بسم الله الرحمن الرحيم
ليل وضحكات
مجموعة قصصية
بقلم
محمد عباس على
إهداء
الى تلك التى صارت دنياى
أقدم بعضاً من عالمى
فهرس
........
1- الكرسى
2- الوصية
3- المضمار
4- الكلب
5- كارت شحن
6- خواء
7- لسعة برد
8- ليل وضحكات
9- الشجرة
10- الخصم
11- مشوار
12- نواقيس الألم
13- غيبة
14- لحظة شروق الشمس
15- الجنة
16- بسمة أبى
17- حفلة عرس
18- عودة الميت
19- فقد صديق
20- ترقية
21- تحريات
22- الهاتف
23- انتظار
24- زيارة ليلية
25- الفراشة البيضاء
26- ثورة ظل
27- طقوس ليلية
28- أزمة مرور
29- اللوحة
30- مغادرة
31- القرار
32- مهوى
33- الشاهد
34- الغائب
35- الأستاذ
2
الكرسى
انتشر الخبر فى الإدارة فوراً
(رمضان الصاوى ضُبط متلبساً بالسرقة )...الكل رفض التصديق ..قالوا :- محال ،الرجل شب وشاب على الإستقامة ، ربى أولاده عليها ، ثم إنه بعد أشهر قليلة سيخرج الى المعاش ..فكيف يلوّث سمعته الآن ؟
قال العالمون ببواطن الأمور :-
- بل سرق ، الأمن ضبطه وهو يخرج من الباب الرئيسى وفى عز النهار .
سأل أحد المتطفلين :- وماهى المسروقات ؟
قيل :- كرسى رئيس مجلي الإدارة !!
...............
حينما سُئل الأستاذ حامد رئيس مجلس الإدارة الجديد فى هذا قال :-
- رمضان لم يشد انتباهى ..لا أعرفه ..وبالتالى لا أملك الحكم عليه ..هو رجل ينظف المكتب فى غيابى ،يجلس أمام الباب فى وجودى ،يحضر المشروبات اذا طلبتها ،غير هذا لا أعرف عنه شيئاً.
سأله المحقق :- هل ترى أن نتغاضى عن فعلته ؟
أشاح بيده فى لامبالاة :- أمره متروك لكم
...............
بسؤال الأستاذ صالح الرئيس السابق لمجلس الإدارة أثنى على رمضان ، قال إنه طيب القلب، بسيط ، لم ير منه طوال عشرته الطويلة معه الا وجهاً باسما ً وعينين راضيتين .
قيل له :- وماذا فعلت حينما أتى اليك بالكرسى ؟
قال :- رددته فوراً
سئل ثانية :- ولماذا أخذ الكرسى أصلاً وأتى به اليك ؟
أجاب وقد تغير وجهه:- اسألوه فى هذا .
........................
نظر المحقق الى رمضان مدققاً ،فحصه من أسفل الى أعلى ..يرتدى جلباباً أزرق اللون ،يتعثر فى مشيته بقامته القصيرة ،أسمر اللون ،منبسط الأسارير ،أشيب شعر اللحية والرأس ،تملأ الأخاديد وجهه ..أشار اليه بالجلوس ..سأله عن أمره ..قال :-
- الأستاذ صالح عزيز علّى ..رجل متواضع وسلوكه طيب معى ..تأثرت كثيراً لفراقه .. سمعت أنه حزن جداً لأنه ترك الكرسى ..صار ضعيفاً ..بائساً ..طاعناً فى السن ..هو الذى كان قبل أن يفقد الكرسى سليماً باسم الوجه..عرفت أن سبب هذا هو الكرسى ، وأنه بدونه جرى له ماجرى ..أخذت الكرسى اليه ..هو بحاجة له ..رئيس المجلس الجديد يستطيع أن يطلب غيره .
تبسم المحقق ، سأله وهو يتابع تعبيرات وجهه:-
- لكنه رفضه ياعم رمضان
عبست أساريره واندفع قائلاً :- وهذا مايحيرنى !
الوصية
تقدمت الأحذية بقوة ، دفعت الباب بعنف، إرتطم بالحائط،إهتز بقوة قبل أن ينهار فى مكانه ، تدفقوا الى الداخل ، تكاثروا وأحاطوا بالجالسين .
.............
كان أبى يمد يداً حذرة الى كسرة الخبز أمامه ، يقطع منها لقمة صغيرة يغمسها فى طبق العسل الأسود ، وباليد الأخرى يتحسس طريقه أسفل اللقمة خشية أن تقع منها نقاط على الحصيرة ، بينما أمى فى الناحية المقابلة من الطبلية تعجن الجبن القديم بلقمتها ، تفرده فى قاع الطبق ، تزيد من مساحتة ليكفى عشاءنا ، وتمسح اللقمة فى الحافة قبل أن تلقى بها الى بلعومها ، وانا فى الوسط بينهما أقضم لقيمات عجلى من الجبن استعداداً لكى أستدير الى العسل ، ووجدتهم فوق رؤسنا ، الوجوه الغليظة بعيونها النارية تحيط بنا ..مد أبى يديه حوله ،مط وجهه الى الأمام صارخا :- إيه ياولاد ؟ القت أمى باللقمة التى كادت تغوص فى بلعومها الى الطبق ورفعت يدها كمن ضبط متلبسا ً بالسرقة :-
- الحقنا ياأبو حسين
سألنى أحدهم بعد أن قيدنى رجاله وشلّوا حركتى :- أنت حسين ؟
صرخ أبى وهو يتحسس المكان حوله قائما من الطبلية ، ماداً يديه أمامه ..نظرت الى وجهه الممصوص وكفى يديه المعروقتين ، تركته اليهم ، أكفهم الواحدة منها تزن طناً ، انتبهت لأمى تصرخ ، زمجر كبيرهم ،دفع الطبلية بقدمه ، تطاير العسل الأسود ووقع فوق الجبن القديم على الحصير وضاع العشاء ..بكى أبى ، ظلت أمى على صراخها ، بينما العسل والجبن على الحصير .
................
على ذات الطبلية جلست أتحسس مكان كسرة الخبز ، أقطع منها لقمة صغيرة ، أبحث عن بقايا العسل الأسود فى القاع ، بينما زوجتى تجلس أمامى ، بيدها كسرة خبز أخرى وقطعة جبن قديمة صغيرة الحجم ، تهرسها بلقمة تمسحها فى حافة الطبق قبل أن تلقيها الى بلعومها ، وبيننا جلس ولدنا الشاب يأكل الجبن وينتظر العسل ، حينما فتح الباب عنوة ، ارتطم بالجدار قبل أن يتهاوى ، تدافعت الأحذية الثقيلة الى الحجرة ، أحاطت بنا ، مددت يدى أمامى وأخذت أمط وجهى للأمام صارخاً :- إيه ياولاد ؟
قيدوا ولدى ، شلوا حركته ، تحسست عينىّ الممسوحتين بحسرة وصراخ أمه يهز الجدران ، انتفضت واقفاً أحول بينهم وبينه ، دفعنى أحدهم فى صدرى بحذائه الغليظ ، انقلبت على ظهرى فوق الطبلية ، طار العسل ليختلط بالجبن القديم فوق الحصير ، حملت جزعى وهممت بالقيام ثانية ، خذلتنى ساقاى ، جلست الى جوار الجدار أرزح تحت ضعفى ، بينما زوجتى لاتهدأ .
قليلا ً وتذكرت حفيدى ، ناديته وانا أدور بوجهى متلهفاً ، أتحسس صوته بأذنى :- نعم ياجدى
مددت يدى اليه ، اقترب منى ، أمسكت بيده وأخذت أوصيه بما لدىّ
المضمار
-
-
- اركض
- لاتتوقف هكذا ..نعم
- ادفع هذا الذى كلّت قدماه..المضمار لايقبل الضعفاء..اركض وانظر أمامك .. نعم ..ولاتبالى بهؤلاء الذين يمرقون بجانبك ، فهم لايبالون بك ، ولا ينظرون اليك الا لتحديد الخطوة التى ستكون أمامك .. فى البيت سيهللون لك اذا سبقت ..سوف ترى فى الأعين السرور ،وسوف يظلون على فخرهم بك طالما أنت تواصل الركض داخل المضمار بنفس العزم ، وربما تطوع أحدهم راضيا ً أن يمضى معك ، يتعلم منك ،عازماً فى نفسه إن استطاع أن يسبقك ذات يوم .
- .................
- آااااااه
- هذا ماكنت تخشاه طول الوقت قد حدث ، السقوط وسط المضمار ، تدوسك الأقدام ، تطأ رأسك ، يحملوك خارجا ً، يتركونك وحيداً لاتبالى بك عين ولا يأبه لك سمع ، بالكشف يتضح وجود كسر ٍ فى إحدى ساقيك يمنعك من العودة ، تصرخ ، ترفض الإعتراف بالأمر ، تحاول النهوض
- لمواصلة السباق ، لاتستطيع ، تتجه عيناك الى قبة السماء ،ولأنها المرة الأولى لك لاتعرف مالذى يجب أن يقال ، تسقط رأسك فى إعياء على براح صدرك ، تذكر والدك الفران وذرات الدقيق تغطى جسده ، وأنت ذاهب اليه تأخذ مصروفك منه ، صورة تشغل ركناً فى ذاكرتك لايمحى ، رحمه الله لم يكن يحسن العدو ، كان بالكثير يمشى ، خطوته البطيئة جعلته فى المؤخرة دوما ً ، سبقه آخرون ، قطعوا المسافت بعيداً وتركوه مكانه ، كان السفح بالنسبة له آمناً ، لايرى فيه خشية السقوط التى تنتاب أهل القمم ، كانت لديه مقولات محفوظة من جدوده أصحاب الكهوف والسراديب والحفر أن القناعة كنز، والصبر ثروة ، ومحاولة تسلق المرتفعات مغامرة غير مأمونة العواقب ، لذا حينما نزلت أنت الى المضمار بدلا ًمنه إتجهت اليك أنصاف الأنظار ، بعضها مشفق من طول السباق ومن قلة الخبرة بقانون الركض وحيل الراكضين ، والبعض الآخر إستهزأ بك قائلا ً أن الولد سر أبيه ، ومؤكد يحفظ عبر سراديب عقله الممتلئة بخفافيش الظلمة المتوارثة مقولات أبيه ، وأنك بالكثير ستهرول قليلاً فى براح السفوح ثم تنقطع منك الأنفاس لأن لين عظامك لن يساعدك على الإستمرار ، وانطلقت الى الأمام ،رأيت الحواجز تعترض طريقك ، والليل يدور بك والأعين ترصدك ، والسقوط يتعقبك ، لم تبال بشىء ،هرولت بكل جهدك وصورة أبيك لاتفارقك ،هرولت ولم تضع فى حسابك إمكانية التعثر أو احتمال السقوط ، حتى الآن وأنت فى مكانك على جانب الطوار وحيداً الا من عينيك اللتان ترصان المضمار ومن فيه ، وصدرك الذى لاتهدأ ناره لاتفكر فى الشكوى ، ولاتلعن من أوقعك ، ولاتبكى لعدم وجود ساق جاهزة بدلا ً من تلك التى لم تعد ذات جدوى ، بل تستند على عكازك وتواصل العدو ،صحيح أن خطوتك تأثرت كثيرا ً باصابتك لكنك تمضى ماوسعك المضى ، المهم أن تكون داخل المضمار ،وهذا يحسب لك !!
الكلب
بالأمس بعت الكلب الباقى من العائلة ..حاولت أن أبدو أصيلا أمامه فأجريت دمعة أو إثنتين على خدى فى صمت ..فى الحقيقة ..هو ايضا كان حزينا ..بدا حزنه نبيلا مثله وظل صامتا طول الوقت .
كنت قد شرحت له الأمر بالتفصيل قبل أن نخرج الى الطريق ..اجلسته على مقعد مقابل فى الردهة وتحدثت اليه ..لم يأخذ الامر وقتا اذ وجدت لديه استعدادا طيبا لتفهم الامر ..ضممته الى صدرى فى رفق ومضيت الى الطريق ..وصلت السوق ..وقفت صامتا اتذكر كلمات ( كريمه ) خطيبتى الحالية وزوجة المستقبل ..لا أعرف لماذا اهتم بعباراتها ..ارددها واحفظها وأنفذ ماتريد....أعيش عبر الحروف ..واستلهم من العبارات حياة أعيشها وأتنسم ريحها بلهفة لامثيل لها ..وقفت إذن أتذكر كلماتها وهى تقول : -
- أريد بيتا خاليا من الأغراب
ولأننى أحبها وأتوق الى الزفاف سريعا ليس لغرض سوى أن أكون بجوارها كل - وليس بعض - الوقت فقد تحمست للأمر ..انتحيت بكلبى جانبا ..اعدت عليه ماقالت ، واضفت : -
- إياك أن تظننى أطيعها وأفعل المستحيل لأرضيها من أجل جاه أبيها ،أو مركزه ،أو أننى أعمى لا أرى دمامتها ..كلا .
