، واذا مد يده فهذا فقط لإشباع نهم أصحاب الأمر ، ولأنه يعرف الكتمان جيداً ويحفظ الحديث النبوى الذى يدعو اليه فقد ظلت أموره بعيداً عن أعين الرقباء والحاقدين والباحثين عن المسالب قبل الميزات ، خاصة وإنه لم يظهر عليه منذ مطلع شبابه حتى اليوم مايجعل الظنون تطوف به ، فهو كما هو منذ سكن السوق والى الآن ، لم يزد عليه الا العربة الرسمية وسائقها والحرس ، والممر الخاص به وسط السوق و المعروف بإسمه لسهولة العبور جيئة وذهاباً ، أما النقودالتى يحصل عليها فلها مساران أحدهما خزانته الخاصة فى منزله والتى لايعرف طريقها الا هو ، و الآخر قريته حيث يشترى من الأرض مايستطيع موقنا أن الآذان لن تصل الى هناك لتنبش وراءه ، فخلف الجدران دائماً من يتنصت ويسجل وينقل ، لذا وجب الحرص حتى لاتطيح به عبارة ما ، أو يخسف به الأرض تقرير ما ، هو يعرف هذا جيداً ويحاذر منه ، ولايتكلم الا فى حدود مايؤمّن له أيامه ، ولايترك نفسه على سجيتها الا فى قريته ، وسط الحقول وبين الخضرة بأغصانها الخضراء اليانعة ، ومع إخوته وأبناء عمومته ، والتى تشعره أنه بمنأى عن تلك الآلة الجهنمية هناك ، تلك التى أحاطت بالناس ووضعتهم جميعاً فى بوتقة المراقبة اليومية ، قطعاً لدابر أى معارضة أو تذمر ، وإن كان اليقين قد استقر أن هذا الشعب لن يتحرك ، شىء ما فى جيناته قد تغيّر ، تحوّل من نار وبراكين الى جليد لايتحرك ، فهو قد تعثر وسط ظلمة سراديب المشاكل التى خلقوها له ، ولم يعد يفكر الا فى القاع الذى وضعوه فيه أما القمة فهى لأصحابها الذين ناموا ملْ الجفون .
(3)
أيضا أدمن عبد المؤمن فى مراحل حياته المختلفة مراقبة الوجوه وتصرفات البشر على البعد ، يجلس فى مقعده الدوار بالوزارة لايتكلم مكتفياً بمراقبة الوجوه التى تفد اليه ، ينصت الى النبرات وتوافقها مع تعبيرات الوجوه ، ويستجلى ماتخفيه الوجوه خلف أقنعتها ، مكتفياً بنظرة سريعة يحدد بعدها طريقة التعامل وأى كلمات تستخدم فى مهارة لاتخيب ، وقد ساعده هذا كثيراً ودفعه دفعاً من مكتب صغير الى آخرأكبر حتى وصل الى ماوصل اليه ، وإن كان طموحه لم يقف عند هذا ، فهو لايحنى رأسه إذعاناً مثل الآخرين بل انتظاراً ً للحظة يثب فيها الى الأمام ، دائماً الى الأمام ، لولا أن حدث ماحدث فى يناير الماضى ، اذ قامت القيامة فجأة فى بر مصر كله ، تدافع الخلق فى كل الأنحاء لايصدهم أمر ولا يمنعهم خوف ، يهزون أركان نظام مستقر فيقلبوا إستقراره ارتعاداً ، ويحولوا نعيمه جحيماً ، ولا يرضون ، بل كلما رأوا إهتزازه طلبوا المزيد ، حتى توارت شمسه وراء حجاب وأفل نوره وغاب ، ولم يعد له الا قضباناً حديدية يقف وراءها بكامل هيئته فى انتظار المحاكمة بتهمة الفساد ، هنا شعر عبد المؤمن بالخوف ، ذاب جبل الجليد واندفع الماء عنيفاً يجرف أمامه كل شىء وقد يسحبه معه ، ماهى تلك القوة التى صهرته ، وأين كانت تلك الروح ومن أذن لها بالحراك ؟ لا جواب ..هو فقط طوفان حمل أمامه جبالاً كانت راسية وطواها فى لحظات من عمر الزمن ، شعر عبد المؤمن أن الأمر بحاجة للسعى فورا ً لحجز مكان فى النظام الجديد ، كتب فى الصحف متحدثا ً عن الفساد الذى كان ومحاولاته التصدى له ، وغضب الكبار منه ومحاربتهم له ، عمل مداخلات على النت ، لم يجدِ هذا شيئاً ، الأكثر من هذا أن الأقلام بدأت تتحدث عنه ، تشير الى وجود وثائق تدينه ، تحرك فوراً لمحو أى دلائل تشير اليه ، قام فى الوزارة بالتخلص من أوراق بعينها ، قام فى القرية بتزوير أوراق ملكية لأرضه الى آخرين أخذ عليهم ضمانات كافية ، وعاد الى الخزينة فى بيته ، النقود التى كان يراها قليلة من قبل صارت أمام عينيه الآن تلالاً لايعرف كيف يتخلص منها ، عملات من كل نوع ،رزماً مربوطة بعناية وموضوعة فى أجولة ضخمة ، كل جوال مكتوب عليه بالخط العريض قيمة مافيه ، حملٌ ثقيل يجب التخلص منه فى الخفاء ودون أن يشعر به مخلوق ، ومضت فى رأسه فكرة نفذها فورا ً ، السوق مزدحم بالمارة لاتكاد القدم تجد فيه مكاناً ، لو قذف بالنقود من أعلى واختفى لن يعرف أحد من أين ، وربما أيضا لن يسأل أحد كيف ،وقد تعد معجزة هبطت على مساكين السوق رحمة بهم ، يلقيها مرة واحدة وينتهى ، صحيح ستكون أفدح خسارة له ، لكنها لا تساوى حريته ، وربما حينما تستقر الأمور قليلاً يكتسب أكثر منها ، حمل أكياس النقود القى بما فيها على المارة هامساً لنفسه أن الأمر هكذا سينتهى ، سيأخذ كل منهم جزءاً ويمضى ، غير أنه فوجى بالعراك أولا ، القى بنقود أخرى ، تحول العراك الى قتال وتطايرت الدماء ،غطت النقود والأجساد ، وأشارت عشرات الأيدى اليه ، اضطرب شاعراً أنه فضح نفسه ، أتى بنقود أخرى علهم يأخذونها ويمضون عنه ، تناثرت الدماء أكثر وتعالت الصرخات ، جلس فى شرفته أرضا ً لاهث الأنفاس ، عاجزاً عن فعل شىء .. ولم ينتبه لجرس الباب ولا للرجال القادمين للتحقيق رسمياً معه !!
