فى حضرة الغائب
3أقاصيص
(1)أزمة مرور
فى شارع أبى قير توقف الزمن ..شد لجام حصانه ووقف عاجزاً عن المرور ..السيارات متلاحمة سلحفائية الحركة ذات أبواق تنهش الآذان ..الأرض تتلوى من السنة اللهب المنصبة من فوهة الشمس ..البيوت على الجانبين معتمة المداخل مغلقة الشبابيك والشيشان وجوهها مقطبة الملامح بلونها الأصفر الكابى .
تتحرك السلحفاة قليلا ناقلة قدماً الى الأمام وأخرى الى الخلف ..يتصاعد أنين الأرض ..تزأر الأبواق صانعة مهرجاناً من الضوضاء.. تتغيرملامح الطريق فعلى اليمين يتمطى مبنى مستشفى جمال عبد الناصربلونه الأبيض، فارداً ذراعيه العملاقتين بغطائهما الأسمنتى نحو السحاب ، اما الحديقة الخضراءأمامه ببعض الأجساد المسترخية على إخضرار عشبها فهى فى حلمها الزاهى بعيدة عما يجرى، وعلى اليسار تقف كلية الهندسة بهيكلها الفرعونى العتيق شامخة، تنظر الى ذات المكان من علٍ ..تنطلق من سيارة فيات قديمة الطراز لعنة على ذلك الزحام الذى يشوه هدوء ونقاء الأسكندرية فى مثل هذا الوقت من كل عام ..يجاوبه فوراً من سيارة مرسيدس حديثة أغنية غربية الايقاع تشد الأعين بصراخها المتكرر..ترتفع من عربةbmw تقصد الاتجاه المعاكس أغنية تبدو كأنها تسجيل لمعركة شعبية استخدمت فيها الموسيقى ،وأكتفى ببعض الحروف عوضاً عن الكلمات ..ينطلق آذان الظهر من مسجد المواساة القريب ، تصارعة الأبواق الهادرة ، تتلوى رأس السلحفاة وهى تفكر بنقل قدمها من جديد .على الرصيف فى منتصف الطريق تبدو إمرأة أكلتها السنون ، مكللة الرأس بغطاء أسود مثل ثوبها الذى ينتهى الى حذاء عرك جلده الحياة ..تتحرك المرأة رغم ثقلها بوجهها المغطى بماء العرق المعجون بالدموع أسرع من السلحفاة ، منادية بصوتٍ مشروخٍ :- ياسيد
تبتلع هوجة الأصوات صوتها وهى تمضى مصرة على السير رغم مشاقه ، وعلى النداء رغم خفوت صوتها ..تقل حركتها رويداً ويخفت الصوت الى أن يصير همساً قبل أن تتوقف تماما ، وتبدأ مرحلة الهبوط الاضطرارى الى أسفل وهى تفتح فمها دون صوت منادية فى اصرار :- ياسيد
بينما السلحفاة على مهل تمد قدما للأمام وأخرى الى الخلف، وهوجة الأصوات هادرة ، والآذان يرتفع الى السماء عالياً :- الله اكبر الله اكبر
وعلى الرصيف الذى يتوسط الطريق جسد إمرأة مازال ينبض بنداء لايسمع :- ياسيد
(2 ) اللوحة
فى وقت الظهيرة والشمس مستلقية على عرش السماء، متمتعة بصب نارها على الرؤوس، وشارع الرحمة المجاور- طولياً- لسور مقابر عامود السوارى يموج بالحركة، مابين غدو ورواح أو ثابت مكانة لايمتلك الرغبة فى الحراك ..هدأت الحركة رويداً ..صمتت الأصوات ،وبدا المشهد المتحرك يتحول الى لوحة ترابية اللون ،على يمينها منازل متهالكة ، مداخلها الواسعة مفتوحة على مصراعيها ، تجرى أمامها فى تدفق صامت مياه المجارى الطافحة من البالوعات أو المواسير المكسورة هنا أو هناك، تجلس بالقرب منها وأمام الأبواب نسوة بدينات بأثداءٍ مدلاة من وراء ملابسهن الكاشفة كالقرب على بطونهن، ذوات وجوه أكل عليها الدهر، ينظرن أمامهن ولايبدين مالديهن من مهارات التوغل بالألسنة والإشارات فى الوان وفنون السباب ، ربما بسبب حرارة الجو وربما بسبب همود طارىء على الأرواح الجم الألسنة ..وبين البيوت وعلى مسافات متباعدة بعض حوانيت وورش يعمل داخلها من يعمل، ويجلس على باب بعض منها معلم أو صاحب ورشة ،ومبسم الشيشة لايفارق فمه دون أن يصدر صوتاً أيضا .. فى الناحية اليسرى من الشارع السور الحجرى لمقابر العامود، يمتد الى الشارع الرئيسى الكبير المواجه لشريط الترام فى منطقة البياصة ، وقد رصت على حجارته المتآكلة ورش وحوانيت أخرى ، فمرة ترى ورشة اصلاح دراجات وقد علقت على بابها قطع غيار عديدة، ومرة ترى شادر من القماش يحجز الخراف والماشية، ومرة ترى مقهى مقام تمتد مقاعده وموائده أمامه بلا حدود..والكل فى تلك اللحظة من الظهيرة قد أكلهم الصمت يميناً وشمالاً، أما فى نهر الشارع فقد انعدمت حركة الأرجل، وهى عادة إما جنازة متحركة وصرخات تهز الجدران ، أو خطوات السكان أنفسهم تقطع الحفر والمطبات على مهل ...ساد اللوحة الصمت لحظات قبل أن تقطعه صرخة أنثوية حادة مزقت السكون، وأعادت الحركة الى الوجوه فاستدارت الى مصدر الصوت، لترى إمرأة مهوشة الشعر حافية القدمين ممزقة الثياب تهرول ،غير مبالية بلسع الأرض لقدميها الحافيتين ولا لنظرات الذكور اللزجةالتى ترامت على ماظهر من جسدها وهى تصرخ :- يامحمود
تقع على الأرض ..تتعثر فى حجر ..تهب من جديد ..تصل الى باب المقابر الحديدى الصدىءعلى شريط الترام ..الباب مفتوح على مصراعيه انتظاراً للموتى والأحياء ..يمنعها الحراس من الدخول..تمسك الحديد الصدىء ..تنادى من خلف خطوطه المتقاطعة :- يامحمود
يهز صراخها اللوحة..تتبعث الأصوات والحركة عبر أرجائها..يعلو صوت أبواق السيارت المارة ، ويتعالى ضجيج وسباب النسوة المتربعات على الأبواب، وتكركر المياه فى القلوب الزجاجية للشيشة هنا وهناك ، ويغمز أحدهم لفتاة مارة ـوتأتى على البعد صرخات جنازة قادمة ، بينما المرأة تبتعد فى بطء محنية الرأس نازفة العينين ، تسير على جمر الأرض وصوتها الواهن ينادى :- يامحمود
(3) مغادرة
إهتزت عربات القطار بفعل تشغيل المحرك الرئيسى..الرصيف المزدحم بالأرجل إضطرب ..إحتضن أحدهم الآخر مودعاً وهو يهمس فى أذنه موصياً ..قبّل آخر طفلًا صغيراً تعّلق برقبته باكياً رافضاً أن يدعه يمضى..أشارت سيدة ذات معطف أسود يمتد بامتداد براح جسدها السارح الى ماتحت ركبتيها بيدها المغضنة ذات العروق النافرةلآخر يتحرك بظهره ناحية القطاروهو يرمقها من خلف سحابة المياه المتجمعة فى مآقيه الشابة ،مصّراً على عناق النظرات لآخر مدى ..وقف الى جوارباب المقطورة الأولى شاب نحيل القوام مثلث الوجه له عينان عميقتا الغور شديدتا سواد الحدقات محاولاَ التماسك،وكفاّه ملتصقتان بكفىّ فتاة عسلية العينين شعرها الأسود منكفىء على ظهرها ،وهى تحبس دموعها بالكاد وتتحدث بسرعة غير مبالية بألم كفيها من اعتصاره لهما، وعلى باب المقطورة الأخيرة كانت إمرأة بجلباب باهت الإخضرار تنزل طستاً من الألمونيوم كبير، به جبن وزبد وبيض من فوق رأسها وتدفع به الى الباب المفتوح، طالبة ممن حولها أن يساعدوها لدفعه ناحية الباب المغلق فى الجانب المقابل،وخلفها طالب يحمل كتبه مغادراً الى كليته ..وبين المسافة بين المقطورة الأولى والأخيرة تقريباً وعلى مقعد من المقاعد الحجرية المنتشرةعلى الرصيف كانت إمرأة ترتدى جلباباً أسود يعلوه غطاء رأس بذات اللون به ثقوب ،ينفر من بينها شيب شعرها الناصع البياض وقد التصق بعضه بجبهتها بفعل العرق المعجون بالدموع السارح عبر مسام جسدها واخزاً، وهى جالسة مربعة الساقين تنظر أمامها الى حيث لاتدرى ،منادية من خلال الدموع وارتجافة الصوت:- ياسيد
والأقدام حولها تسعى ..أطلق القطار صفيره مؤذناً بالرحيل ..ترك أحدهم معانقه وصعد لأعلى ..فك آخر يدّى صغيره من رقبته وسلمه لأمه مودعاً ..أدارت المرأة ذات المعطف الأسود ظهرها للقطار وأفرجت عن دموعها ،مسلمةّ إياها لمنديل حريرى صغير أودعته يدها اليمنى ..ودع الشاب النحيل الفتاة بمزيد من الضغط على كفيها ..وقفت المرأة ذات الطست محاولة الألتصاق بالباب المغلق خوفاً من كلمات مفتش القطار ..أخذ الطالب ركناً بعيداً أسند ظهره اليه وكتبه فى يمينه وعينيه على وجه فاتنة تجلس أمامه ..تحرك القطار مغادراً
ظلت المرأة ذات الجلباب الأسود مكانها على المقعد وسط الرصيف الذى خلا من الناس على المقعد الحجرى تنظر أمامها بذات النظرات التائهة من خلف الدموع المعجونة بالعرق وهى تنادى بصوت مشروخ :- ياسيد
فاطمة تعيش الحلم
قصة قصيرة
أغلقت فاطمة باب القاعة عليها واطلقت لعينيها العنان ... ..إرتفع نشيجها ..أنصتت اليه كأنها تنصت الى شىء غريب عنها ، وتتساءل لم كل هذا البكاء ؟ القت بناظريها عبر النافذة الى الطريق ..من وراء الستار نصف الشفاف رأت زفة العروسين..الثوب على نوال ذو جناحين يطير بها ، يرفعها لأعلى ، عيناها تقولان أنها هائمة فى سمائها تعيش واقعاً كان حتى الأمس حلماً يترائى ، لها وهاهى الآن تعيشه وتتشربه حتى الثمالة ولاتشبع منه ، وهاهى البلد كلها تعيش فرحها ، تنطلق الزغاريد وتعلو الضحكات ويستمر الغناء مدويا ً محيطا ً بالعروسين .
من وراء الستار فاطمة تتابع الموكب ، الخيل ترقص وسط الساحة ، التصفيق يعلو ، صوت الطبول يدور ، يعقبه بين الحين والآخر طلق نارى يهز قلب الليل .
تترك النافذة ..من خلف الباب الموروب تلمح النسوة يملأن صحن الدار ، يرسمن بأجسادهن دائرة تتوسطها إحدى الفتيات ، وقد حزمت وسطها بمنديل رأس أبيض ذى نقط سوداء ، واندمجت فى الرقص على أنغام طبلة تدقها بمهارة فتاة أخرى ، بينما ثالثة ترفع صوتها بالغناء والكل يردد خلفها ماتقول .
وسط الحجرة تقف فاطمة محاصرة من الباب والنافذة ، مقيدة بدموعها ،لاتستطيع حراكاً ، تمسك بمنديل أصفر تمسح به وجهها ، ترمق الباب الموروب بحذر خشية أن تدخل إحداهن عليها وترى مابها .