- واقسمت له تأكيدا على ما أقول..حرك ذيله ..ادركت أنه اقتنع ..اكملت : -
- أننى أريد زواجا سعيدا ..هل تفهم ما أعنى ؟
- حدق فى وجهى ونبح مرة أو اثنتين ..قالت عيناه أنه يقدر ما أقول ولايجد فى صدره شيئا من ناحيتى ..تبسمت له وحملته بين يدّى وانا اؤكد انه ليس غريبا عنى ، فأبوه كان يحرس البيت قبله ومات فى حادثة مشهورة ،كتبت عنها الصحف فى حينها ،فقد أصّر على مطاردة لص اطلق عليه النار ليكف عنه ،ولم يكف ولم يتركه الا حينما رأى رجال الشرطة ،لحظتها تركه لهم واتخذ ركنا مات فيه بهدؤ ودون ضوضاء ،بعدها ونتيجة للذكرى الاليمة المرتبطة بالمكان لم تتحمل الكلبة الام المعيشة معنا وهجرت البيت ،وبقى هو موظفا امينا قليل الطلبات ..يأخذ مايصل اليه بصدر رحب ..لايطلب المزيد ولايفكر مجرد تفكير فيه ،ومتى رآنى يهب واقفا فى احترام نبيل وهو يهتف بلغته هتافات مدوية تخجلنى فأنظر اليه فى عطف وارفع يدى نصف رفعة وابتسم نصف ابتسامة واسأله عن حاله وهل هو سعيد فى مكان عمله ام لا ،وهل يأتيه طعامه فى موعده ام لا ،واتركه شاعرا اننى فعلت مابوسعى تجاهه . لكننى امام الظرف الجديد كان لابد ان اضحى .فأخذته رغما عن ايجابية مشاعرى نحوه ومضيت الى السوق .. حملته ووقفت جانبا ..غارقا فى بحيرة صمت راكدة راسما ملامح اسى ،كلما ادار وجهه ناحيتى يراها فيطلق عقيرته بالنباح تضامنا معى ..اقترب رجل بدا من ملامحه انه يريد الشراء ..مد نظراته اولا ..ازداد وجهى تغضنا ..مد يده ..لم اتحرك ..سأل ان كنت اريد بيعه ..همست مبديا مزيدا من الاسى انه اصيل ،من النوع النادر ولولا الظروف مااضطررت لبيعه ..سأل : -بكم تبيعه ؟
سألت : - بكم تشتريه ؟
قال الثمن ..وافقت فوراً دون نقاش ومددت يدى اليه ..حمله ونسى أن يعطينى النقود ..انا ايضا تشاغلت عنه بفرحة العودة الى كريمه ملبيا طلبها .. كان الوقت ظهرا ..جلست على طرف المائدة اتناول ماوضعوه امامى من طعام ..هبت تاركة مكانها..لم انتبه لهذا الا حينما سمعتها تنطق إسمى مشفوعا بالفاظ لا اعتقد أنها تقصدها مثل (الدناءه – الجرثومه –وما اليها ) وتطلب منى مغادرة المائدة فوراً و المثول بين يديها..تمنيت أن اطلب منها الانتظار لحين شعورى بالشبع ..لم استطع ..رأيتنى اهرول نحوها ..اطأطىء رأسى هامسا : - نعم
سألتنى : -ماذا فعلت ؟
قلت بفرحة :- لن يوجد بيننا أغراب بعد الآن ..لقد بعت الكلب .
وانتظرت أن تفرح مثلى ..غير أننى فوجئت بعينيها تضيقان وتحدق فى وجهى : -
- لم اقصد الكلب ..انا اقصد أباك
- اتسعت عينّى
- ودق قلبى فى عنف ..جال بخاطرى لحظتها إننى نسيت أن آخذ ثمن بيع الكلب ..نحيت هذا الخاطر جانبا واتجهت بعينى الى وجهها.. البثور المنثورة فيه متوترة ..النقاط السوداء منفعلة ، والأسنان بفكها العلوى النافر توشك على عقرى ..ابتعدت ..سألتنى ..فيم تفكر ؟.. سريعا قلت :- فى كيفية بيع أبى!!
بالأمس بعت الكلب الباقى من العائلة ..حاولت أن أبدو أصيلا أمامه فأجريت دمعة أو إثنتين على خدى فى صمت ..فى الحقيقة ..هو ايضا كان حزينا ..بدا حزنه نبيلا مثله وظل صامتا طول الوقت .
كنت قد شرحت له الأمر بالتفصيل قبل أن نخرج الى الطريق ..اجلسته على مقعد مقابل فى الردهة وتحدثت اليه ..لم يأخذ الامر وقتا اذ وجدت لديه استعدادا طيبا لتفهم الامر ..ضممته الى صدرى فى رفق ومضيت الى الطريق ..وصلت السوق ..وقفت صامتا اتذكر كلمات ( كريمه ) خطيبتى الحالية وزوجة المستقبل ..لا أعرف لماذا اهتم بعباراتها ..ارددها واحفظها وأنفذ ماتريد....أعيش عبر الحروف ..واستلهم من العبارات حياة أعيشها وأتنسم ريحها بلهفة لامثيل لها ..وقفت إذن أتذكر كلماتها وهى تقول : -
- أريد بيتا خاليا من الأغراب
ولأننى أحبها وأتوق الى الزفاف سريعا ليس لغرض سوى أن أكون بجوارها كل - وليس بعض - الوقت فقد تحمست للأمر ..انتحيت بكلبى جانبا ..اعدت عليه ماقالت ، واضفت : -
- إياك أن تظننى أطيعها وأفعل المستحيل لأرضيها من أجل جاه أبيها ،أو مركزه ،أو أننى أعمى لا أرى دمامتها ..كلا .
- واقسمت له تأكيدا على ما أقول..حرك ذيله ..ادركت أنه اقتنع ..اكملت : -
- أننى أريد زواجا سعيدا ..هل تفهم ما أعنى ؟
- حدق فى وجهى ونبح مرة أو اثنتين ..قالت عيناه أنه يقدر ما أقول ولايجد فى صدره شيئا من ناحيتى ..تبسمت له وحملته بين يدّى وانا اؤكد انه ليس غريبا عنى ، فأبوه كان يحرس البيت قبله ومات فى حادثة مشهورة ،كتبت عنها الصحف فى حينها ،فقد أصّر على مطاردة لص اطلق عليه النار ليكف عنه ،ولم يكف ولم يتركه الا حينما رأى رجال الشرطة ،لحظتها تركه لهم واتخذ ركنا مات فيه بهدؤ ودون ضوضاء ،بعدها ونتيجة للذكرى الاليمة المرتبطة بالمكان لم تتحمل الكلبة الام المعيشة معنا وهجرت البيت ،وبقى هو موظفا امينا قليل الطلبات ..يأخذ مايصل اليه بصدر رحب ..لايطلب المزيد ولايفكر مجرد تفكير فيه ،ومتى رآنى يهب واقفا فى احترام نبيل وهو يهتف بلغته هتافات مدوية تخجلنى فأنظر اليه فى عطف وارفع يدى نصف رفعة وابتسم نصف ابتسامة واسأله عن حاله وهل هو سعيد فى مكان عمله ام لا ،وهل يأتيه طعامه فى موعده ام لا ،واتركه شاعرا اننى فعلت مابوسعى تجاهه . لكننى امام الظرف الجديد كان لابد ان اضحى .فأخذته رغما عن ايجابية مشاعرى نحوه ومضيت الى السوق .. حملته ووقفت جانبا ..غارقا فى بحيرة صمت راكدة راسما ملامح اسى ،كلما ادار وجهه ناحيتى يراها فيطلق عقيرته بالنباح تضامنا معى ..اقترب رجل بدا من ملامحه انه يريد الشراء ..مد نظراته اولا ..ازداد وجهى تغضنا ..مد يده ..لم اتحرك ..سأل ان كنت اريد بيعه ..همست مبديا مزيدا من الاسى انه اصيل ،من النوع النادر ولولا الظروف مااضطررت لبيعه ..سأل : -بكم تبيعه ؟
سألت : - بكم تشتريه ؟
قال الثمن ..وافقت فوراً دون نقاش ومددت يدى اليه ..حمله ونسى أن يعطينى النقود ..انا ايضا تشاغلت عنه بفرحة العودة الى كريمه ملبيا طلبها .. كان الوقت ظهرا ..جلست على طرف المائدة اتناول ماوضعوه امامى من طعام ..هبت تاركة مكانها..لم انتبه لهذا الا حينما سمعتها تنطق إسمى مشفوعا بالفاظ لا اعتقد أنها تقصدها مثل (الدناءه – الجرثومه –وما اليها ) وتطلب منى مغادرة المائدة فوراً و المثول بين يديها..تمنيت أن اطلب منها الانتظار لحين شعورى بالشبع ..لم استطع ..رأيتنى اهرول نحوها ..اطأطىء رأسى هامسا : - نعم
سألتنى : -ماذا فعلت ؟
قلت بفرحة :- لن يوجد بيننا أغراب بعد الآن ..لقد بعت الكلب .
وانتظرت أن تفرح مثلى ..غير أننى فوجئت بعينيها تضيقان وتحدق فى وجهى : -
- لم اقصد الكلب ..انا اقصد أباك
- اتسعت عينّى
- ودق قلبى فى عنف ..جال بخاطرى لحظتها إننى نسيت أن آخذ ثمن بيع الكلب ..نحيت هذا الخاطر جانبا واتجهت بعينى الى وجهها.. البثور المنثورة فيه متوترة ..النقاط السوداء منفعلة ، والأسنان بفكها العلوى النافر توشك على عقرى ..ابتعدت ..سألتنى ..فيم تفكر ؟.. سريعا قلت :- فى كيفية بيع أبى!!
شحن كارت
لأول مرة يفعل هذا، يتخلى عن حرصه ويطلب الكلام عبر الهاتف المحمول، ذلك الذى طالماسماه بالهراء الذى يسعى أهل الفراغ اليه ،الليلة بالذات هو الذى سعى اليه، ولو وصل الأمر الى الرجاء لفعل وهو على سريره مسنداً ظهره على الوساده، مواجهاً للتليفزيون الذى أصر الليلة على إطفاءه، رضوخاً لذلك الشعور الذى اجتاحه مع بداية الغروب وهو يلعب الطاوله كعادته مع أصدقاء المقهى، يداعب هذا ويشاغب ذاك، ويشد أنفاس الشيشة مطلقاً الدخان فى وجه الدقائق الفارة من بين يديه، غير عابىء بوقت يمر أو ليل على متن الظلام يأتى، فهو يعرف أنه سيعود الى الصمت يقضم فتات اللحظات أمام التليفزيون، أو منغمساً بين طيات النت والحوارات الملونة بالخداع ، حتى اذا مّل انزلق الى سريره، مستتراً بغطاءه من أعين الليل، والكلمات المغسولة بالدموع، التى لايعرف هل تترقرق على حواف جفونه أم على ضفاف شفتيه كلما راجعت ذاكرته صورة إمرأته وهى بين راحتى سريرها ، باسمة الوجه كلوحة أتم راسمها تزيينها بنقوش الملائكة وتركها تحفة ، تنتظر عودته من مقهاه آخر الليل بعد أن قضى سهرته مع الصحاب ،رآها فتبسم لها كعادته، داعبها ببعض الكلمات قاصداً أن يوقظها لتعد له طعامه ، لم تبال به ،هز ها، لم تجبه ،الوجه نوره يفيض على المكان حانياً ، والجسد دافء كحلم ،عاود المداعبة وقد بدأت خفافيش الخوف تعشش فى جوفه ،لم يتأكد من ظنونه الا حينما قال الدكتور الذى استدعاه كلمته ،لحظتها نظر الى وجهه فى المرآة ،الوجه هزيل النظرات، ذابل التغضنات يبكى الصمت على شفتيه إمرأة واجهت الموت وحيدة ، واستقبلته ببسمة هادئة ولم تشك من شىء ، فقط رحلت وتركته..الليلة بالذات داهمه هذا الشعور ،شعر أن دوره قد حان عليه ، هب من جلسة المقهى مهرولا الى البيت خشية أن يجىء ملك الموت بمنجله ليحصد روحه فى الطريق، يتعرض جثمانه لما يخشى منه من إيذاء وتقليب وتفتيش ، وربما تشريح لمعرفة سبب الوفاة ، ثم إيداعه الثلاجةانتظاراً لتقدم احد لإستلامه، وحيث أنه لاأحد سيتقدم لتلقيم فوهة الأرض به لجهل أولاده بما جرى له، لعدم انتظام زيارتهم له، فسوف يظل أسير الثلاجة، أو ربما باعوه لأحد طلبة الطب فيظل جسده يتقطع أبد الدهر.. العودة الى البيت أجدى على فراشه داخل شقته يلقى الموت، يباركه ، ويمضى معه مودعاً الوجود ببسمة كما فعلت هى من قبل ، ولا مانع من محادثة بعض معارفه الليلة ، حتى اذا غاب وطالت غيبته فكروا فيه وسألوا عنه، وقد يدور طائر القلق امام أعينهم ويأتون الى شقته، أو يتصلوا بأولاده لحضهم على زيارته واكتشاف سبب غيابه، وساعتها سيكونون مسئولين عن جثمانه الى أن يواره التراب ..أخذ يضغط الزر باصبعه متنقلاً من إسم الى آخر باحثاً عن معارفه، متغاضيا عن الرصيد الذى طالما حرص أشد الحرص عليه ، لم يبال به وهو يتهاوى امامه مع كل كلمة عجفاء تخرج من بين شفتيه، وهو ينظر عبر المرآة الى هيكل آدمى متيبس العظام، سقط شعره الثلجى من قبة رأسه تاركاً بقاياه متناثرة فى الأركان، محيطة بأعين متهدلة الأجفان، أحداقها برمادية لونها ترى الدقائق المارة بالآنات، وحوله صمت كصمت القبور ، يقطعه من لحظة لأخرى صوته المتصاعد من تجويف صدره متشبثاً بحياة يشعر بها تنسحب من أطرافه ،ضرب رقماً جديداً ،رصيدك الحالى لايكفى لإتمام المكالمة ،ارتعد ،الأسماء المهمة لم يحدثها بعد ،جرت الأرقام أمام عينيه أولاده وهواتفهم المغلقة ،أعز أصدقائه، معارفه ،هب من مرقده بقدر ماوسعته الحركة قاصداً شراء كارت شحن جديد ، أغلق الباب خلفه ، على السلم رأى جارته الكركوبة كماتعود أن يسميها ، تستند على خشب درابزين السلم صاعدة الى شقتها فى الدور الأعلى ، تعيش وحيدة ايضاً ،وجهها كلما رآه تذكر الفراعنة والعهد القديم ، لذا كان يتحاشى النظر اليها مكتفياً برد سلامها وهو محنى الرأس ، ليس خجلاً ولكن لكى لايتطلع الى وجهها وهيئتها، أو يعطيها الفرصة لبدء حوار لايملك اكماله بأى حال معها ..هذه المرة وقف أعلى السلم مترقباً صعودهاً ،القت التحية كعادتها ، سألها فوراً :- تتجوزينى
