تحية وسلام

تلك كلماتى بين يديك ..انظر ..دقق ..ستجد عبر الحروف نبضات تعلو معطرة بالحب ..تطلب السلام ..ترجو الوفاق ..المشكلات سوء تقدير مشترك بين اثنين او اكثر ..الحب كلمة ..وربما كان نظرة ..او هو لحظة صمت تجمع بين اثنين ينعمان بالدفءوحرارة الامن ..تفضل ..اقرأنى ..بكل الحب استقبلك ..ومتى ما اردت المغادرة لك منى ايضا كل الحب ..وسلام ...محمد عباس على

الجمعة، 23 سبتمبر 2011

قصص1

الآخر



  
                                               قصة قصيرة
 


تلقاها على  ظهره - بين منكبيه - ضربة قوية ،كاد أن ينكفىء على أثرها على وجهه .
إجتاح صدره إعصار من غضب ،كّور يده واستدار استعداداً للكمة باطشة ، وجدها إمرأة شابة تقف متنمرة له والشرر يتطاير من عينيها، وهى تصرخ فيه :- الى متى    ستهرب ؟
إنداح الغضب مفسحاً براحاً واسعاً لدهشة هائلة فى نفسة، شعر برأسه يدور وتوازنه يختّل، بينماالمارة يتوقفون تماماً صانعين دائرة حولهما ..صعدها من أسفل الى أعلى متفحصا  ملابسها وتعبيراتها الوحشية وهى تحاصره بلهب نظراتها حتى لايفلت من يدها ..نحيلة هى ..جسدها الصغير يشبه أجساد الصبية لولا كرتيها أعلى الصدر، وتحمل وجهاً رغم وحشيته فى نضرة صباح بكر ..غمغم فى غضب جامح :- كيف تجرؤين ؟
ولم يكمل ..إندفع صوتها عالياً وهى تقتحم البراح بينها وبينه قابضة على اعلى قميصه:-   الم يكفك مافعلت  ؟
خلص ملابسه بصعوبة من بين يديها ودماغه يغلى ،و الناس حولهما أجساد تتكون من عيون وآذان ..صرخ :- من تظنِنى بالضبط؟
وهو يحدق فى بؤبؤ حدقتيها .. أكمل :- انا لا أعرفك
دقت صدرها هولاً وهى تسأله صارخة :-  لاتعرفنى ياحسن ، لاتعرف زوجتك،إمرأتك،أم أولادك ،تصر على الهرب ؟
لمعت عيناه ببريق الظفر ،تلفت الى الأعين المتربصة به وهو يمد يده الى حافظته ويرفعها عالياً وهو يؤكد :-  هاهى بطاقتى ..إسمى رفعت وليس حسن
قبل أن يدير وجهه اليها اندفعت الى يده بسرعة،  التقطت البطاقة وهى تقول كمن عثرت على دليل إدانته :- بطاقة مزورة ،وصل الأمر لهذا ؟ 
هجم على يدها محاولاً استرداد ها منها ،دستها فى صدرها ، مدت يدها الى حقيبتها وأخرجت صورة لهما معاً ..وجهتها الى عينيه بقوة :- انظر ..من هذا ؟..انكمشت يده فى التومباغَتة وهو يرى صورته الى جوارها ضاحك الفم ،شعور بالعجز أمامها تسرب الى نفسه :- ماذا تريدين ؟
قالت بهدوء :- أن تأتى معى .
عاد الى الإحتجاج :- لكنى لا أعرفك
ارتفع صوت :- الأفضل الذهاب لمركز الشرطة .
أيدته أصوات اخرى ..استدارت اليهم فى غضب :- وأضيّع زوجى بعد أن وجدته ؟
ثم عادت اليه :- الم توحشك أمك العجوزالمرضة وأولادك ، الم أوحشك أنا زوجتك عطيات ؟
وشدته من يده لتخرج به من الطوق البشرى المحيط بهما ..بعد خطوات ربتت كتفه بحنو قائلة :- انا بحاجة اليك
ارتجف ..لا يدرى غضباً منها ام دهشة وصرخ :- انا لا أعرفك
ابتسمت مهدئة من ثورته :- قل هذا بعد أن نعود من مشاويرنا
-    بأى صفة أسير معك ؟
-    بصفتك زوجى حسن
-    لست هو
-    صدقنى انا بحاجة اليك،أعدك الا أضايقك ثانية ،واذا سألتك عن شىء أو طلبت منك شيئاً اتركنى من جديد
-    أرجوك ..!
-    انا التى ترجوك
-    أسف
-    إذن سنعود للصراخ وفرجة الناس وصورتنا معاً
أحنى رأسه وترك لقدميه حرية الحركة .
خطوات قليلة سارها وعاد اليها متسائلاً :-
      :- لماذا انا بالذات ؟
حدقت فى حبتى عينيه محاولة اكتشاف ماخلف الأحداق، استدارت الى الطريق من جديد :- ستعرف
عاد يسأل :- وماهو المطلوب منى بالضبط ؟
استمرت فى السير :- لاشىء ..احتاج وجودك بجوارى فقط .
حدق فى رأسها الصغير المرفوع فى وجه الطريق ..هل تعى ماتفعل ،أم ستزج به فى ورطة ،وماذا سيقول اذا حدث هذا ، ومن سيصدق أنه يحدث له ماحدث ؟
استدارت له كأنما تقرأ أفكاره ..قالت بهدوء :- لا تقلق
وعادت الى الطريق ..اقتربت من أحد البيوت الرقيقة الحال ،مضت الى مدخله الضيق ، صعدت على سلالم متهالكة الحواف متساندة  على درابزين بلا ملامح ،توقفت أمام أحد الأبواب ،دقت الجرس ..فتح الباب عن إمرأة كبيرة تغضنات الوجه،  ملونة الملامح ، بمجرد أن رأتهما زادت عبوس وجهها عبوساً وتساءلت عما يريدان ،قالت عطيات بقرف:- محمود
خرج شاب يافع ناضج العود بملابسه الداخلية اليهما ، بمجرد أن رآهماتعثر فى ارتباكه ، حمل وجهه معالم دهشة ممزوجة بذعر،قبل أن يرتمى على صدره باكياً :-   سامحنى ياأبى
وقف لايفقه شيئاً ، تدخلت عطيات :- أبوك غاضب عليك وانت تعرف لماذا ولولا الحاحى ماجاء الان .
اندفع محمود يقبل يديه :- ادخل ..تعالى ..تعالى ياأمى
حدقت فى عينيه ..عيناها بئراً لومٍ وتقريعٍ ليس لهما قاع ..تساءلت بصوت مغسول بالقهر :- تظننا ندخل  ؟
واستدارت عنه مغادرة .
فى الطريق سألها عن تفسير مارأى ..بزاوية عينيها  نظرت اليه:-                                                            الا تعرف ؟ 
اضطرب ، بدت على جفنيه ارتعادة  خفيفة وهو يهمس :- لا
قالت ووجهها للطريق مازال:- سترى بنفسك  .
 وصلت الى أحدى المستشفيات ..دخلا معاً ..أمام أحد الأسرة توقفت ..رأى فتاة شابة ترقد على ظهرها فى إعياء واضح ..قالت عطيات بعطف :- وفاء ..انظرى من جاء يراك .
رفعت اليها وجهاً اعتلاه الذبول ، امتصه المرض ، فتحت فمها لتتكلم وقد اكتست نظراتها  بدهشة بالغة لرؤيته:- أين كنت ياأبى ؟
ربتت عطيات كتفها برفق :- رغم غضبه من محاولتك الانتحار جاء يراك
ارتعدت بضع دمعات عجاف على حواف عينيها ،مدت يداً ناحلة الى يده ، القريبة ، ضغطها  مترفقاً .
فى الطريق عاد يسأل:- لماذا ؟
مشيراً الى مافعلته وفاء ..ردت عطيات باقتضاب :- ستعرف
.وهى مازالت تواجه الطريق، أسرع فى خطوه حتى وقف أمامها قاطعاً عليها الطريق :- إن لم تشرحى لى الأمر سأضطر الى الرحيل .
تبسمت بغم وهى تواجهه بعينين متسعتين تغطى حدقاتهما قطرات من ماء عزيز الهطول :- ترحل .. ثانيه !!
انتفض :- لست انا
صرخت :- إذن من ؟
ازدادت الحيرة تعملقاً فى مقلتيه .. كيف يقنعها ؟.. دلفت الى بيت منفرج الشبابيك يتقدمه مدخل بلا باب  وهو الى جوارها ،صعدت سلالم قليلة نظيفة رغم ضيقها،توقفت أمام أحد الأبواب ،فتحته ودخلت ،أضاءت المصباح وأشارت اليه ،تقدم محاذراً وهو ينظر حوله فى تأفف ..كانت هناك أريكة فى المواجهة ترقد عليها عجوز مستغرقة فى النوم ،الى جوارها من اليسار ممر يؤدى الى الداخل، ومن اليمين حجرة مغلقة زجاج بابها مكسور ومكانه قطعة من ورق مقوى
..مدت عطيات يداً حانية توقظ العجوز : - اماه ..هذا حسن ..إبنك
فتحت العجوز عينيها وفمها معاً ..الفم مثروم تماما ً ،وشعيرات قطنها ناصع البياض بلله العرق يلتصق بوجنتها ..همست :-   تقولين من ؟
وهى تحاول الاعتدال بلهفة من رقدتها دون أن تسمع أو تنتبه لرد،  أخذت تتمتم :- حسن ولدى
ومدت يديها المعروقتين تتلمسه مما اضطره للإقتراب منها، أمسكت يده ورفعتها الى وجهها تمسح بها قسماتها ، تقبلها ودموعها العجوز تنزلق ناحلة عبر تغضنات وجهها ،شعر بجسده يرتجف ..قشعريرة هائلة تدغدغ حواسه والمرأة تشده نحوها،تحتويه بين ذراعيها وهى تبكى :- سلامتك ياحسن
وهو بين يديها عاد بنظراته الى عطيات ..كانت تبكى.
رآهاتفر من دموعها الى الممر الواصل الى الداخل ..مضى خلفها ، فتحت بابا فى المواجهة ،وقفت مشيرة اليه بالدخول وهى تمسح عينيها..رأى سريراً خشبياً قديماً يأخذ ركناً، يجاوره دولاب باهت اللون إحدى دلفه منزوعة ،ومائدة صغيرة عليها تليفزيون صغير، وحصير قديم مهترىء الأطراف يفترش الأرض ،وعلى  حافة الشباك صينية من الألومنيوم عليها قلة من الفخار مغطاه بقطعة قماش بيضاء، سمعها تتكلم وهى تمد اليه يدها ببطاقة هويته :-
  - لولا حاجتى ..ماسعيت اليك.
همس :- لست حسن
حدقت فى عينيه بنظرات حديدية  ولم ترد ،أشارت الى جلباب معلق على مسمار خلف الباب :-  جلبابك نظيف ينتظرك
وغادرته الى الخارج .
صرخ فى مواجهة السرير والدولاب والحصير والشباك وجدران الحجرة المتساقطة الطلاء :- لست حسن .
انتبه لصورة على الجدار تجمعه وعطيات فى ملابس العرس ..أشاح بناظريه عنها ..رأى الجلباب المشنوق من رقبته بالمسمار  خلف الباب..نظر اليه بعداء!