- تبتعد عن مرمى النظر عبر النافذة حتى لاتخترقها عين متلصصة ، وفى ذات الوقت تخشى الخروج حتى لاتفضحها قسماتها الناضحة بما تطويه فى صدرها ، الألم حينما نكتمه فى صدورنا يكون ناراً تنهش ،عواصف تضرب ورياحاً لاترحم ، كيف تواجه الأعين بالخارج ومن أين تأتى بإبتسامة تلقاهم بها ؟ مد ت يداً واجفة تمسح بها الدموع من فوق شقوق وقسمات وجهها الذى يبس من من الخروج فجر كل يوم الى الطريق ، حيث لسع الهواء وسياط البرد والظلمة التى تسير معها ، لاتسمع الا نباح الكلاب تشيعها الى محطة السكة الحديد ، بحملها من الجبن والزبد والبيض لتركب القطار ماضية الى المدينة ، حيث السوق ومعارك لقمة العيش . قامت الى المرآة المشقوقة من منتصفها فى واجهة الدولاب القديم تحدق فيها ، رأت وجهها مشقوقا ً نصفين ، نصف تحوم حوله الظلمة ، تلبس عينه لباس الهموم والشقاء اليومى ، وحمل ثقل أسرة بكاملها تركها عائلها ومضى ، لتقوم - هى الإبنة الكبرى - مكانه دون أن يخطر على بالها أن من حقها أن تحلم وأن تعيش الحلم ولو لحظات .. بينما تبدو العين الأخرى والمواجهة للنافذة فى بهاء النور تحلم وترجو كما تشاء وهى ترى نوال تتزوج..نوال الصغيرة التى تركها أبوها طفلة تجرى فى حوارى القرية وبين الغيطان لاتدرى من أمرها شيئا ً ، نوال الصغيرة التى كانت تهرول نحوها وهى قادمة من السكة الحديد تحتضن ساقيها وتسألها عما أتت به من حلوى .. تتنهد فاطمة فى شرود ..الآن تسكن وحدها تلك الحجرة مع الليل والظلمة والعمر الذى يذوى أمام عينيها وتجف أوراقه فى سكون كانه يعرف قدره ويرضى به ولاينتظر من الحياة غيره ، ماذا لو تقدم لها حمدان بائع الخضر فى السوق ؟ هو مثلها فرع شارد يضرب فى الحياة وحده بغير جذور ..عينه عليها منذ رآها لأول مرة فى السوق ..هل تحادثه ؟..لم لا ؟ هو رجل حقيقى وسيقدر لها هذا ..المرأة الشريفة تختار لنفسها ..هكذا فعلت السيدة خديجة ..مادام الرجل يستحق ويفهم ويقدر مافعلته ..لا ..لا ..ومنذ متى فى عرفنا طلبت المرأة الرجل ؟. لو حدث هذا لن يصدقها وربما ظن بها الظنون ،وحتى إن لم يحدث هذا لن ينظر لها بذات نظرته الى إمرأة سعى هو اليها وبذل جهده لينال رضاها . لن تحادثه أبداً ،أبدا ً .واستدارت الى الخلف ، انتبهت للمرآة أمامها ، وجهها خلالها نصفان ينقسمان ، يتباعدان أفقيا ً مرة ، ورأسيا ً أخرى ..نصف عقلها يرفض النصف الآخر .. فتحت فمها ملتاعة تحاول الصراخ ..رفضت الكلمات الآنصياع لإراداتها ، شعرت بمتاهة تلقى بها من حالق الى حيث لاترى قرار ، تشعر بنفسها تنزلق فى صمت الى أدنى وقد حرمت نعمة الرفض أو حتى فرصة البكاء فهناك الأعين المتلصصة وخاصة اليوم وهناك الكلمات التى سوف تتأجج نارا ً ..النساء فى الدار يافاطمة ..مؤكد غيابك سوف يقلقهم .. المدعوون جاؤا لأجلك ، الفرح فرحك ..فرحك !!.. تسمع الكلمة ، تهتز لها ، تراها تتردد فى أعماقها وصداها يضرب جدران رأسها بقوة ..تملك الحروف أخيراً تهمس للفراغ بل هو فرح نوال .. تنتفض فزعاً على صوت مدو ينطق باسمها من خلف النافذة ، تنصت الى حروفه الزاعقة وجلة ..تمسح وجهها وعينيها بسرعة ، تحاول تمالك صوتها وهى تقترب من الستار نصف الشفاف ملبية :- من ؟
- ضيوف
ترفع الستار، يملأ النور جليا ً واضحا ً الحجرة ، تبحث بعينها فى الفضاء الممتد أمامها ، يواجهها جسد فارع الطول يكسوه جلباب صوفى أزرق ، تعلوه ناصية عريضة تزينها عمامة ناصعة البياض ، وعينان نظراتهما نفاذة تحدقان فى عينيها بذات النظرة التى تعرفها ..تترك عينيها أسيرتين لعينيه قليلا قبل أن تسمع صوته يعلو مرفرفا ً بجناحيه بقوة فى وجهها:-
- سترحبين بضيفك من الشباك ؟
- من؟
تساءلت وهى تشعر بعجزها عن ملاحقة دقات قلبها وهرولته فى فضاء صدرها ، وتخشى أن تطغى دقاته على صوت الطبل والمزامير و طلقات النار ، حاولت مداراة إنهمار مشاعرها مرة واحدة و التحكم فيها لتمضى على مهل ، ضحكت عيناها ..شفتاها ..جوارحها تركت النافذة وطارت اليه ..تلقفت عيناها نظراته..احتضنت نظراتها عينيه.. نطقت حروف إسمه كما لم تنطقها من قبل :-
- - حمدان!!
وخرجت اليه .
غفران
قصة قصيرة
صمتٌ وظلمةٌ يحيطان به ..يحاديانه أثناء سيره ..يسمع لهما طنيناً يدق رأسه ..يحاول الإسراع ..تصر خطواته على السير متمهلة تتحسس الأماكن ،وعيناه تتشممان الطريق ..بينما تراب ناعم تثيره قدماه ،ينتقض لاهثاً خلفه، يعلق بملابسه ،يصل الى فمه وعينيه ..يكمل السير شاقاً حجب الليل والصمت ،ماضياً خلف فكرة تتمثل له ، يرى فيها نهراً سوف يطهر روحه ..الظلمة ستار يستتر خلفه، والهدوء مركب يقوده الى غايته، والدقائق رفيق يمضى بجواره ..يكمل سيره..تبدو له المقبرة .. ذات المقبرة.. بذات ملامحها .. تخترق حدقتيه على ضوء نجمة تولد فى تلك اللحظة.. يدقق فيها ..فجوة فى باطن الأرض يغطى وجهها تراب أكثف من سابقه ، وحروف مطموسة تبدو أثارها على قطعة رخام ملصقة على جدار متآكل ، يعلوه إصفرار شاحب لايكاد يبين لونه ، يحده سواد باهت يكسو الأطراف ..يتقدم قليلا منها.. يرى التراب يعاود ثورته ..يعلو عينيه ..يطمر أفكاره .. يهتز فى وقفته شاعراً للمرة الأولى أنه وحده..يدير نظرات القلق حوله ..لا أحد الا ذلك الراقد فى جوف تلك الحفرة على مقربه منه ، والذى –من المؤكد – يراه ويشعر به ، ويعرف أنه جاء من أجله ..ذلك الراقد الذى يرفل فى جنان السكينة والهدوء ، ويتركه فى آتون الفكر يتقلب على جمر اللحظات ..يدهمه شعور جارف أنهما لم يكونا قريبين فى يوم مثل الآن .. ميتان لايفصلهما الا جدار، كل منهما ميتٌ على طريقته، أحدهما يرقد تحت التراب هانئاً مستقراً فى مكانه، الآخر مات ويمضى حاملاً جثته على كاهله باحثاً عن مستقر .. تصلبت نظراته على اللوحة الرخام التى طمر حروفها التراب .. لا يحتاج لقراءة ماعليها فهو يحفظه ..حاول أن يتمتم ببعض الكلمات ..عصته الحروف ..إنتبه للرجل ينفض عن نفسه التراب .. يخرج اليه..يتجه نحوه ..يمسك كتفيه ..يهزه صارخاً :-
- لن أسامحك أبداً
شعر بقلبه يتوقف، بحلقه يجف، وبعينيه تجحظان ، فتح فمه لا إرادياً لايعرف إن كان يريد الصراخ مستغيثاً طالباً النجدة فى هذا المكان\الزمان الخاوى، أم أراد أن يشرح له ماخفى عنه ،غير أنه فى محاولته فتح فمه رفع رأسه لأعلى فالتقت نظراته بذات النجمة الوليدة ذات الضوء الفضى ..فتح عينيه على إتساعهما وهو يدير رأسه حوله ..صمتٌ رابضٌ فى الأرجاء ،وعتمةٌ شفافةٌ تشى بجو الحلم أو الكوابيس ، وقلب يرفرف بين جنبيه لايعرف إن كان هلعاً أم تأثراً بما حوله ..رفع يديه الى أمام شفتيه هامساً ببعض كلمات مرتجفة الحروف اعتقد انها ترحماً عليه، بينما على وجهه تبدو ملامح مشاعر شتى من خوف وبلادة وأسف وتقزم جارف لاحد له ، و دموع تهطل معجونة بندم لم يشعر بمثله من قبل ، ورأى رأسه ينحنى طالبًا الصفح والغفران ، هامساً أنه جاء.. وهذا مالم يكن يتخيلّ وقوعه من قبل !!
طلب نقل
أقصوصة
أردت إقتناص اللحظات بقدر مااستطيع ،هى كل مالدى الآن قبل أن يبدأ غربته ، تلك الغربة التى قرر هذه المرة أن يمشيها وحده ، وجهه يحمل مزيجاً من سعادة وخجل ، لا أدرى لم ، الأصدقاء حولنا كلماتهم تضرب بأجنحتها الوجوه والجدران فى مرح ، أجلس هناك خلفى مكتبى الصغير فى أخر الحجرة ، ساقّى تهتزان - عادة قديمة كلما اضطربت - سنوات طويلة ونحن معاً ننتقل سوياً من عمل الى آخر ،أو يسبق أحدنا الآخر فيمهد الطريق له ، اليوم زغردت نظراته وهو يعلن للجميع أن سيترك العمل ويسافر ، لم ينظر نحوى ولم يقل ماتمنيت أن أسمعه ، حاولت اقتناص نظراته ، طال الوقت ، حين نجحت لم أجد فى عينيه جواب السؤال ، اشتعلت النيران فى جوفى .
ساقى تهتزان بقوة ، اللحظات الباقية هى آخر عهدى به ، سنوات طويلة وانا معه ، أرمى بنظرات تائهة الى الأخاديد والحفر بوجه الجدار ،أعود اليه ، تتلاقى نظراتنا رغما عنه ، تكتسى حدقتاه بخجل للحظة خاطفة ، ينطق بكلمة لا أسمعها ويدير عينيه سريعاً ، أشعر للتو بصدرى تتنازعه مشاعر شتى ، أريد مغادرة المكان فوراً ، وفى ذات الوقت أتذكرأن مابقى هو الثمالة فى كأس صداقتنا واتشبث بالبقاء ، أتلهى بالتحديق فى بلاط الأرض ، أرمق كل واحدة شاعراً أنها رغم وجودها بجوار أصحابها معزولة بحدود أربع تغطيها الأتربة وتسحقها الأقدام ، يزداد اضطراب ساقى ، يطن فى رأسى سؤال ملّح ، لماذا لاتتخذ صديقاً جديداً ؟
تتطاير الضحكات الساخرة حولى من كل صوب ،أدير النظرات فى الوجوه، أهب واقفاً ، العرج واضح فى خطواتى ، لا أبالى به ، يلا حقنى صوته الى أين ، أشير بيدى سأعود ..وأ مضي .
كنت أفكر فى تبرير مقبول حينما أطلب النقل من مكانى هنا الى أى مكان آخر ويسألوننى لماذا .!!
طلل
قصة قصيرة
حتماً سوف ترسل نظراتها لتخترق حدقتيه ،تنظر دون أن تهتز، دون أن تفكر فى إدارة وجهها هرباً من عينيه ، وستجد الجرأة لتطلب الفراق بصوت محايد ،ثم تديروجه اللامبالاة عنه وتمضى ، تسير بهدوء وبخطوات معجونة بالثقة خارجة من حياته ، بعدها تشرق شمس حياتها هى من جديد ..لكن ..لكنها تعرفه ..لن يسلم بسهولة ،كلماته المشبعة بخمر الوعود ستلاحقها ،نظراته المترعة بالدفء ستطاردها ..غير أنها لن تستجيب له أبداً ،الباب الذى أغلق لن يُفتح ثانية ،والمشاعر التى وُئدت لن تبعث من جديد ..شىء ما داخلها تغّير ..هى تشعر بهذا وتعجب له ، لقد كانت تتنفس حبه ،تعيش عالمه ، تتكلم،تتحرك ،تحرص أن تبدو فى صورة باهرة من أجله ..أما الآن ..!