لأول مرة يفعل هذا، يتخلى عن حرصه ويطلب الكلام عبر الهاتف المحمول، ذلك الذى طالماسماه بالهراء الذى يسعى أهل الفراغ اليه ،الليلة بالذات هو الذى سعى اليه، ولو وصل الأمر الى الرجاء لفعل وهو على سريره مسنداً ظهره على الوساده، مواجهاً للتليفزيون الذى أصر الليلة على إطفاءه، رضوخاً لذلك الشعور الذى اجتاحه مع بداية الغروب وهو يلعب الطاوله كعادته مع أصدقاء المقهى، يداعب هذا ويشاغب ذاك، ويشد أنفاس الشيشة مطلقاً الدخان فى وجه الدقائق الفارة من بين يديه، غير عابىء بوقت يمر أو ليل على متن الظلام يأتى، فهو يعرف أنه سيعود الى الصمت يقضم فتات اللحظات أمام التليفزيون، أو منغمساً بين طيات النت والحوارات الملونة بالخداع ، حتى اذا مّل انزلق الى سريره، مستتراً بغطاءه من أعين الليل، والكلمات المغسولة بالدموع، التى لايعرف هل تترقرق على حواف جفونه أم على ضفاف شفتيه كلما راجعت ذاكرته صورة إمرأته وهى بين راحتى سريرها ، باسمة الوجه كلوحة أتم راسمها تزيينها بنقوش الملائكة وتركها تحفة ، تنتظر عودته من مقهاه آخر الليل بعد أن قضى سهرته مع الصحاب ،رآها فتبسم لها كعادته، داعبها ببعض الكلمات قاصداً أن يوقظها لتعد له طعامه ، لم تبال به ،هز ها، لم تجبه ،الوجه نوره يفيض على المكان حانياً ، والجسد دافء كحلم ،عاود المداعبة وقد بدأت خفافيش الخوف تعشش فى جوفه ،لم يتأكد من ظنونه الا حينما قال الدكتور الذى استدعاه كلمته ،لحظتها نظر الى وجهه فى المرآة ،الوجه هزيل النظرات، ذابل التغضنات يبكى الصمت على شفتيه إمرأة واجهت الموت وحيدة ، واستقبلته ببسمة هادئة ولم تشك من شىء ، فقط رحلت وتركته..الليلة بالذات داهمه هذا الشعور ،شعر أن دوره قد حان عليه ، هب من جلسة المقهى مهرولا الى البيت خشية أن يجىء ملك الموت بمنجله ليحصد روحه فى الطريق، يتعرض جثمانه لما يخشى منه من إيذاء وتقليب وتفتيش ، وربما تشريح لمعرفة سبب الوفاة ، ثم إيداعه الثلاجةانتظاراً لتقدم احد لإستلامه، وحيث أنه لاأحد سيتقدم لتلقيم فوهة الأرض به لجهل أولاده بما جرى له، لعدم انتظام زيارتهم له، فسوف يظل أسير الثلاجة، أو ربما باعوه لأحد طلبة الطب فيظل جسده يتقطع أبد الدهر.. العودة الى البيت أجدى على فراشه داخل شقته يلقى الموت، يباركه ، ويمضى معه مودعاً الوجود ببسمة كما فعلت هى من قبل ، ولا مانع من محادثة بعض معارفه الليلة ، حتى اذا غاب وطالت غيبته فكروا فيه وسألوا عنه، وقد يدور طائر القلق امام أعينهم ويأتون الى شقته، أو يتصلوا بأولاده لحضهم على زيارته واكتشاف سبب غيابه، وساعتها سيكونون مسئولين عن جثمانه الى أن يواره التراب ..أخذ يضغط الزر باصبعه متنقلاً من إسم الى آخر باحثاً عن معارفه، متغاضيا عن الرصيد الذى طالما حرص أشد الحرص عليه ، لم يبال به وهو يتهاوى امامه مع كل كلمة عجفاء تخرج من بين شفتيه، وهو ينظر عبر المرآة الى هيكل آدمى متيبس العظام، سقط شعره الثلجى من قبة رأسه تاركاً بقاياه متناثرة فى الأركان، محيطة بأعين متهدلة الأجفان، أحداقها برمادية لونها ترى الدقائق المارة بالآنات، وحوله صمت كصمت القبور ، يقطعه من لحظة لأخرى صوته المتصاعد من تجويف صدره متشبثاً بحياة يشعر بها تنسحب من أطرافه ،ضرب رقماً جديداً ،رصيدك الحالى لايكفى لإتمام المكالمة ،ارتعد ،الأسماء المهمة لم يحدثها بعد ،جرت الأرقام أمام عينيه أولاده وهواتفهم المغلقة ،أعز أصدقائه، معارفه ،هب من مرقده بقدر ماوسعته الحركة قاصداً شراء كارت شحن جديد ، أغلق الباب خلفه ، على السلم رأى جارته الكركوبة كماتعود أن يسميها ، تستند على خشب درابزين السلم صاعدة الى شقتها فى الدور الأعلى ، تعيش وحيدة ايضاً ،وجهها كلما رآه تذكر الفراعنة والعهد القديم ، لذا كان يتحاشى النظر اليها مكتفياً برد سلامها وهو محنى الرأس ، ليس خجلاً ولكن لكى لايتطلع الى وجهها وهيئتها، أو يعطيها الفرصة لبدء حوار لايملك اكماله بأى حال معها ..هذه المرة وقف أعلى السلم مترقباً صعودهاً ،القت التحية كعادتها ، سألها فوراً :- تتجوزينى
خواء
صمتٌ وظلمةٌ يحيطان به ..يحاديانه أثناء سيره ..يسمع لهما طنيناً يدق رأسه ..يحاول الإسراع ..تصر خطواته على السير متمهلة تتحسس الأماكن ،وعيناه تتشممان الطريق ..بينما تراب ناعم تثيره قدماه ،ينتقض لاهثاً خلفه، يعلق بملابسه ،يصل الى فمه وعينيه ..يكمل السير شاقاً حجب الليل والصمت ،ماضياً خلف فكرة تتمثل له ، يرى فيها نهراً سوف يطهر روحه ..الظلمة ستار يستتر خلفه، والهدوء مركب يقوده الى غايته، والدقائق رفيق يمضى بجواره قاصداً ذات المكان الذى يقصده ..يكمل سيره..تبدو له المقبرة أخيراً ..ذات المقبرة بعينها ..بذات ملامحها التى تخترق حدقتيه على ضوء نجمة تولد فى تلك اللحظة..يدقق فيها ..فجوة فى باطن الأرض يغطى وجهها تراب أكثف من سابقه ،وحروف مطموسة تبدو أثارها على قطعة رخام ملصقة على جدار متآكل ،يعلوه إصفرار شاحب لايكاد يبين لونه ،يحده سواد باهت يكسو الأطراف ..تقدم قليلا منها متفحصاً..شعر بالتراب يعاود ثورته ..يعلو عينيه ..يطمر أفكاره ..ولايبقى هناك الا هو وذلك الراقد على مقربه منه والذى – من المؤكد – يراه ويشعر به ويعرف أنه جاء من أجله ..ذلك الراقد الذى ينعم فى جنان السكينة والهدوء ويتركه فى آتون الفكر يتقلب على جمر اللحظات ..حدق فى إتجاهه شاعراً أنهما لم يكونا قريبين فى يوم مثل الآن ..الآن هما ميتان لايفصلهما الا جدار، لكن كلا منهما ميتٌ على طريقته، فأحدهما يرقد تحت التراب هانئاً مستقراً فى مكانه، أما الآخر فمات ومضى حاملاً جثته على كاهله باحثاً عن مستقر ..تصلبت نظراته على اللوحة ..حاول أن يتمتم ببعض الكلمات ..عصته الحروف ..إنتبه للرجل ينفض عن نفسه التراب .. يخرج اليه..يتجه نحوه ..يمسك كتفيه ..يهزه صارخاً ..لن أسامحك أبداً ..إرتعد..شعر بقلبه يتوقف، بحلقه يجف، وبعينيه تجحظان ..فتح فمه لا إرادياً لايعرف إن كان يريد الصراخ مستغيثاً طالباً النجدة فى هذا المكان\الزمان الخاوى، أم أراد أن يشرح له ماخفى عنه ،غير أنه فى محاولته فتح فمه رفع رأسه لأعلى فالتقت نظراته بذات النجمة الوليدة ذات الضوء الفضى ..فتح عينيه على إتساعهما وهو يدير رأسه حوله ..صمتٌ رابضٌ فى الأرجاء ،وعتمةٌ شفافةٌ تشى بجو الحلم أو الكوابيس ، وقلب يرفرف بين جنبيه لايعرف إن كان هلعاً أم تأثراً بما حوله ..رفع يديه الى أمام شفتيه هامساً ببعض كلمات مرتجفة الحروف اعتقد انها ترحماً عليه، بينما على وجهه تبدو ملامح مشاعر شتى من خوف وبلادة وأسف وتقزم جارف لاحد له ..إنتبه لدموعه تهطل معجونة بندم لم يشعر بمثله من قبل ،ورأى رأسه ينحنى طالبًا الصفح والغفران ، هامساً أنه جاء.. وهذا مالم يكن يتخيلّ وقوعه قبل الآن !!
لسعة برد
تبلغ الفرحة مداها حينما أفتح عينى وأرى وجه امى ،أبتسم لها صباح الخير ،تلقانى بسمتها الحنون ،صباح الشمس والإشراق ،أغوص فى احضانها ،أشعر برحيق الدفء وطزاجة الحنان ،تحيطنى بجناحيها ..أوقن ان الشمس ليست نوراً فقط لكنها حرارة ايضاً
........
أقبّل أبى ،تسعدنى بسمته ،أضع الطعام فى الحقيبة وأسّلم مهرولاً نحو الباب لألحق بموعد المدرسة ..حينما أخرج من باب البيت تهلل الضياء ، تصنع لى ظلاً بديعاً أتيه به
......
حينما أعود ظهراً أضرب الجرس ، يتلقانى حضن أمى عند باب الشقة ، أشم عبير الشوق فى عينيها ، يحوطنى الحنان وانا بين يديها ، تسألنى عن يومى وعن دروسى وأصحابى ، ،أغوص فى طزاجة الدفء من جديد ، ينسل الظلام عبر الستائر وزجاج النافذة الى عينّى ،أشعر بلفحة برد تمتد نحوى ،صدرأمى يمنحنى الدفء ،ابادلها الإبتسام .
......
اليوم ضربت الجرس ، ظل المكان بارداً والجو مثقل بصمت شديد الإظلام ،ولم اجدها عند الباب ،ضربت الجرس أكثر واكثر ،ظل الباب مغلقا ً ..شعرت بالبرد يلسع جسدى !!
ليل وضحكات
حقيبة صغيرة هى ، تكفى بالكاد غيار داخلى واحد ، قميص ، بنطال ، ومعهم كتاب قديم الطباعة عنوانه (العلاج بالضحكات ) حملهم صالح ومضى نحو الباب قاصداً الطريق ، السفر ليلاً عادته مذ كان صغيراً ، يهرب من ملل الانتظار الذى لايطيقه بالنوم ، قطار منتصف الليل دائماً يروق له ، ركابه قليلون ، يختار مقعدين خاليين ويفرد جسده شاغلا نفسه بالكتاب الى أن ينام ، ولايصحو الا عند الوصول .. كانت الطريق ناعسة شبه مظلمة يطويها أنين الصمت وهو يمضى وحده ، وبدر هرم تآكلت حوافه يرافقه فى ملل ، بينما الأشجار على الجانبين تصنع ظلالا فضية تؤانسه فى سيره ، رأى مقهى أنواره قاتمة على البعد ، اقترب منه ، جلس على أول مقعد قابله طلباً لطاقة يستمدها من كوب شاى ساخن قبل أن يواصل السير ، وضع الحقيبة بجواره ، تقدم العامل منه شبه نائم ، يحمل بين طيات سماته مللآً لاحد له .. ملامحه منقبضة تلائم المكان ،هكذا قال صالح لنفسه وهو يستقبله بمشروع إبتسامة ، رآه يقّوس ظهره محنياً جزعه نحوه هامساً كمن يخصه بسر :-
- ماذا تريد ؟
بدأت ملامح الإبتسامة تظهر وهو يقول:-
- شاى
أدار العامل وجهه حوله قلقاً بعد أن حدق فى عينيه ورأى الإبتسامة جيداً ..كانت العيون نصف الناعسة تتجه اليهما ، أشاح بيده فى اضطراب ومضى بعيداً دون أن ينطق بحرف ، اتبعه صالح بعين الدهشة ،انتبه لبعض النظرات مازالت عالقة بوجهه ، رأى أيدى مفرودة الأذرع تشير اليه وانطلقت كلمات بأصوات غامضة مهمهمة :-
-لانريد مشاكل هنا
- اطردوه فوراً
- ابعدوه عنا
اتسعت مساحة الحيرة فى صدره ، عاد العامل قادما بالشاى همس يسأله عما يرى ، اقترب ثانيه من أذنه :-
- انتبه لنفسك ،المكان مراقب
اتسعت حيرته باتساع الظلمة فى المكان ، أدار نظرات القلق حوله ، العيون مازالت متربصة به ، الأيدى مفرودة الأذرع مسكونة بالغضب .. غادر المقهى واكمل السير ، على بعد خطوات فى منطقة تقطنها وحشة وظلام أحس بكف غليظة تنحط بثقلها على كتفه ، انتفض شاعراً بقلبه ينزلق من بين أضلاعه ، استدار بفعل الرعب خلفه ، اصطدمت عيناه بعينين حانقتين تحاصرانه فى مكانه وتصبان عليه جحيم نظراتهما ،وسمع صوتا متحجر النبرات يسأله :-
- لماذا كنت تضحك ؟
..........