نادية ياأبوى


حفلة عرس - 1
............



                                                         قصة قصيرة
                                                         ..............

..تفجرت ينابيع الخوف فى تجويف صدرها وانقبض قلبها لا تعرف لم ،  كانت تداعب الزملاء ، تسخر من تأخرهم عن العمل واختراع الحجج للهروب منه ،  دق الهاتف الجوال فى حقيبتها ، اخرجته ، اندفع صوت هشام مترنحاً على الأسلاك الى أن وصل سمعها ..الحقى بابا !! وانقطع الصوت ..حاولت الإتصال به ..الخط مغلق أو خارج الخدمة..ابتلعت ضحكة كانت تزين شفتيها .. المفروض أنه ذهب الى الكلية الآن ..إمتحان المادة الآخيرة فى البكالريوس ..بد ت على وجهها زوابع مابعد المكالمة ..حملت حقيبتها ودون كلمة هرولت نحو الباب ..حاول البعض معرفة الأمر ..اشاحت بيدها قائلة للفراغ الذاهبة اليه :- ظروف قاهرة
وطارت عبر الطريق .
.................
صرخ مفصل الباب بين يديها ..تركته الى عتمة تحتل الردهة الداخلية..قابلها هشام بوجه لم تره من قبل ..لم تجد وقتا لسؤاله عما به ..هرولت الى غرفة النوم ..رأته هناك على سريره ..وجهه منبسط الأسارير ،  يحمل ابتسامة فى طور البزوغ  ..عيناه مغلقتان ، وجبينه عليه نقاط تترنح على حوافها الأشعة النافذة  من الضوء أعلى الجدار ..أمسكت بيده..تحسست رسغه ..ازداد ت دقات قلبها صراخاً ..تيبست الكلمات على شفتيها ورأت الحجرة والمرئيات تدور حولها بعنف .. من بين سحب الضباب الناشب أنيابه فى أحداقها عادت الى هشام ..يقف هناك أمام الباب فى لجة جزع ٍ جارف ..عيناه تصرخان ..تضربان أسطح الجدران بهدير النظرات  المتلاطمة تارة والمترنحة أخرى بلا حول ....مدت يداً واجفة اليه محاولة تثبيتها قدر المستطاع وهى تهمس بصوت غريب على أذنيها ..:-  مايزال هناك متسع لديك .
 قاصدة أن يلحق بامتحانه .
تراجع خطوة للخلف راسما ًعلى ملامحه فجر دهشة صارخة:- ماما !!
أحنت رأسها قائلة فى حدة :- انا معه ..اذهب انت
اقترب قليلا  معترضا ً :- ماما !!
رفعت عينيها اليه ..قالت قبل أن تنهار أمام دموعها :- قلت اذهب ..اذهب
واستدارت عنه ..حدقت فى الوجه السابح فى سماء سكونه ..رأته شاباً يطاردها حتى ترضى به..يذهب الى أمها :- أريد إبنتك ..تواجهه هى:-  وانا لا أريدك ..يحدق فى عينيها بقوة :- سأتزوجك ..يصارعان الأيام  بعد الإرتباط ..يغوصان فى غمرة الظروف ومتاهات الألام ..يظللان الصغار بروحيهما..يقع مريضاً ..تقوم بتمريضه ..تمضى لحظاتها فى العمل  و  تهرول اليه ..تحكى له ماكان ..تحادثه عن يومها وزملائها ..تقدم له الجرائد ..تحلق له لحيته ..تساعده فى تغيير ملابسه.. أخيراً ترقد الى جواره منبسطة الأسارير ، راضية برحيق أنفاسه الى جوارها ..اما الآن !!
عادت الى وجهه ..مدت يدها تتحسسه ..تهمس له بكل مايمر فى سماء روحها من حروف .. تدعوه أن يهل ببسمته كما عودها  ..رأت فمه ينفرج ..رأته  - وتقسم على  هذا-  ينفرج ..صحيح أنها فرجة لاتكاد تبين ..لكن النور أضاء وجهه ..امسكت بصدغيه فى حنان ..تكلم ..افتح عينيك ..اعد ابتسامتك ..لم يرد  .. هبت من مكانها ..اتجهت الى دولاب ملابسهما ..اختارت بذلة عرسه وعادت اليه..بدأت  تغير ملابسه ..تمشط شعره  ..نثرت العطر الذى يحبه بعدها ارتد ت فستان عرسها وصعدت الى جواره على السرير ..أخذت يده فى يدها ، والقت على شفتيها ابتسامة مبللة بماء الدموع !!

2- عويل الشموع





قصة قصيرة





بين يديها تتلكأ اللحظات ، عقارب ملعونة تأبى الا التباطؤ الى حد الموت ،  سكين اللحظات  باردة  ، تشتعل نظراتها    وهى تعاود التحديق لحظة بعد أخرى الى سواد الساعة على الجدار وتجد العقارب مكانها ، ترفع فازة الزهور الملقاة على المائدة الصغيرة فى الردهة  قاصدة قذف هذه الساعة الجامدة بها ..ينطلق رنين الهاتف ، تنتفض ، تلقى الفازة  على جنبها بعيداً و تهرول اليه ،  ترى الرقم الطالب ، ترفرف نظراتها شوقأ  وتتلون عيناها بلون الفرح ، تهتف من قلبها :- الو
...........
تهرول فى أرجاء المكان ، تنشر بين جوانبه فرحها ،  يتسع فوراً لأحلامها ، يشرق فى نواحيه ضياء يلمس قلبها فينتشى ، ترتب المقاعد والأريكة، تزيل ترابها ، تنسق الحشايا فى أركانها ، تنشر أريج العطر فى نواحيها ، تلمس الفازة الملقاة فى رفق بباطن كفها ، تمر على ثنايا جسدها متأملة ، تضعها حانية مكانها منتصف المائدة ، يدق جرس الهاتف ثانية قاطعاً تدفق صمت هانىء يضمها ، تتجه اليه ، تنظر الى رقم الطالب ، تشيح بيدها وتمضى عنه ، تتجه الى دولاب ملابسها على بساط من هناء
........................
تسكن الحيرة عينيها ونظراتها تتقافز من ثوب الى آخر ، الشقاوة مع ثوب أحمر ، وشعر ثائر يتموج على الكتفين والنحر ، وعطر ساحر يجذب القلوب  ، أم الرومانسية مع ثوب أبيض ، وشعر منسدل على الكتفين ،  وعطر هادىء خجول يتغلغل فى رفق ،  أم الوقار مع ثوب أسود ، وشعر سارح فى ضفيرة هادئة على بساط الظهر ،وعطر حنون  يهمس بالحب ..لمحت عيناها الثوب الأصفر بحيرة خيوطه ، تركته الى الأزرق السماوى بخيالاته..عادت الى الأبيض وتبسمت فى خفر
...............
بدت المائدة وضوء الشموع يتراقص حول الأطباق معطراً برائحة الفرح  رقعة من نعيم ..الى الجوار استقر جهاز التسجيل الصغير محتضناً شريط الموسيقى المفضل ..الى جوارهم الردهة الفسيحة يزغرد أساسها فرحاً ، واكواب الشراب مرحة المنظر على مائدتها الصغيرة ..وهى هناك تمر بها اللحظات وردية حالمة ، تداعب خديها ، تتشمم ريحها الشهى وترمق ثوبها الأبيض وتمضى منتشية ..عاد رنين الهاتف  يداعب سمعها ،انطلقت حالمة اليه ،  رسالة إعتذار منه  ..ارتفع عويل الشموع !