رنت الى الساعة على الجدار ، عقاربها كلما تقابلت تتنافر ، يفرق بينها زمن وأحاسيس ..لحظات قصيرة ويأتى ..بعدها يمضى الى الأبد ..قامت متكاسلة الى دولاب ملابسها ،سوف ترتدى الليلة ماتشاء هى ..أدارت عينيها فيها..استقرت على الوان بعينها ..كان يحب هذه الأردية ..يطلب مع كل رداء تسريحة شعر بذاتها ..مدت يدها الى الثوب الأحمر ..رأت وجهه يطل من بين الثياب المتراصة حالم العينين وهمساته تنسل الى أذنيها ..( هذا الرداء الأحمرالبديع يليق به شعر ثائر كالموج)..تركته الى الأبيض ، عاد صوته يداعب حواسها ..( هذا الأبيض الرائق يحتاج لنعومة شعر مرسل فوق الكتفين ) ..هزت رأسها هرباً من صورته ،صوته ، ذكراه، وارتّدت عن الدولاب ..سيجىء الآن ..لن تبالى بنظراته ولا برأيه ،وسترتدى ماتريد .
عادت تقترب من الدولاب ،توقفت قليلاً ،شردت نظراتها وهى تتساءل لماذا تفعل هذا ،الأفضل أن تشعل ناره ،تشعره بمرارة الفقد ،تظهر الليلة بأبهى صورة .اكملت مسيرتها الى الدولاب ..سترتدى أروع مالديها ..مدت يدها الى الثوب الأبيض ،هذا سيجعلها رقيقة ،حالمة ..عادت تبعد يدها عنه ،لا تريد أن تبدو ضعيفة الليلة ،الأفضل هذا الثوب الأحمر ،أنوثتها ستطغى ..مدت يدها تسحبه ،وضعته فوق جسدها ودارت به أمام المرآة ..وجهها شاحب قليلاً ..تحت جفنيها ترهل يدل على إجهاد ..أعلى الرقبة تلوح تجعدات ..مدت يد الإضطراب الى علبة المساحيق ، مرت بها سريعاًعلى مناطق بعينها، عادت ثانية تواجه وجهها من جديد ..اضطربت أكثر ..هذا العبوس قد يوحى له أنها حزينة للفراق ، الأفضل مع المساحيق أن ترسم على شفتيها إبتسامة ..فتحت فمها..ابتعدت قليلاً عن المرآة لترى وجهها الجديد ..الآن صار أحلى ..نظراتها أقوى ..اختارت مقعداً قريباً من الباب وجلست فى انتظار دخوله ..الآن يفعل ..هذا موعده ..هو لايتأخر ..عادته منذ قديم ..تأخر قليلاً عن موعده
..هو يعرف جيداً أنها تكره الإنتظار ..تسرب القلق الى أطرافها ..أخذت تهزها فى بطء
..تأخر أكثر
..هبت من مكانها مقطبة الجبين الى مقعد أبعد قليلاً ..سوف تتأخر فى القيام له حتى تشعره بفعلته ..زاد تاخره
..هبت واقفة ترقب الطريق من خلف شيش النافذة ..طال غيابه
..حاولت التشاغل عنه بالدوران فى الحجرات بحثاً عن شىء لاتدرى ماهو
..طال الوقت
..بكت قلقاً عليه !!
عويل الشموع
قصة قصيرة
بين يديها تتلكأ اللحظات ، عقارب ملعونة تأبى الا التباطؤ الى حد الموت ، سكين اللحظات باردة ، تشتعل نظراتها وهى تعاود التحديق لحظة بعد أخرى الى سواد الساعة على الجدار وتجد العقارب مكانها ، ترفع فازة الزهور الملقاة على المائدة الصغيرة فى الردهة قاصدة قذف هذه الساعة الجامدة بها ..ينطلق رنين الهاتف ، تنتفض ، تلقى الفازة على جنبها بعيداً و تهرول اليه ، ترى الرقم الطالب ، ترفرف نظراتها شوقأ وتتلون عيناها بلون الفرح ، تهتف من قلبها :- الو
...........
تهرول فى أرجاء المكان ، تنشر بين جوانبه فرحها ، يتسع فوراً لأحلامها ، يشرق فى نواحيه ضياء يلمس قلبها فينتشى ، ترتب المقاعد والأريكة، تزيل ترابها ، تنسق الحشايا فى أركانها ، تنشر أريج العطر فى نواحيها ، تلمس الفازة الملقاة فى رفق بباطن كفها ، تمر على ثنايا جسدها متأملة ، تضعها حانية مكانها منتصف المائدة ، يدق جرس الهاتف ثانية قاطعاً تدفق صمت هانىء يضمها ، تتجه اليه ، تنظر الى رقم الطالب ، تشيح بيدها وتمضى عنه ، تتجه الى دولاب ملابسها على بساط من هناء
........................
تسكن الحيرة عينيها ونظراتها تتقافز من ثوب الى آخر ، الشقاوة مع ثوب أحمر ، وشعر ثائر يتموج على الكتفين والنحر ، وعطر ساحر يجذب القلوب ، أم الرومانسية مع ثوب أبيض ، وشعر منسدل على الكتفين ، وعطر هادىء خجول يتغلغل فى رفق ، أم الوقار مع ثوب أسود ، وشعر سارح فى ضفيرة هادئة على بساط الظهر ،وعطر حنون يهمس بالحب ..لمحت عيناها الثوب الأصفر بحيرة خيوطه ، تركته الى الأزرق السماوى بخيالاته..عادت الى الأبيض وتبسمت فى خفر
...............
بدت المائدة وضوء الشموع يتراقص حول الأطباق معطراً برائحة الفرح رقعة من نعيم ..الى الجوار استقر جهاز التسجيل الصغير محتضناً شريط الموسيقى المفضل ..الى جوارهم الردهة الفسيحة يزغرد أساسها فرحاً ، واكواب الشراب مرحة المنظر على مائدتها الصغيرة ..وهى هناك تمر بها اللحظات وردية حالمة ، تداعب خديها ، تتشمم ريحها الشهى وترمق ثوبها الأبيض وتمضى منتشية ..عاد رنين الهاتف يداعب سمعها ،انطلقت حالمة اليه ، رسالة إعتذار منه ..ارتفع عويل الشموع !
ضلفة باب
قصة قصيرة
لأن أمى لا تجيد فن العراك إتصل أبى بشقيقته نعيمة مستغيثاً بها ، كانت عمتى صاحبة صوت جهورى، جسدها ممدود ، وذراعها سمراء تشبه أذرع المحاربين ، استوعبت الموضوع ، قالت بهدوء :-
- أنا لها .
مضت نحو باب الشقة ..فتحته على مصراعيه ..أخذت مقعداً وجلست مشمرة الذراعين تنتظر ..مر عادل الصغير ابن المرأة غريمة أمى من أمامها صاعداً الى أعلى ، صرخت فيه :-
- قول لأمك ..أنا هنا
اقتحمت أمه السلم بعد قليل ، بدت عالية الصدر والجبهة ،جهورية الصوت ، تدق بأقدامها على الأرض بقوة ، وأصبعها المربوط يسير أمامها..دق قلب أمى وراء ضلفة الباب التى تتوارى خلفها كطبول عملاقة فى حرب شعواء ، فهى خائبة- كما قيل - لاتجيد فن العراك ، لذا انتهزت بعض الجارات الفرصة ، وقررن الانقضاض عليها ، وتجريدها من كرامتها ، لتكون عبّرة لمن يعتبر فى ذلك البيت المنيّل - على حسب قولهن - والذى نسيت فيه إحداهن (أم ياسين ) نفسها ، وعلا صوتها على السلم متحدية أن تجرؤ إحداهن على الوقوف أمامها ، و ذلك بسبب تربص عادل وإخوته لياسين ولدها الوحيد وضربهم له ، مما جعله يهرول صارخاً نحوها مطالباً بالثأر . وقفت على السلم بكل مافى صدرها من نيران تسب النساء اللاتى يطلقن كلابهن على الناس ليتفرغن لأحضان أزواجهن
، وقالت فى تصريح نارى أنها لن تصمت لأحدٍ بعد الآن، وسوف تتصدى لتلك التعديات التى لايقبلها مخلوق من مخلوقات تلك الحارة التى لايحكمها الا العصا ، أما الكلام الطيب والعِشرة الحسنة فليس لهما فيها مجال ..سمعت أم عادل هذا التصريح وماقبله وبابها مغلق عليها وأولادها فى الحارة، مازالوا يمارسون العابهم فى حرية ودون أن يطولهم رزاز كلمات أم ياسين وسبابها ، ولم تجرؤ على الخروج ، كانت تعرف جيداً ماوراء أم ياسين، وتثق تماما أن الموضوع اذا وصل الى مستوى الرجال سيكون له شأن آخر، فأبو ياسين رجل واصل ، قهوجى (قد الدنيا) يقع مقهاه بجوار قسم الشرطة ، ويعرفه الكبير والصغير هناك ، ممايجعل له هيبة، نظراً لأن الجيران بلا استثناء يلجأون اليه فى كل مايتصل بالقسم ، وللأمانة هو يتحرك فوراً ..اذا كان الأمر مجرد تحرى يسعى الى الشاويشية والصولات ، (يفتّح مخه) معهم ويعود بالمتهم الى أهله سالماً ..يسألونه :-
- كم دفع للصولات؟
يقسم يميناً مغلظاً أن إمرأته طالق ثلاثة لو إمتدت يده وأخذ شيئاً مقابل مادفع، وبعد عدة يمينات يمد يده ويأخذ النقود.. وللحقيقة فهو لايفرق بين جار وآخر فى هذا الأمر، بل أن كل من يقصده فى حاجة يجده ، ويرى من مجهوده مايسره.. ودائماً لايترك أمراً الا بعد الانتهاء منه، الا القضايا الكبيرة التى تخرج عن نطاق سلطة الشاويشية والصولات ، مثل المخدرات والبودرة وما اليها، فمدام المحضر قد كُتب والضابط قد وقع عليه فالأمر قد خرج من يد الجميع، وهو هنا يكتفى بمتابعة الموضوع عن بعد ، والسؤال فى الخفاء والتقصى الحذر، وتنبيه أهل المتهم بما يتم ، وماعليهم عمله بسرعة لأنقاذه ..وللحقيقة أيضاً فإن هؤلاء الصولات والشاويشية يُعتبرون من أصدقائه الخلصاء الذين يسهر من أجلهم ، حيث تبدأ السهرة مباشرة حينما تهدأ الحركة وتستقر الأمور، فتنظف الجوزة ، ويجهز الفحم ، ويرص الحشيش أقراصاً صغيرة على الحجارة فوق المعسل ، وتدور الجوزة على الجالسين، بينما أبو ياسين بين أيديهم وفى خدمتهم.. فاذا فكر أحدهم( وهذا لم يحدث قط ) أن يدفع ثمن الخدمة أو المشروبات فإن أبو ياسين جاهز للقسم بالطلاق - جاداً هذه المرة - أنه لن يأخذ منهم شيئاً، مكتفياً بالخدمات التى يؤدونها له بالمقابل .
أما أبو عادل فهو جزمجى حريمى له محله فى آخر السوق بعد وكالة حسنين ، له طوله الفارع وصدره العريض ويديه المفلطحتين بأصابعهم الشديدة الأصفرار، وصوته العريض الذى يهز الحارة يوم الأحد - يوم أجازته - حيث يطل من الشباك صارخا :-
- واد ياعادل ..هات إخوتك وإطلع يابن الكلب
فيشيح بيده معترضاً ،ويزوم قليلا قبل أن يلم إخوته ويتجه الى البيت خوفاً من والده الذى ماإن يرى أبو ياسين الا ويعلن ولاءه الكامل له ..تزجره إمرأته طالبه منه أن يفرد صدره ويخشّن صوته وهو يسلم عليه ليشعره أنه رجل مثله ، وربما - بل المؤكد- أنه أفضل بقامته المديده وجسده القوى منه ، فيقول ناصحاً :-
- ياعبيطه ..نرفع راسنا دلوقت ونحتاج له نرجع نطاطيها ؟
فتصر على أسنانها غيظاً منه ومن تفكيره الأعوج الذى يخذلها أمام عدوتها اللدود أم ياسين ، التى أنصفها زوجها ورفع رأسها الى السماء وهى لاتساوى فى سوق الحريم درهماً ، أما زوجها -أبو عادل- فرغم طوله وعرضه الا أنه لم يغن عنها شيئاً واضطرها الى الآستعانة بلسانها وفى بعض الأحيان يديها لمواجهة شراسة الجارات ، فالأمر لم يخل من تأديب جارة بلكمة محذرة، أو سحبها من شعرها على السلم اذا زادت عن حدها، ولم يجدِ معها الصوت العالى أو اللكمات ، ومتانة جسدها تساعدها ، فهى تشبه زوجها فى هذا وإن كانت تمتاز عنه بشراسة طبيعية تفرض نفسها أول ماتفرض عليه وعلى أولاده ، وإن كان هو ينأى به عمله طول الأسبوع عنها، أما الأولاد فياويل من يقع بين يديها أثناء غضبها ، لذا فهم يخشونها اكثر منه ، قائلين انه لا يمتلك الا الصياح يوم الأحد بعد الظهر فقط أما ماعدا هذا فقد تركه لها .. و رغم شراستها وطول لسانها الذى لايدانيه طول فى الحارة الا أنها حينما تصفو تصبح إمرأة أخرى ناصعة بياض القلب، تسلم على هذه وتضحك مع تلك، متناسية ماكان حتى لو حدث بالأمس القريب، وقد تعاتبها إحداهن فتنهمر دموعها مؤكدة إعتذارها ، ومقسمة انها لم تعِ مافعلت، وتقبل رأسها طالبة السماح .