الفراشة البيضاء
قصة قصيرة
(1)
ارقدت نوال فستانها على السرير فى ذات مكانها ، وقفت بعينين محمرتين تنظر اليه ،تركته الى صورة لها، حملتها ووضعتها أعلى الياقةمسندة ظهرها على حافة الوسادة، ووقفت تنظر من جديد .المكان هو هو لم يتغير ،الفستان التى كانت تحبه ، وصورتها بضحكتها البيضاء ووجهها برىء العينين تعلوه . عادت ينابيع الدموع فى عينيها المحمرتين الى التدفق ،حبستها بالكاد. وهى تمسح مكانها بكم جلبابها لاحظت فراشة بيضاء تطوف بالمكان ،تدور حول فستانها ،تحط على صورتها ،دارت معها بجمر عينيها والصمت يدور فى المكان ،همست تحادثها :- إن كنت روحها تعالى هنا وأشارت الى الفستان ،رفرت الفراشة بجناحيها ،اقتربت، وعلى ذات البقعة التى اشارت اليها توقفت ،تبسمت العيون من خلف غمامة الأسى ، الروح تعود لذات المكان ،تحن اليه ،تعرف صورة الجسد وتبحث عنه،الفراشة البيضاء ظهرت بعد موت لطيفة مباشرة ،حامت حول سريرها ،توقفت على الفراش ،تغيب عن الحجرة وحين تعود تتجه لذات المكان ،نوال لاحظت هذا ،وضعت الفستان على الفراش تعلوه الصورة ،وبدأت تراقبها ،تناديها وتناجيها على أنها روحها ،تحادثها وتدور بعينيها معها ثم لاتلبث أن تتابعها بعين العجب وهى تخرج من النافذة متسائلة لماذا تغادرها وهى تعرف كم أفتقدتها .
(2)
الشمس منشور من الأشعة يشق ظلام الحجرة ،يرتمى على السرير ،ونوال هناك تنشطر نظراتها بين الباب المغلق والشباك نصف المفتوح بانتظارها .لم تعد روحها منذ انطلقت الى فضاء الكون ،هى التى لم تبرح حجرتها منذ سنين ، جسدها كان صغيراً واهناً عظامه هشة وقلبه ضعيف يملك عينين راضيتين ولساناً أبيض ،مقيد الى سرير صغير فى حجرة ضيقة الحدود تدخله الشمس مرغمة صباحاً ،تقف أشعتها على الشباك لبعض الوقت ،تنفذ من بين ضلفتى الشيش منشوراً من الضوء ،بمرور الوقت يتقلص الى أن يغيب ،يخرج الأخوة والأخوات كل الى دنياه أما هى فنوال دنياها ، تحملها بين يديها الى ا لحمام فى خفاء عن الأعين حتى لاترى نظرة مشفقة أو عينين راثيتين ، تعود بها لتجلسها على الأريكة وسط الردهة فى مواجهة القادمين، تجلس مغلفة باتسامة بيضاء مثل قلبها ، فى أيامها الأخيرة كان صدرها يشكو مما به ، تدير عينيها باحثة عن الشمس ، الشمس على مقربة من الشباك ،لايصل شعاعها اليها ،تنظر نحوه ،تسأله أن يقترب لتخفف من اُثر الرطوبة التى تسرى فى جسدها ،تراه يتحرك ،يخترق فضاء الحجرة مرتمياً على صدرها ،تقول لنوال بفرح :- قلت للشمس تعالى ،فأتت الىّ .
تعاود ينابيع الدموع التفجر فى عيني نوال ، تتجه للفستان الملتصق بالسرير ،تنتبه للفراشة تحوم حوله ،والصورة تبتسم هناك ،من خلال الدموع ترد ببسمة.
(3)
حينما ماتت حامت الفراشة البيضاء حول فراشها، ربطت نوال بينها وبين فراشة أخرى كبيرة لونها يميل للسواد ظهرت بعد موت أبيها، حامت داخل حجرته ،حول فراشه ثم مضت. فى بداية الأمر تساءلت نوال كيف أتت الى هذا الطابق الأرضى فى تلك الناحية المتطرفة من المدينة ، هل قطعت المسافة هابطة من السماء أم قادمة من أقاصى الأرض ؟.. تمنت لو تحادثها ،تبوح لها بما لديها ،فكرت فى وضع زير من الفخار به ماء سبيل أمام الباب صدقة على روحها .. رأتها تعود ،تحوم حولها،تحط على الصورة أعلى ياقة الفستان ،الصورة عيناها ضاحكتان ،لمعة الأحداق تطلق أشعتها رباطاً بعينيها ،تشدها مترفقة بها ،تضمها ،تحتويها وهى راضية مطمئنة كما كانت تحتويها قبلا ،فهى كانت الأم الثانية بعد وفاة أمهم ،مصروف البيت بيدها ،تدبر الأمر ،تتحمل الشكوى ،ورغم عجز ساقيها كانت تعمل بتطريز الملابس لجارة لهم خياطة نظير أجر ،الأكثر من هذا انها كانت تسمع للجميع ،ولم يكن لدى أحدهم وقت ليسمع لها .
تركت الفراشة إطار الصورة عائدة الى الفضاء ،تعرف نوال أنها لاتريد مفارقتها ،يبتسم الدمع فى عينيها ،تهمس :- إن كنت روحها اقتربى لأراك
،وسط المنشور الضوئى المنسل من الشباك وقفت قليلا قبل ان تأخذ طريقها الى الفضاء الفسيح .