اكمل السير وسط الظلمة بأقدام دهشة وأنفاس متحيرة ، وقد قرر تدريب نفسه ليس على العبوس فهو يراه كثيراً فى الوجوه حوله ، ولكن على إجاده ممارسته بعد أن عرف بصدور قرار رسمى بتحريم الضحك ، فقد اكتشفوا أخيراً أن سبب المشاكل التى تعانى منها المدينة هو الضحك ، فهو يؤدى الى التسيب واللا مبالاه وأشياء أخرى كثيرة ، وحرصا على دفع عجلة الإنتاج وقطار التنمية فقد تقرر تحريم الضحك تماماً وتغريم فاعله بغرامة كبيرة ، من الآن فصاعداً سيلزم العبوس مثل الآخرين ، يكفيه ماجرى له ، طالبوه بدفع الغرامة ، لم يكن معه نقود تكفى ،أخذوا غياره الداخلى والقميص والبنطال ، أما الكتاب فقد تركوه له مع تحذير شديد اللهجة الا يستعمله .
.................
وصل محطة السكة الحديد ،على رصيف القطار رأى عيوناً متناثرة ذابلة النظرات ، وصمتاً يترسب فى الأركان .. مضى ناحية القطار مسرعاً ، دخل عربة قليلة الركاب ، اختار مقعدا مريحاً ، فتح شباكه طلباً للهواء ، ارتفع صفير القطار بعد دهور ، لفظ الهمود وبدأ الحركة ملقياً بما خلفه الى هاوية الظلمات ، هب صالح من مجلسه ، أخرج رأسه من النافذة ، وأطلق الضحكات عالية !!
الشجرة
على الأرض
تدق عصاه على مراحل زمنية ثابتة ، الأرض أسفلتية سوادها يمتد بامتداد البصر ، لوقع الإرتطام المنتظم رنين يهز قلب الليل الغارب ، يحدق فى شجرة السدر ذات الفروع الكثيرة والأوراق الصغيرة وهى ملتحفة بالعتمة ، واقفة كحارس ٍ على مدخل بيت (المجدور) ، الذى تاهت حدوده فى طيات الظلمة فلم يبد منه الاسواد هلامى لا حدود له ..تواصل العصا دقاتها وهو ينظر الى الشجرة وثمارها الصغيرة الملقاة على الأرض التى أفترشها ضوء اللمبة الأصفر الهابط من أعلى الباب الحديدى الباهت السواد ، وعلى غير رغبته يواصل السير مديراً وجهه عن الثمار الصغيرة ( النبق )والتى كان يومياً قبل الفجر مثل الآن وهو متجه الى المسجد يجمعها فرحاً بكثرتها ، قائلاً أن هذا ليس رزقه وحده بل رزق المصلين القلائل الذين يشاركونه القيام فى هذا الوقت ، يجمع النبق فى كيس صغير ، وحينما يصل المسجد يفتح الصنبور عليه ثم يوزعه على الموجودين مؤكداً أنه علاج ناجع لمرض السكر وأشياء أخرى ، يقولها مداعباً الكبار وأصحاب اللحى البيضاء مثله ، الى أن جاءت مرة أقعى فيها أسفل الشجرة يجمع النبق كعادته واذا به يرتعد فى مكانه وترتجف نبضاته فزعاً وهو يرى الى جواره ظلاً أسود يطوى الفراغ صاعداً لأعلى، وحاجزاً عن عينيه النور تماماً وصوت حاد يحاصره :- هذه الثمار ملكى وحدى
رفع رأسه بالكاد الى مصدر الصوت محاولاً لم شتات نفسه والتحكم فى ارتجافة يديه ليجد المجدور أمامه يرميه بنظرات موبخة ،اهتزت الحروف على شفتيه قليلاً قبل أن يتمكن من تجميعها هامساً :- أعرف
ويصمت قليلاً قبل أن يجد حروفاً أخرى وجدها ملائمة للموقف :- لكنها على الأرض ..مشاع للمارة !
إعترض المجدور بحدة :- بدون إذنى ؟
عاودت الحروف الإنكماش على شفتيه وهو يشعر بساقيه المتهالكتين أصلاً تهددان بانهيار كامل ،همس محاولا ً التعلق بأى قشة تنجيه من بحر خجله هذا :- وهل ترفض ؟
قال الآخر بجفاء :- نعم أرفض ومضى عنه .
يتذكر تلك الحادثة وهو يمضى يومياً على ذات الطريق تدق عصاه الأرض الأسفلتية وسط الطريق بعيداً عن بيت المجدور والشجرة وحبات النبق الصغيرة التى يلفها الضوء الأصفر بوشاحه فيصقل صفرتها امام عينيه الا أنه يدير وجهه عنه ويمضى ، وحين يسأله أحدهم عن سبب انقطاع هداياه اليومية يكتفى بابتسامة صغيرة قائلاً أن الشجرة لم تعد تعطى قاصداً أنها لم تعد تعطيه ، الى أن جاء اليوم ووجد المجدور أمامه بعد الصلاة ، مد يده مسلّماً واستعد للخروج غير أن الآخر اعتقل يده المعروقة بارتجافتها فى باطن كفه وهو يهمس له :- أذنت لك
أدار عينيه نحوه ، نور المصابيح السارى فى المكان ينهمر على ملامحه المجدورة من أثر مرض قديم الم به فى صغره وترك علاماته على وجهه مما جعل الناس يتركون إسمه الحقيقى شعبان وينادونه المجدور ،حدق فى وجهه بعين العجب ،بدت الرحمة رائقة الماء فى أعماق عينيه بينما على شفتيه ملامح اعتذار على هيئة ابتسامة خجلى ..افلتت اليد المعروقة من باطن اليد الآخرى فى رفق وقد أدرك ماهناك وهو يسأل :- مالأمر ؟
أحنى المجدور رأسه هامساً :- لم تعد الشجرة تعطى ثمراً .
حدق فى وجهه قليلاً قبل أن يستدير عنه عائداً من ذات الطريق
الخصم
التفتت الأعين الي بهجت حسين ، حملت النظرات آيات عجب لدخوله القاعة وفى تلك اللحظات بالذات . كان الجميع بما فيهم حسن منصور نفسه يوقنون بأن طلوع الشمس من مغربها أقرب من تفكيره - مجرد تفكير - فى حضور هذا الحفل ، تركوا المدير العام والمائدة الرئيسية والكلمات الروتينية المعدة لتلك المناسبات والتفتوا اليه ، تقدم بجسده الفارع محنياً رأسه فى هدوء الى حيث يجلس حسن ، صمت المتحدث ، ساد سكون منذر ، الأعين تترصد حركته والآذان مشرعة لإلتقاط أدق ما قد يصدرمنه ، فاليوم هو آخر عهد حسن بالعمل ، وحسب الروتين المتبع أقيم الحفل للإحتفاء به ، تم دعوة الجميع ماعدا بهجت لمعرفتهم الوثيقة بالخصام المستعر بينهما والذى لم يفلح معه تدخل من أى نوع ، فالرجلان قد أصرا على الإبتعاد ، ورفض أى حوار بينهما رغم وجودهما معاً فى ادارة واحدة ، كل هذا فى تحدٍ صامتٍ حيث لم ينبس أحدهما بكلمة عن الآخر ، لم يشكو منه أو يشرح حتى سبب هذا الخلاف ، واذا ذُكر أحدهما أمام الآخر أغلق فمه ولم ينطق بحرف ، الغريب أن كلا الرجلين يمتاز بالخلق وطيب النفس ، وكانا صديقين حميمين ، بينهما عشرة سنوات طويلة فى العمل وخارجه ، ورغم محاولة البعض التوغل فى الموضوع الا أن صمت الإثنين لم يعط أحداً الفرصة للوصول الى شىء ، حتى كان اليوم وحسن يجلس بين رجال الإدارة الكبار فى حجرة الإجتماعات وأمامهم كالعادة فى مثل هذه المناسبات قطع الجاتوه والمثلجات ، والميكروفون يتنقل من فم الى آخر معدداً مناقب حسن ، راجياً له حياة أفضل بعد الستين ، وحولهم بعض الشباب بأجهزة المحمول يصورون الحفل ، ويتسابقون لإلتقاط الصور مع الرجل الذى كان بالأمس رئيس ورشة الصيانة المهيب ، الذى يعرفون جيداً طبيعته وأسلوبه ، ويخشون من صوته الجهورى الذى يستخدمه كسلاح رادع ضد أى مقصر أو متوانٍ عن بذل الجهد فى عمله ، دون أن يفكر طوال عمره فى إيذاء أى منهم بجزاء أو خصم من الراتب ، مكتفياً حين يرد عليه أحدهم رداً لايعجبه أن يكتب مذكرة جزاء عنيفة اللهجة مايلبث أن يمزقها حينما يأتيه المذنب معتذراً ..يتسابق الشباب لإلتقاط الصور معه اليوم وهم يعرفون أنه سوف يأفل نجمه ويصبح ذكرى مصحوبة بالكلمة المتوارثة ( كان ) ، ولا يبقى منه فى الأذهان الا سيرة تمتد الى سنوات طوال ، تغيب فيها ملامحه عن الذاكرة، ويتوه صوته عن الأذان ، ولا تبقى الا كلمات تقال عنه أم بخير أو بشر ، فهم يتذكرون الى الآن الحاج حامد رئيس الورشة القديم ومواقفه فى الدفاع عن رجاله وخوفه عليهم ، وفى الوقت نفسه سيطرته ودفعه لهم لبذل أقصى ماعندهم مستخدماً فى ذلك يده قبل لسانه ، وهم راضون لأنهم يرونه يتصدرهم فى أى عمل مهما كان ، ويذكرون غيره ممن كانوا لايتوانون عن الإيذاء والحاق الضرر بأى منهم لأى خطأ ، وكلما خرج واحد من الكبار انضم فوراً للواء (كان ) ومعه سيرته ، وهاهو الدور يجىء اليوم على حسن الذى يجلس محنى الرأس محاولاً إخفاء ملامح التأثر على وجهه ، وكبت دموعه بقدر مايستطيع ، فهو هكذا فى كل أموره ، مشاعره متوقدة متدفقة تبدو على محياه فوراً ، وقد أشار المدير العام فى كلمته الى هذه النقطة بالذات مؤكداً أن الصدق مع النفس والآخرين هو ماكان يميزه ..وهنا فى تلك اللحظة دخل بهجت القاعة ، التفتت اليه الأنظار والآذان ، صمت المدير العام ، استدارت الكاميرات اليه بقامته المديدة وهو يتحرك هادئاً كعادته وبحكم سنه ايضاً فهو يقارب حسن فى العمر ولا يفرق بينهما الابضعة شهور ، وهو أيضا رئيس ورشة الصيانة فى نفس الإدارة ، لكنه يختلف عن حسن فى إسلوبه ، فهو خفيض الصوت قليل الكلمات ، وإن كان يماثله فى نبذه للأذى ..تحرك اذن حتى وقف أمام حسن الذى وقف لاشعورياً ليجد نفسه مواجهاً له ، تتلاقى الأعين ، تتشابك النظرات ،يقول بهجت بصوته الخفيض:-
- جئت أشكرك على خصومة كنت فيهاخصما ً نزيهاً
والكاميرات تسجل والأعين تتابع والآذان تلتقط الكلمات وهدوء جارف يغمر المكان ..فتح بهجت ذراعيه ، فاضت الدموع من عينى حسن ، ضجت القاعة بالتصفيق .!!
مشوار
رأيتها تقترب وتتوسل :- أرجوك لاتتركنى وحدى ..معه !!