ونظراً لأن أبى يعمل فرانا ً لاشأن له ولاكيان فى البيت أو المنطقة، ولا يكاد يظهر لأنه يعمل طوال النهار ويعود ليلاً لينام استعداداً ليوم جديد، فقد أصبحت أمى هدفاً لمحاولات الإيذاء المتعمدة، ولولا أنها خائبة- كما يقولون- فى العراك ،لأنها بلا لسان( أى لاتسب ولاتصرخ مثلهن) لكان لها شأن آخر وأى شأنٍ ، لذا فقد كانت الجارات يهملن أمرها لطيبتها ولعلاقتها الحسنة بالجميع ،خاصة أم ياسين فى الطابق الأعلى من البيت ، الى أن فكرت أم عادل أن تنزل بها عقاباً يكون رسالة لأم ياسين أن هذه حبيبتك وصديقتك قد ضُربت وأُهينت ولم تفعلى من أجلها شيئاً.. وأنتظرت فرصة مرور أمى صاعدة الى شقة أم ياسين مارة بها وجرتها من شعرها جراً الى داخل الشقة، وأرادت افتراسها، لولا أن القدر تدخل بحزمٍ فوضع أحد أصابعها بين فكى أمى، وهما أقوى مافيها فهرسته ، ليملأ صراخ أم عادل الحارة بكاملها ، وتخرج أمى من شقتها مرفوعة الرأس رغما عنها ، مقسمة أنها لاتدرى مالذى دفع بهذا الأصبع المبارك الى فمها . ولم تصمت أم عادل أمام هذا الانهيار المفاجىء لمكانتها فى البيت والحارة والذى شمّت فيها الجميع ، وأقسمت أن تنتقم من أمى شر إنتقام وأعلنت هذا فى تصريحات رسمية وبأكثر من طريقة وهى تتلوى من الم إصبعها ..أما عندنا فى داخل شقتنا فرغم هذا الانتصار غير المتوقع الا أن أبى وأمى عاشا أياما ً عصيبة باحثين عن مخرج ينجيهما من هذا الشر القادم .
قال أبى :- أذهب الى أبو عادل
ردت أمى :- وماذا يملك لها ؟
قالت أمى :- نترك المكان
قال أبى :- الى أين ؟
قالت أمى :- نطلب حماية أم ياسين
قال أبى :- ونصبح أذلاء بقية العمر ؟
تسائلا معا :- وما الحل ؟
صمتا قليلا ً ثم قال أبى مثل أرشميدس :- وجدتها ..أختى نعيمة .
ضربت أمى جبهتها صائحة :- كيف نسيناها ؟
وتم الاتصال بعمتى نعيمة صاحبة الصوت الجهورى، بجسدها الممدود ، وذراعها السمراء التى تشبه أذرع المحاربين ..عرفت الموضوع واستوعبته وقالت بهدوء :- أنا لها
وأخذت مقعداً وجلست على باب الشقة مشمرة الذراعين تنتظر ..مر عادل من أمامها صاعداً الى أعلى ..صرخت فيه :-..قول لأمك ..أنا هنا
صعد الولد لأعلى ..خرجت أمه بعد قليل عالية الصدر والجبهة ،جهورية الصوت ،تدق بأقدامها على السلم بقوة ، وأصبعها المربوط يسير أمامها ، وهى ترحب بالأخت العزيزة والشقيقة الكبيرة التى لاتخرج منها العيبة ، وتقسم عليها أن تصعد معها الى شقتها لتقوم بالواجب.. ولم تكذب عمتى الخبر ..صعدت معها وتصاعدت الضحكات .
من خلف ضلفة الباب وقفت أمى تتنصت وهى تحمد الله على ماكان ، فقد كانت رحمها الله - كما قيل- خائبة ليس لها فى تلك الأمور .
شق الظلمة
قصة قصيرة
هاأنت ذا تسير والظلمة ..سواد داهم يدور حولك ..يخترق عينيك ..يملأ صدرك ..يفيض على قلبك.. تمد يديك أمامك ..جانبك ..فوقك .. لاشىء اللهم الا فراغ يبسط ظله عليك .. تمضى محاذراً شياطين الظلمة خشية أن ترمى لك بحجر تتعثر فيه ، أو تضع أمامك جداراً قد يكسر أنفك ، ولأنك لاتملك حق التوقف أو لاتجسر على التفكير فى التراجع تواصل السير، تنتظر مدداً ما قد يجىء الآن ،لاتفكر فى ماهية هذا المدد ولاكيف يكون ، المهم أن يأتى الآن ، ينتشلك من بين أنياب الظلمة ، يمنحك سكينة أنت أشد ماتكون حاجة اليها .. الصمت بلونه الشديد الإعتام يزعق فى أذنيك .. ترفع يديك أمامك لعلهما تمنعان شراً قادماً ، تحرك قدميك بحرص أملاً الا يتعثرا فى شىء ، بينما الظلمة أمامك معصورة فى ذرات الهواء مترامية الحدود والأطراف لاتعرف لها بداية من إنتهاء ، ملمسها له نعومة خادعة ، لأنفاسها دفء يلدغ ، وهى ذات فراغ يشدك الي دوامته التى تدور بك بلا انتهاء ..تكمل السير .. فجأة يرتعد جسدك ..قشعريرة كزلزال تهز أوصالك ، تنتفض بويصلات شعرك ، يقف الشعر لأقصى مداه وأنت تشعر بشىء هلامى ناعم الملمس بطىء الحركة يتسلق ساقيك ، ساقاك معاً تغدوان ساحة لزحف لا تملك معه الا الإرتعاد ، تمد يديك ، تغوصان فى الظلمة ، فى براح كيان لاتدرى له أولاً من آخر ، يتمدد لأعلى متمهلاً ، وهو فى كل خطوة يخطوها يوزع رعباً جديداً يترصدك ، إرتعادتك تشمل كل ذرة فى جسدك ترتجف فى صمت مؤلم وأنت لاتمتلك المقدرة أو الجرأة على الحركة ، يعاودك بقوة الرجاء فى وصول مدد ما وبسرعة ، غافلاً أن المدد اذا أراد المجىء فإنه يجىء بقوانينه هو لا بمجرد طلبك أنت ، ترتعد والكائن الهلامى يحيط جسدك صاعداً ، محاصراً ، محيطاً ، غامراً أجزاءك فى بطء كأنه واثق أن لاشىء سيوقفه ، أو ربما هو يعرف جيداً أنه لامقاومة هناك ، بينما أنت وسط فراغ شديد الإظلام ، فارداً ذراعيك لاتدرى لما ، ونظراتك الصارخة يأكلها السواد ودقات قلبك اللاهثة تحاول الإفلات من هول اللحظة ، والكائن الذى لاتعرف له شكلاً ولا مقصداً ولايربطك به الاصعود يشمل جسدك كله ليس بأقدام تتحرك من جزء لآخر وليست حوافر أو مخالب ، ولكنها مثل قربة ماء دافىء كبيرة الحجم شديدة النعومة ، لحرارتها ملمس لاذع يختلف عن أى حرارة شعرت بها من قبل ، تتمدد بعد أن ابتلعت الساقين مارة بمنطقة البطن ، متجهة الى القلب من كل الجهات ، وأنت لاتدرى هل هو فم يبتلع ، فوهة أنبوب تترصد ، بحر يحيط ، أم دوامة تتربص بك ساحبة إياك هابطة بك الى أدنى ، تصرخ ولا مغيث ، تتأرجح بين أمل مازالت بقاياه تتشبث بالبقاء فى قلبك ، وبين يأس قاتل يصرخ فى أذنيك بالاستسلام ، يحييك الأمل فى وصول مدد ما ولو كان نقطة ضوء تحرق قلب تلك الظلمة وتملك بها المقدرة على الحراك ، وفى ذات الوقت يرديك اليأس المتمثل فى واقعك المعاش وسط الظلمة حولك ، وأنت بين هذا وذاك تتمايل حاملاً جسدك المنهك وروحك المتعبة ، و الزحف الناعم المميت مستمر ، وملمسه على جسدك وخزات ساحقة ترهق أجهزة الشعور لديك ، يقتحمك الألم والحيرة ، تشعر بانسحاق تهبط معه درجة الوعى رويداً ، وبين الوعى واللا وعى تنتبه لضحكات لاهية تحيط بك آتية من كل الجهات أو هى مصبوبة فوق رأسك وحدك دون الكون ، بينما يتواصل الزحف قاصداً القلب ، وقبل أن تغلق عينيك ، وقبل أن ترتخى ذراعاك ، وقبل أن يأخذك اليأس نهائياً ناحيته ، قبل كل هذا بأقل من ثانية يلوح على البعد ضوء ثاقب يشق الظلمة طائراً من بعيد قادماً اليك .تتسع عيناك بقوة ، تعاود التأرجح من جديد ، غير أنك هذه المرة تعرف جيداً الى أين تميل .