(4)
لم تدرك نوال حجم الفراق الا حينما افتقدت حميمية وجود الفراشة حولها ،تركت الباب مفتوحاً والشباك ،تفجرت ينابيع دمعها طويلا ،لم تعد اليها ..
رغم هذا والى الآن كلما رأت فراشة بيضاء صغيرة تعبر منشور الضوء الى داخل الحجرة يتهلل الدمع فى عينيها تتابعها مرحبة ،تحادثها برفق ،وفى أثناء الحديث تهمس لها :- إن كنت روحها اقتربى !!
الصوت
قصة قصيرة
أغلق بابه فى وجهها كالمعتاد ،أشياء كثيرة صارت تباعد بينهما الآن ،أحدها خواء جيوبه الذى صار مزمناً ،هى تعمل وهذا فى حد ذاته يجبر الكسرالمادى قليلاً ، وإن كان يعمق كسره الروحى الذى لايطيب ، رمق صورتها على الجدار بوجه نصفه عابس ، سميحة الصغيرة تحوّل الإبتسام على وجهها الى عبوس مقيم ، تنظر اليه كلما أتى من الخارج ، تحاصره بنظراتها ، يمد يده فى جيبه ،تخرج خالية ، يهرول نحو غرفته ، يغلق بابها عليه دون كلمة ، اليوم رآها تجلس على الأريكة مواجهة لباب الشقة ، تواجهت عيناهما بمجرد فتحه للباب ، فتحت فمها ،انهمرت الحروف والعبارات ،حاول أن يتكلم ،لم يجد مايقول ،أغلق بابه واستلقى على السرير ،تعقبه صوتها الى مكمنه،أدار مؤشر الراديو ورفع صوته،ظل صوتها يحاصره ،سد فتحة الباب السفلى ، اتجه الى الشباك المطل على الحارة الذى يستقبل صوتها العائد اليه بعد نفاذه الى الجيران ،عزله تماما ً وعاد الى السرير ،حاول النوم ،لم يستطع ،شعر إنه يريد أن يتكلم ،يصرخ ،يبكى ،يفعل أى شىء ، إتجه الى المسجل ،احضر شريطاً جديداً ،جلس والحجرة الموصدة يتكلم .
..............
جلس وسط الحجرة مثقل القلب ،الشريط امتلأ ومايزال هناك المزيد من الكلمات يموج بها صدره ، يريد أن يتحدث عن العمل الذى يفر منه ، وسميحة التى تنوء بحمل البيت ومافيه ، والأولاد وطلباتهم التى لاتعرف النفاذ ، و..خنقته العبرات ،ارتفع نشيجه ، سمع صوتاً يواسيه ، صمت فمه وارتفع وجيبه رعباً ، أدار عين الذهول حوله ،الصوت يكاد يعرف نبضاته ، يحسها، يعرفها ، حاول أن يتذكر ،يقارن ، يبحث ، لاشىء .. عّم سكون ممقوت ، فكر إنه ربما كان وهماً ماسمعه ،عاد الصوت اليه ، صوت أنثوى ،هادىء ،واضح الحروف والكلمات كما طالما سمعه من قبل ، لكن لمن ؟.. ارتجف قلبه كسفينة فى ريح ، سألته :-
- هل أنت خائف ؟
التفت حوله متثلج الأطراف ،متصلب النظرات ، مدققاً فى الجدران ،الباب ،الشباك ،همس بصوت مفتت الحروف :-
- من انت ِ ؟
رد ت :- وهل هذا يهم ؟
الصوت مصدره الجدار الأيمن ،هو لاحظ هذا ،اقترب منه محاذراً ،فحصه ، دقق فيه النظر ، رفع الصور المعلقة ، أزال مشجب تعليق الملابس ،أزاح الأريكة القديمة ،لاشىء هناك وهى مازالت تتكلم ،ارتد الى مكانه محنى الرأس .
..................
مؤكد ليس جنوناً والا ماناقش الأمر بهذا المنطق ..ايضا هو لايتخيل والا ماحاورها وحاورته ..هل يكون به مس من جان ؟
ذهب الى شيخ يثق به ، جاء الرجل معه الى البيت ، رتل وقرأ ، أكد له أنه لاشىء هناك ومضى .
قال لنفسه لن يحل هذا اللغز الا إمرأة وياحبذا لو كانت سميحة فهى شعلة ذكاء ، فتح الباب وخرج اليها ،جلس بجوارها ،حدقت فى وجهه بعين العجب ، يهرب حتى من مجرد سماع شكواها الى حجرته ، تسمعه يحادث نفسه ، تدق عليه الباب ، لايرد عليها ، ويتركها وحدها تواجه الريح بأجر من عملها لايكاد يكفى شيئاً .
تذكرته قبل تعطله وضحكاته تملأ البيت ،كان رجلها الذى تركن اليه ،الآن يفر منها، ماذا يريد الآن ؟..اذا كان يريد نقوداً فقد خاب مسعاه ..فتح فمه يحادثها ،أدارات وجهها عنه ،جر قدميه الى حجرته .
....................
رأى نفسه يدمن غلق الباب والتجاوب معها، يرسم لها صورة يراها بها بعين خياله ،أو أن صورة محددة تملأ رأسه رغما عنه مطابقة لهذا الصوت فهى وجه يسع الكون برحابة ابتسامته ، وعين ينبع من بين ضفتيها نهر حنان لاينضب ، وفم يرسل بالحروف منغمة على أوتار اللغة فيملأ الآذان برجفة استماع محببة ، مناقشاتها ايضاوحواراتها هادئة ،مقنعة ،تدفعه دفعاً الى الإيمان بما تقول اقتناعاً بها دون صراخ أو عويل أو حتى تباين درجة الصوت من عبارة لأخرى ،بوضوح هى تختلف عن سميحة زوجته ، يحادثها على أنها أمامه بذات الوجه الذى ملأ كيانه دون أن يمتلك المقدرة على تحديد هويته أو من هى صاحبته التى بالقطع قابلها وتحدث اليها رغم انه لايتذكر أين أو متى أو حتى كيف ،يشرح لها ما يخبئه فى صدره ،يقول أشياءاً هو نفسه لايعرف كيف يقولها ولا كيف كانت موجودة داخله دون أن يدرى بها ، وهى تسمعه وتطيب خاطره .