3- طلل







قصة قصيرة




حتماً سوف ترسل نظراتها لتخترق حدقتيه ،تنظر دون أن تهتز، دون أن تفكر فى إدارة وجهها هرباً من عينيه ، وستجد الجرأة لتطلب الفراق بصوت محايد ،ثم تديروجه اللامبالاة عنه وتمضى ، تسير بهدوء وبخطوات معجونة بالثقة خارجة من حياته ، بعدها تشرق شمس حياتها هى من جديد ..لكن ..لكنها تعرفه ..لن يسلم بسهولة ،كلماته المشبعة بخمر الوعود ستلاحقها ،نظراته المترعة بالدفء ستطاردها ..غير أنها لن تستجيب له أبداً ،الباب الذى أغلق لن يُفتح ثانية ،والمشاعر التى وُئدت لن تبعث من جديد ..شىء ما داخلها تغّير ..هى تشعر بهذا وتعجب له ، لقد كانت تتنفس حبه ،تعيش عالمه ، تتكلم،تتحرك ،تحرص أن تبدو فى صورة باهرة من أجله ..أما الآن ..!
رنت الى الساعة على الجدار ، عقاربها كلما تقابلت تتنافر ، يفرق بينها زمن وأحاسيس ..لحظات قصيرة ويأتى ..بعدها يمضى الى الأبد ..قامت متكاسلة الى دولاب ملابسها ،سوف ترتدى الليلة ماتشاء هى ..أدارت عينيها فيها..استقرت على الوان بعينها ..كان يحب هذه الأردية ..يطلب مع كل رداء تسريحة شعر بذاتها ..مدت يدها الى الثوب الأحمر ..رأت وجهه يطل من بين الثياب المتراصة حالم العينين وهمساته تنسل الى أذنيها ..( هذا الرداء الأحمرالبديع يليق به شعر ثائر كالموج)..تركته الى الأبيض ، عاد صوته يداعب حواسها ..( هذا الأبيض الرائق يحتاج لنعومة شعر مرسل فوق الكتفين ) ..هزت رأسها هرباً من صورته ،صوته ، ذكراه،   وارتّدت عن الدولاب ..سيجىء الآن ..لن تبالى بنظراته ولا برأيه ،وسترتدى ماتريد .
عادت تقترب من الدولاب ،توقفت قليلاً ،شردت نظراتها وهى تتساءل لماذا تفعل هذا ،الأفضل أن تشعل ناره ،تشعره بمرارة الفقد ،تظهر الليلة بأبهى صورة .اكملت مسيرتها الى الدولاب ..سترتدى أروع مالديها ..مدت يدها الى الثوب الأبيض ،هذا سيجعلها رقيقة ،حالمة ..عادت تبعد يدها عنه ،لا تريد أن تبدو ضعيفة الليلة ،الأفضل هذا الثوب الأحمر ،أنوثتها ستطغى ..مدت يدها تسحبه ،وضعته فوق جسدها ودارت به أمام المرآة ..وجهها شاحب قليلاً ..تحت جفنيها ترهل يدل على إجهاد ..أعلى الرقبة تلوح تجعدات ..مدت يد الإضطراب الى علبة المساحيق ، مرت بها سريعاًعلى مناطق بعينها،  عادت  ثانية تواجه وجهها من جديد ..اضطربت أكثر ..هذا العبوس قد يوحى له أنها حزينة للفراق ، الأفضل مع المساحيق أن ترسم على شفتيها إبتسامة ..فتحت فمها..ابتعدت قليلاً عن المرآة لترى وجهها الجديد ..الآن صار أحلى ..نظراتها أقوى ..اختارت مقعداً قريباً من الباب وجلست فى انتظار دخوله ..الآن يفعل ..هذا موعده ..هو لايتأخر ..عادته منذ قديم ..تأخر قليلاً عن موعده
 ..هو يعرف جيداً أنها تكره الإنتظار ..تسرب القلق الى أطرافها ..أخذت تهزها فى بطء
 ..تأخر أكثر
..هبت من مكانها مقطبة الجبين الى مقعد أبعد قليلاً ..سوف تتأخر فى القيام له حتى تشعره بفعلته ..زاد تاخره
..هبت واقفة ترقب الطريق من خلف شيش النافذة ..طال غيابه
..حاولت التشاغل عنه بالدوران فى الحجرات بحثاً عن شىء لاتدرى ماهو
..طال الوقت
..بكت قلقاً عليه !!  


4- نواقيس الألم

قصة قصيرة


رأيته عاقداً ذراعيه على صدره ، واقفاً على باب الحانوت ينتظر ، عيناه مصلوبتان على أول الشارع ، حدقاتهما ثابتتان على المنحنى حيث يجب أن يدور أى قادم اليه ، هدّأت سرعة السيارة التى أقودها وأنا أقترب  منتظراً الهلاك على يديه  نتيجة فعلتى اليوم ، جريمة عظمى فعلتها ، عطلت العمل يوماً كاملا ًبالمطعم ، الزبائن فروا الى مطاعم أخرى ، المكسب اليومى تبخر، وأجور العمال خسارة يتحملها وحده ،  له الحق فى شنقى على باب الشارع جزاء ما فعلت ..أخذت أتابع ملامحه وانا أقترب بالسيارة وقد تجهز الموتور للموقعة فهدأ صوته تماما ً ، وبداً يقترب حثيثاً لتوازى السيارة طول الطوار وتنحدر مذعنة الى حيث يقف.. لم يكن لدّى ماأقول الخطأ ، أكبر من أى تبرير ،  منذ عملت عنده وانا أعرف أن المهمة مقدسة  ، وأن علّى  الا  يمنعنى  عن إحضار البضاعة الا الموت ، فأنا قبل تنبه الطيور من رقادها أخرج مع الليل والظلمة لألحق ببواكير السوق  ، أحمل الخضر والفاكهة اللازمة لعمل اليوم وأعود الى المطعم  ليبدأ العمل  ، حتى اذا جاء وقت الظهيرة افترشنا المقاعد إنتظاراً لوفود القادمين .
أخذت اتابع ملامحه وأنا أقترب  بالسيارة لأحاذى الطوار  ،  البضاعة لم أحضرها ،  زوجتى مريضة نقلتها للمستشفى فجراً ، لم أذهب للسوق ، أعرف العقوبة ،  الطرد ،  فكرت الا آتى وأن أوفر على أذنى سماع مالا يليق ، غير أن الهرب ليس طبيعتى ، ليكن مايكون..اذا لم يعطنى الفرصة للشرح سأعطيه ظهرى وأمضى  ..اقتربت على مهل ،الآن تبدأ المواجهة ، لن أستدّر عطفه ، المطعم تعطل ،هذا ذنبى الكبير ، إقتربت أكثر ،وجهه عابس ، جبينه مقطب ، فمه مذموم ،القيت السلام بصوت خافت لايكاد يبين ، ظل محدقا فى وجهى دون كلام ، محاصراً عينىّ فى قوة  ..مؤكد يبحث عن كلمات يبلغنى بها القرار ، وضع يده على كتفى ، يده ثقيلة ، كفها ضخمة ، هدوء ماقبل العاصفة هذا ، خرجت الحروف من فمه بطيئة النبرات : - لماذا لم تقل  لى؟
أقل ماذا ، لم يكن لدىّ وقت لكلام ،كان الموت يتعملق أمام عينى وإمرأتى تهوى عبر بئر النهاية بلا حول ، مد يده فى جيب سترته ، سيعطينى بقية حسابى ،أخرج النقود ، دسها فى يدى :-
-    اذهب الى المستشفى ، اذا احتجت شيئاً اتصل بى .
للحظة لم أع الأمر ، رميت بنظراتى على براح وجهه فى شرود  ، وحينما فهمت  اهتزت نواقيس الألم فى صدرى ، الم جارف هزنى  ، حاولت الكلام ، تاهت الحروف من شفتى  ،  بكيت !! 