خذها
قصة قصيرة
تعرف أنك لن تفلح فى مسعاك ..رغم هذا تصر على الذهاب..الطريق أمامك طويل..يطول خصيصا اليوم ..ربما ليعطيك فرصة . - لاتغتنمها - للتراجع ..الشمس ايضا على غير العادة اليوم تبدو ذات بهاءٍ والق..نورها ملكى هادىء ..هل رأيت انواراً ملكية هادئة من قبل ..ايضا الوجوه المكفهرة التى تقابلك على الطريق كل صباح وأنت متجه الى عملك ..اليوم بالذات لاوجود لها ، كأنما تبخرت فى انتظار حدث ما ..أنت ذاتك تحمل شحنة من الشجاعة طارئة لا تعرف من اين أتتك ..تقدم إذن ولاقى مصيرك مهما كان هذا المصير ..اذهب اليهم ..قابل كبيرهم ..حدق فى عينيه بثبات ..حذار أن تهتز ، أو أن يشعر بأن جوفك يرتعد ولسانك يتلعثم ، أو أنك تبحث عن ريقك فلا تجده..حذار من كل هذا ..وقف ثابتا ..قل له بكل كبرياء أنك تريدها ..ولأنك تعرفهم وتقدر مكانتهم جئت تأخذها منهم ..لحظتها سيكتب لك فصل مجيد فى كتاب التاريخ ..فصل سيذكر بالفخار أنك تقدمت ..قابلت كبيرهم ..متحملاً كل النتائج الممكنة لهذه المقابلة ..وأنك وقفت أمامه وجهاً لوجه..ورغم أنها المرة الاولى التى تراه فيها ..ورغم أنك أصلاً لم تكن تتخيل أنك ستقف أمامه هكذا الا أنك فى النهاية وقفت ..فردت صدرك قدر المستطاع وسحبت بجرأةٍ بعضاً من الهواء دون إستئذان ..ثم وبمزيد من الجرأة نظرت فى عينيه ..عيناه سوداوان ..لهما بريق ينحدر نحوك مسيطرا ..فيهما تعبير قاس ..عليهما سمات غضبٍ جارفٍ ..رغم هذا فحذار أن تترك لنفسك العنان لممارسة الذعر ..اكبح جماح خوفك وتقدم ..انظر فى عينيه بقوة ..ثابتا لاتهتز ..متماسكا لاتتلعثم ..وقل له بهدوء أنك تريدها هى ..لذاتها ..سيقول لك من أنت ..ومن الذى اعطاك حق المثول بين يديه ..وكيف تتجرأ على طلبها منه ..لحظتها ستجد نفسك مطالب - أمام نفسك - بتبرير مافعلت ،وتفسير سبب تمسكك بها لهذا الحد ..وحين تبرر وتفسر وتعاود اقناع نفسك بجدوى طلبك لها بهذا الشكل ستشعر أنها كانت وستظل تستحق مافعلت ..عندها وأمام الكل ستجدها أمامك ..مد يدك واقبض على يدها ..لاتبالى بهم ..شدها اليك ثم تحرك ..لكن حذار ..حاول الحركة سريعا ..اذ ربما لاتجد الوقت الكافى لعبور الباب
قصة قصيرة
تعرف أنك لن تفلح فى مسعاك ..رغم هذا تصر على الذهاب..الطريق أمامك طويل..يطول خصيصا اليوم ..ربما ليعطيك فرصة . - لاتغتنمها - للتراجع ..الشمس ايضا على غير العادة اليوم تبدو ذات بهاءٍ والق..نورها ملكى هادىء ..هل رأيت انواراً ملكية هادئة من قبل ..ايضا الوجوه المكفهرة التى تقابلك على الطريق كل صباح وأنت متجه الى عملك ..اليوم بالذات لاوجود لها ، كأنما تبخرت فى انتظار حدث ما ..أنت ذاتك تحمل شحنة من الشجاعة طارئة لا تعرف من اين أتتك ..تقدم إذن ولاقى مصيرك مهما كان هذا المصير ..اذهب اليهم ..قابل كبيرهم ..حدق فى عينيه بثبات ..حذار أن تهتز ، أو أن يشعر بأن جوفك يرتعد ولسانك يتلعثم ، أو أنك تبحث عن ريقك فلا تجده..حذار من كل هذا ..وقف ثابتا ..قل له بكل كبرياء أنك تريدها ..ولأنك تعرفهم وتقدر مكانتهم جئت تأخذها منهم ..لحظتها سيكتب لك فصل مجيد فى كتاب التاريخ ..فصل سيذكر بالفخار أنك تقدمت ..قابلت كبيرهم ..متحملاً كل النتائج الممكنة لهذه المقابلة ..وأنك وقفت أمامه وجهاً لوجه..ورغم أنها المرة الاولى التى تراه فيها ..ورغم أنك أصلاً لم تكن تتخيل أنك ستقف أمامه هكذا الا أنك فى النهاية وقفت ..فردت صدرك قدر المستطاع وسحبت بجرأةٍ بعضاً من الهواء دون إستئذان ..ثم وبمزيد من الجرأة نظرت فى عينيه ..عيناه سوداوان ..لهما بريق ينحدر نحوك مسيطرا ..فيهما تعبير قاس ..عليهما سمات غضبٍ جارفٍ ..رغم هذا فحذار أن تترك لنفسك العنان لممارسة الذعر ..اكبح جماح خوفك وتقدم ..انظر فى عينيه بقوة ..ثابتا لاتهتز ..متماسكا لاتتلعثم ..وقل له بهدوء أنك تريدها هى ..لذاتها ..سيقول لك من أنت ..ومن الذى اعطاك حق المثول بين يديه ..وكيف تتجرأ على طلبها منه ..لحظتها ستجد نفسك مطالب - أمام نفسك - بتبرير مافعلت ،وتفسير سبب تمسكك بها لهذا الحد ..وحين تبرر وتفسر وتعاود اقناع نفسك بجدوى طلبك لها بهذا الشكل ستشعر أنها كانت وستظل تستحق مافعلت ..عندها وأمام الكل ستجدها أمامك ..مد يدك واقبض على يدها ..لاتبالى بهم ..شدها اليك ثم تحرك ..لكن حذار ..حاول الحركة سريعا ..اذ ربما لاتجد الوقت الكافى لعبور الباب
خلاص
قصة قصيرة
اختلطت فى ساحة وجهها الألوان ، اكتسحته موجات العرق المغسولة بالدموع ، وبدا لوحة بلامعنى ، دقت الباب المغلق دونها بكلتا يديها ..بدت اليدان حانقاتان ، تندفعان المرة تلو الأخرى نحو الباب بلا تروى ، وبلا خشية الم نتيجة الإرتطام ، كانما هى لم تعد تتألم ، أو أنها من فرط الألم لاتأبه لألم جديد ، بينما الكلمات تتطاير من فمها محملة بالحنق ، مترعة بالدموع ، عالية النبرات لاتأبه لآذان تنصت ولا لعيون من خلف الأبواب المغلقة تنظر ..حافية القدمين كانت والأرض فى ذلك المساء أديمها ثليج. تركل الباب بقدمها ، رغماً عنها بعد عدة ركلات تتوقف لألم أصابع قدمها، تكتفى بباطن يديها وصيحاتها ..شعرها الحريرى ينزاحعنه غطاءه هابطاً الى كتفيها ، لاتبالى به ، تسقط خصلاته على جبهتها تلتصق بها بفعل العرق ، ترفعه بيد الحنق ، تكتسح الظلمة السلم من خلفها ، بعض أشعة تنسل من تحت أعقاب الأبواب من حولها تخفف من السواد الجديد ، تحّوله الى عتمة شفافة محصورة وسط جدران صماء ..تتحرك قليلاً فى مكانها ، تتوقف حركتها ، تقف ويداها ملقاتان الى جانبيها فى تسليم وقد أجهدهما الدق المتواصل ، بينما عيناها نظراتهما تحبو على سطح الباب بتعرجاته البنية الممتدة من أعلاه الى أدناه كانها ثعابين تتحرك متدافعة مستترة بالعتمة فى صفوف بلا انقطاع ، صانعة سداً بين الداخل بكل مافيه من نور يلثم العيون ويحتضن الأجساد ودفء يمرح عبر الغرف وطمانينة تسرى فى الأرجاء ، وبين الخارج ومايحتويه من ظلمة واضطراب والم داهم وحزن يخترق غرف القلب ويقيد الإحساس ..السلم يبدو دركاً الى الجحيم ، النزول الآن محال ، وحتى اذا نزلت فهى لاتدرى الى أين ، لم يعد فى ذاكرتها ركن يمكن أن تلجأ اليه ، كل الطرق مسدودة يتناثر فى أرجائها الذئاب..دخول الشقة الآن ايضا محال ، بركان الغضب الذى تفجر هناك لم يهدأ ، مؤكد هو بالداخل الآن يأكله الغضب ، يجلس وسط سريره محمر الوجه ، زائغ العينين ، يتمتم بكلماته المبتورة الحواف ، مقسماً - مثل كل مرة - أنها لن تدخل الشقة ثانية ، هو يعرف أنها ستظل خلف الباب راضية بملمسه الخشن وثعابينه الملتوية وأنها سوف تتوارى عن الأعين والآذان المتنصتة مثل كل مرة الى أن تهدأ العاصفة ويصفو الجو ويفتح الباب من جديد فتدخل محنى الرأس كما طالما أحنتها متجهة الى غرفتها فى سكون ، هو يعرف هذا جيداً ، لكنه لايعرف أنها هذه المرة بالذات ستقف جاحظة العينين ، ترى الثعابين تهرول أمامها على سطح الباب ، تخشى منها ، تبتعد عنها ، تدير رأسها ناحية السلم ، الظلمة على درجاته تتحول لحظياً الى نور ، تراه طريقاً للخلاص ، تنطلق ، لاتفكر فى النظر الى الخلف !!
العكاز
قصة قصيرة
تلك الدمعة بالذات بكل مرارتها سكنت عينيه، أرادت الإعلان عن نفسها. وأبى عليها هذا ، ناضلها مصراً على نفيها عنه، رافضاً أن يربط عينيه بها.. الآن يراها تعاود تحديه، تغرز مرارتها فى أحداقه ، تبرز عاتيه معتليه أجفانه وهو يرى (إحسان) أمامه أو هو أمامها، وجهان متقابلان مترابطان بذلك الرباط الذى يجمع الوجوه المحبة مهما باعدتها الأيام ، وعيون تتعانق متلهفةباحثة عن كونها الخاص بها ، والذى يسكن فى كل منها فقط ، ولا يراه الا الآخر ..أخذ يتأملها ..يتأمل عينيها ..يبحر فى عسلهما الرائق الذى يزيده الإبتسام تألقاً ..فتح فمه ليتكلم ..أراد أن يعود الى ماقبل الفقد ليحكى لها- كما طالما حكى - عن العيون برياضها الفسيحة ذات الأنهار والزهور والرياحين والطيور البيضاء المغردة ، والكواكب والنجوم المتعانقة ، والسماء المشرقة التى تمطر حناناً ، أراد أن يحكى لها - كما طالما حكى قديماً - عادت الدمعة تناضل للخروج ،أغلق فمه رغما عنه.مكتفياً بالغوص فى ثنايا نظراتها ، غير أنه تذكر أنها التى تركته ، لم تخبره إنها ستمضى ، لم تشفع له العِشرة ولم يزكّيه الحب ..خرجت الدمعة بمرارتها عنوة الى عينيه ..( حتى اذا كانت أخبرتك أنها ستمضى ، ماذا كان بوسعك - بعكازك هذا- أن تفعل ؟) ..غطت الدمعة حدقتيه ..خشى أن تراها وتعرف أنها تسكن عينيه منذ تركته ..أدار وجهه متلهياً بالحجرة من حوله ..الحجرة التى شمت ريحها من قبل ..مد يده اليمنى يمسح عينيه، بينما اليسرى تمسك بالعكاز حتى لاينزلق من تحت إبطه ..الحجرة كما هى لم تتغير ...السرير المبعثر الفرش الذى يفتقد يدها التى طالما اهتمت به، الأريكة الخشبية أم صندوق التى كانت ترتب مساندها، وتغطيها بالقماش الوردى السميك الذى حاكته بيدها ، المائدة الصغيرة أمامها بمفرشها الأبيض وفوقه طفاية السجائر النظيفة دائماً ، النافذة التى استبدل زجاج ضلفة منها بورق كرتون سميك لحين ميسرة ، الصينية الألومنيوم التى تحوى القلة الفخار ، الستارة السمنية اللون المعلقة بدوبارة مربوطة بمسمارين أعلى إطار النافذة ، الطبلية الخشب المسندة على الحائط بجوارالباب ، وأخيراً الدولاب ذى الثلاث ضلف بعد أن فقد الرابعة ..عاد اليها غرز نظراته فى حبتى عينيها ..(هذا هو مكانك ..الم يوحشك ؟) ارتجف القلب ..أصرت الدمعة على النزول ..مد يده اليمنى يضغط بها عينيه ليمنعها ، وعاد اليها ..عيناها مازالتا باسمتين ، فيهما ذات الألق الذى طالما شده اليها ، قسماتها منبسطة راضية لاتشعر به ، ليس مهماً، المهم أنه يراها وكفى ..مرت برأسة خاطرة ابتسم لها ..( وجهك رغم تغضنه يحمل قسمات طفولية أحبها )..ومد يده كما طالما فعل يتحسس الوجه ..أحس برودة الزجاج تتخلل أصابعه ..لامس الشريط الأسود حول الإطار وهو يسحب يده ..انزلق العكاز منه ..تكاثرت الدموع على عينيه ..بكى!
االباب المغلق
قصة قصيرة
إرتفع رنين الجرس فى فضاء الردهة..هب مفيد من مرقده ..إتجه نحو الباب وهو يتساءل عمن سمح لنفسه بالمجىء الآن ..رمى بعينه يميناً ..حجرة الأولاد مغلقة حيث يخلعون ملابس المدرسة ، ويرتبون أشياءهم إنتظاراً لتناول الطعام ثم المذاكرة ..إتجه بعينه الى أقصى اليسار حيث المطبخ ، وسناءالتى تدور فى أرجاءه دون توقف ، تسابق اللحظات لتجهيز الطعام ..أكمل السير سريعاً ..خطوات معدودة هى ، يرى بعدها ذلك الذى أخذه من رقدته وجريدة اليوم التى كان يتصفحها ..فتح الباب ..صرخ من الفرح والدهشة معاً :-
- حنان !!
وشدها من يدها ..أطلت سناء من فرجة باب المطبخ ..إنقلب تقلص ملامحها الى ترحيب وانبساط ..تلقتها بالقبلات وهى تسأل نفسها عن سر هذه الزيارة التى لم تكن فى الحسبان ، فمنذ زمن ٍ ليس بالقليل لم تفكر فى زيارتهم ، هم أيضا ً لم يزوروها ، وأكتفى الطرفان بمحادثات هاتفية من وقت لآخر، وزيارات فى الأعياد للمجاملة ، أما فى الأيام العاديةوفى وقت العصر مثل الآن فالأمر يحتاج الى تفسير .
إستأذنت سناء فى العودة الى الطبخ ..أكدت عليها أن تجلس الى أخيها قليلاً حتى تعّد الطعام ..تلّون وجه حنان ..همست أنها لاتريد طعاماً ..نظر مفيد اليها بجواره ..الوجه غزته شيخوخة مبكرة ..مؤكد من أثر المجهود الذى تبذله والتوتر المستمر فى العمل ..سناء أيضاً تترك عملها عند الظهر ..تمر على السوق ..تدخل الشقة ..تجد الأولاد سبقوها وجلسوا فى حجرتهم ينتظرون ..تدْخّل المطبخ ..يكون هو قد وقف فى طابور العيش أمام الفرن بعد إنتهاء
عمله ثم يعود للبيت.
عاد اليها بجواره ..عيناها فقدتا بريقهما القديم ..صارتا تحملان دقائق وثوانى الزمن ..تهرولان بينها بلا توقف ..بينما الشعر القديم الذى كانت تفرده خلف ظهرها كأسلاك الحرير مقيد الآن خلف منديل أبيض يدور حول الوجه فى شحوب .