حمد الله كثيراً أنه لم يقل عنها لأحد ولا حتى سميحه ، وفى ذات الوقت طارد ذاكرته لمحاولة الوصول الى متى وكيف وأين رآها من قبل .
...........
عاد الى البيت ليلا ً ،قابلته سميحة كالمعتاد ،كانت تريده لتحكى له عن محمود ومصاريف المدرسة المطلوبة منه ، وفستان أحلام الذى تمزق ولاتجد غيره ، وحذائها الذى تهرأ ولم يعد يصلح لرتق ، و..فتح باب الشقة ، مد يده الى جيوبه ،أخرجها خاوية كالمعتاد ، فتحت فاها متسعة العينين لاهثة الأنفاس تتابعه وهو يمضى الى حجرته ،يحكم إغلاقها دونها ، تفجرت عيناها بسيل الدموع والشكوى ،أما هو فقد جلس لاهث الأنفاس يبحث عن مستقر ،تدور عيناه فى محجريهما ،تنطلق منهما نظرات لاتكاد تستقر فى مكان ،يهب واقفاً ، يتحدث منتظراً أن يأتيه الصوت ، لم يأت ، ازدادت نظراته اضطراباً ،أخذ يدور فى مكانه راسما دوائر مغلقة الحدود والأبعاد ، طال الإنتظار ، زاد القلق ، اتجه الى الجدار الأيمن يتحسسه ، يدق عليه ، بينما الليل يهرول ، الظلمة تتكاثف ، والصمت حريق يتأجج فى صدره وأمام عينيه ، صرخ يناديها ، يرجوها العودة ، لامجيب ..قرر أن يبحث عنها بنفسه ، يصل اليها ، يعرف من تكون ومتى قابلها وأين ، يؤكد لها أنه مايزال يمتلك إرادته ، وأنها كما تأتى اليه يستطيع الذهاب اليها ، هرول الى فأس قديم ، عاد به وانهال على الجدار ضرباً .
كانت لديه عزيمة لاتلين على تحقيق مايريد .!!
الشجرة
قصة قصيرة
على الأرض
تدق عصاه على مراحل زمنية ثابتة ، الأرض أسفلتية سوادها يمتد بامتداد البصر ، لوقع الإرتطام المنتظم رنين يهز قلب الليل الغارب ، يحدق فى شجرة السدر ذات الفروع الكثيرة والأوراق الصغيرة وهى ملتحفة بالعتمة ، واقفة كحارس ٍ على مدخل بيت (المجدور) ، الذى تاهت حدوده فى طيات الظلمة فلم يبد منه الاسواد هلامى لا حدود له ..تواصل العصا دقاتها وهو ينظر الى الشجرة وثمارها الصغيرة الملقاة على الأرض التى أفترشها ضوء اللمبة الأصفر الهابط من أعلى الباب الحديدى الباهت السواد ، وعلى غير رغبته يواصل السير مديراً وجهه عن الثمار الصغيرة ( النبق )والتى كان يومياً قبل الفجر مثل الآن وهو متجه الى المسجد يجمعها فرحاً بكثرتها ، قائلاً أن هذا ليس رزقه وحده بل رزق المصلين القلائل الذين يشاركونه القيام فى هذا الوقت ، يجمع النبق فى كيس صغير ، وحينما يصل المسجد يفتح الصنبور عليه ثم يوزعه على الموجودين مؤكداً أنه علاج ناجع لمرض السكر وأشياء أخرى ، يقولها مداعباً الكبار وأصحاب اللحى البيضاء مثله ، الى أن جاءت مرة أقعى فيها أسفل الشجرة يجمع النبق كعادته واذا به يرتعد فى مكانه وترتجف نبضاته فزعاً وهو يرى الى جواره ظلاً أسود يطوى الفراغ صاعداً لأعلى، وحاجزاً عن عينيه النور تماماً وصوت حاد يحاصره :- هذه الثمار ملكى وحدى
رفع رأسه بالكاد الى مصدر الصوت محاولاً لم شتات نفسه والتحكم فى ارتجافة يديه ليجد المجدور أمامه يرميه بنظرات موبخة ،اهتزت الحروف على شفتيه قليلاً قبل أن يتمكن من تجميعها هامساً :- أعرف
ويصمت قليلاً قبل أن يجد حروفاً أخرى وجدها ملائمة للموقف :- لكنها على الأرض ..مشاع للمارة !
إعترض المجدور بحدة :- بدون إذنى ؟
عاودت الحروف الإنكماش على شفتيه وهو يشعر بساقيه المتهالكتين أصلاً تهددان بانهيار كامل ،همس محاولا ً التعلق بأى قشة تنجيه من بحر خجله هذا :- وهل ترفض ؟
قال الآخر بجفاء :- نعم أرفض ومضى عنه .
يتذكر تلك الحادثة وهو يمضى يومياً على ذات الطريق تدق عصاه الأرض الأسفلتية وسط الطريق بعيداً عن بيت المجدور والشجرة وحبات النبق الصغيرة التى يلفها الضوء الأصفر بوشاحه فيصقل صفرتها امام عينيه الا أنه يدير وجهه عنه ويمضى ، وحين يسأله أحدهم عن سبب انقطاع هداياه اليومية يكتفى بابتسامة صغيرة قائلاً أن الشجرة لم تعد تعطى قاصداً أنها لم تعد تعطيه ، الى أن جاء اليوم ووجد المجدور أمامه بعد الصلاة ، مد يده مسلّماً واستعد للخروج غير أن الآخر اعتقل يده المعروقة بارتجافتها فى باطن كفه وهو يهمس له :- أذنت لك
أدار عينيه نحوه ، نور المصابيح السارى فى المكان ينهمر على ملامحه المجدورة من أثر مرض قديم الم به فى صغره وترك علاماته على وجهه مما جعل الناس يتركون إسمه الحقيقى شعبان وينادونه المجدور ،حدق فى وجهه بعين العجب ،بدت الرحمة رائقة الماء فى أعماق عينيه بينما على شفتيه ملامح اعتذار على هيئة ابتسامة خجلى ..افلتت اليد المعروقة من باطن اليد الآخرى فى رفق وقد أدرك ماهناك وهو يسأل :- مالأمر ؟
أحنى المجدور رأسه هامساً :- لم تعد الشجرة تعطى ثمراً .