5- مشوار


قصة قصيرة

رأيتها تقترب وتتوسل :- أرجوك لاتتركنى وحدى ..معه !!
اتسعت عيناى بملء مافيهما من عجب معجون بدهشة  ممزوجة باستنكار ، حدقت فى عينيها أرقب تقاطيع وجهها المجهدة ، ذلك الوجه التى كانت تمنحه جل اهتمامها فيما مضى  ، الآن صار خاليا ً الا من حمرة الإنفعال . تضمه الى صدرها ،تهدهده فى رفق ،وهو غير آبه بما تفعله ..قلت وانا أكبت غيظى :- لن أتأخر              
 واستدرت أريد الباب، فتحت المزلاج ، هرولت صرختها خلفى :-
   -أشرف مريض 
  قلت متشبثاً بهدوء زائف :- سأذهب الى أبى أطلب سلفة جديدة
همست برجاء :- ليس الآن
ارتميت على أقرب مقعد ، قائلا بصبر نافذ :-
    -ضميه الى صدرك أكثر ،سيشعر بالدفء
أشاحت بيدها فى عجز :- تهرب كلما احتجت اليك
وعيناها آخر مابقى من الحسن القديم تلمع فيها حبيبات الدموع،  وهى تسير به جيئة وذهابا  ،وهو عنداً فىّ يواصل البكاء ، أخذت أرقبهما معاً وخاطرة تدور فى فراغ رأسى  ، لقد تغيرت رائحتها مذ جاء أشرف ، صارت رائحة أم بكل مافيها من دفء وبراءة ، نقلت عينى بين صورتها على الجدار وصورتها الآن وأشرف بين يديها ..نسمة إشفاق مرت بصدرى ،  همست متلطفاً :-  هيا نذهب الى الطبيب
استمرت ذراعاها فى حركتهما البندولية دون رد ، مضت لحظات وانا أجلس مترقباً الموقف بصدر ضيق ، فجأة رأيت وجهها يشرق ببسمة عذبة الملامح ، عيناها تتألقان ، تضع راحتها تحت خدها بمعنى أنه سينام ..شغلنى هذا الإكتشاف  ، أسلوبها ، سمات وجهها ، ونظراتها ذاتها تغيرت ، أشرف نقلها من من حالة الى أخرى ، وهبها روحاً جديدة لم تكن لديها من قبل ..انتبهت لصمت كالشلال يغطى فضاء المكان ،   خلخلة الهواء من حولى ، كأن جدرانا كانت تحيط بى وتضغط رأسى قد تهدمت مرة واحدة وساد بعدها  سكون ..تابعتها وهى تسير محاذرة الى حيث أرقدته ، ورأيتها تعود معلنة بأحداق متألقة أننى يمكننى الخروج الآن بشرط الا أغيب .هرولت نحو الباب ، سبقنى صوتها :-
    - هات معك مانحتاج اليه
قلت مشفقاً :- المهم أن أجد أبى
أخذتنا المناقشة ، هربا ً منها أعدت الهرولة نحو الباب  ، فتحت المزلاج ، وضعت قدمى خارجه ،شدتنى رنة فرح غامر فى ثنايا  صوتها:-
     - تعالى بسرعه  
هرولت اليها ، وجهها ينير بابتسامة مبهرة ، فيه نضارة ، وأشرف بين يديها ضاحك الثغر ، مدت يدها به الّى ، رنت ضحكته فى فراغ الحجرة ..نسيت المشوار !!


6- لسعة برد
قصة قصيرة

تبلغ الفرحة مداها حينما أفتح عينى وأرى وجه امى ،أبتسم لها صباح الخير ،تلقانى بسمتها الحنون ،صباح الشمس والإشراق ،أغوص فى احضانها ،أشعر برحيق الدفء وطزاجة الحنان ،تحيطنى بجناحيها ..أوقن ان الشمس ليست نوراً فقط  لكنها حرارة ايضاً
........
أقبّل أبى ،تسعدنى بسمته ،أضع الطعام فى الحقيبة وأسّلم مهرولاً نحو الباب لألحق بموعد المدرسة ..حينما أخرج من باب البيت تهلل الضياء ، تصنع لى ظلاً بديعاً أتيه به
......
حينما أعود ظهراً أضرب الجرس ، يتلقانى حضن أمى عند باب الشقة ، أشم عبير الشوق فى عينيها ، يحوطنى الحنان وانا بين يديها ، تسألنى عن يومى وعن دروسى وأصحابى ، ،أغوص فى طزاجة الدفء  من جديد ، ينسل الظلام عبر الستائر وزجاج النافذة الى عينّى ،أشعر بلفحة برد تمتد نحوى ،صدرأمى يمنحنى الدفء ،ابادلها الإبتسام .
......
اليوم ضربت الجرس ، ظل المكان بارداً والجو مثقل بصمت شديد الإظلام ،ولم اجدها عند الباب ،ضربت الجرس أكثر واكثر ،ظل الباب مغلقا ً ..شعرت بالبرد يلسع جسدى !!



6- لحظة شروق الشمس
......................

قصة قصيرة
................




لم تشرق شمس اليوم ، صحا الناس فلم يجدوها تعتلى قبة السماء كعادتها، بحثوا عنها ، لم يسفر بحثهم عن شىء ، تحركت أجهزة الأعلام قاصدة المراصد الفلكية  ، خرج النبأ فى كلمات مقتضبة :- لم تشرق شمس اليوم ، سنوالى البحث عن السبب .
تساءل الكثيرون ماالعمل ؟   
..............
أراح الظلام الفلاحين ، أسعد  البهائم  ، الموظفون أيضا ً وأصحاب الأعمال انقطعوا عن أعمالهم ، الحانات وأوكار الليل  تعللت باستمرار الظلمة ولم يبرحها روادها ..صرخت وزارة الكهرباء من زيادة الاستهلاك ، فزعت مصلحة المياه من إنخفاض منسوب النيل ، أعلن جهاز تنظيم الأسرة أن الأمر خرج عن التنظيم وسيصبح العدد فى الليمون . ...................
 انشغلت   الفضائيات بالأمر ، كثرت التحليلات  ، زادت التصريحات خاصة من المسئولين ، قال أحدهم مهدئاً ثائرة الثائرين :- 
      - نحن لاتقهرنا شمس ولا قمر ونستطيع العيش بدونها  .
تعالت ضحكات ساخطة عليه .
تناثرت التعليقات
  :- لم نصنها فكان الحرمان
..تلك علامة يوم القيامة
..لن يقف العلم عاجزاً عن إيجاد حل ولو بصناعة شمس صناعية ؟
طال  وقت الظلمة ، تعملق القلق ، بكت العيون ، تضرعت القلوب ، بدأت قطرات النور تتساقط من خلف الغمام ، كسا الأفق لون وردى تحول تدريجياً الى إصفرار ، من وراء نجم هائل الحجم عابر فى الفضاء ظهرت الشمس  !


 7الفرصة
   
قصة قصيرة


من خلف أهدابها التى احتمت بها من فيض نظراته عادت اليه ، لأول مرة يلوح لها طيفُ شعورٍ مثل هذا  ، تضطرب وتتلعثم الحروف على شفتيها ، وتهرب حتى بعينيها منه ، حدقت فيه  ثانية  كأنها لم تره من قبل ، الوجه الأسمر ، بعينيه السوداوين ، وفمه المرسوم بنضارة حدوده ، بذقنه المدببة ، بنهر السكينة المرتسم على محياه ! لم تعرفه من قبل ،أو هكذا خيل اليها ،حديثه الآن وهو يشبك الحرف بالحرف فى ثقة وهدوء يقولان أنها لم تعرفه من قبل ، زميلها لسنوات طوال ، نعم ،  ولكنها الآن ترى وجهاً لم تره من قبل ، إنه يحدثها عن أشياء رغم أنها تعرفها الا أنها الآن لها مذاق ومعنى لم يطف لها ببال  ، فهو مثلها يتجرع الوحدة ، وإن كانت تمتاز عنه بوجود إبنتها وزوجها الى جوارها  ، شقتهما أسفل شقتها ،  يقضيان عندها  مايشاء لهما الوقت ، فاذا حان الفراق تركاها لجدران شقتها ، تتحسس حفرها وتستدفىء  ببرودتها  ، تشعل الأنوار طوال الليل لتستطيع الخلود الى النوم  ، فالحياة منذ وفاة زوجها تمضى بها متشابهة الحدود والأبعاد  ، لا يتغير فيها الا ملامح تفاجئها عبر المرآة  من يوم الى آخر،  ملامح صارت من سرعة تغيرها تخشى أن تباغتها يوماً بما لاتطيق ..أثناء النهار يأخذها العمل الذى رغم مرارته يملأ حياتها ، ويمدها بحرارة هى أشد ماتكون حاجة اليها ، تسمع الكلمات ، تذوب فيها سلباً وإيجاباً ،  يباغتها الزملاء بانتهاء الوقت وضرورة الفراق من جديد ، تتحرك على غير عادتها  طوال عمرها  بتؤدة الى بيتها ..قديماً كانت  تراقب عقارب الساعة ، تصعد بنظراتها فوق عقاربها لتجرى بها أكثر ، رغبة فى العودة الى البيت والى زوجها وإبنتها  ، كانت حياتها مليئة حتى حافتها  ، لاتكاد تلتقط أنفاسها من كثرة مشاغلها  وضيق الوقت  الى أن  تخلد للراحة منهكة القوى ،  تضع رأسها على الوسادة فتغيب عن الكون ..الغريب أن تلك الأيام بكل مافيها من طول وعرض وإتساع لم يعد لها منها الآن الا روائح من الذكرى لا تكاد تغيب ، وجه زوجها التى كانت تناجيه وتحكى له وتسمع منه  حتى بعد أن اصبح صورة داخل إطارمذهب على الجدار بشريطه الأسود المحتضن حافته اليسرى ،  كانت ملامحه تعانق روحها ليلاً ونهاراً  ،  تفيض بضحكاتها وكلماتها وكل حركة منها على قلبها برداً وسلاماً  ، فتعانق روحه وتغمض عينيها طلباً للنوم ..رويداً بدأت الضحكات تقل والكلمات تبهت ولم يعد هناك الا  بسمة تصادفها على الجدار كلما رفعت عينها اليه ،   فقربه بالأمس كان حياه تحياها بينما الآن صورته على الجدار واجب تلتزم به ، صحيح أنها لم ترتبط بغيره ولو بخيالها ولم يلفت بعده إنتباهها أحد  لشعورها بأنها تقف فى دائرة عمرها المحدودة ذات السمات والملامح التى يجب عليها أن تلتزم بقوانينها ،  هامسة لنفسها أن الباقى قليل ، وايضا - وهذا مالا تعترف به حتى لنفسها أو ربما لم يدر بخلدها -  لأنها حتى الآن لم تصادف من يحرك ثورة نبضاتها  ، أو بركان حيرتها  ، أو حتى يطوف بسماء خيالها فيهتز له.. كانت فقط  يعتريها شعور قلب ٍ  على حرف بئر ، لا مناص  له من  الغوص إن عاجلاً أو آجلاً  فيه   ، شعور بالجمود وأنت حى  ، غيبوبة ذات سمات مختلفة  تعتريك وأنت مفتح العينين ، واع لما حولك  ، تنظر بعين محايدة الى مايجرى واثقة أنها لم يعد لها  من كل هذا الا الرؤية عن بعد انتظاراً لأمر لن يطول انتظاره ، و  بانتهاء دورها  الذى لم يعد له جدوى أصلاً الا مع إبنتها وزوجها ، فهذه هى الثمالة الباقية فى كأس حياتها والتى تشعر أنها تعيش من أجلها  ،وتدور راغبة فى فلكها صبح مساء  ، فهما يعيشان معها تقريباً كل الوقت ، من لحظة عودتها الى المنزل بعد الظهر الى أن تشعر بالنعاس فتتحرك نحو سريرها فى تكاسل هادىء ناعم دون أن ترفع عينيها كما تعودت  وتلقى تحية المساء الى زوجها ..وللحق فقد حدثها بعض الأصدقاء فى أمر زواجها ثانية  ، هامسين أن هناك من يناسبها بل من هو أصغر سناً ويقبل عن طيب خاطر بها ،  فكانت  تعلن الرفض قبل حتى أن تعرف من هو وهل هو زميل أم لا  ، حتى جاء محمود اليوم وتحدث اليها بلا مقدمات قائلاً  فى هدوء انه يريد الإرتباط بها  ! ، محمود  زميلها أكبر منها بسنوات قليلة ،  هى تعرفه   كانت  تعرف  المرحومة  زوجته ، لم تتخيله يوماً ينطق بهذا لها او لغيرها ، لم تكن المفاجأة أنها سمعت هذه الكلمات منه الآن ، لكن المفاجأة الحقيقية أن قلبها دق وأهدابها ارتعدت وشعرت بأطرافها تتثلج ، ولم تستطع أن تقول كلمتها الأثيرة  لا  ، أو حتى تعترف بما اعتراها وتجد القدرة على قول نعم  ، واكتفت  بالتحديق الى البلاط ومربعاته المحددة والتى لم تمنعها حدودها من التواصل فيما بينها .
سمعته يقول بلطف وهو يدير ظهره مغادراً :-
-    أترك لك الفرصة لتفكرى ؟
وجدت نفسها تتحرك  ، تملك القدرة من جديد على النطق   ، تحلق بجناحيها لأعلى ، تعبر السحب والكواكب الى فضاء جديد لها وحدها  ،تطير معها فيه طيور بيضاء ذات سمات مرحة ، يلفها نور ملائكى  حنون يبعث فى النفس سكينة ويمنح الروح صفاء ،  وتسمع فيه تراتيل نورانية حروفها نقية  تتغلغل فى خلاياها  منعشة  مجددة ، وجسدها يتسامى ويعلو ، ومن هناك  نادته بقوة :- محمود
واستدار  اليها ! 