منذ شهور لم يرها ..مؤكد جاءت لتراه ..هى هكذا فيضٌ من حنان ..كانت أقرب شقيقاته اليه ومازالت ..هو أيضا كان قريباً اليها ..تصرفاتها معه كانت تقول هذا، رغم أنهما فى الصغر كانا دائمى الشجار لأنهما ولدا فوق رأس بعضهما، كما كانت تقول المرحومة أمه ..همست :-
- مفيد..أريدك فى أمر هام
حدق فى عينيها ..أكملت وعيناها تبحثان عن مهرب منه ويداها تضغطان بعضهما فى حجرها :-
-أمّر وزوجى بضائقة ،ولم أجد سواك
إرتفع صوت سناء قادماً من المطبخ ..سألته أن يساعدها فى إعداد المائدة ..همس وهو يقوم :- نتناول الطعام أولا
همس صوتها ملاحقاً خطواته المبتعدة:- لم آت لآكل .
مضى الى المطبخ ..همس لسناء بما لديه وعاد ينادى الأولاد ..التفّوا حول عمتهم فى حبورٍ ، بينما هى تتابع أخاها وهو يتحرك ..صورته القادمة من الماضى شدتها ..شتان بينه وبين ماكان
بعد الطعام دعاها الى حجرته ..كانت سناء بجواره ..حادثها أمامها ..مضت الى الباب محنية الرأس فى صمت ..جلس بحجرته هادئاً يحادث سناء ..إنتبه لأمه أمامه ترميه بنظرات الحنق ..تقلصت ملامحه وضاقت عيناه ..سألته سناء عما به ..لم يرد ..هرول نحو الباب ومن أعلى السلم صرخ :-
- حنان ..تعالى
اقاصيص
وحيدة -1
صرخت العصفورة فى العصفور مطالبة إياه أن يغادر العش فوراً ،فاض به الكيل من مضايقتها له ،استدار خارجاًيبحث عن عش آخر ، اما هى فقد راح صوتها ، وارتعد جسدها تحت الريش حينما صارت وحيدة
2- صوصو
قال العصفور للعصفوره :- صو صو
وهو يحلم بعش هادىء فى ليلة حالمة فوق فرع مثمر تحت قمر منير ..ردت العصفورة :- صوصو وفى مخيلتها حفل عرس يحضره الأهل والخلان ..قرأ مافى مخيلتها ،فرد جناحيه مغادراً لاحقه صوتها :- صوصو
قال وهو يواصل الإبتعاد :- صوصو ..صوصو
3- صاحب
حمل قلبه على يده وتقدم طالباً صحبتها ..نظرت الى القلب ملياً قبل أن تشيح بوجهها عنه قائلة :- لايكفى
وضع روحه على راحة يده الأخرى ..أخذتهما بأطراف أناملها والقتهما جانباً ..وصاحبت آخر !
4- غياب
فى لحظاتها الآخيرة معه رسمت على شفتيها نصف بسمة محلاة بالزهور ، صاغت من الحروف حللاً بيضاء تليق به ، و تألقت عيناها ببريق الفرح وهو يسلم مغادراً .. حينما تيقنت من غيابه اطلقت لدموعها العنان
5- صراخ
وصل متاخراً كالعادة ،قابله صراخها :-
- أين كنت ،ومع من ،ولماذا تأخرت ؟
أخرج ورقة من جيبه مكتوب فيها :-
- ألتمس أجازة الليلة من الصراخ لأننى مريض
ارتعد قلبها ، صرخت :- سلامتك .!
6- العودة
لم تكد تراه حتى انفجرت فيه ساخطة وهى تلعن اليوم الذى اضطرها لرؤيته ، وحين استدارت عنه تركت العنان لقلبها السعيد لكى يزغرد كيفما شاء فرحاً بعودته
7- بكاء
حينما ضاعت النقود من بين يديه خشى أن يعود الى البيت فيهان ، وارتعد من فكرة هجران البيت واثقا ً أنه لو فعلها سيضيع ..جلس مكانه يبكى
8- ماضاع
مد يده الى المارة مشيرا اليهم بالتوقف ..لم يعره أحدهم انتباها..ر ق له أحدهم ومد يده اليه ببعض المال ..همس وهو يرد يده شاكراً.. اسأل عما ضاع منى ..هل صادفته ؟؟
9- إطار
أنظر لها باكيا ..أشكو لها هجرها وأرجوها العودة ..لاتبالى بى كعادتها وتستمر بالضحك ..أمد يدى رابتاً الخد كما طالما فعلت تصطدم ببرودة الزجاج و شريط أسود أعلى الإطار ..تتسع عيناى..استدير صامتا متجها الى حيث لامكان
10- طلاق
صرخت فى وجهه ..طلقنى ..انتظرت أن يغادرها كعادته لحين إنتهاء ثورتها .. ظل متربصاً بعينيها ..يغرز فيهما حراب نظرات لم تعتد عليها ..خفت صوتها قليلا..طلقنى ..ثم لم تلبث أن لاذت بدموعها فى صمت لم يخل من قلق
11- ذنب
برر ذنبه بعبارات مغسولة بمرارة الندم وحرارة التوبة ..كانت تنصت له وملامحها صحراء عاصفة الريح ، بينما قلبها ترفرف على روابيه رايات الصفح والمغفرة دون حاجة لحروف أو كلمات
12 - القطار
نزل أحدهم من القطار فى ذات اللحظة التى صعد اليه آخر ، اختلطت دموع فرح من أعين نابضة بالشوق على الرصيف بدموع حزن نزفتها أعين أخرى ..لم يبال القطار بالإثنين واكمل سيره
13- الهدية
فى عيد ميلادها الجديد قدمت لها وردة وبسمة وتمنيات طيبة كالمعتاد ..نظرت بأعين غيرت نظراتها السنة الفائتة ، وهى تلقى بكل هؤلاء جانباً وتقول:-
- شكراً على كل هؤلاء ..لكن ..أين الهدية ؟
14- نكتة اليوم
(1)
قبل الصدمة مباشرة
كان أحدهم يسير محاولاً حساب المبلغ المطلوب منه بالضبط لإتمام زفاف إبنته ، ويفتش فى ذاكرته عن مورد دخل يكون قد نسيه فى زحمة النسيان التى تعتريه هذه الأيام .
بينما آخر وسط الطريق يطير، واضعاً يده اليسرى على مقود سيارته ، و اليمنى تسند الهاتف على أذنه ، وهو يطلب من صديق انتظاره مؤكداّ أنه لن يتأخر .
(2)
بمجرد حدوث الصدمة
حاول أحدهم القيام من الأرض بسرعة للحاق بموعد عمله حتى لايحتسب تأخير ويخصم من راتبه شيئاً.
بينما حاول الآخر الانتهاء من الأمر سريعاً للحاق بأصدقاءه للإستماع الى أحدث نكتة قيلت اليوم حتى لايفوته منها حرف .
(3)
بعد الصدمة مباشرة
سارأحدهم سعيداً متهلل الوجه وهو يقبض بأصابع مرتعشة على جناحى رزمة من أوراق البنكنوت هبطت عليه من حيث لايدرى ، محتسباً نفسه من أصحاب الكرامات لتحقق أمله بهذه السرعة ، متغاضياً عن الم جنبه الأيمن وكدمات ساقيه ووجهه .
بينما الآخر يضغط على البنزين أكثر محاولاً اللحاق بنكتة اليوم !!
15- إغتيال
قصة ق ج
أراد أن يغتالها ..جلس هادئاً على حافة السرير غير ملقٍ بالاً لها ، يعرف جيداً أنها تنتظره منذ دقائق أو ساعات ، لايهم ، نفث دخان سيجارته بهدوء قاتل ، قام ليرتدى ملابس الخروج التى خلعها تواً ، سألته بحروف مغسولة بالعجب:-
- الى أين فى تلك الساعة المتأخرة من الليل ؟
لم يبال بالرد عليها ، ومثلما عاد منذ لحظات خرج !!
الساعى
قصة قصيرة
(1)
رأيته قراراً حكيماً أن أضع الشمس و القمر والنجوم جميعاً فى جيبى ، وأسير مختالاً ، حاملاً صمت العظماء وهم ينظرون من فوق السحب الى الخلق ، شاعرين أنهم يتصدقون عليهم حينما يشرفونهم بالنظر اليهم ، أنظر أنا ايضا من فوق سحابة تعلو الرؤس ، ماضياً فى تؤدة وسط الطريق الذى يفسح أرجاءه مرحبّاً بى ، وانا أضع يدى فى جيبى قابضاّ على النقود فى عزم ، تلك النقود التى رفرفت بجناحيها محلقة فوق رؤس العاملين بالمصنع، باحثة عمن يستحق أن تنعم بالأمن والدفء بين يديه ، مكافأة لم تكن لها سيرة فى بال ولاصورة فى خيال ، أتت كما تحكى الأساطير وأسفار المعجزات قاصدة جيبى أنا دون جيوب غيرى ، الأروع أنها فرصتى الذهبية لأقتنى مالاً لى وحدى ، واثقاً أنى إن لم أحافظ عليه ستأسره يد لها مخالب قوية لا تفلت ماتنطبق عليه خاصة اذا كانت أوراق بنكنوت ، الغريب أن تلك الأوراق دون بقيةأوراق الكون لاتحب الخشونة ، وتنفر من العنف رغم أنها السبب الأساسى والمباشر فيه ، وعليك لكى تكسب ودها أن تفتح لها فمك باستمرار صانعاً بسمة مقعرة السطح ، و أن تصون كرامتها بالا تنقص منها ، وهذا لايتأتى الا لأصحاب النقود .. مثلى الآن !
.....................
(2)
ذلك الكائن المسمى زوجتى له فى عينيه مآرب أخرى ، تلك الأعين لاترى فقط مثل بقية الكائنات ، هناك قرون إستشعار تتحسس النقود ، وأشعة سينية تخترق الجيوب ، وخلف كل عين قلب لايشم فى الكون كله الا رائحة النقود ، متى ماارتفع صراخه نابضاً فى عزم بجوارك فاعلم أنك قد وقعت فى المحظور ، وأنك لن تفلت من التفتيش متيقظاً كنت أو نائماً ، ولن تتركك لحالك الا بعد الإستيلاء على مالديك راضياً أم رغماً عنك ، وياويلك اذا أبديت التذمر أو طفا على سطح ملامحك ماينبىء عن شىء من ضيق ، لحظتها ستنفجر طاقاتها الصوتية العالية الكفاءة فى وجهك ، وستجد أنك أمام مأساة أنت السبب الوحيد فيها ، فالبيت الذى هو مسئوليتك المباشرة وأمانتك التى أتمنت عليها والذى تنعم فيه بما لم يره أحد من النوم والراحة والطعام ..و..و! هذا البيت يئن من الألم بسببك ، فأنت بكل جبروتك وظلمك لم تعطه حقه المشروع فى المعيشة الكريمة ، وبخلت بما لديك ، وتركته عاجزاً عن سد حاجاته الطبيعية ، ولكى تعرف جيداً مقدار العجز والإحتياج الذى يعانى منه ذلك المسكين الذى ينتسب رغماً عنه اليك أنظر حولك ، جميع الجيران لديهم ماليس لديك ، وعندهم ماليس عندك ، وكل هذا لأنك مقصّر وبخيل ، لاتقدر الأمانة ولا تحفظها ، ولاتنظر بعين الرحمة الى ضعف ذلك الكائن الملائكى الذى هو زوجتك ، وهى تمنح هذا البيت عصارة جهدها ، ورحيق عمرها الذى ضاع فى بحر جحودك ..يحدث كل هذا ويداها تنهشان جيوبك نهشاً وتصادران كل مافيها ، عدا مايعد حداّ للكفاف ولايضرها وجوده معك فى شىء ..لذا عليك أن تنتبه لهذا وانت مقبل الآن – لامفر - على الدخول الى عرين الأسد ، عليك أن تحسب حساب عينيها وقرون إستشعارها ومقدرتها الفائقة على شم أوراق البنكنوت والله المستعان !
...............