اتسعت عيناى بملء مافيهما من عجب معجون بدهشة ممزوجة باستنكار ، حدقت فى عينيها أرقب تقاطيع وجهها المجهدة ، ذلك الوجه التى كانت تمنحه جل اهتمامها فيما مضى ، الآن صار خاليا ً الا من حمرة الإنفعال . تضمه الى صدرها ،تهدهده فى رفق ،وهو غير آبه بما تفعله ..قلت وانا أكبت غيظى :- لن أتأخر
واستدرت أريد الباب، فتحت المزلاج ، هرولت صرختها خلفى :-
-أشرف مريض
قلت متشبثاً بهدوء زائف :- سأذهب الى أبى أطلب سلفة جديدة
همست برجاء :- ليس الآن
ارتميت على أقرب مقعد ، قائلا بصبر نافذ :-
-ضميه الى صدرك أكثر ،سيشعر بالدفء
أشاحت بيدها فى عجز :- تهرب كلما احتجت اليك
وعيناها آخر مابقى من الحسن القديم تلمع فيها حبيبات الدموع، وهى تسير به جيئة وذهابا ،وهو عنداً فىّ يواصل البكاء ، أخذت أرقبهما معاً وخاطرة تدور فى فراغ رأسى ، لقد تغيرت رائحتها مذ جاء أشرف ، صارت رائحة أم بكل مافيها من دفء وبراءة ، نقلت عينى بين صورتها على الجدار وصورتها الآن وأشرف بين يديها ..نسمة إشفاق مرت بصدرى ، همست متلطفاً :- هيا نذهب الى الطبيب
استمرت ذراعاها فى حركتهما البندولية دون رد ، مضت لحظات وانا أجلس مترقباً الموقف بصدر ضيق ، فجأة رأيت وجهها يشرق ببسمة عذبة الملامح ، عيناها تتألقان ، تضع راحتها تحت خدها بمعنى أنه سينام ..شغلنى هذا الإكتشاف ، أسلوبها ، سمات وجهها ، ونظراتها ذاتها تغيرت ، أشرف نقلها من من حالة الى أخرى ، وهبها روحاً جديدة لم تكن لديها من قبل ..انتبهت لصمت كالشلال يغطى فضاء المكان ، خلخلة الهواء من حولى ، كأن جدرانا كانت تحيط بى وتضغط رأسى قد تهدمت مرة واحدة وساد بعدها سكون ..تابعتها وهى تسير محاذرة الى حيث أرقدته ، ورأيتها تعود معلنة بأحداق متألقة أننى يمكننى الخروج الآن بشرط الا أغيب .هرولت نحو الباب ، سبقنى صوتها :-
- هات معك مانحتاج اليه
قلت مشفقاً :- المهم أن أجد أبى
أخذتنا المناقشة ، هربا ً منها أعدت الهرولة نحو الباب ، فتحت المزلاج ، وضعت قدمى خارجه ،شدتنى رنة فرح غامر فى ثنايا صوتها:-
- تعالى بسرعه
هرولت اليها ، وجهها ينير بابتسامة مبهرة ، فيه نضارة ، وأشرف بين يديها ضاحك الثغر ، مدت يدها به الّى ، رنت ضحكته فى فراغ الحجرة ..نسيت المشوار !!
نواقيس الألم
رأيته عاقداً ذراعيه على صدره ، واقفاً على باب الحانوت ينتظر ، عيناه مصلوبتان على أول الشارع ، حدقاتهما ثابتتان على المنحنى حيث يجب أن يدور أى قادم اليه ، هدّأت سرعة السيارة التى أقودها وأنا أقترب منتظراً الهلاك على يديه نتيجة فعلتى اليوم ، جريمة عظمى فعلتها ، عطلت العمل يوماً كاملا ًبالمطعم ، الزبائن فروا الى مطاعم أخرى ، المكسب اليومى تبخر، وأجور العمال خسارة يتحملها وحده ، له الحق فى شنقى على باب الشارع جزاء ما فعلت ..أخذت أتابع ملامحه وانا أقترب بالسيارة وقد تجهز الموتور للموقعة فهدأ صوته تماما ً ، وبداً يقترب حثيثاً لتوازى السيارة طول الطوار وتنحدر مذعنة الى حيث يقف.. لم يكن لدّى ماأقول الخطأ ، أكبر من أى تبرير ، منذ عملت عنده وانا أعرف أن المهمة مقدسة ، وأن علّى الا يمنعنى عن إحضار البضاعة الا الموت ، فأنا قبل تنبه الطيور من رقادها أخرج مع الليل والظلمة لألحق ببواكير السوق ، أحمل الخضر والفاكهة اللازمة لعمل اليوم وأعود الى المطعم ليبدأ العمل ، حتى اذا جاء وقت الظهيرة افترشنا المقاعد إنتظاراً لوفود القادمين .
أخذت اتابع ملامحه وأنا أقترب بالسيارة لأحاذى الطوار ، البضاعة لم أحضرها ، زوجتى مريضة نقلتها للمستشفى فجراً ، لم أذهب للسوق ، أعرف العقوبة ، الطرد ، فكرت الا آتى وأن أوفر على أذنى سماع مالا يليق ، غير أن الهرب ليس طبيعتى ، ليكن مايكون..اذا لم يعطنى الفرصة للشرح سأعطيه ظهرى وأمضى ..اقتربت على مهل ،الآن تبدأ المواجهة ، لن أستدّر عطفه ، المطعم تعطل ،هذا ذنبى الكبير ، إقتربت أكثر ،وجهه عابس ، جبينه مقطب ، فمه مذموم ،القيت السلام بصوت خافت لايكاد يبين ، ظل محدقا فى وجهى دون كلام ، محاصراً عينىّ فى قوة ..مؤكد يبحث عن كلمات يبلغنى بها القرار ، وضع يده على كتفى ، يده ثقيلة ، كفها ضخمة ، هدوء ماقبل العاصفة هذا ، خرجت الحروف من فمه بطيئة النبرات : - لماذا لم تقل لى؟
أقل ماذا ، لم يكن لدىّ وقت لكلام ،كان الموت يتعملق أمام عينى وإمرأتى تهوى عبر بئر النهاية بلا حول ، مد يده فى جيب سترته ، سيعطينى بقية حسابى ،أخرج النقود ، دسها فى يدى :-
- اذهب الى المستشفى ، اذا احتجت شيئاً اتصل بى .
للحظة لم أع الأمر ، رميت بنظراتى على براح وجهه فى شرود ، وحينما فهمت اهتزت نواقيس الألم فى صدرى ، الم جارف هزنى ، حاولت الكلام ، تاهت الحروف من شفتى ، بكيت !!
غيبة
مغلف بالفقر ، يريد زاداً
هكذا قلت لنفسى واناأحدق فى وجهه حينما اقترنا منه ، لم يكن على حافة الطريق كالمعتاد ، ولم يكن محنى الرأس كما تعودت أن أرى .. أشار الينا بالوقوف ..تعاطفت معه ..وضعت يدى فى جيبى ، وكذلك فعل صاحبى ..لم تكن هيئته وسيماه تدلان عليه ..بدا رغم نحول وجهه شديد لمعة الأحداق ، نظرته تشى باعتداد قديم لايتناسب مع طلب الإحسان ..مددت يدى مقبوضة الأصابع ببعض النقود .. ردها وحدق فى عينىّ ، رأيت على ضفتى أجفانه بلورات دموع متجرة ، وبدا وجهه بمشاعره المتأججة فى حبتى عينيه لوحةعبقرية التعبير عن الأسى ..لاح لى ظله على الأرض جزءً ملتصقاً به يمتد من قدميه الى عرض الطريق تطأه العربات والخلق ..أقبل بوجهه نحوى سائلاً
:- -هل رأيت محمود ؟
نظرت الى صاحبى ونظر الّى ..عدت اليه ..هززت رأسى يمنة ويسرى هامساً :- لا
ظل محاصراً وجهى لبرهة ، ربما يحاول استيعاب ردى أو يتيقن من صدق قولى ، بعدها أدار وجهه عنا ومضى..تحرك ظله معه ..سألنى صاحبى :- ماله ؟
لم أجبه ..كنت أرقب الآخر ، أراه وهو يمضى متمهلا ً ..يحدق فى الوجوه ..يسأل البعض ينصت للإجابة ..يستوعبها ويمضى ليسأل من جديد ..مضيت اليه :- أين ذهب محمود ؟
من خلال العرق الثائر على ملامحه السمراءارتسمت على عينيه معالم حيرة ، شرد قليلاً وهو يساءل نفسه بصوت خافت كمن يحاول استيعاب أمر جديد عليه :- ذهب !!
ثم عاد الّى بلمعة حدقتيه ، غارزاً نظراته فى عينّى ، رافعاً يداّ معروقة مقبوضة الكف الا من إصبع السبابة أمام وجهى ، وقال بحسم :-
- لم يذهب ، وسوف يعود
وتركنى ليسأل آخر:- هل رأيت محمود ؟
لحظة شروق الشمس
لم تشرق شمس اليوم ، صحا الناس فلم يجدوها تعتلى قبة السماء كعادتها، بحثوا عنها ، لم يسفر بحثهم عن شىء ، تحركت أجهزة الأعلام قاصدة المراصد الفلكية ، خرج النبأ فى كلمات مقتضبة :- لم تشرق شمس اليوم ، سنوالى البحث عن السبب .
تساءل الكثيرون ماالعمل ؟
..............
أراح الظلام الفلاحين ، أسعد البهائم ، الموظفون أيضا ً وأصحاب الأعمال انقطعوا عن أعمالهم ، الحانات وأوكار الليل تعللت باستمرار الظلمة ولم يبرحها روادها ..صرخت وزارة الكهرباء من زيادة الاستهلاك ، فزعت مصلحة المياه من إنخفاض منسوب النيل ، أعلن جهاز تنظيم الأسرة أن الأمر خرج عن التنظيم وسيصبح العدد فى الليمون . ...................
انشغلت الفضائيات بالأمر ، كثرت التحليلات ، زادت التصريحات خاصة من المسئولين ، قال أحدهم مهدئاً ثائرة الثائرين :-
- نحن لاتقهرنا شمس ولا قمر ونستطيع العيش بدونها .
تعالت ضحكات ساخطة عليه .
تناثرت التعليقات
:- لم نصنها فكان الحرمان
..تلك علامة يوم القيامة
..لن يقف العلم عاجزاً عن إيجاد حل ولو بصناعة شمس صناعية ؟
طال وقت الظلمة ، تعملق القلق ، بكت العيون ، تضرعت القلوب ، بدأت قطرات النور تتساقط من خلف الغمام ، كسا الأفق لون وردى تحول تدريجياً الى إصفرار ، من وراء نجم هائل الحجم عابر فى الفضاء ظهرت الشمس !
-
-
الجنة
-
-
-
-
- صباح هذا اليوم
- رأيت وجه أمى يطفح بالبشر على غير عادتها ..قالت إن أبى زارها ليلاً ..تحدث اليها ثم مضى ..حاولت إحتمال فضولى لمعرفة ماألّم به فى تلك الجنة التى حكت لى عنها ..حدقت فى وجهها أتفحص قسماته بعد مطالعته له ..سألتها كثيراً عنه ، عن السكن الذى فضله على شقتنا هذه الضيقة التى بالكاد تتسع لنا، وتخيلته حاملا ً قسماته الطيبة ونظرات عينيه المترعة بالحنان وهو يدخل عليها حجرتها ، وهى تسبّح كعادتها بعد صلاة العشاء ..مؤكد سألها عنى و إخوتى الكبار وقالت له مالديها .لحظتها شعرت بأنفاسه حولى ..بادلت صورته على الجدار البسمات ، قررت أن أترك المدرسة والسكن، أذهب اليه فى جنته تلك أشكو له طول غيابه وشوقنا اليه ، وأرجو منه العودة معى الى البيت ، أو السماح لى بالعيش معه وحين أشتاق لرؤية أمى أعود لأراها ..واجهتنى مشكلة لم تكن فى الحسبان أين أجد تلك الجنة وكيف أصل اليها ..قلت لأمى هذا تقهقرت النظرات فى عينيها ، رأيتها تمسك بكتفى وتشدنى الى أحضانها ، أتدثر بسواد ملابسها شاعراً بنقاط مالحة من الماء تدق ظهرى .
- ...........
- عند سطوع شمس الظهيرة وإعتلائها قبة السماء ذهبت أمى .
- رأيتها بين يدى مرضها عاجزة حتى عن طلب العون ..عيناها تغوصان رويداً فى ماء بحر آسن لاقاع له ..احتضنت يدها ..دف ء الحياة ينبض واهناً ..يخف رويداً ..حاولت إستخلاص جسدها من بين براثن الغياب ..لم استطع ..ضمتنى أختى الكبرى الى صدرها ..أمك ذهبت للجنة مع أبيك ..بقوة الفقد صرخت أريد الذهاب معهما ..أغرقت كتفى سيول الدمع من جديد .
- .................
- الآن وانا على أعتاب المغرب أحمل الشوق لأبى واللهفة لأمى.. ينفذ حفيدى باسماً من بين السيقان المتزاحمة حولى .. تضمه عيناى قبل يدى ..له حروف خاصة به.. أحبها من شفتيه ..يسأل وهو يقف بجوار سرير مرضى.. وجهه بالكاد يحاذى وجهى -: مالك ياجدى ؟
- :- بوهن الصوت أهمس يطالعنى وجه أمى وصورة أبى ..
- : سأذهب الى الجنة
- ضرب قدمه بالأرض وقال غاضباً :-
- -: خذنى معك
- حدقت فى عينيه وظل إبتسامة يرتسم على شفتى
-
-
-
-
-
-
-
-
-
- .
-
بسمة أبى
سعادة باكتشاف جديد مرت بى ..رأيتنى أحمل فيضاً من لهفة لخوض تجربة كثيراً مانأيت بنفسى عنها ، شاعراً بلاجدوى الإنغماس فى ماءها الآسن برائحته المميزة..اليوم مضيت وأبى حاملا أعين الشوق لتلك الممارسة بعد أن تحرك الماء وفار ، غازلاً من ذراته حروفاً مبهجة بارزة للأعين ، حاملة روائح ذكية تملأ الروح أملاً وتبعث فى النفس نشاطاً ورغبة فى الحركة والتدفق .
كان والدى مايزال يحمل شكوك الأمس فى قلبه ، ينظر صامتاً بينما عيناه تبوحان بتردد مثير . أشرت له الى البوابة الحديدية ..أمامها صف بشرى ينتظم بطول الشارع الكبير ،لا أحد يحاديه أو يرقب خطوته ..برقت نظراتى وهى تتجه لعينى أبى وهمست :- شخصية غريبة نحن ..نمتلك المقومات ولدينا الأساس ونعرف كيف نتصرف ورغم هذا يحكمنا مزاجنا الشخصى وفكرتنا المسبقة ولا نعرف من الألوان الا الأبيض الناصع البرىء من متاهات السواد أو الأسود العميق الذى يأكل نظرات العيون .
