الغائب
أقصوصة
بدا قادما ً من بعيد.. صرخت نظراتى إنه هو ..غرد القلب فى قفصه وفاض بصدرى شوقه القديم .. اقتربت منه . توقفت..هذا شائب الشعر والنظرات ..جبهته استطالت وتمدد وجهه بتغضناته طولاً..يسير هادىء القدمين ..خطواته ثابتة.. وبيده حقيبة جلدها حائل اللون يميل الى البياض الباهت تحت أضواء العربات المارقة ، ويغيم اذا انتقل الى الظل .. يهز يده اليمنى هزات واهنة متمهلاً ، بينما اليسرى ثابتة الى جانبه لاتكاد تهتز. صرخت عيناى
الآخر كانت خطواته شقية ..تتقافز على بساط الأرض ..يداه ثائرتان تناطحان اللحظات ، وذقنه تخاصم منطقة صدره ، بينما عيناه جبلان فى أعلى وجهه يصدان النظرات عنه، مالت عيناى عنه ، هاجس طاف برأسى قائلاً أن الوقت تمدد ، دار دورته ولم يترك شيئاً بلا تغيير ، والوجوه لعبة أيدى الزمن العابثة . .عادت عيناى الى ملابسه ..لم تتغير ..ذات التنسيق والألوان الهامسة ..واصلت إقترابى منه..همست لنفسى - حينما طالته أضواء العربات المارة - إنه هو ، مع بعض التغيير ، عاودت الهمس - حينما طوته غيمة الظل و رأيت كائناً آخر لايمت للقديم بصلة - بأنه ليس هو ..اقتربت اكثر ، حدقت محاولا ً إصطياد عينيه ، لم ينتبه لى ..إتجهت نظراته الى شىء خلفى ، حاولت أن أعرف ماهو ، لم أصل الى شىء ..همد تغريد القلب وانطفأت لمعة الأحداق ، لم يعد هناك الا تساؤل حائر عنه ، قطعته بالتقدم خطوات جديدة نحوه هاتفاً
مرحبا -
وانا أمد يدى مسلّماً ، تبسمت عيناه وهو ينقلهما من البعيد المجهول الى عينى ، وأفتر فمه عن بسمة متغضنة الحواف ..كنا على حافة الطوار ..العربات المارقة لاتهدأ صرخاتها ..الظلمة تغفو فى مكان ٍ ، تجثم على آخر ، والظلال على الجدران تركض بلا توقف. ظلت يدى ممدود ةً وانا أجهز الحروف على شفتى لسؤاله عن غيبته وأين كان ومتى عاد و..أطل من حبتى عينيه تساؤل :- هل تساعدنى على عبور الطريق ؟
المضمار
قصة قصيرة
اركض
لاتتوقف هكذا ..نعم
ادفع هذا الذى كلّت قدماه..المضمار لايقبل الضعفاء..اركض وانظر أمامك .. نعم ..ولاتبالى بهؤلاء الذين يمرقون بجانبك ، فهم لايبالون بك ، ولا ينظرون اليك الا لتحديد الخطوة التى ستكون أمامك .. فى البيت سيهللون لك اذا سبقت ..سوف ترى فى الأعين السرور ،وسوف يظلون على فخرهم بك طالما أنت تواصل الركض داخل المضمار بنفس العزم ، وربما تطوع أحدهم راضيا ً أن يمضى معك ، يتعلم منك ،عازماً فى نفسه إن استطاع أن يسبقك ذات يوم .
.................
آااااااه
هذا ماكنت تخشاه طول الوقت قد حدث ، السقوط وسط المضمار ، تدوسك الأقدام ، تطأ رأسك ، يحملوك خارجا ً، يتركونك وحيداً لاتبالى بك عين ولا يأبه لك سمع ، بالكشف يتضح وجود كسر ٍ فى إحدى ساقيك يمنعك من العودة ، تصرخ ، ترفض الإعتراف بالأمر ، تحاول النهوض
لمواصلة السباق ، لاتستطيع ، تتجه عيناك الى قبة السماء ،ولأنها المرة الأولى لك لاتعرف مالذى يجب أن يقال ، تسقط رأسك فى إعياء على براح صدرك ، تذكر والدك الفران وذرات الدقيق تغطى جسده ، وأنت ذاهب اليه تأخذ مصروفك منه ، صورة تشغل ركناً فى ذاكرتك لايمحى ، رحمه الله لم يكن يحسن العدو ، كان بالكثير يمشى ، خطوته البطيئة جعلته فى المؤخرة دوما ً ، سبقه آخرون ، قطعوا المسافت بعيداً وتركوه مكانه ، كان السفح بالنسبة له آمناً ، لايرى فيه خشية السقوط التى تنتاب أهل القمم ، كانت لديه مقولات محفوظة من جدوده أصحاب الكهوف والسراديب والحفر أن القناعة كنز، والصبر ثروة ، ومحاولة تسلق المرتفعات مغامرة غير مأمونة العواقب ، لذا حينما نزلت أنت الى المضمار بدلا ًمنه إتجهت اليك أنصاف الأنظار ، بعضها مشفق من طول السباق ومن قلة الخبرة بقانون الركض وحيل الراكضين ، والبعض الآخر إستهزأ بك قائلا ً أن الولد سر أبيه ، ومؤكد يحفظ عبر سراديب عقله الممتلئة بخفافيش الظلمة المتوارثة مقولات أبيه ، وأنك بالكثير ستهرول قليلاً فى براح السفوح ثم تنقطع منك الأنفاس لأن لين عظامك لن يساعدك على الإستمرار ، وانطلقت الى الأمام ،رأيت الحواجز تعترض طريقك ، والليل يدور بك والأعين ترصدك ، والسقوط يتعقبك ، لم تبال بشىء ،هرولت بكل جهدك وصورة أبيك لاتفارقك ،هرولت ولم تضع فى حسابك إمكانية التعثر أو احتمال السقوط ، حتى الآن وأنت فى مكانك على جانب الطوار وحيداً الا من عينيك اللتان ترصان المضمار ومن فيه ، وصدرك الذى لاتهدأ ناره لاتفكر فى الشكوى ، ولاتلعن من أوقعك ، ولاتبكى لعدم وجود ساق جاهزة بدلا ً من تلك التى لم تعد ذات جدوى ، بل تستند على عكازك وتواصل العدو ،صحيح أن خطوتك تأثرت كثيرا ً باصابتك لكنك تمضى ماوسعك المضى ، المهم أن تكون داخل المضمار ،وهذا يحسب لك !!