(3)
لأوراق البنكنوت وهى ملكك رائحة تختلف عنها وهى ملك لغيرك ، قد تكون فى الحالتين بين يديك ، تقبض على جناحيها حتى لاتنتهزفرصة وتطلق جناحيها للريح ، لكن الأمر يختلف تماماً ، فأنت حينما تأخذ النقود مقيدة بمظروف أبيض من شباك الصراف المتجهم الوجه ، متجها بها الى إمرأتك المتجهمة الوجه ايضا ، تشعر أنك ساعى بنكنوت ، تنقلها من يد الى أخرى وتأخذ نظير هذا منحة تسمى مصروفك الشهرى ، وهو مسمى كما يبدو من إسمه جاف وحروفه يابسه ، ولم يعد له معنى الآن خاصة فى ظروف الغلاء هذه التى تتعملق فيها الإحتياجات ، بينما هو يتقازم دون أن تملك حق الإعتراض أو طلب الزيادة ، لأنك تعرف جيداً الرد التى تعلقه زوجتك خلف باب حجرة النوم ، والتى تستطيع أن تتلوه عليك كلما لمحت فى عينيك نظرة تدل على احتمال حدوث تمرد أو تفكير عابر بالشكوى ، مما يضطرك الى الصمت .. فى تلك الحالة وأنت ساعى البنكنوت تظل الشوارع متجهمة ، والشمس شاحبة ، والطيور على جانبى الطريق تدور حول نفسها بلا معنى ، بينما الكائنات المتناثرة هنا وهناك والتى تسمى بشراً تمضى بلا عيون ، مكتفية بقرون إستشعار توجهها الى حيث تريد الظروف والحاجات ، أما وأنت تسير مثلى الآن فارداً ذراعيك على الكون ، ممتطياً سحابة ناصعة البياض ، محدقاً فى الخلق بعينّى حاكم بأمره ، بينما الطيور حولك تغرد أغنية ولا أروع ، والأشجار تتمايل غصونها فى دلال ولا أجمل ، والبيوت تبتسم راضية ، والوجوه ضاحكة ، والعيون أحداقها لامعة ، وانت تمضى بين أكف الهناء ، يداك فى جيبك ، والنقود ضامة جناحيها فى نشوة وراقدة فى تنعم فى جيبك ، و لقب ساعى البنكنوت للمرة الأولى يتوه عنك ، يدفعك أحدهم فى كتفك فتبتسم له معتذراً بدلاً من غضبك المزمن ، تقابل جارك الكريه ذى الصوت العالى الذى يطلق صوته ثعباناً ليلياً ينفذ من النوافذ والأبواب الى حيث يلدغ أذنك بلا رحمة فتسلم عليه الآن بحرارة ، وتقترب من البيت ، ترفع عينيك الى المدخل المظلم وتفيق من نشوتك ، النقود فى جيبك ، وقرون الإستشعار موجودة ، والأيدى ذات المخالب جاهزة .. يرفرف قلبك فى فراغ صدرك مذعوراً ، متسائلاً بهلع كيف أفلت من قبضتها ؟
................
(4)
لاتظهر العبقرية الا وقت الحاجة ، وهذا يدل على أن العقل يحتاج دائما لمن يضيق عليه ويخنقه بما لايقدر عليه لكى يثار ويعمل ، ويجد طريقاً للخلاص ، أما اذاتركته دون ضغوط فسوف ينعم بالخمول دون إبداع خاصة عقلى ، تركته سنوات دون أن أفكر فى تعكير صفوه ، تاركاّ له حرية الحركة دون ضغوط ، فما كان منه الا أن أخذ ركناً قصياً فى فراغ دماغى ونام فيه هانئاً ، واثقاً أننى لن أفكر فى إيقاظه ماحييت .. الغريب أن سنوات طويلة مرتً ولم أفكر أن أوقظه الا اليوم ، وفى تلك اللحظة بالذات وأنا أصعد درجات سلم بيتنا المتآكلة ، بدرابزينها الخشبى المتهالك ، بظلمة الأدوار الأولى نتيجة إحتراق لمبة السلم ، ورفض الجيران وانا منهم شراء لمبة جديدة الا أول الشهر، الآن فقط طلبت منه ملحّاً أن يجد لى مخرجا فورياً من ذلك المأزق ، أخذ يتثاءب قبل أن يحدق فى الظلمة ، ودار حول نفسه دورات سريعة ثم أشار علّى بالحل (هى قد تمد مخالبها الى ملابسك ، ولكنها لاتهتم بالحذاء ، ضع النقود فى الجورب ، فاذا دخلت إخلع نعليك هادئاً وإشغلها بحديث تافه ، وليكن لمبة السلم المحروقة وخشيتك من التعثر فيها ، أنت تعلم أنها تخشى عليك بصفتك ساعى المال الأمين الذى اعتادت عليه ، سوف تناقشك فى الأمر ، خذها وتحرك بعيداً عن الحذاء ، وبعدها حين تتاح لك الفرصة انقل كنزك الى مخبأ أمين ) ..هزتنى النشوة لهذا الحل ، نفذته وطرت راضياً الى أعلى .
.................
(5)
حسنا فعلت ذات المخالب ، مضت وأخذت مخالبها معها ، الأولاد وحدهم ، ضجيجهم يدل عليهم ، هى على الأرجح فى السوق ، تقدمت نحو الباب ، قبل أن أضع المفتاح فى الطبلة رأيته يفتح على مصراعيه ، أولادى الثلاثة وسط الردهة ، زوجتى تقف فى الوسط بعينين داميتين، تحملق بنظرات بلا معنى من مكانها نحوهم ، ويداها الى جانبها خاليتان من المخالب ، مضيت لاشعورياً الى جوارها أسألها عما بها ، القت الّىّ بنظرات مرهقة وهى تسألنى باكية :-
- الا تملك شيئاً آخر غير السؤال عما بى ؟
تفجرت الحيرة فى صدرى أنهاراً ، أعدت السؤال بصوت أعلى
- مابك ؟
أدارت وجهها عنى ، أعطتنى ظهرها ولم تنبس بحرف ، ازدادت مساحة القلق فى صدرى ، هطلت أمطار الظنون ، حلقت طيور سوداء فى سماء مخيلتى ، ورأيتنى وسط ظلمة الهواجس أدور بلا حول ، أعدت عليها السؤال بصوت أعلى عن ذى قبل ، استدارت الّىّ ، حدقت عيناها الحمراوين فى عينى:-
- أولادك يحاكموننى
هدهدت نبضات قلبى المذعورة واحتميت بظلال الهدوء معيداً ذات الكلمات محاولاً استيعابها :-
- أولادك يحاكموننى !!
ودرت ملقياً بنظراتى نحوهم ، وجوههم تنطق بما يريدون ، أعينهم تصرخ بما يطلبون ، ، حاولت أن أهمس مثل كل مرة بطلب الصبر ، لم أستطع ، رأيتنى أخرج النقود ، الّوّح بها أمام أعينهم فى صمت ٍ ، و رأيت أيديهم تستطيل ، ينبت لها مخالب ، المخالب تمتد ،أستغيث بزوجتى ، عيناها تبرقان ، يداها ترتفعان ، مخالبها تمتد .. لم استطع الصراخ وهم يتجهون الّى !!
الزلزال
قصة قصيرة
دخل البرعى السوق فاردا ً صدره كعادته حينما يسيررافعاً ذقنه لأعلى ، ناظراً فوق رؤس البشروالأشياء ، واثقاً أن النظرات أينما حل تنصب عليه ، رأه الباعة وسطهم ، توقفت الألسنة فى الحلوق ، إنشّدت الأعين اليه واتسعت الآذان ..دار الهمس عبر العربات الخشبية الصغيرة المتراصة بطول السوق عن سبب حضوره ، مؤكداً وقوع أمرٍ جلل ، أمر ٍ يستحق أن يجىء بنفسه اليه ، والا كان سيرسل أحد صبيانه بما يريد، خاصة أنه لن يجرؤ أحد على اعتراض أمر أو رفض قرار .
قال أحد الباعة لزميله متسائلاً:-
- هل يتعلق الأمر بمعركة الأمس بين منصور وحمدان ؟
أشاح الآخر بيده هامساً :-
-لا اظن ، خاصة أن منصور هو المخطىء
- لكن منصور صبى البرعى ، وهو عينه فى السوق
- وهل يأتى بنفسه الى السوق من أجل حمدان ؟
تابع الأول الموكب متشاغلاً عن صاحبه هامساً فى ذات الوقت :-
- سنرى
بينما حركة البيع لاتتوقف ، بضاعة توزن وأخرى تباع ، ووراء هذا أعين وهمسات تتابع الرجل ، تلاحقه بصدره العريض وجلبابه الرمادى المفتوح الطوق وخاتمه الذهبى الذى يضوى فصه الأزرق تحت ضوء الشمس ، ورجاله حوله أعينهم تدور فى المكان ، أعين حجرية تفتش الوجوه وتراقب القسمات ، والويل لمن يخرج عن قانون السوق أو يفكر فى العصيان ..اكمل الموكب سيره حتى وصل الى حمدان ..توقف البرعى ، حدق فيه بعينين تتأجج فيهما نيران الحقد .. قالت فاطمة التى كانت تجلس أول السوق أمام عربتها لنفسها بتوجس :- هل جاء كل هؤلاء لحمدان ؟
هزت رأسها بقلق ، دارت عيناها هنا وهناك تتابع الأعين ،تحاول أن تستشف شيئاً ، لم تستطع ، استدارت الى جارتها هامسة بقلق :- - أخشى على حمدان
رسمت الجارة ضحكة بالكاد على شفتيها :-
- حمدان لايُخشى عليه
ازداد القلق تعملقاً فى صدرها ، عادت نظراتها تتقافز فوق الأشياء والأشخاص ، لاتستقر على شىء ، حمدان وحده ، الكل عليه ، قامت عن بضاعتها مهرولة فى ذات الإتجاه الذى قصده البرعى
........................
نظر حمدان فى عينى البرعى ، عيناه ضيقتان فيهما لمعة مكر وشراسة ، شفتاه غليظتان تنطبقان على أسنان صفراء متعرجة الحواف بينها لسان حاد خشن الكلمات ، بينما الفص الأزرق فى خاتمه الذهبى يضوى تحت نور الشمس ..قبضت أصابع حمدان على حافة العربة المتآكلة ، تشبث بها محاولاً إخفاء الرجفة التى غزت أطرافه، بينما الأفكار تتصارع فى فراغ دماغه ..(لن ترفع رأسك ثانية ياحمدان.. سوف يتفرج عليك الخلق..وفاطمة زوجتك معك ..لن يرضى بأقل من طردك من السوق ..ستخرج والهوان ..تشيعك الأعين بالشفقة المعجونة بالإحتقار )
زأر البرعى فى وجهه :-
- لاتدخل السوق بعد اليوم
ازدادت أطرافه ارتجافاً ، بينما نظراته رغماً عنه مصلوبة على العينين الناريتين اللتين ترميانه بشرر النظرات ..كان الصوت غليظاً نبراته محشوة بالتهديد ، تلقفته آذان متحلقة وأعين متسعة ، غير أن أحداً لم يجرؤ على الإعتراض ، أما حمدان فقد استطاع أخيراً القاء نظراته أرضاً وهو يشعر أنه لانجاه من قدر مكتوب ، تربص به البرعى وعرف كيف يصيده وفى وضح النهار ، والسبب المعلن الدفاع عن منصور.. ( من يقف بجوارك الآن ياحمدان وبلدياتك وأقاربك كلهم لايملكون الجرأة للوقوف امام البرعى .؟ ..مؤكد الكل سيكتفى بالفرجة ..القريب والغريب ..سينظرون اليك ..يشفقون عليك ويمصمصون شفاهمم ويهمسون بكلمات العطف ، وقد يندفع البعض ويلومك على تهورك وسوء تصرفك ..بعدها ياحمدان تصبح سيرتك مضغة فى الأفواه ..حكاية للتسلية ..وياويلك بعدها اذا رفعت رأسك أمام أحد وقلت انا) ..رفع رأسه لأعلى ، بلمحة من عينيه رأى الشمسية أمامه ، يدها قوية ، لو ملكها يستطيع أن يصمد لبعض الوقت ،عاد الى الوجوه من حوله ،نحاسية الخلايا ، عيونها حديد ، أجسادها كجذوع الشجر ، تنفخ النار من أفواهها ، وهى تحيط بالبرعى ، يحكم بها السوق ، يرصها حوله ، يبث بها الرعب فى القلوب ، يقهر بها إرادة الباعة ، يقطع عليهم فرصة أى تفكير فى إعتراض ، يفرض الإتاوة ، يطرد أحد الباعة ، يضرب آخر ، لا أحد يقول لا .أخيراً عاد اليه ..تلاقت النظرات من جديد ..رد بصوت حاول أن يجعله هادئاً :- لك ماتريد .
نفخ البرعى صدره وهو يستعرض العيون من حوله ، بعدها رفع رأسه لأعلى شامخاً :-
- والآن بأمر البرعى ..منصور يأخذ حقه
تفجرت عينا حمدان فزعاً وزاد الدق فى جدران جمجمته ، يريد للمهانة أن تبلغ حدها ، يسلط عليه أحقر صبيانه ، يريده أن يكون عبرة للسوق من بعده .
اشار البرعى لمنصور ، تقدم حاملاً عصاه متحفزاً ، تراجع حمدان خطوة ، تقدم منصور ، ومرة واحدة وبأسرع مايمكنه أطاح حمدان بالشمسية وسحب يدها وتقدم نحو منصور الذى تراجع رغماً عنه وسط الحشد المحيط بهما ، حاولت فاطمة رؤية مايحدث أو النفاذ من بين الأجساد المتلاحمة ، لم تستطع ..استمعت الى التعليقات الخافتة ..صرخت ..ضاع صوتها وسط غابة الأصوات ..بكت .