نواقيس الألم

قصة قصيرة


رأيته عاقداً ذراعيه على صدره ، واقفاً على باب الحانوت ينتظر ، عيناه مصلوبتان على أول الشارع ، حدقاتهما ثابتتان على المنحنى حيث يجب أن يدور أى قادم اليه ، هدّأت سرعة السيارة التى أقودها وأنا أقترب  منتظراً الهلاك على يديه  نتيجة فعلتى اليوم ، جريمة عظمى فعلتها ، عطلت العمل يوماً كاملا ًبالمطعم ، الزبائن فروا الى مطاعم أخرى ، المكسب اليومى تبخر، وأجور العمال خسارة يتحملها وحده ،  له الحق فى شنقى على باب الشارع جزاء ما فعلت ..أخذت أتابع ملامحه وانا أقترب بالسيارة وقد تجهز الموتور للموقعة فهدأ صوته تماما ً ، وبداً يقترب حثيثاً لتوازى السيارة طول الطوار وتنحدر مذعنة الى حيث يقف.. لم يكن لدّى ماأقول الخطأ ، أكبر من أى تبرير ،  منذ عملت عنده وانا أعرف أن المهمة مقدسة  ، وأن علّى  الا  يمنعنى  عن إحضار البضاعة الا الموت ، فأنا قبل تنبه الطيور من رقادها أخرج مع الليل والظلمة لألحق ببواكير السوق  ، أحمل الخضر والفاكهة اللازمة لعمل اليوم وأعود الى المطعم  ليبدأ العمل  ، حتى اذا جاء وقت الظهيرة افترشنا المقاعد إنتظاراً لوفود القادمين .
أخذت اتابع ملامحه وأنا أقترب  بالسيارة لأحاذى الطوار  ،  البضاعة لم أحضرها ،  زوجتى مريضة نقلتها للمستشفى فجراً ، لم أذهب للسوق ، أعرف العقوبة ،  الطرد ،  فكرت الا آتى وأن أوفر على أذنى سماع مالا يليق ، غير أن الهرب ليس طبيعتى ، ليكن مايكون..اذا لم يعطنى الفرصة للشرح سأعطيه ظهرى وأمضى  ..اقتربت على مهل ،الآن تبدأ المواجهة ، لن أستدّر عطفه ، المطعم تعطل ،هذا ذنبى الكبير ، إقتربت أكثر ،وجهه عابس ، جبينه مقطب ، فمه مذموم ،القيت السلام بصوت خافت لايكاد يبين ، ظل محدقا فى وجهى دون كلام ، محاصراً عينىّ فى قوة  ..مؤكد يبحث عن كلمات يبلغنى بها القرار ، وضع يده على كتفى ، يده ثقيلة ، كفها ضخمة ، هدوء ماقبل العاصفة هذا ، خرجت الحروف من فمه بطيئة النبرات : - لماذا لم تقل  لى؟
أقل ماذا ، لم يكن لدىّ وقت لكلام ،كان الموت يتعملق أمام عينى وإمرأتى تهوى عبر بئر النهاية بلا حول ، مد يده فى جيب سترته ، سيعطينى بقية حسابى ،أخرج النقود ، دسها فى يدى :-
-    اذهب الى المستشفى ، اذا احتجت شيئاً اتصل بى .
للحظة لم أع الأمر ، رميت بنظراتى على براح وجهه فى شرود  ، وحينما فهمت  اهتزت نواقيس الألم فى صدرى ، الم جارف هزنى  ، حاولت الكلام ، تاهت الحروف من شفتى  ،  بكيت !! 



مَالِك صَوْت










قُصَّة قَصِيْرَة





(1) الْشُّرْفَة

لَايَعْرِف مَحْمُوْد مَّاالَّذِى جَرَى لَه بِالضَّبْط ، شَىْء غَرِيْب يَحْدُث ، يُحَاوِل تَفْسِيْرِه ، دُوْن جَدْوَى ، فَالْمَكَان الَّذِى عَاش فِيْه حَيَاتُه - ذَلِك الْسُّوْق بِكُل ضَجِيْجِه وَنَاسُه وَأَحْدَاثُه - صَار الْآَن لَايُطِيقِه .!
يَقِف فِى شُرْفَة شُقَّتِه لِيُطِل - كَمَا كَان يَفْعَل مِن قَبْل - عَلَى الْسُّوْق ، وَبَائِعِيْه ، وَزَبائِنّه ، ومِيْكرُوفُوِّناتِه ، وَمُحَالُه ، فَلَا يَمْلِك الْصْبَر عَلَى طُول الْنَّظَر ، أَو مُحَاوَلَة الْتَّمْيِيْز بَيْن أَصْوَات الَمِيْكرُوفُوِّنَات وَأَنْوَاع الْبِضَاعَة الَّتِى يُنَادَوْن عَلَيْهَا ،فَيُهَرْوِل الَى الْدَّاخِل مُغْلَقَا خَلْفِه الشِّيْش وَالزُّجَاج ، وَيَشُد الْسِّتَارَة أَيْضا .
تَسْأَلُه مِرْفَت زَوْجَتِه عَمَّا بِه ،يُشِيْح بِيَدِه فِى مِلَل وَلَا يُرَد ،تَمْضِى الَى الْشُّرْفَة لَاعْادَة فَتَحَهَا ،يَصْرُخ فِيْهَا الَا تَفْعَل ، تُحَاوِل كَعَادَتِهَا مُجَادَلَتِه وَالْصُّرَاخ فِى وَجْهِه ،تَقُوْل أَن الّصَالَة مُظْلِمَة فِى عِز الْنَّهَار ،يُنِيْر الْمِصْبَاح الْكَهْرُبِى فِى صَمْت وَيَعُوْد لِمَكَانِه ،يَلْبَس نَظّارَتُه وَيُمْسِك بِالْجَرِيْدَة مَخْفِيّا وَرَاءَهَا بُرْكَان مَشَاعِرَه .