حدق فى وجهه قليلاً قبل أن يستدير عنه عائداً من ذات الطريق
الخصم
قصة قصيرة
التفتت الأعين الي بهجت حسين ، حملت النظرات آيات عجب لدخوله القاعة وفى تلك اللحظات بالذات . كان الجميع بما فيهم حسن منصور نفسه يوقنون بأن طلوع الشمس من مغربها أقرب من تفكيره - مجرد تفكير - فى حضور هذا الحفل ، تركوا المدير العام والمائدة الرئيسية والكلمات الروتينية المعدة لتلك المناسبات والتفتوا اليه ، تقدم بجسده الفارع محنياً رأسه فى هدوء الى حيث يجلس حسن ، صمت المتحدث ، ساد سكون منذر ، الأعين تترصد حركته والآذان مشرعة لإلتقاط أدق ما قد يصدرمنه ، فاليوم هو آخر عهد حسن بالعمل ، وحسب الروتين المتبع أقيم الحفل للإحتفاء به ، تم دعوة الجميع ماعدا بهجت لمعرفتهم الوثيقة بالخصام المستعر بينهما والذى لم يفلح معه تدخل من أى نوع ، فالرجلان قد أصرا على الإبتعاد ، ورفض أى حوار بينهما رغم وجودهما معاً فى ادارة واحدة ، كل هذا فى تحدٍ صامتٍ حيث لم ينبس أحدهما بكلمة عن الآخر ، لم يشكو منه أو يشرح حتى سبب هذا الخلاف ، واذا ذُكر أحدهما أمام الآخر أغلق فمه ولم ينطق بحرف ، الغريب أن كلا الرجلين يمتاز بالخلق وطيب النفس ، وكانا صديقين حميمين ، بينهما عشرة سنوات طويلة فى العمل وخارجه ، ورغم محاولة البعض التوغل فى الموضوع الا أن صمت الإثنين لم يعط أحداً الفرصة للوصول الى شىء ، حتى كان اليوم وحسن يجلس بين رجال الإدارة الكبار فى حجرة الإجتماعات وأمامهم كالعادة فى مثل هذه المناسبات قطع الجاتوه والمثلجات ، والميكروفون يتنقل من فم الى آخر معدداً مناقب حسن ، راجياً له حياة أفضل بعد الستين ، وحولهم بعض الشباب بأجهزة المحمول يصورون الحفل ، ويتسابقون لإلتقاط الصور مع الرجل الذى كان بالأمس رئيس ورشة الصيانة المهيب ، الذى يعرفون جيداً طبيعته وأسلوبه ، ويخشون من صوته الجهورى الذى يستخدمه كسلاح رادع ضد أى مقصر أو متوانٍ عن بذل الجهد فى عمله ، دون أن يفكر طوال عمره فى إيذاء أى منهم بجزاء أو خصم من الراتب ، مكتفياً حين يرد عليه أحدهم رداً لايعجبه أن يكتب مذكرة جزاء عنيفة اللهجة مايلبث أن يمزقها حينما يأتيه المذنب معتذراً ..يتسابق الشباب لإلتقاط الصور معه اليوم وهم يعرفون أنه سوف يأفل نجمه ويصبح ذكرى مصحوبة بالكلمة المتوارثة ( كان ) ، ولا يبقى منه فى الأذهان الا سيرة تمتد الى سنوات طوال ، تغيب فيها ملامحه عن الذاكرة، ويتوه صوته عن الأذان ، ولا تبقى الا كلمات تقال عنه أم بخير أو بشر ، فهم يتذكرون الى الآن الحاج حامد رئيس الورشة القديم ومواقفه فى الدفاع عن رجاله وخوفه عليهم ، وفى الوقت نفسه سيطرته ودفعه لهم لبذل أقصى ماعندهم مستخدماً فى ذلك يده قبل لسانه ، وهم راضون لأنهم يرونه يتصدرهم فى أى عمل مهما كان ، ويذكرون غيره ممن كانوا لايتوانون عن الإيذاء والحاق الضرر بأى منهم لأى خطأ ، وكلما خرج واحد من الكبار انضم فوراً للواء (كان ) ومعه سيرته ، وهاهو الدور يجىء اليوم على حسن الذى يجلس محنى الرأس محاولاً إخفاء ملامح التأثر على وجهه ، وكبت دموعه بقدر مايستطيع ، فهو هكذا فى كل أموره ، مشاعره متوقدة متدفقة تبدو على محياه فوراً ، وقد أشار المدير العام فى كلمته الى هذه النقطة بالذات مؤكداً أن الصدق مع النفس والآخرين هو ماكان يميزه ..وهنا فى تلك اللحظة دخل بهجت القاعة ، التفتت اليه الأنظار والآذان ، صمت المدير العام ، استدارت الكاميرات اليه بقامته المديدة وهو يتحرك هادئاً كعادته وبحكم سنه ايضاً فهو يقارب حسن فى العمر ولا يفرق بينهما الابضعة شهور ، وهو أيضا رئيس ورشة الصيانة فى نفس الإدارة ، لكنه يختلف عن حسن فى إسلوبه ، فهو خفيض الصوت قليل الكلمات ، وإن كان يماثله فى نبذه للأذى ..تحرك اذن حتى وقف أمام حسن الذى وقف لاشعورياً ليجد نفسه مواجهاً له ، تتلاقى الأعين ، تتشابك النظرات ،يقول بهجت بصوته الخفيض:-
- جئت أشكرك على خصومة كنت فيهاخصما ً نزيهاً
والكاميرات تسجل والأعين تتابع والآذان تلتقط الكلمات وهدوء جارف يغمر المكان ..فتح بهجت ذراعيه ، فاضت الدموع من عينى حسن ، ضجت القاعة بالتصفيق .!!