.................
رفع منصور عصاه وتقدم ، وجهها الى رأس حمدان ، أفلت منها ، عاد للهجوم والسباب ووجها الى الجذع ، صرخت فاطمة من جديد ..حاولت شق الصفوف ، لم تفلح .. منصور جسده ضئيل ، صدره ضيق وذراعاه نحيلتان ، يملك لساناً حاداً والفاظاً لاسعة .. رفع عصاه حانقاً ، هبط بها قوية على رأس حمدان ، تلقاها فى الهواء وبضربة بارعة أطارها بعيداً وعلى مهل أخذ يقترب منه ، هرول ملتاعاً ناحية البرعى الذى أزاحه جانباً وتقدم وهو يرمى حمدان بشرر نظراته ..استطاعت فاطمة شق الزحام وانسلت من بينهم الى الأمام ،بينما البرعى وقد قرر تأديب حمدان بنفسه يتقدم فارداً صدره رافعاً خاتمه فى وجه الشمس ..تشبث حمدان بيد الشمسية بكل قواه وهو يبادل البرعى النظرات ، تقدمت فاطمة سريعاً ووقفت الى جواره ، لم يبال بها البرعى ، مد يده مرة واحدة الى طوق جلباب حمدان الذى شعر من داخله بتسليم عجيب للرجل رغم أنه منذ لحظات كان يقف نداً له يرمقه بنظرات الغضب ، لكنه من أعماقه لم يحلم بأن يقف للبرعى ، يواجهه أو يقول له لا ، لايعرف إن كان هذا خوف من شخصه الذى تعّود أهل السوق أن يهابوه ، أو هو خوف من قوته التى يحكون عنها ، أو الرجال الذين حوله ، حاول رفع يده وتخليص طوقه من قبضته لم يستطع ، شعر بالإختناق والرجل يعتصر طوق الجلباب بيده ويقول بصوت هادر :-
- سترحل الآ ن
ويستدير نحو فاطمة بشرر النار ،يمسك رأسها بيده الآخرى عاصراً بكل قوته :- ومعك هذه
ليهتز السوق بكل مافيه وهو يرى حمدان يتحرك ، يدفع اليد عن طوق جلبابه، يخلص رأس إمرأته من اليد الأخرى، يصفعه البرعى على وجهه بكل قوته ، يرد الصفعة بمثلها .. يمد الباعة أعناقهم منتظرين أن يروا القوة المدمرة تدك حمدان ، تسحق عظامه وتهرس لحمه ، ولا تبقى منه شيئاً ، ليعلم من فى السوق مصيرهم إن فكر أحدهم أن يقول لا ..علّمت الأصابع اليابسة على خد البرعى الغليظ وتركته مضطرب الأنفاس فاغراً فاه ، وصدره كمرجل يوشك على الإنفجار ، وهو ينظر اليه محاولا ًجمع شتات نفسه واستيعاب انه تجرأ ومد يده وأمام الخلق دون خوف ، تحسس خده صارخاً :-
- ماذا فعلت يابن الكلب
ورجاله مصلوبون على حرف دهشتهم ، سادرون فى صمتهم لايعرف أحد إن كانوا يرون أن حمدان أقل من أن يتكاثروا عليه ، أم هى تعليمات البرعى ، أم أن المفاجأة شلّت فكرهم فوقفوا مثل الآخرين يتفرجون .
عاد البرعى يرفع يده الغليظة الى وجه حمدان ،إهتز الوجه تحت ثقل الكف المدججة بالخاتم الذهبى ذى الفص الأزرق ،علّمت عليه الأصابع بخطوط من نار ، لم يحنى رأسه ، ظل محدقاً فى عينيه ، وبكل قوته رد القلم ..انفجرت الحروف سباباً على شفتيه وهجم يريد خنقه ، غير أنه رأى نفسه يرتفع فى الهواء إثر حركة مباغتة من الآخر، يقع أرضاً ، يتلطخ خاتمه الذهبى بالطين ..وحمدان يعلوه .. بينما الأعين هناك تنظر بلا خوف !!
ذاكرة المغيب
قصة قصيرة
فى الساحة الواسعة أمام البيت سرادق كبير ..زحام ملون ..زغاريد منتشية ..ضحكات مرحة..وفرقة موسيقية لا يكاد يسمعها أحد من بحر الضجيج.. الى جوار باب البيت مباشرة تقف )هى ( متشحة بالصمت ..عيناها سارحتان عبر فيافى الأنين ..تفيض دموعها ليس الى خارج مقلتيها مثل بقية الدموع ، لكن الى الداخل حيث تغرق القلب ، وتملأ الجوف بتلاطم وفوران يجعلها بين الحين والآخر تصل الى المقل ، مما يضطرها الى إسدال أستار جفنيها الشفافة محاولة صدها ، يبدو الكون حينها متأرجحا لايثبت على حال بينماالزغاريد عويل .
بالداخل وفى مقدمة السرادق تبدو (حنان) كما لم تبد من قبل ، بيضاء الثياب والوجه ، دافئة العينين ، تبعثر البسمات بلا حساب على الحضور.. تلاحقها (هى) من مكمنها وقلبها الغارق فى دموعه تتأجج فيه النيران ، تتذكر نعت أبيها لها : حنان جبل الجليد هاهو جبل الجليد يتحرك ، يتحول الى جبل من نور ، فيض من حنان ، كأنما لم يكن بالأمس جامداً حتى النخاع . حنان ذات القناع الزجاجى تتفتح أمامها الأبواب ، شامخة تبدو ، متألقة العينين بلمعة الظفر ، شبابها الغض يفرض ياسمينه على الحضور ، ترمقها العيون كما لم ترمقها من قبل ..خلعت قناعها الثلجى وانفرجت قسماتها وارتدّ ت الى أنوثتها ناضجة شهية ، يغزو شبابها العيون .. أما ( هى ( أختها الكبرى جبل النار كما يسميها أبوها لثورة لسانها التى لاتهدأ ، وصراحتها الزائدة ، فتنزوى الى جوار جدار متهالك الطلاء ، تنهش اللحظات لحمها دون أن تبدى الماً ، تفرح لحنان وتسعد لسعادتها ويملأ البشر ملامحها حيناً، وحيناً آخر تغزوها الأفكار الأخرى ، فتفيض الدموع ويعبس الوجه وتقطب الجبين ، وترى الكون ظلالاً وأشباحاً لا ملامح لها ، تبحث عن بسمة تلصقها على وجهها خشية أن يكتشف أحد - خاصة أمها - أنها فى هذا اليوم بالذات لاتملك بسمة ، تدير عينها الزائغتين ، تقتبس من الوجوه حولها بسمات ملصقة بعناية فوق إنقباض الملامح ، تبدو على وجهها بسمة مغسولة بماء الدموع ، تثور فى قلبها النبضات ، تفر منها باحثة عن أمها ، تنطلق نحوها بلهفة غير أنها تتوقف ، نور الفرح يغزو وجهها ، تفرح لحنان الصغرى وهى تنساها ، تنساها !!
بالأمس بكت من أجلها ..سألتها كما سألتها مراراً : -
- اليس لك أصدقاء ، زملاء عمل .. مثل حنان ؟
رمت بنظراتها الى الأرض ولم ترد ، هناك زملاء ، أصدقاء ، لكن أنا جبل النار كمايدعونى أبى أتحول الى جبل جليد اذا تجرأ أحدهم وفكر فى ملاحقتى .
فى الساحة الواسعة أمام البيت سرادق كبير ..زحام ملون ..زغاريد منتشية ..ضحكات مرحة..وفرقة موسيقية لا يكاد يسمعها أحد من بحر الضجيج.. الى جوار باب البيت مباشرة تقف )هى ( متشحة بالصمت ..عيناها سارحتان عبر فيافى الأنين ..تفيض دموعها ليس الى خارج مقلتيها مثل بقية الدموع ، لكن الى الداخل حيث تغرق القلب ، وتملأ الجوف بتلاطم وفوران يجعلها بين الحين والآخر تصل الى المقل ، مما يضطرها الى إسدال أستار جفنيها الشفافة محاولة صدها ، يبدو الكون حينها متأرجحا لايثبت على حال بينماالزغاريد عويل .
بالداخل وفى مقدمة السرادق تبدو (حنان) كما لم تبد من قبل ، بيضاء الثياب والوجه ، دافئة العينين ، تبعثر البسمات بلا حساب على الحضور.. تلاحقها (هى) من مكمنها وقلبها الغارق فى دموعه تتأجج فيه النيران ، تتذكر نعت أبيها لها : حنان جبل الجليد هاهو جبل الجليد يتحرك ، يتحول الى جبل من نور ، فيض من حنان ، كأنما لم يكن بالأمس جامداً حتى النخاع . حنان ذات القناع الزجاجى تتفتح أمامها الأبواب ، شامخة تبدو ، متألقة العينين بلمعة الظفر ، شبابها الغض يفرض ياسمينه على الحضور ، ترمقها العيون كما لم ترمقها من قبل ..خلعت قناعها الثلجى وانفرجت قسماتها وارتدّ ت الى أنوثتها ناضجة شهية ، يغزو شبابها العيون .. أما ( هى ( أختها الكبرى جبل النار كما يسميها أبوها لثورة لسانها التى لاتهدأ ، وصراحتها الزائدة ، فتنزوى الى جوار جدار متهالك الطلاء ، تنهش اللحظات لحمها دون أن تبدى الماً ، تفرح لحنان وتسعد لسعادتها ويملأ البشر ملامحها حيناً، وحيناً آخر تغزوها الأفكار الأخرى ، فتفيض الدموع ويعبس الوجه وتقطب الجبين ، وترى الكون ظلالاً وأشباحاً لا ملامح لها ، تبحث عن بسمة تلصقها على وجهها خشية أن يكتشف أحد - خاصة أمها - أنها فى هذا اليوم بالذات لاتملك بسمة ، تدير عينها الزائغتين ، تقتبس من الوجوه حولها بسمات ملصقة بعناية فوق إنقباض الملامح ، تبدو على وجهها بسمة مغسولة بماء الدموع ، تثور فى قلبها النبضات ، تفر منها باحثة عن أمها ، تنطلق نحوها بلهفة غير أنها تتوقف ، نور الفرح يغزو وجهها ، تفرح لحنان الصغرى وهى تنساها ، تنساها !!
بالأمس بكت من أجلها ..سألتها كما سألتها مراراً : -
- اليس لك أصدقاء ، زملاء عمل .. مثل حنان ؟
رمت بنظراتها الى الأرض ولم ترد ، هناك زملاء ، أصدقاء ، لكن أنا جبل النار كمايدعونى أبى أتحول الى جبل جليد اذا تجرأ أحدهم وفكر فى ملاحقتى .
تنتبه للزفة تتحرك ، يدق قلبها بقوة وهى تسمع عويل الزغاريد وصراخ الموسيقى ، تتدافع الأجساد ، ترن الضحكات ، تستند على الجدار خلفها ، تترنح النبضات فى جوفها ، يترنح الكون ، تختلط الأشياء ، تبدو جميعها ظلالاً سوداء ، وتغيم الوجوه ، تتحول الشفاه المفتوحة للإبتسام الى كهوف سوداء ، تبرز من أحشائها أنياب ماصة للدماء ، يترنح الجسد ، تحاول الصراخ ، الإستناد على الجدار ، تمد يديها بعد أن أعياها البحث عن لسانها وفمها ، اليد تستغيث ، لا أحد يسمع إشارة اليد أو يفهم لغة الأصابع ، تتفجر عروقها بالدماء اللاهثة عبر دروبها ، تذكر أمها و هى ترد تحية المدعوات بزغاريد أعلى وأطول ، تذكرها وهى تمتطى جواد الفرحة غير عابئة بنظراتها الكسيرة وهى ترقبها على البعد ، أمها التى بكت من أجلها بالأمس تنساها الآن وتعيش لحنان ، تذكر كيف رمقتها بلوم على البعد ، وكيف أنهالم تبال بنيران نظراتها ، وراحت من ركن الى آخر تداعب المدعوين والمدعوات ، تمطر عيناها الفرحة نقاطاً تتناثر حولها ، تذكر أنها ذهبت اليها ، شدتها من يدها :- أريدك يا امى
وكيف ربتت خدها برفق وهى تغادرها : - سأعود اليك
تذكر كل هذا لحظة المغيب وعيناها تنغلقان رويداً.. وهى تهوى !
وكيف ربتت خدها برفق وهى تغادرها : - سأعود اليك
تذكر كل هذا لحظة المغيب وعيناها تنغلقان رويداً.. وهى تهوى !
.....................