(2) الْقَاتِل وَالْمَقْتُوْل
حِيْنَمَا حَكَت مِرْفَت الْحِكَايَة لِأُمِّهَا تَبَسَّمَت الْمَرْأَة الْعَجُوْز ، هَمَسَت لِابْنَتِهَا :- يُرِيْد الِانْفِرَاد بِك ..أَشَاحَت بِيَدِهَا مُعْتَرِضَة :- فِى عِز الْنَّهَار ،وَالْأَوْلَاد حَوْلِنَا !؟ ..سَأَلْت الْأُم :- اذُن مَاالأَمر ؟.. حَكَت مِرْفَت لِأُمِّهَا عَن الْمَعْرَكَة الَّتِى حُدِّثْت فِى الْسُّوْق ، بَيْن سَلُّومَه الْعَاصِى بِائِع الْفَاكِهَة وَالضَانّى زَمِيْلُه وَجَارِه فِى الْفَرْش الْمُجَاوِّرُّلَّه ،وَكَيْف اسْتُخْدِمَت الْسَّكَاكِيْن وَالْجَنَازِيّر وَمَاء الْنَّار ،وَكَيْف تَبَعْثَرَت الْبِضَاعَة ،وَجَرَى الْخَلْق ،وَتَحَوُّل الْسُّوْق الَى خَرَاب كَبِيْر يُجْرَى فِيْه غُرَابَان كَبِيْرَان هُمَا سَلُّومَه و الضَانّى ، وَكُل مِنْهُمَا لَه فَرِيْق يُسَانِدُه ،يَمْضِى مَعَه بَيْن كَر وَفَر ،يَقْذِف بِمَاء الْنَّار وَالزُجَاجَات الْفَارِغَة عَلَى الْفَرِيْق الْآَخَر ، وَمَحْمُوْد يَنْظُر مَن الْشُّرْفَة يَضْرِب كَفّا بِكَف ،يَلْعَن كُل مَن تَسَبَّب فِى هَذَا ،خَاصَّة سَلُّومَه وَالضَانّى الْمَعْرُوْفِيْن بِالْاجْرام وَسُوْء الْخُلْق .
وَتُكْمِل مِرْفَت الْكَلَام ..تَقُوْل لِأُمِّهَا :- وَاتَّصَل مَحْمُوْد بِشَرْطَة الْنَّجْدَة ..أُبَلِّغُهُم بِمَا يُجْرِى ،وَذَكِّر اسْمُه فِى الْبَلَاغ ..الاسْتَاذ مَحْمُوْد ..مُدَرِّس أَوَّل الْلُّغَة الْعَرَبِيَّة ..أَكَّدُوا لَه أَنَّهُم سَيَحْضُرُوْن ..مَضَت الْسَّاعَات وَهُو يَنْتَظِر ، بَيْنَمَا أَوَّل الْسُّوْق يَحْتَلُّه سَلُّومَه وَفَرِيْقَه ،وَآَخِر الْسُّوْق يَتَمَرْكَز فِيْه الضَانّى وَمَن مَّعَه ،وَكُل فَرِيْق يَسُب الْآَخِر عَلَى الْبُعْد ،وَيُقْذَف بِالزُّجَاجَات الْفَارِغَة نَحْوَه،الَى أَن جَاء الْبُوَرَى شَعْبَان صَاحِب بِوَرْصَة الْسَّلَام ، الْرَّجُل الْأَنِيْق ذُو الْبِذْلَة اللّامِعَة وَالنَّظَّارَة الْشَّمْسِيَّة ذَات الْعَدُسَات الْسَّوْدَاء ، وَالْسُّبْحَة الْكَهْرَمَان فِى يَدِه الْيُمْنَى ذَات الْخَاتَم الْذَّهَبِى الْعِمْلاق ..نَزَل مِن الْمَرْسِيدِس( البَودرّه ) فِى أَوَّل الْسُّوْق .. طَاح فِى سَلُّومَه وَفَرِيْقَه ضَرْبا بِقَدَمَيْه وَيَدَيْه وَهُو يَلْعَن آَبَاء أَجْدَادِهِم، اكْمَل طَرِيْقِه الَى الْفَرِيْق الْآَخَر الَّذِى فَر قَبْل أَن يَطُوْلُه ،الَا أَنَّه وَقَف مَكَانَه وَنَادَى بِصَوْتِه الْأَجَش عَلَى سَلُّومَه .. انْشَقَّت الْأَرْض عَنْه لِيَقِف أَمَامَه مُطَأْطِىء الْرَّأْس ، عَاد صَوْتَه يَأْز صَارِخَا عَلَى الضَانّى ..جَاء مُهَرْوِلا ..نُقِل نَظَرَاتِه بَيْنَهُمَا فِى قَسْوَة وَهُو يَقِيْس كَلَّا مِنْهُمَا طُوَلَا وَعَرْضَا بَعْدَهَا قَال :- بَدَل الْعِرَاك وَبَهْدَلِة الْسُّوْق مَعَكُمَا ..الْعِرَاك سَيَكُوْن أَمَامِى ..وَحَتَّى الْمَوْت !
تُصْمِت مِرْفَت قَلِيْلا لِتَلْتَقِط أَنْفَاسَهَا ثُم تُكَمِّل :- وَقَف الاثْنَان وَجْهَا لِوَجْه وَكُل مِنْهُمَا يُحْمَل سِلَاحِه ..اقْتَرَبَت الْأَرْجُل ..تَبَاعَدَت ..تَبارَزّت الْعُيُوْن ..تْمَرْجَحِت الْأَيْدِى وَكُل مِنْهُمَا يُحَاذِر مِن الاقْتِرَاب مِن صَاحِبِه ..بَدَت عَلَى وَجْه الْبُوَرَى سِمَات الْمَلَل،مَد يَدَه الَى جَيْبِه لِتُخْرِج بِسِلَاح نَاصِع الْبَيَاض ،أَطْلَقَه لِيَشُق الْهَوَاء الَى صَدَر سَلُّومَه وَيُلْقِيْه أَرْضا بَعْد أَن اهْتَزَفِى مَكَانَه الَى الْأَمَام وَالْخُلْف وَقَد اتَّسَعَت عَيْنَاه لِأَقْصَى مايُمْكِنْهُما وَتَدَلَّى فَكَّه الْأَسْفَل وَلَم يَنْطِق بِحَرْف ..أَمَّا الضَانّى فَقَد أَخَذ يَصْرُخ بِلَا وَعَى :- لَيْس أَنَا ..لَيْس أَنَا ..دُوْن أَن يَجْرُؤ عَلَى الْاشَارَة الَى الْبُوَرَى .
فَغِرْت الْأُم فَاهَا ..هَمَسَت :- وَالْبُوَرَى ؟ قَالَت مِرْفَت :- مَن كَان لَه تَارِيْخِه لَاتَخَافِى عَلَيْه ..ثُم أَنَّه لَه رِجَالُه .
عَادَت الْأُم تَتَسَاءَل :- وَمَاذَا جَرَى بَعْدَهَا ؟
أَجَابَت مِرْفَت :- دَخَل الضَانّى الْسِّجْن بِتُهْمَة قُتِل سُلُوْمَة ، وَالَّف مَن يَشْهَد عَلَى هَذَا .