الباب الموروب
قصة قصيرة
توقفت فاطمة
أمام باب الشقة ، تصلبت أصابعها على المقبض دون أن تجرؤ على تحريكه ، شاعرة أن دفء الجدران العارية هنا حياة ، لو مدت قدمها خارجاً ستتجمد ، تفقد الروح ويقف القلب .. استدارت الى الخلف ، سافرت بنظرتها عابرة الباب الموروب الى حيث السرير النحاسى بعمدانه الأربعة ، كل عمود يعلوه تاج كان يوما أصفر اللون ، تحركت أهدابها سريعاً ونظراتها تحاول أن تتحسس أنفاساً واهنة تخالط الصمت بالداخل ، بينما عقلها يتأرجح بين القلق من عدم الخروج ، فالتأخيرعن العمل معناه كلمات كريهة الطعم والرائحة ، الى جوار خصومات غبية لاترحم ، وفى ذات الوقت القلق من الخروج اليوم ، اليوم بالذات لاتعرف لماذا ينتابها هذا الشعور، تتمنى لو بقيت بالبيت واستظلت بظل أمها الذى أصابه النحول ، تلك المرأة المتلفعة دوما ً بالصمت ، السارحة فى دهاليز نفسها بلا أنيس ، بعينيها اللتين لاتبوحان بما لديهما ، تبدوان صفحة ماء رائقة على الدوام رغم ماخلفهما من دوامات وهدير ، ومع هذا فهى الوحيدة التى تشعر بها ، يكفى أن تجلس بجوارها ، تلمسها ، أو تنظر فى عينيها لتعرف مايشغلها، منذ وفاة أبيها وهى مغموسة معها فى بئر معيشتهما - بصفتها إبنتها الكبرى - بحثا ً عن مخرج منه ، تعيش عنادها وإصرارها على رفع رؤسهم فوق حافته مهما كلفها الأمر، رافضة أن يطّلع كائنا ً ماكان على ماداخل هذا البئر، شاحذة فى نفوس أولادها جميعاً حب النور والبعد عن الظلمات ، حتى تظل رؤسهم مرفوعة ولاتضطر يوماً لإنحناء ، تراها فاطمة وهى تحتضن ماكينة الحياكة ، تداعبها بأناملها فى حنو هامسة أنها إبنتها التى لم تلدها ، .وقد تعلن أحياناً اذا غضبت من أحد أبنائها أن هذه الماكينة عندها أفضل منه ، على الأقل هى نافعة تشقى وتعرق لتأتى بالنقود أما هو فلا يعرف الا الإنفاق .. عاودت فاطمة الاستدارة نحو باب الشقة وقد غلبها القلق من العمل ، الخصم بسبب التأخير لايرحم ، البئر غوره عميق ولايحتاج لمزيد ، تمسك بمقبض الباب ، تنطلق من قلبها إشارات خاطفة تشمل جسدها فيرتجف ، تعود بعينيها الى باب الحجرة الموروب ، الهدوء قنديل ينير أرجاءه ، تشعر بصوت أمها يناديها ، صحيح إنه لا يملك القدرة على النفاذ من بين فضاء الأعمدة النحاسية الأربعة اليها ، لكنها تسمعه ، تشعر به ينفذ الى سويداء قلبها حتى دون أن يخرج من بين شفتى أمها ، تحس بعطشها ، بجوعها، بحاجتها الى تقليب جسدها على الفراش .. يعاود الصوت نفاذه الى مسامها :- يافاطمة
تستدير عائدة فى بطء ، الصوت أكله الذبول ، تعبر الباب الموروب ميممة وجهها شطر الوجه المغسول بماء الصبر :- أريد القيام
تحدق فى وجهها ، الوجه تورد ، عيناه تألقتا ، وسماته تفتحت .. تبسمت عيناها ، همست لنفسها هى هكذا ، بمجرد شعورها بالعافية أرادت القيام
اعترضت برفق :- لاتستطيعين الحركة
علا الصوت على غير عادته معاوداً طلبه ، تقدمت مذعنة نحوها ، ارتفع صوت المؤذن فى المسجد القريب :- الله اكبر الله اكبر
استدارت لاشعوريا ً الى مصدر الصوت ، لم تنتبه لحركة طائر أبيض الوجه والجسد ، ينبعث منه نور شفاف هادىء الوميض ، وهو يضرب الهواء بجناحيه صاعداً لأعلى ، منيرا ًالفضاء الضيق للأعمدة النحاسية الأربعة بتيجانها التى كانت صفراء يوما ً ما لبرهة لاتكاد تحس ، قبل أن ينطلق الى الفضاء الأوسع الذى لايحده شىء ، تاركا خلفه الصمت المتربع فوق الأثاث ، والهواء المتراكم على الجدران ، والحجرة كلها فى ظلام !!
الهاتف
قصة قصيرة
يتجه بعينيه الى الهاتف..فى نظرته اليه سخط ..يراه بعين لم يره بها من قبل ..صمته يثيره ..يزيد ناره إشتعالا ..يقترب منه ..ترتمى نظرته مرهقة على كيانه الرمادى ..لم ير منافقاً مثله ..قبل خروجه الى المعاش كان لايكف عن الرنين ..حدق فى لوحة أرقامه البازغة من أحشائه..شده الصفر بفراغ قلبه، باستدارته حول نفسه ، و فراغ أعماقه ..أدار وجهه عنه بقوة ..قديما كان الأصفار حوله ..يضعهم حيث يشاء..عن يمينه ليكبر بهم ..أو عن يساره مادام لايحتاجهم ..عادت عيناه رغماً عن إرادته الى الحلقة الدائرية للصفر من جديد مضيقاً عينيه ..إرتعد والفراغ يجذبه ..شعر برأسه تدور ..عينيه تتوهان ..الصفر يصبح له عمق يحتويه..يسحبه الى فراغه..يدور ..يدور ..الحلقة تضغطه ..حاول فتح فمه أو تسلق جدران الحلقة المفرغة ..لم يستطع ..إرتفع رنين الهاتف..انزلق من متاهته قافزاً بعينيه الى السماعة..مؤكد الطالب (سميحه).