هدأت خطى أبى ولم يرد ..هو هكذا حينما تهاجمه بالحجة البينة ، تنطق عيناه بالرضا أما لسانه فيد ور فى متاهة الصمت . مددت يدى اليه فتشابكت ذراعانا وأكملنا السير ..مضينا الى آخر الصف لننضم الى الوقوف ..أشار أحدهم الينا :- الكبار (يقصد أبى ) لهم إعفاء من الصف .
واشار نحو الباب ..حملت سنوات عمرى قرير النفس ومضيت خلف أبى ..قدمت بطاقة هويتى وتسلمت ورقة الإقتراع ..لأن الماء الآسن تحرك وفار قاذفاً بالخبث والنفايات خارج مجراه أتى الناس اليوم..فاجئنى خاطر ..لم يكن أمام الباب سماسرة الأصوات ..لم تمتد يد بنقود عطنة الرائحة ،ولم يرجونى أحدهم ن أقول مايريد ..أدرت البصر حولى ..مكتب قديم تجلس خلفه وجوه جديدة ذات سمات بيضاء رغم قمحيتها ..نظراتها تطلق طيوراً بديعة التغريد تدفعنى دفعا ً لفتح فمى ورسم ابتسامة وردية على شفتى ..يعلوها إطار ذهبى الحواف أبيض القلب يحمل عبارة الله أكبر ..أشير لوالدى بطرف عينى اليه ..تتبسم عيناه مدركا ماأقصد .. ..أتجه الى صندوق الإقتراع الخشبى ..جدرانه من الزجاج الشفاف ..داخلها أصوات الناخبين ..أمسك القلم ..أشير الى خانة نعم بلا تردد ..أضع الورقة عبر الفتحة العلوية فى الصندوق ..بمجرد عبورها الفتحة تفرد أجنحتها محلقة فى فضاء المكان راضية ..أنظر لأبى ..أرى عينيه باسمتين ..ابتسم له !!
حفلة عرس
..تفجرت ينابيع الخوف فى تجويف صدرها وانقبض قلبها لا تعرف لم ، كانت تداعب الزملاء ، تسخر من تأخرهم عن العمل واختراع الحجج للهروب منه ، دق الهاتف الجوال فى حقيبتها ، اخرجته ، اندفع صوت هشام مترنحاً على الأسلاك الى أن وصل سمعها ..الحقى بابا !! وانقطع الصوت ..حاولت الإتصال به ..الخط مغلق أو خارج الخدمة..ابتلعت ضحكة كانت تزين شفتيها .. المفروض أنه ذهب الى الكلية الآن ..إمتحان المادة الآخيرة فى البكالريوس ..بد ت على وجهها زوابع مابعد المكالمة ..حملت حقيبتها ودون كلمة هرولت نحو الباب ..حاول البعض معرفة الأمر ..اشاحت بيدها قائلة للفراغ الذاهبة اليه :- ظروف قاهرة
وطارت عبر الطريق .
.................
صرخ مفصل الباب بين يديها ..تركته الى عتمة تحتل الردهة الداخلية..قابلها هشام بوجه لم تره من قبل ..لم تجد وقتا لسؤاله عما به ..هرولت الى غرفة النوم ..رأته هناك على سريره ..وجهه منبسط الأسارير ، يحمل ابتسامة فى طور البزوغ ..عيناه مغلقتان ، وجبينه عليه نقاط تترنح على حوافها الأشعة النافذة من الضوء أعلى الجدار ..أمسكت بيده..تحسست رسغه ..ازداد ت دقات قلبها صراخاً ..تيبست الكلمات على شفتيها ورأت الحجرة والمرئيات تدور حولها بعنف .. من بين سحب الضباب الناشب أنيابه فى أحداقها عادت الى هشام ..يقف هناك أمام الباب فى لجة جزع ٍ جارف ..عيناه تصرخان ..تضربان أسطح الجدران بهدير النظرات المتلاطمة تارة والمترنحة أخرى بلا حول ....مدت يداً واجفة اليه محاولة تثبيتها قدر المستطاع وهى تهمس بصوت غريب على أذنيها ..:- مايزال هناك متسع لديك .
قاصدة أن يلحق بامتحانه .
تراجع خطوة للخلف راسما ًعلى ملامحه فجر دهشة صارخة:- ماما !!
أحنت رأسها قائلة فى حدة :- انا معه ..اذهب انت
اقترب قليلا معترضا ً :- ماما !!
رفعت عينيها اليه ..قالت قبل أن تنهار أمام دموعها :- قلت اذهب ..اذهب
واستدارت عنه ..حدقت فى الوجه السابح فى سماء سكونه ..رأته شاباً يطاردها حتى ترضى به..يذهب الى أمها :- أريد إبنتك ..تواجهه هى:- وانا لا أريدك ..يحدق فى عينيها بقوة :- سأتزوجك ..يصارعان الأيام بعد الإرتباط ..يغوصان فى غمرة الظروف ومتاهات الألام ..يظللان الصغار بروحيهما..يقع مريضاً ..تقوم بتمريضه ..تمضى لحظاتها فى العمل و تهرول اليه ..تحكى له ماكان ..تحادثه عن يومها وزملائها ..تقدم له الجرائد ..تحلق له لحيته ..تساعده فى تغيير ملابسه.. أخيراً ترقد الى جواره منبسطة الأسارير ، راضية برحيق أنفاسه الى جوارها ..اما الآن !!
عادت الى وجهه ..مدت يدها تتحسسه ..تهمس له بكل مايمر فى سماء روحها من حروف .. تدعوه أن يهل ببسمته كما عودها ..رأت فمه ينفرج ..رأته - وتقسم على هذا- ينفرج ..صحيح أنها فرجة لاتكاد تبين ..لكن النور أضاء وجهه ..امسكت بصدغيه فى حنان ..تكلم ..افتح عينيك ..اعد ابتسامتك ..لم يرد .. هبت من مكانها ..اتجهت الى دولاب ملابسهما ..اختارت بذلة عرسه وعادت اليه..بدأت تغير ملابسه ..تمشط شعره ..نثرت العطر الذى يحبه بعدها ارتد ت فستان عرسها وصعدت الى جواره على السرير ..أخذت يده فى يدها ، والقت على شفتيها ابتسامة مبللة بماء الدموع
عودة الميت
إختار سيد وظيفته الأخيرة بناء على إقتراح أحد الزملاء على المقهى، همس فى أذنه أن يعمل ميتاً ، من يومها وهو يسمى سيد الميت ، وهى وظيفة والحق يقال قد عادت عليه وزميله بإيراد يومى لم يكن يحلم به ، فقد عمل فى أشياء كثيرة أما الموت فلم يخطر بباله من قبل وبهذه الطريقة الشيك التى لاتكلفه الالحظات من الصمت والجمود ، يقوم فيها بالتمثيل وسط تجمع من البشر يلتفون حوله ، يقلّبون فى جيوبه بحثا ً عن شخصيته ، بعدها يتدخل صاحبه ، يقوم بعمل اللازم من إستدرارعطف القلوب على هذا الميت المسكين الذى ترك خلفه أسرة كبيرة لاعائل لها ، تحتاج مساعدة عاجلة ، بالإضافة لمصاريف الدفن ومواراته التراب ، وبسرعة تمتد الأيدى ، يجمع الزميل النقود ، يساعده المارة على نقل الجثة الى إحدى العربات التى تنطلق بهما الى حيث يقتسمان الغلة ويذهب كل منهما فى طريق ، على وعد بلقاء جديد ومنطقة أخرى يستخدم فيها مواهبه ، ورغم سهولة المهمة الا إنه دائم الشكوى منها ، من الأيدى التى تمتد اليه ، تقلّب جسده وجيوبه ، وعليه مهما فعلوا به عليه أن يظل ساكناً مقطوع النفس والا فشلت مهمته ،أ مر آخر فى هذا العمل يقلقه وهو أمانة زميله،إذ انه يأخذ النقود ، يبتلعها ، وحين يطالبه بالتقسيم يخرج له القليل مقسماً بأغلظ الإيمان أنها كل مالديه ، يحدق فى عينيه متهما ً ، يصر الآخر على إبعاد التهمة عنه ، أما غير هذا فلا شىء هناك ، العمل سهل يشعر وهو يؤديه بمتعة التحدى اليومى لمهاراته ، خاصة والعيون ترصده متربصة بأقل حركة قد تصدر منه ، وهم يقلبون فى جسده أو وهم ينقلونه الى العربة التى اتفق وزميله مع صاحبها، لتنقلهما الى الأماكن المختلفة التى يختاراها بعناية ، وتكون جاهزة حين يصيح زميله طالباً عربة لحمل الميت الى بيته بدلا ًمن الذهاب الى المستشفى وتشريح الجثة ، متعللآ بأن سُترة الميت دفنه ،وقد اعتاد ا الذهاب الى مناطق الأثرياء للمبالغ الكبيرة التى تقدم لهما ، اليوم والعربة تمضى بهما الى ضاحية مشهورة بمستوى قاطنيها شعرسيد بقلبه يدق بسرعة مخترقا ً حاجز الصمت الذى يسود عادة جو العربة مشحوناً بتوتر اللحظات السابقة لكل عملية ، رأى العرق يغطى وجهه وانتبه لأطرافه تتثلج ،همس صاحبه وهو يرمقه بطرف عينه أن هذا سيسهل مهمته ،رسم إبتسامة بالكاد على شفتيه ولم يرد ، اقترب المكان المختار ،هبط من السيارة ، سار قليلاً قبل أن يقع أرضا ً وسط الطريق وبين العربات المارة ، مما استرعى إنتباه الأعين والتفاف الأجساد حوله ، تقدم صاحبه ليقوم بعمله المعتاد من شرح ظروف الميت وظروف أسرته، إنتبه لأحدهم يقاطعه صارخا ً أن هذا الميت قد مات كثيرا ً من قبل فى أماكن أخرى ، تسلل الزميل من بين السيقان هارباً ، موقناً بالهلاك إن أمسكوا به ، أما سيد فقد سمع جيداً مايقال ، حاول أن يستمر فى دوره ،لم يستطع ، فتح عينيه بالكاد مديراً حدقتيهما فى الوجوه المتحلقة حوله ، كان وجهه مايزال ممتقعاً والعرق يغمر قسماته ، صرخ أحدهم مهللاً بأن الميت قد عاد للحياة ، هللت الأصوات خلفه فرحا بحدوث هذه المعجزة أمامها ، ضاع الصوت الأول فى مهرجان الأصوات الجديد ، أما سيد فلم ينطق بحرف !!
فقد صديق
فرت من عينيه نظرة عجب ٍ الى الطوار المقابل ..ذاك الطوارالذى زامله سنوات ، وجوده يوميا معه الغى المسافات بينهما ، كان يقف كل صباح يهمس لنفسه بما لديه ، ينظر هنا ويحدق هناك ، انتبه لهذا الطوار ، انتابته خاطرة شعر معها للحظه بتشابه بينهما ، هذا التشابه جعله يطيل النظر اليه ، يحكى ويضحك معه وربما بكى بين يديه ، شاعراً بسعادة لأنه يزيح عن صدره مايؤلمه ، وفى ذات الوقت يجد من يشاركه الامه ، يتوحد معه فى الطباع وفى الأحاسيس ، وحتى فى الملامح ، فهنا أثر الزمن على قسمات الطوار حفراً ونتؤات وأتربة ، وهناك ذات الأثر على وجهه أيضا ً تغضنات وإنطفاء بريق الأحداق، حتى إنتظاره اليومى لمفاجأة يأتى بها القدر ، ترحمه من الذهاب لعمله الكئيب ، شعر أيضا ً أن ذاك الطوار ينتظر مفاجأة قدرية مثلها..ماهى ؟..لايدرى ..اليوم فقط إهتز بعنف وهو يرى مفاجأة القدر تأتى للطوار دونه ، يبدو وجهه جديداً بهى الطلعة يتألق تحت ضوء الشمس ، الأبيض زاه ٍ ، الأسود لامع ، وكلاهما له بريق يشد العين ، أما الحفر والنتؤات فقد استطاعت يد ماهرة أن تخفيهما بمهارة. لقد انتبهوا للطوار أخيرا ً ، مدوا أيديهم اليه ، أزالوا عن وجهه ماأعتراه من تحولات ، أما هو فلم يره أحدهم ، أو ربما رآه ولم ينتبه أنه والطوار شريكان فى المكان وفى التحول أيضا ، لقد رآه بالأمس كما اعتاد أن يراه ، لم يتوقع هذا .. هز رأسه مرات وهو يشعر بأسفٍ لفقد صديق ، مؤكد لن يعرفه بعد اليوم لأن حالته تغيرت ، وحتى اذا عرفه فلن يشعر به كما كان . اجتاحه شعور لم يدر كنهه. ، هل هو إحساس بتقزم ، أم هى غربة غلفت نظراته ؟..ظلت عيناه مصلوبتين على ملامحه قليلاً ، تشرق فيهما الفرحة وهو يحدق فى اللون الأبيض بنضرته ، سعيداً بما حدث لصديقة ، وتغيض منهما الإشراقة وتحل محلها غيرة ،وهو يغوص بنظراته فى اللون الأسود .. أخيراً هز رأسه مبتعداً فى تثاقل عنه
ترقية
فوق الجميع هو
فوق الناس والعربات والبيوت ،يراهم من أعلى ويبتسم للجميع ،يأخذ من سعادته وينثر فى الأرجاء ،لايبخل على أحد ،الكل لديه سواء ،وإن كان أصحاب القلوب النقية مثله لهم نصيب أكبر لديه .