(3) الَمِيْكرُوفُوِّنَات
فِى تِلْك الْلَّيْلَة الَّتِى فَقَد فِيْهَا مَحْمُوْد صَوْتَه كَان الْسُّوْق عَامِرا كَالْعَهْد بِه ، وَكَأَنَّمَا لَم تَكُن هُنَاك جَرِيْمَة قُتِل حُدِّثْت ، بَيْنَمَا الَمِيْكرُوفُوِّنَات تَتَنَافَس عَلَى تَرْوِيْج الْبِضَاعَة الَّتِى تَعَدَّت الْخُضَار وَالْفَاكِهَة الَى كُل مَايَخْطُر عَلَى بَال ، مِن مُحِل شَرَائِط الْكَاسِيَت الَّذِى يَمْلِكُه( حُسْن سْتَرِّيُو ) الَّذِى يَنْطَلِق مِنْه صَوْت الْمُسَجِّل كَاسِحا الْأَصْوَات ..الَى مَزَاد( الحَمَصَانّى) فِى أَوَّل الْسُّوْق الْمُكْتَظ بِالْبِضَاعَة مِن كُل نَوْع بمِيْكرُوَفُونَه الَّذِى يُعْوَى طُوِّل الْوَقْت .. (نَبِيِّع كُل شَىْء ..تَعَالَى وَتُفَرِّج) ..الَى الْسَّيِّد الْجَزَّار الَّذِى تُحَوِّم حَوْلَه الشُّبُهَات بِذِبْح لُحُوْم الْحَمِيْر وَالَّذِى لَا يَحْلُو لَه الْذَّبْح الَا وَسَط الْسُّوْق ،مُحْتَجَّا أَنَّه أَمَام دُكَّانِه وْصَبِيِّه يَصْرُخ فِى الْمَيْكْرُوْفُوْن :- هُنَا الْلَّحْم الطَازِه ..أَحْلَى لَحْم عِنْدَنَا . وَفِى الْشَّارِع الْمُجَاوَرْكَان سُرَادِق سَلُّومَه الْعَاصِى وَالَمِيْكرُوفُون يُؤَكِّد أَن الْمَرْحُوْم كَان مِثَال الْشَّرَف وَطَهَارَة الْيَد !!
بَيْنَمَا فِى الْشَّارِع الْمُجَاوِر لِلْسُّوْق مِن النَّاحِيَة الْأُخْرَى سُرَادِق لِمُرَشَّح الانْتِخَابَات الْثَّوْرِى الْنَّزِيْه - كَمَا يَقُوْل الْمَيْكْرُوْفُوْن - الْبُوَرَى شَعْبَان الَّذِى كَان يُسَلِّم بِنَفْسِه عَلَى الْجَمَاهِيْر الْمُحْتَشِد ة ،وَكُلَّمَا سَلِم عَلَى يَد وَضْع فِيْهَا نِصْف خَمْسِيْن جُنَيْها وَهُو يُؤَكِّد عَلَى صَاحِبِهَا قَائِلا :- اعْط صَوْتِك لِمَن يَسْتَحِقُّه وَيَدُوْر الْهَمْس أَن الْنِّصْف الْآَخَر مِن الْخَمْسِيْن جُنَيْها سَيَتِم قَبَضَه أَمَام صُنْدُوْق الانْتِخَابَات مُبَاشَرَة ..و عَلَى سَطْح الْبَيْت الْمُقَابِل لِبَيْت الاسْتَاذ مَحْمُوْد كَان فَرَح زَكِيّه بِنْت أُم صَابِر بَائِعَة الْخُضَار ، وَالْمَعْرُوْفَة فِى الْسُّوْق كُلِّه بِمُغَامَرَاتِهَا ، وَالَمِيْكرُوفُون يَصْرُخ فِى جَارَاتِهَا :- زَغْرودَه يَابَنَات لْلْعْرُوسَة ذَات الْعَفَاف !
وَقَف مَحْمُوْد لَيْلَتَهَا فِى الْشُّرْفَة ..الْأَصْوَات تَنْفَذ مِن مَسَامِّه الَى سَائِر جَسَدِه كَحِرَاب مُسَنَّنَة فَيَتَلْوَى بِهَا ،وَبَيْن الْحِين وَالْآخَر يَضْرِب كَفّا بِكَف ،الَى انْتَبَهْت لَه مِرْفَت فَتَرَكْت الْتَلَيْفِزْيُون وَقَامَت الَيْه ..انْفَجَر صَارِخَا :- يَجِب قَطْع رَقَبَة الْكَذِب وَهُو يُشِيْح بِيَدِه وَيُعَاوِد الْصُّرَاخ ،بَيْنَمَا صَوْتَه لايُبَين وَسَط جَمْهَرَة الْأَصْوَات الَّتِى تَمْلَأ الْمَكَان ..فَجْأَة أُغْلِق فَمِه ..عَاد يَفْتَحْه ..لَم يَجِد صَوْتَه!



(4) غُرُوْب
قَال الْطَّبِيْب بَعْد فَحْص فَمِه وَحُنْجَرَتِه:- كُل شَىْء طَبِيْعِى ..أَرَى أَن تَعْرِض نَفْسُك عَلَى طَبِيْب نَفْسِى شُرِّدَت نَظَرَات مَحْمُوْد وَهُو يَسْتَمِع الَيْه ..رَأَى نَفْسَه يَقِف وَسْط الْطَّلَبَة ضَائِع الْلُّغَة ..شَبَّت الّنِيِرَان فِى صَدْرِه ..هَب مِن مَقْعَدَه فَزِعا وَعَيْنَاه تُصْرَخَان ..لَا ..رَبَت الْطَّبِيْب كَتِفِه ..سَأَلَه ان كَان يَسْتَطِيْع الْكِتَابَة ..هَز رَأْسَه بِالْايْجَاب ..أَعْطَاه وَرَقَة وَقَلَما ..الْوَرَقَة بَيْضَاء كَنَهَار وَلِيَد وَالْقَلَم بِلَوْن ظَلَام الْلَّيْل ..لَامَس الْسِّن الْسُطُور ..انْغَرِس فِى أَحْشَائِهَا ..نَفَث سَوَادَه فِى خِلَايَاهَا وَهُو يُجْرَى هُنَا وَهُنَاك يُشَخْبَط زَارِعا الْظَّلام ..صَرَخ الْطَّبِيْب :- مَاذَا تَفْعَل ؟ كَان الْنَهَار عَلَى الْوَرَقَة قَد اسْتَحَال غُرُوْبا ..قَام مَحْمُوْد وَاقِفَا ..اتَّجَه نَحْو الْطَّرِيْق .


(5)الْصَّوْت الْبَاقِى
الْيَوْم فِى الْمَقْهَى الْمُجَاوِر لِلْبَيْت وَالَّذِى يُعْتَبَر مُوَاجِها لِمَدْخَل الْسُّوْق جَلَس مَحْمُوْد الَى مَجْمُوْعَة مِن رِجَال الْمِنْطَقَة وَشَّبَابَهَا ،رَغْم اعْتِرَاض مِرْفَت عَلَى هَذَا . فَتَح فَمَه لِيَتَكَلَّم ،عَاجِلِه أَحَدُهُم بِسُؤَال طَالِبَا مِنْه أَن يُحْكَى مَاحَدَّث لَه مَع الْطَّبِيْب الْنَفْسِى ..اسْتَدَار مَحْمُوْد الَيْه بِكُلِّيَّتِه مُتَفَحِّصا ،فَارْتَسَم الْجَد عَلَى مَحْيَاه ،مِمَّا دَفَع مَحْمُوْد لِلْقَوْل :- لَن تَتَخَيَّلُوْا مَاحَدَّث ،حَكَى لِى عَن ظُرُوْفِه وَبَعْد الْنَّاس عَنْه بِحِجَّة أَنَّه كَبَّر ..عَجَز ..صَار لَايَصْلُح لِهَذَا الْزَّمَان ..وَحَكَيْت لَه عَن شُعُوْرِى بِالاخْتِنَاق وَأَنَا أَرَى الْسُّوْق فِى كُل مَكَان أَذْهَب الَيْه ،وَأَسْمِع الَمِيْكرُوفُوِّنَات لَيْل نَهَار تُدَلِّل عَلَى بِضَاعَة يَعْرِف الْجَمِيْع حَقِيْقَتُهَا ،خَاصَّة مِيْكْرُوْفُوْن الْمَزَاد الَّذِى يَصْرُخ ..( نَبِيِّع كُل شَىْء)..وَالْحَقِيْقَة الْرَّجُل أَيُدْنّى ..شَارَكَنِى شُعُوْرِى ..قَال لِى لَيْس الْمُهِم مَاتْسِمْعَه وَتَرَاه ..الْمُهِم مَا يَدْخُل عَقْلِك ...سَأَلْتُه وَهَذَا الاحاح وَالُزْن عَلَى الْآذَان ..ضَحِك الْطَّبِيْب وَقَال الْزِن عَلَى الْآذَان الْفَارِغَة ..أَمَّا الَّتِى لَدَيْهَا مِنَاعَة فَلَا تَتَأَثَّر ..قُلْت لَه وَمَن أَيْن آَتِى بِهَذِه الْمَنَاعَة ؟..أَشَار الَى مَكْتَبَتِه الْعَامِرَة ..وَلَم يُرِد.. شَد شَيْخ مُعَمَّم نَفْسا مِن دُخَان الْمُعَسِّل ،أَشَاح بِيَدِه الَّتِى تَقْبِض عَلَى نِصْف الْخَمْسِيْن جُنَيْها ، أَدَار رَأْسِه عَنْه ،بَيْنَمَا قَال شَاب يَافِع بِصَوْت حَاسِم :- اسْمَع يَا أُسْتَاذ ..نَحْن هَكَذَا ..وَسَنَظَل هَكَذَا ..عَن اذُنَك ارْتَفَع صَوْت مَحْمُوْد :- يَاجَمَاعَة وَاجِبِنَا أَن .....! قَاطَعَتْه كَلِمَات السُّخْرِيَة مِن هُنَا وَهُنَاك ..رَفَع صَوْتَه أَكْثَر ،فَأَكْثَر ..كَان الْجَمْع قَد قَابَل الْبُوَرَى شَعْبَان وَحَمَلُوْه عَلَى الْأَكْتَاف وَسَارُوْا وَهُم يَهْتِفُون لَه ،وَكُل مِنْهُم يَقْبِض عَلَى نِصْف الْخَمْسِيْن جُنَيْها . رَفَع مَحْمُوْد صَوْتَه أَكْثَر ..فَجْأَة أُغْلِق فَمِه ..عَاد بِتَوَجُّس يَفْتَحْه وَهُو يُرَكِّز فِى الانِصَات الَى صَوْتَه ..كَان الْصَّوْت ضَعِيْفا ..مُتُحَشَرَجا ..غَيْر أَنَّه أَسْعَد الاسْتَاذ ..شِعْر أَنَّه مَايَزَال يَمْلِك صَوْتَا