عادت صورتها تلوح له وهى تحدق فيه بعينين كفوهتا مسدسين ،وترميه بكلمات كطلقات رصاص لاتخيب: -
- لن أبقى معك بعد الآن
تنفرط سلسلة الصور متعاقبة أمام عينيه ..يرى نفسه يستمع ..يحدق بعينيه ..يلهث..يصرخ ....يضرب الجدران..يحطم الاثاث ..وهى لاتبالى به ..عيناها بحيرتان تغطيهما الثلوج ..تفتح الباب ..لاتكلف نفسها مشقة النظر خلفها وتمضى . يهز رأسه بقوة ..تتبخر الصور كما تبخرت من قبل مرارا .
رفع يده الى الهاتف قاصداً الرد ..عاد وخفضها ..(لن أرد عليك )..مواجهاً الهيكل البارد بعناد ..حادثته نفسه ..قد يكون (حسام )..يريد تبرير جريمة أمه ..لأول مرة منذ تزوجها تقف أمامه ..تنطق بدون إذن منه ..تقول كلاماً لايرضيه ..الكل تعوّد أن ينحنى أمامه ..مادامت تمردت فعليها أن تتحمل ..هى التى عادت بعد زواج آخر بناتها الى البيت ..جهزت حقيبتها وقالت له : -
- الآن انتهت مهمتى ..وسأرحل .
قسما لن يعود عن عقابها..لن يسامحها لأنه لايوجد ذنب بدون عقاب
. انتبه للهاتف يعوى..صراخه يوجع أذنيه ..يدق فى أرجاء دماغه ..يدور بعينه متحاشياً النظر اليه ..تصطدم نظراته ببروده الجدران ..ترتد الى الكيان الرمادى المتوجع ..يتمنى لو يقذفه كما كان يفعل قديماً على الأرض ليخرسه ..تركه مقسماً الايرد واستدار عنه الى الخارج ..توقف ..قد تكون سماح إبنته العروس ..ستقول حتماً أن أمها لديها ،وأنها تعتذر له ..تطلب منه أن ينسى جريمتها من أجلها وأخيها ..هى ..هى سماح ..مؤكد ستقول هذا وترجوه أن يقبل العفو عن أمها ..امتدت يده الى الهاتف ..لسعته برودته حينما لمسه ..غاصت نظراته فى طيات شعور جارف بهزيمة مرة لم يعرفها قبلا ًوعاد يبتعد وهو يحدق فيه مساءلاً نفسه كيف فقد دفئه القديم .
دارت عيناه شاردتين فى بثور ونتؤات تحيط به على الجدران ..عاد الهاتف لصراخه..قرر الإبتعاد عنه نهائيا ..فوجىء بيده واهنة تمتد ..ترفع السماعة الى أذنيه ورأى نفسه يقول بصوت غريب عنه: -
-الو !!
انهيار حائط صد
قصة قصيرة
1- ظلمة
جلست إيمان وحدها و الظلمة ، وصمت يعشش فى الأركان ،وجسد أمها على السرير المجاور يطويه السكون ..الحجرة جزء من ردهة واسعة تتراص فيها الحجرات ..وسطها مكتب صغير يشكو طول العمر وتعب المفاصل..سطحه المتهرأ يبدو للعيان محزوناً لسبب غير متدارك ..تجلس خلفه إمرأة صغيرة الوجه ، متجهمة لتفكيرها المتأجج طوال وقت الوردية المنصرم فيما فعله زوجها بعد طول معاشرة معها ، وزواجه من طفلة أصغر من صغرى بناته ، و إصراره على أن مافعله هو من صميم حقوقه..تجلس خلف المكتب ..تمضغ شكواها ، بينما الطبيب فى حجرته ، بعد موعد مروره الأخير الذى سهى عنه ، يقطع الوقت فى محادثة هاتفية مع ممرضة شابة شاكياً لها وحدته وطول إنتظاره .
داخل الحجرة تجلس إيمان .. عيناها تبحران عبر اللحظات ..تقطعان دروبها المتوالية بدموع إبرية ..تمضى بطيئة ،ثقيلة الخطو عبر أخاديد الوجه فى طريقها المرسوم
.يصرخ جرس الهاتف بجوارها ..يدق الباب فى ذات اللحظة ..تسمع نعيق طيور سوداء تحوم فى المكان ..تدور الحدقات وسط جمود الظلمة حولها ..الحرارة على السرير المجاورحيث ترقد أمها انطفأت ..دفء القلب مضى ..لم يعد هناك الا صقيع يغلف جسداً لاروح فيه ..يفتح باب الحجرة ..يتدفق الظلام من الخارج الى عينيها ..تيدو اللمبة المضاءة وسط الصالة وهى تضخ سواداً ..يقف جسد أمامها تراه من خلف غلالة دموعها بتكوينه البشرى ، لاتحدد ماهيته ..تسيل الكلمات منه.
- مطلوب مبلغ كبير لإجراء العملية فى أسرع وقت
.يزداد تدفق الدموع سرعة ، لاتبالى بالرد .
2-
بالبيت قبل المجىء الى المستشفى رفضت أمها مبارحة فرشتها
..لأول مرة يحدث هذا .. أتى الطبيب الى البيت ..كشف عليها رغم إرادتها ..تركهاو وواجه إيمان..الأمر عاجل ..لابد من نقلها فوراً الى المستشفى..أصرت على الرفض
احتدت عليها صارخة أن الدكتور أمر بهذا ،اشاحت بيدها ..اسكتى أنت .. قررت استدعاء إخوتها ..أمكم تموت .!