يمرق وسط العربات، لمباتها البيضاء والحمراء تبتسم له، تحييه، يرد تحيتها، يتجه الى شارع جانبى ، ضؤه الخافت يستقبله ، الأشجار حرس شرف على الجانبين ، ضوء القمر ينفذ من بين الفروع والأوراق التى تصنع ظلالا راقصة تداعبه فى سيره ، يضحك من القلب ، ترتفع ضحكته ، ينتبه بعض المارة له ، يشير محيياً هامسا لنفسه لو عرفوا سوف يشاركوننى الفرح ، الوظيفة التى لم تخطر لى على بال سوف أنالها ،الكبار الذين كنت أراهم على البعد سأكون منهم .
عاد الى الظلال المتراقصة والأنوار الملائكية الرائقة، الأيام القادمة ستشهد انقلاباً فى حياته، سيترك الأتوبيس والزحام والمنازعات ويركب سيارة وحده ،يقودها سائق خاص يحترمه ويطلب رضاه ،أيضا سيكون له سكرتير ،لايريد سكرتيرة فهو ضعيف أمام النساء ، لن يتحمل نظرة ناعسة أو كلمة رقيقة ،الأفضل سكرتير ويكون وقوراً ، ثم تلك الوظيفة الجديدة.. لابد أن يشعر الجميع إنه أضاف اليها ،غّير فيها ولم تستطع هى أن تغيّره كما فعلت بغيره ، سيفعل هذا، ويجعل أولاده وبناته يفتخرون به وزوجته تتباهى ..آه بمناسبة الزوجة ،لابد أن يتغير نظام البيت فوراً، لاصراخ مع الجيران ،لاجدال مع بائع جوال من الشرفة ،لاسباب للأولاد بصوت زاعق.. الأولاد أيضا عليهم التزام الهدوء والبنات عليهن التحلى بالحشمة ،زوجته نفسها عليها أن تكتسى بتواضع معجون بالعظمة فهى ستصبح زوجة رجل ذى حيثية ،صحيح أنه انتظر طويلاً ، لكنها فى النهاية جاءته ،يكفى أن السيارة ستنتظره كل صباح أمام باب البيت ويسارع السائق بفتح الباب له، لذا فالأمر لن يخلو من هيبة وإن كان سيلتزم فى أحاديثه وتعاملاته بالتواضع والصفح ،سوف ينسى إساءة جاره فى الطابق الأعلى ،وتطاول جاره فى الطابق الأدنى، عن سخرية زملائه وهزلهم معه ، سوف يتغاضى عن كل هذا ويرتفع فوقه لأعلى ،لأعلى ..ورفع رأسه فى شموخ ،تلاقت نظراته والقمر ، تبسم له وهو يعبر الشارع ، لم ينتبه لإحمرار إشارة المرور !!
تحريات
كان ضخم الجثة كبير الرأس، ذو عينين متسعتين كعينى ثعبان زجاجيتين، وذراعه حديدية كذراع ونش لاتعرف اللين، هبطت على قفا أحدهم فى الطريق، تصلبت قبضته على ياقة قميصه من الخلف وهو يفوح بقوة (قفشتك يابن الكلب ) ..لم يملك الرجل لحظتها الرجاء أن يفك يده قليلاً عن ياقة القميص ،خاصة أنه يعتصرها من الخلف فيخنقنه من الأمام، وهو لا يعرف على وجه اليقين ماذا فعل بالضبط ..الشارع الكبير يزدحم بالوجوه المختلفة
وأصناف البشر ،ماذا رأى فى وجهه ليختاره من بينهم ..دون تحذير أو حتى مقدمات شده اليه من الخلف ، ترنح جسده فى يده ، قبل أن يلّم أطراف الدهشة ليواجهه بها سمعه يرميه بوابل من الشتائم وهو يتوعده بالويل ..جاهد ليفتح فمه صارخاً فى وجهه متسائلاً من أنت وكيف تفعل هذا ؟..خرج صوته واهناً بحروف غير مترابطة لاتؤدى الى معنى ، ورأي نفسه يشير بيد الوهن متسائلاً عما فعل، والناس يلتفون حولهما ، تزداد كثافتهم وتتسع دائرتهم باحثين فى وجهه عن سمات الجريمة ، متسائلون فيما بينهم ماذا فعل هذا اللص؟.. تطوع بعضهم للإجابة عن السؤال بثقة مؤكدين أنه ارتكب هذا، رد آخرون بل جنى ذاك، كثرت الأقاويل حوله وهو يستمع مرتجف البدن متسع العينين وقلبه يهوى الى ركبتيه ..رأى الرجل الغليظ الوجه هذا الجمع حولهما ..زادت قبضته تصلباً على قفاه ، رأى أن الظروف مواتية لإستخدام يده الأخرى ، بدأ يهوى بها حيث شاءت وهو يواصل شتيمته.. فجأة صمت قليلاًً ، حدق بعينى الثعبان فى وجهه متسائلاً :- إنت شغلتك إيه؟..فتح فمه بالكاد :- سواق ..صرخ ليسمعه الجمع المتلاحم حوله..(بطاقتك يا...أمك) .. ناوله بيد الرجفة البطاقة ..دسها فى جيبه واستدار الى الخلق:- ياله ياجماعه كل واحد يروح لحاله خلونا نشوف شغلنا..قالت له إمرأة باهتة الملامح:- ارموه فى السجن ، نظفوا البلد من أمثاله ..التقط طرف الخيط رجل كاره للحياة صرخ فى وجهه:- تستحق الشنق لأعمالك السوده ..كسر الدائرة قدوم رجل آخر ضخم الجثة كبير الرأس، ذو عينين متسعتين كعينى ثعبان زجاجتين، يقبض على قفا رجل جديد ..أزاح الخلق بصوته الغليظ حتى وصل اليهما ..نظر الى الرجل فى قبضة زميله وهو يسأله بازدراء :- مين ده ؟
قال:- اللص
هز رأسه سلباً:- لأ ده اللص ،أنا ظبطته متلبس
وهو يهوى على وجهه بباطن يده ..انحلت عقدة الغليظ الأول عن ياقة القميص ، قال وهو يتجه الى اللص ليكيل له اللكمات :- معلشى يافندى ..خطأ فى التحريات
الهاتف
ضرب رنين الهاتف ركام الصمت حوله ، اتجه بعين السخط اليه ، مؤكد الطالب سميحه زوجته ، تريد الاعتذار ..لاحت صورتها له وهى ترميه بكلماتها الثلجية بالأمس :- لن أبقى معك بعد اليوم
وهو ينظراليها ، الى وجهها الذى اكتسى بملامح لم يرها عليه من قبل ، اتسعت عيناه ، اضطربت أنفاسه ، صرخ ، ضرب الجدران ، حطم الأثاث وهى لاتبالى به ،عيناها بحيرتان تغطيهما الثلوج ، تفتح الباب ،لاتكلف نفسها مشقة النظر الى الخلف وتمضى .
هز رأسه مراراً هرباً من تتابع الصور فى مخيلته ، رفع يده قاصداً الرد ،عاد وخفضها ، لن أرد عليك ، مواجهاً الهيكل البارد فى عناد ، حادثته نفسه قد يكون حسام إبنه ، يريد تبرير جريمة أمه ، لأول مرة منذ تزوجها تقف أمامه ، تنطق بحروف لاترضيه ، مادامت تمردت فعليها أن تتحمل ، هى التى عادت بعد حفل زفاف آخر بناتها الى البيت ، جهزت حقيبتها وقالت له :- الآن إنتهت مهمتى ، وسأرحل ، قسماً لن يعود عن عقابها ، لن يسامحها لأنه لايوجد ذنب بدون عقاب
..مد يده الى الهاتف ..عاد وسحبها ،حتى لو كان حسام لن أرد عليه ،
ظل الهاتف يزأر فى جنون ، صراخه يزلزل أذنيه ،يرج أرجاء دماغه ، اتجهت نظراته الملتهبة الى برودة كيانه الرمادى ، مد يده قاصداً قذفه على الأرض كما كان يفعل ..توقفت يده فى منتصف الطريق ، قد تكون سماح إبنته تريد أن تعتذر له ، تقول أن أمها لديها ، تطلب منه أن ينسى جريمتها من أجلها وأجل أخيها ،هى سماح ،مؤكد ستقول هذا ،ترجوه أن يقبل العفو عن أمها ،امتدت يده الى الهاتف ، صمت الرنين قبل أن تصل يده اليه ، غاصت نظراته فى طيات شعور جارف بهزيمة لم يعرفها قبلا ..دارت عيناه شاردتين فى بثور ونتؤات تحيط به على الجدران - لم ينتبه لها من قبل - تتعملق أمام عينيه ، تتحول من نقاط صغيرة الى مساحات عملاقة يبدو أمامها قزما لاحول له ، هرول بنظراته الى صورته بملابسه الرسمية فى الإطارالمذهب على الجدار المقابل، الرأس مرفوع ، الابتسامة عالية تليق به، الذقن حليق ، والحدقات لمعتها توحى بمكانته .فرد جسده بعد انكماش ورفع رأسه ، عاوده الم ظهره ، عاد وانكمش لاعناً من أجبروه على ترك عمله .
ارتفع رنين الهاتف ثانية ،اتجه اليه بسخط نظراته ، لن يرد عليه مهما كان ، اذا ارادت الاعتذار عليها أن تأتى اليه ، تقدم الطاعة وتعترف بالذنب ، بعدها ينظر فى أمر العفو عنها من عدمه . تواصل الرنين ، قرر الابتعاد عنه نهائياً ، غير أنه فوجى بيده واهنة تمتد ، ترفع السماعة الى أذنيه ، ورأى نفسه يقول بصوت غريب على أذنيه :- الو
إنتظار
بين يديها تتلكأ اللحظات،عقارب ملعونة تأبى الا التباطؤ الى حد الموت، سكين اللحظة باردة على رقبتها، تحز العظام، تجحظ عيناها وهى تعاود النظر الى سواد الساعةوتجد العقارب مكانها تبادلها التحد يق بأعين زجاجية النظرات، تحمل إناء الزهور الخزفى الملقى على المائدة الصغيرة فى غرفة الصالون، ترفعه قاصدة قذف هذه الساعة الجاحدة به ، ينطلق رنين الهاتف ،تنتفض ،تلقى الإناء جانباً وتهرول اليه ،تطير اللحظات معها لهفاً ،ترى الرقم الطالب ،تتألق عيناها بلون الفرح ،تهتف من قلبها :- الو .
تهرول فى أرجاء المكان الذى يتسع بالكاد لأحلامها، يشرق فى نواحيه ضياء يلمس قلبها فينتشى، ترتب المقاعد والأريكة، تزيل ترابها، تنسق الحشايا فى أركانها، تنشر أريج العطر فى نواحيها، تلمس الإناء الملقى على جانبه فى رفق بباطن كفها، تمر على ثنايا جسده الخزفى متأملة وتضعه حانية مكانه منتصف المائدة، يدق جرس الهاتف ثانية قاطعا ًتدفق صمت هانىء يضمها ، تنظر الى الرقم ، تشيح بيدها وتمضى عنه ، تتجه الى دولاب ملابسها على بساط من هناء، تسكن الحيرة عينيها ونظراتها تتقافز من ثوب الى آخر ،تحدق فى الأحمر ،الشقاوة تكون معه ،شعر ثائر يتموج حول النحر وعطر ساحر ونيران لاتهدأ ..ترسل طرفها الى الأبيض ،الرومانسية معه والشعر المنسدل على الكتفين والعطر الخجول والنظرة الناعسة ..اتجهت الى الأسود ،الوقار والشعر السارح فى ضفيرة هادئة على بساط الظهر والعطر النفاذ..لمحت عيناها الثوب الأصفر بحيرة خيوطه ،تركته الى الأزرق السماوى بخيالاته ،عادت الى الأبيض وتبسمت فى خفر وهى تضمه الى صدرها بحنو .
بدت المائدة وضوء الشموع يتراقص حول الأطباق معطراً برائحة الطعام رقعة من نعيم ..الى الجوار استقر جهاز التسجيل الصغير محتضناً شريط الموسيقى المفضل، وهى هناك تمر بها اللحظات وردية حالمة ، تداعب خديها وثوبها الأبيض وشعرها المنسدل على كتفيها.
عاد جرس الهاتف يزغرد احتوته بحنان ،رسالة منه ، قرأتها فوراً ، سقط الهاتف على الأرض
!