مشوار


قصة قصيرة

رأيتها تقترب وتتوسل :- أرجوك لاتتركنى وحدى ..معه !!
اتسعت عيناى بملء مافيهما من عجب معجون بدهشة  ممزوجة باستنكار ، حدقت فى عينيها أرقب تقاطيع وجهها المجهدة ، ذلك الوجه التى كانت تمنحه جل اهتمامها فيما مضى  ، الآن صار خاليا ً الا من حمرة الإنفعال . تضمه الى صدرها ،تهدهده فى رفق ،وهو غير آبه بما تفعله ..قلت وانا أكبت غيظى :- لن أتأخر              
 واستدرت أريد الباب، فتحت المزلاج ، هرولت صرختها خلفى :-
   -أشرف مريض 
  قلت متشبثاً بهدوء زائف :- سأذهب الى أبى أطلب سلفة جديدة
همست برجاء :- ليس الآن
ارتميت على أقرب مقعد ، قائلا بصبر نافذ :-
    -ضميه الى صدرك أكثر ،سيشعر بالدفء
أشاحت بيدها فى عجز :- تهرب كلما احتجت اليك
وعيناها آخر مابقى من الحسن القديم تلمع فيها حبيبات الدموع،  وهى تسير به جيئة وذهابا  ،وهو عنداً فىّ يواصل البكاء ، أخذت أرقبهما معاً وخاطرة تدور فى فراغ رأسى  ، لقد تغيرت رائحتها مذ جاء أشرف ، صارت رائحة أم بكل مافيها من دفء وبراءة ، نقلت عينى بين صورتها على الجدار وصورتها الآن وأشرف بين يديها ..نسمة إشفاق مرت بصدرى ،  همست متلطفاً :-  هيا نذهب الى الطبيب
استمرت ذراعاها فى حركتهما البندولية دون رد ، مضت لحظات وانا أجلس مترقباً الموقف بصدر ضيق ، فجأة رأيت وجهها يشرق ببسمة عذبة الملامح ، عيناها تتألقان ، تضع راحتها تحت خدها بمعنى أنه سينام ..شغلنى هذا الإكتشاف  ، أسلوبها ، سمات وجهها ، ونظراتها ذاتها تغيرت ، أشرف نقلها من من حالة الى أخرى ، وهبها روحاً جديدة لم تكن لديها من قبل ..انتبهت لصمت كالشلال يغطى فضاء المكان ،   خلخلة الهواء من حولى ، كأن جدرانا كانت تحيط بى وتضغط رأسى قد تهدمت مرة واحدة وساد بعدها  سكون ..تابعتها وهى تسير محاذرة الى حيث أرقدته ، ورأيتها تعود معلنة بأحداق متألقة أننى يمكننى الخروج الآن بشرط الا أغيب .هرولت نحو الباب ، سبقنى صوتها :-
    - هات معك مانحتاج اليه
قلت مشفقاً :- المهم أن أجد أبى
أخذتنا المناقشة ، هربا ً منها أعدت الهرولة نحو الباب  ، فتحت المزلاج ، وضعت قدمى خارجه ،شدتنى رنة فرح غامر فى ثنايا  صوتها:-
     - تعالى بسرعه  
هرولت اليها ، وجهها ينير بابتسامة مبهرة ، فيه نضارة ، وأشرف بين يديها ضاحك الثغر ، مدت يدها به الّى ، رنت ضحكته فى فراغ الحجرة ..نسيت المشوار !!



لحظة شروق الشمس
......................

قصة قصيرة
................




لم تشرق شمس اليوم ، صحا الناس فلم يجدوها تعتلى قبة السماء كعادتها، بحثوا عنها ، لم يسفر بحثهم عن شىء ، تحركت أجهزة الأعلام قاصدة المراصد الفلكية  ، خرج النبأ فى كلمات مقتضبة :- لم تشرق شمس اليوم ، سنوالى البحث عن السبب .
تساءل الكثيرون ماالعمل ؟   
..............
أراح الظلام الفلاحين ، أسعد  البهائم  ، الموظفون أيضا ً وأصحاب الأعمال انقطعوا عن أعمالهم ، الحانات وأوكار الليل  تعللت باستمرار الظلمة ولم يبرحها روادها ..صرخت وزارة الكهرباء من زيادة الاستهلاك ، فزعت مصلحة المياه من إنخفاض منسوب النيل ، أعلن جهاز تنظيم الأسرة أن الأمر خرج عن التنظيم وسيصبح العدد فى الليمون . ...................
 انشغلت   الفضائيات بالأمر ، كثرت التحليلات  ، زادت التصريحات خاصة من المسئولين ، قال أحدهم مهدئاً ثائرة الثائرين :- 
      - نحن لاتقهرنا شمس ولا قمر ونستطيع العيش بدونها  .
تعالت ضحكات ساخطة عليه .
تناثرت التعليقات
  :- لم نصنها فكان الحرمان
..تلك علامة يوم القيامة
..لن يقف العلم عاجزاً عن إيجاد حل ولو بصناعة شمس صناعية ؟
طال  وقت الظلمة ، تعملق القلق ، بكت العيون ، تضرعت القلوب ، بدأت قطرات النور تتساقط من خلف الغمام ، كسا الأفق لون وردى تحول تدريجياً الى إصفرار ، من وراء نجم هائل الحجم عابر فى الفضاء ظهرت الشمس  !



ليل وضحكات


قصة قصيرة


حقيبة صغيرة هى ، تكفى بالكاد غيار داخلى واحد ، قميص ، بنطال ، ومعهم كتاب قديم الطباعة عنوانه (العلاج بالضحكات ) حملهم صالح ومضى نحو الباب قاصداً الطريق ، السفر ليلاً عادته مذ كان صغيراً ، يهرب من ملل الانتظار الذى لايطيقه بالنوم ، قطار منتصف الليل دائماً يروق له ، ركابه قليلون ، يختار مقعدين خاليين ويفرد جسده شاغلا نفسه بالكتاب الى أن ينام  ، ولايصحو الا عند الوصول .. كانت الطريق ناعسة شبه مظلمة يطويها أنين الصمت  وهو يمضى وحده ، وبدر هرم تآكلت حوافه يرافقه فى ملل ، بينما الأشجار على الجانبين تصنع ظلالا فضية تؤانسه فى سيره   ، رأى مقهى أنواره قاتمة على البعد ، اقترب منه ، جلس على أول مقعد قابله طلباً لطاقة يستمدها من كوب شاى ساخن قبل أن يواصل السير ، وضع الحقيبة بجواره ، تقدم العامل منه شبه نائم ،  يحمل بين طيات سماته مللآً لاحد له .. ملامحه منقبضة تلائم المكان  ،هكذا قال صالح لنفسه وهو يستقبله بمشروع إبتسامة ، رآه يقّوس ظهره محنياً جزعه نحوه هامساً كمن يخصه بسر :-
-     ماذا تريد ؟
بدأت ملامح الإبتسامة تظهر وهو يقول:-
-     شاى
أدار العامل وجهه حوله قلقاً بعد أن حدق فى عينيه ورأى الإبتسامة جيداً ..كانت العيون نصف الناعسة تتجه اليهما  ، أشاح بيده فى اضطراب ومضى بعيداً دون أن ينطق بحرف ، اتبعه صالح بعين الدهشة  ،انتبه لبعض النظرات مازالت عالقة بوجهه ، رأى أيدى مفرودة الأذرع تشير اليه وانطلقت كلمات بأصوات غامضة مهمهمة :-
     -لانريد مشاكل هنا
    - اطردوه فوراً
    - ابعدوه عنا
اتسعت مساحة الحيرة فى صدره ، عاد العامل قادما بالشاى همس يسأله عما يرى  ، اقترب ثانيه من أذنه :-
-    انتبه لنفسك ،المكان مراقب
اتسعت حيرته باتساع الظلمة فى المكان   ، أدار نظرات القلق حوله ، العيون مازالت متربصة به ، الأيدى مفرودة الأذرع مسكونة بالغضب ..  غادر المقهى واكمل السير ، على بعد خطوات فى منطقة تقطنها وحشة وظلام أحس بكف غليظة تنحط بثقلها على كتفه ، انتفض شاعراً بقلبه ينزلق من بين أضلاعه ، استدار بفعل الرعب خلفه  ، اصطدمت عيناه بعينين حانقتين تحاصرانه فى مكانه وتصبان عليه جحيم نظراتهما  ،وسمع صوتا متحجر النبرات يسأله :-
-     لماذا كنت تضحك ؟
..........
اكمل السير وسط الظلمة بأقدام دهشة وأنفاس متحيرة  ، وقد قرر تدريب نفسه ليس على العبوس فهو يراه كثيراً فى الوجوه حوله ، ولكن على إجاده ممارسته بعد أن عرف بصدور قرار رسمى بتحريم الضحك ، فقد اكتشفوا  أخيراً أن سبب المشاكل التى تعانى منها المدينة هو الضحك  ، فهو يؤدى الى التسيب واللا مبالاه وأشياء أخرى كثيرة  ، وحرصا على دفع عجلة الإنتاج وقطار التنمية فقد تقرر تحريم الضحك تماماً وتغريم فاعله بغرامة كبيرة ، من الآن فصاعداً سيلزم العبوس مثل الآخرين ، يكفيه ماجرى له ، طالبوه بدفع الغرامة  ، لم يكن معه نقود تكفى  ،أخذوا غياره الداخلى والقميص والبنطال ، أما الكتاب  فقد تركوه له مع تحذير شديد اللهجة الا يستعمله .
.................
وصل محطة السكة الحديد ،على رصيف القطار رأى عيوناً متناثرة ذابلة النظرات ، وصمتاً يترسب فى  الأركان .. مضى ناحية القطار مسرعاً ، دخل  عربة قليلة الركاب ، اختار مقعدا مريحاً ، فتح شباكه طلباً للهواء ، ارتفع صفير  القطار بعد دهور ، لفظ الهمود وبدأ الحركة ملقياً بما خلفه الى هاوية الظلمات  ،  هب صالح من مجلسه ، أخرج رأسه من النافذة ، وأطلق الضحكات عالية !!