.الالم كهدير الموج لايهدأ ..حركاته صعودا وهبوطا بطول جسدها تؤلمها ، وفى ذات الوقت لاتملك حراكا ، هى التى كانت لاتستقر فى مكان ..اليوم تسمع وترى وهذا كل شىء ..اولادها كل فى طريق ..وايمان لأنها لم تتزوج بعد ماتزال معها ..تحمل جزءا من المها ..اما هم فالهاتف يغنى عن المجىء ،وان جاء احدهم فلكى يقال انه جاء !
تراهم امامها ..تنظر الى الوجوه .. برودة الملامح تهزها ..تسمع الكلمات ..تشعر بغرابة ماتسمع .. اصابتها حالة من زهد جعلتها ترفض العلاج .
تتجه ايمان عبر دموعها الى الجسد المنغمس فى لجة السكون ..تعبير الالم زال ولم يبق هناك الا
براح سكينة تغلف القسمات ،والجسد البشرى هناك امام الباب يحيط به السواد ، مايزال ممسكا بتلابيب كلماته منتظرا المال لاجراء العملية باسرع وقت .
3-
حينما اتى اخوتها تباينت الاراء ..حسين الكبير جلس فى مقعد المرحوم ابيه واضعا ساقا على الاخرى ونظر الى الوجوه حوله ..تجارته علمته التريث ..النظر طويلا وتقدير الامور ..شرط عدم ضياع الوقت فيما لايفيد ..قال : -
- ارى انها شيخوخة .اعضاء تهالكت ولن يفلح معها علاج ..قد يطول الامر قليلا ..لكن الافضل تركها فى مكانها ولانعذبها .
ونظر الى ساعته . تطايرت الكلمات من حوله ..رفع انفه عاليا ولم يرد .
سميحة الوسطى تركت اولادها بالمنزل وهرولت الى امها ..قلقة لأنها لم تقل لسعيد انها ستخرج ..عراكه معها لاينتهى ..خصامه يطول ، وشكواه زادت مما لايقدر عليه من اعباء كما يقول ..تريد انهاء الموقف سريعا ..تصر على نقل امها للمستشفى.. تشرق عيناها بالدموع
- لن اتركها ماحييت ..سأنقلها فورا للمستشفى .
يقول حسين بسرعة ..اذن تحملى وحدك الامر .
تفهم ايمان مايعنى ..التكاليف ..تنظر الى عينى امها.. تراها تحدق فى السقف بضيق وهى مطوية تحت جناح الصمت ، تقهرها دموع تترقرق على سطح مقلتيها ..طوال عمرها هى التى تريد وتقرر ..اما الآن !
تحتضنها ايمان وتصرخ : - مالك ؟
يفتح باب الحجرة ويدخلون ..ترى من خلال دموعها وجوها مهزوزة ،متميعةالملامح..تشيح بيدهاهامسة : - اخرجوا ..لا أريد احدا
4-
حينما تركوها معها ومضى كل منهم الى سبيل شعرت بصمت يجتث منابع الالم من داخلها ..هدوء ينسل ويتغلغل فى صدرها ..شىء كالمخدر يسرى فى الشرايين ..يجعلها تتشرنق حول مشاعرها ..تخبىء افكارها وتتوارى وراء هدوء لاتدرى نهايته ..حياتها معلقة بانفاس تضعف وربما تغيب ترقبها وتتابع صعودها وهبوطها ..تتامل الوجه المقنع بقناع الشحوب..ويصبح كل املها ان تبقى ..لاتتركها وحدها ..هى تعرف ..بعدها سيظلم الكون .. تدور بها دوائر القلق ..ترصد حركة صدرها متسائلة..هل صحيح ستفعلها وتمضى ،تتركها للمجهول ؟
..تهز رأسها بقوة ..هى تعرفها .. طوال عمرها تمتلك عزيمة..لن تلين لمرض ..ستقاوم وتفلت منه .. تدور بنظراتها المقيدة بجدائل الدموع على الجدران والمقاعد والاسرة وفى يقينها ان المرض هذه المرة اقوى .
يقف ذا ت الطبيب على الباب بعد ان انهى محادثته بالهاتف منتظرا مبلغا من المال لاجراء العملية فورا.تقبل المرأة الصغيرةالوجه،المتجهمة لتفكيرها فيما فعله زوجها معها بعد طول معاشرته لها ،ترى الجسد النابض برنين السكون هناك ..تقترب منه ..تعود الى ايمان ..تأخذها بين ذراعيها .
لسعة برد
قصة قصيرة
تبلغ الفرحة مداها حينما أفتح عينى وأرى وجه امى ،أبتسم لها صباح الخير ،تلقانى بسمتها الحنون ،صباح الشمس والإشراق ،أغوص فى احضانها ،أشعر برحيق الدفء وطزاجة الحنان ،تحيطنى بجناحيها ..أوقن ان الشمس ليست نوراً فقط لكنها حرارة ايضاً
........
أقبّل أبى ،تسعدنى بسمته ،أضع الطعام فى الحقيبة وأسّلم مهرولاً نحو الباب لألحق بموعد المدرسة ..حينما أخرج من باب البيت تهلل الضياء ، تصنع لى ظلاً بديعاً أتيه به
......
حينما أعود ظهراً أضرب الجرس ، يتلقانى حضن أمى عند باب الشقة ، أشم عبير الشوق فى عينيها ، يحوطنى الحنان وانا بين يديها ، تسألنى عن يومى وعن دروسى وأصحابى ، ،أغوص فى طزاجة الدفء من جديد ، ينسل الظلام عبر الستائر وزجاج النافذة الى عينّى ،أشعر بلفحة برد تمتد نحوى ،صدرأمى يمنحنى الدفء ،ابادلها الإبتسام .
......
اليوم ضربت الجرس ، ظل المكان بارداً والجو مثقل بصمت شديد الإظلام ،ولم اجدها عند الباب ،ضربت الجرس أكثر واكثر ،ظل الباب مغلقا ً ..شعرت بالبرد يلسع جسدى !!