زيارة ليلية
كانوا يتوجهون الى باب البيت ..عددهم لايحصى ..يصعدون السلم وثباً ، وكلما غاب بعضهم ظهر بعض آخر كأنهم ينقسمون، والليل يفترش الطرقات متشحاً بسواد متراكم ، تزداد كثافته كلما وطأت الأقدام أرض الحارة هابطة من غور العربات..أنوار كثيرة أضيئت خلف الأبواب ، ومن خلف شيشان النوافذ والشرفات المغلقة على أعين راصدة تحدق فى حرص بالغ فى العربات السوداء الجاثمة أمام باب البيت ملتفة بالظلمة ، والتى خرجت من رحمها الأقدام تسعى الى باب البيت، ومنه الى السلم المكفن بالسواد، ثم الى الشقة المقصودة التى تهاوى بابها على أثر دفعه بالأقدام التى طارت الى الداخل منقبة فى الأركان عن هدفها، بينما فتحت شرفة الشقة التى لاتفتح عادة على الحارة فانطلق من صدرها موجة نور كسحت الظلمة المترسبة، وخرجت امرأة مغضنة الوجه بشعرها الفضى الذى فشل منديلها الأبيض فى إحتواءه ، وثيابها ممزقة أعلى الصدر والكتف الأيمن وهى تصرخ ..صرختها بددت الظلمة فوراً اذ إنفتحت الشرفات والنوافذ المغلقة وأطلت من خلفها الأعين الراصدة بينما الأعداد الغفيرة التى صعدت تعود وقد زاد عددها واحداً كان هو الوحيد فيها المنفرج القسمات ، يهبط متروياً وهم يحيطون به ، يترقبون حركاته ويعدون أنفاسه ويترصدون نظراته ، حتى اذا هبط السلم اقتادوه فوراً الى إحدى العربات ، بينما المرأة العجوز ترمى بالجزء الأعلى من جسدها فوق سور الشرفة الحديدى صارخة خلف العربات المارقة :- ياصابر
الفراشة البيضاء
(1)
ارقدت نوال فستانها على السرير فى ذات مكانها ، وقفت بعينين محمرتين تنظر اليه ،تركته الى صورة لها، حملتها ووضعتها أعلى الياقةمسندة ظهرها على حافة الوسادة، ووقفت تنظر من جديد .المكان هو هو لم يتغير ،الفستان التى كانت تحبه ، وصورتها بضحكتها البيضاء ووجهها برىء العينين تعلوه . عادت ينابيع الدموع فى عينيها المحمرتين الى التدفق ،حبستها بالكاد. وهى تمسح مكانها بكم جلبابها لاحظت فراشة بيضاء تطوف بالمكان ،تدور حول فستانها ،تحط على صورتها ،دارت معها بجمر عينيها والصمت يدور فى المكان ،همست تحادثها :- إن كنت روحها تعالى هنا وأشارت الى الفستان ،رفرت الفراشة بجناحيها ،اقتربت، وعلى ذات البقعة التى اشارت اليها توقفت ،تبسمت العيون من خلف غمامة الأسى ، الروح تعود لذات المكان ،تحن اليه ،تعرف صورة الجسد وتبحث عنه،الفراشة البيضاء ظهرت بعد موت لطيفة مباشرة ،حامت حول سريرها ،توقفت على الفراش ،تغيب عن الحجرة وحين تعود تتجه لذات المكان ،نوال لاحظت هذا ،وضعت الفستان على الفراش تعلوه الصورة ،وبدأت تراقبها ،تناديها وتناجيها على أنها روحها ،تحادثها وتدور بعينيها معها ثم لاتلبث أن تتابعها بعين العجب وهى تخرج من النافذة متسائلة لماذا تغادرها وهى تعرف كم أفتقدتها .
(2)
الشمس منشور من الأشعة يشق ظلام الحجرة ،يرتمى على السرير ،ونوال هناك تنشطر نظراتها بين الباب المغلق والشباك نصف المفتوح بانتظارها .لم تعد روحها منذ انطلقت الى فضاء الكون ،هى التى لم تبرح حجرتها منذ سنين ، جسدها كان صغيراً واهناً عظامه هشة وقلبه ضعيف يملك عينين راضيتين ولساناً أبيض ،مقيد الى سرير صغير فى حجرة ضيقة الحدود تدخله الشمس مرغمة صباحاً ،تقف أشعتها على الشباك لبعض الوقت ،تنفذ من بين ضلفتى الشيش منشوراً من الضوء ،بمرور الوقت يتقلص الى أن يغيب ،يخرج الأخوة والأخوات كل الى دنياه أما هى فنوال دنياها ، تحملها بين يديها الى ا لحمام فى خفاء عن الأعين حتى لاترى نظرة مشفقة أو عينين راثيتين ، تعود بها لتجلسها على الأريكة وسط الردهة فى مواجهة القادمين، تجلس مغلفة باتسامة بيضاء مثل قلبها ، فى أيامها الأخيرة كان صدرها يشكو مما به ، تدير عينيها باحثة عن الشمس ، الشمس على مقربة من الشباك ،لايصل شعاعها اليها ،تنظر نحوه ،تسأله أن يقترب لتخفف من اُثر الرطوبة التى تسرى فى جسدها ،تراه يتحرك ،يخترق فضاء الحجرة مرتمياً على صدرها ،تقول لنوال بفرح :- قلت للشمس تعالى ،فأتت الىّ .
تعاود ينابيع الدموع التفجر فى عيني نوال ، تتجه للفستان الملتصق بالسرير ،تنتبه للفراشة تحوم حوله ،والصورة تبتسم هناك ،من خلال الدموع ترد ببسمة.
(3)
حينما ماتت حامت الفراشة البيضاء حول فراشها، ربطت نوال بينها وبين فراشة أخرى كبيرة لونها يميل للسواد ظهرت بعد موت أبيها، حامت داخل حجرته ،حول فراشه ثم مضت. فى بداية الأمر تساءلت نوال كيف أتت الى هذا الطابق الأرضى فى تلك الناحية المتطرفة من المدينة ، هل قطعت المسافة هابطة من السماء أم قادمة من أقاصى الأرض ؟.. تمنت لو تحادثها ،تبوح لها بما لديها ،فكرت فى وضع زير من الفخار به ماء سبيل أمام الباب صدقة على روحها .. رأتها تعود ،تحوم حولها،تحط على الصورة أعلى ياقة الفستان ،الصورة عيناها ضاحكتان ،لمعة الأحداق تطلق أشعتها رباطاً بعينيها ،تشدها مترفقة بها ،تضمها ،تحتويها وهى راضية مطمئنة كما كانت تحتويها قبلا ،فهى كانت الأم الثانية بعد وفاة أمهم ،مصروف البيت بيدها ،تدبر الأمر ،تتحمل الشكوى ،ورغم عجز ساقيها كانت تعمل بتطريز الملابس لجارة لهم خياطة نظير أجر ،الأكثر من هذا انها كانت تسمع للجميع ،ولم يكن لدى أحدهم وقت ليسمع لها .
تركت الفراشة إطار الصورة عائدة الى الفضاء ،تعرف نوال أنها لاتريد مفارقتها ،يبتسم الدمع فى عينيها ،تهمس :- إن كنت روحها اقتربى لأراك
،وسط المنشور الضوئى المنسل من الشباك وقفت قليلا قبل ان تأخذ طريقها الى الفضاء الفسيح .
(4)
لم تدرك نوال حجم الفراق الا حينما افتقدت حميمية وجود الفراشة حولها ،تركت الباب مفتوحاً والشباك ،تفجرت ينابيع دمعها طويلا ،لم تعد اليها ..
رغم هذا والى الآن كلما رأت فراشة بيضاء صغيرة تعبر منشور الضوء الى داخل الحجرة يتهلل الدمع فى عينيها تتابعها مرحبة ،تحادثها برفق ،وفى أثناء الحديث تهمس لها :- إن كنت روحها اقتربى !!
ثورة ظل
إهتز الباب بعنف ، أفلت المزلاج وظهر كيان ضخم لاملامح له ، ارتددت بأقدام الرعب الى الخلف ، تقدم وسط العتمة من مدخل الشقة عبر الممر الصغير الى الردهة، رمى بعينيه منقّباً ، عاد وأمرنى باغلاق الباب، غمرتنى سيول الدهشة ..القيت عنى عباءة الخوف صارخاً :-
- من أنت ،وماذا تريد ؟
اندفعت يداه الّى ، مخالب حادة فى أطراف أصابعه شعرت بها تنغرز فى مسام وجهى وتخمش جلدى ، إندفعت بكم الرعب قاذفاً وجهه بمقعد طالته يدى، أفتّر فمه عن فرجة لم أدرك كنهها ،وإن ظننتها بسمة هازئة..هرولت الى هراوة ورثتها عن المرحوم والدى ..بكل ماأملك من بطش هويت بها فوق رأسه، زادت إنفراجة فمه ودفع جسدى بيده ، إنطرحت أرضاً على ظهرى ، رفعنى من ملابسى وعاد يقذفنى فاصطدمت بالجدار ،وأنا على الأرض أعالج الامى أتى الأمر بصوت كالفحيح
- أغلق الباب
------------------
بدت الردهة بعتمتها الخفيفة كهفاً ممتداً ، تكسر حدة ظلمته شمعة يتلاعب النسيم بشعلتها ،لا أحدد جيداً ملامح وجهه على هداها، وإن كنت أميز منظر ظله على الجدار المواجه بهيئته وتكوينه الهلامى، والى جواره ظلى صغير. كلما تحرك ابتلع ظله ظلى . شغلنى ذلك الظل بامتداده الذى يشغل حيزاً من الجدار يجعل النفس تهيم فى سراديب رهبة تصنعها العتمة ، فأغيب فى متاهة نظرات محملة بأنين مكتوم منطفىء الوميض ، لايكاد يبين، ربما خوفاً من رد من ردوده الهوجاء ، وإن كان هذا لايمنع من نقل البصر بين الظل والحقيقة ..الظل يملأ الجدار، الحقيقة تكوين جسدى غير محدد الأبعاد ، وجهه قسماته منفرجة أبداً لاتعرف إن كانت سخرية سرمدية عالقة بفمه ، أو هو رسم طبيعى خُلق به ، أو ربما هو عبوس على طريقته ..عاد صوته يتردد ثاقباً آذان الجدران :- إياك وإضاءة الأنوار
صرخت بلا وعى ..ربما من فرط الغضب المكبوت :-
- لكنه بيتى
- تقصد بيتنا
شعرت بتلافيف مخى تعوم فوق بحيرة من جنون ..تحركت محاولاً الوصول الى عصاى ..كانت فتحتا عينيه الغائرتين أعلى وجهه بسوادهما الداهم تتابعانى ، إنغرزت مخالبه أعلى ظهرى وهو يجرنى الى مكانى بكلتا يديه بعيداً عما أبتغى ..صرخت :- سأقتلك
- صدرت عنه أصوات مبهمة ذات ذبذبات عالية هزت قلب الصمت من حولى ..قدّرت أنها- قد تكون - ضحكات ذات طعم ساخر المذاق
-----------
هذا الظل لن أتركه ..تكوينه على الجدار يرهق عينّى .. ثم إنه يحتمى بظله ..يرمقه من حين الى حين وقد يغّير وقفته ويعاود تتبعه حتى يصل الى أضخم مايريد ..تحركت فى غفلة منه ..أنرت المصباح.. رددت الجدران أصوات صراخه ..هجم بمخالبه علّى.. على هدى الأضواء قدرت المسافة بينى وبينه ..عرفت فى اللحظة المناسبة كيف أفلت من بين يديه ..أشعل بقية الأنوار.. أفتح النوافذ.. يدخل ضوء الشمس .. تزداد صرخاته ..ينكمش جسده .. يبدو ظله صغيراً.. أرى ظلى كبيراً ..سعدت كثيراً لرؤية ظلى يحتوى ظله!!
طقوس ليلية
وقفت تنظر الى الليل من خلف زجاج النافذة المغلق . كان الصمت يهيم فى الطرقات ،والأرض تتشح بالسواد . ومض ضوء سيارته قادماً على البعد ،عرفته من صوت النفير واللون الأصفر الباهت الذى كسا الأرض ..أسرعت برفع يديها كل يدٍ الى عين ، تلاحق الدموع المهرولة الى خديها ، واتجهت الى السرير المرتب الغطاء ،القت جسدها عليه .
---------
تحركت أقدامه صاعدة الدرجات القليلة الموصلة للباب ..علا صوت المفتاح مثل كل ليلةٍ يرتطم بالخشب مرات قبل أن يلتقمه ثقب الباب ..بعدها بدأ يصدر همسات مترنحة تلعن المفتاح الخائب والثقب الذى لاينقاد له.
تنبهت فى فراشها له يخلع الحذاء فى الردهة الخارجية ..عادت الدموع تراود عينيها ..كتمتها بالكاد ..حرك المزلاج داخلاً الحجرة اليها .
--------
فك أزرار رداءه ..بحث عن الأكمام ليخلعها ..شد البنطال بالكاد ومضى الى ملابس النوم ..أخذ وقتاً الى أن استطاع ترويضها ..جلس على السرير الى جوارها.. أحست بأنين السرير ..طافت برأسها فكرة أن تفتح عينيها ..تشعره بأنها معه ..وئدتها فوراً وأغمضت عينيها أكثر ..تثائب بصوتٍ عالٍ قبل أن يلقى بجسده كتلةً واحدةً عليه..وارتفع شخيره فوراً تسللت من جواره الى الأرض ..ارتطمت عيناها بصورتها فى المرآة ..وقفت على ضوء النور الخافت النافذ من الردهة تترقب جسدها ..تدور حوله ..تتفحصه ...بعدها استدارت اليه ..فمه كهفٌ مظلمٌ يصدر منه صوتٌ متتابع خشن النبرات ..كرشه قبة تعلو مسطح جسده وهو مستلق على ظهره ..اقتربت منه ..مدت يدها تحاول إيقاظه ..أزاحها بيده وصوته يشرخ الصمت متسائلاً عما هناك ..اتجهت الى النافذة ..فتحتها ..وعلى ضوء الليل فردت جناحيها وطارت الى بعيد !!
أزمة مرور فى شارع أبى قير توقف الزمن ..شد لجام حصانه ووقف عاجزاً عن المرور ..السيارات متلاحمة سلحفائية الحركة ذات أبواق تنهش الآذان ..الأرض تتلوى من السنة اللهب المنصبة من فوهة الشمس ..البيوت على الجانبين معتمة المداخل مغلقة الشبابيك والشيشان وجوهها مقطبة الملامح بلونها الأصفر الكابى . تتحرك السلحفاة قليلا ناقلة قدماً الى الأمام وأخرى الى الخلف ..يتصاعد أنين الأرض ..تزأر الأبواق صانعة مهرجاناً من الضوضاء.. تتغيرملامح الطريق فعلى اليمين يتمطى مبنى مستشفى جمال عبد الناصربلونه الأبيض، فارداً ذراعيه العملاقتين بغطائهما الأسمنتى نحو السحاب ، اما الحديقة الخضراءأمامه ببعض الأجساد المسترخية على إخضرار عشبها فهى فى حلمها الزاهى بعيدة عما يجرى، وعلى اليسار تقف كلية الهندسة بهيكلها الفرعونى العتيق شامخة، تنظر الى ذات المكان من علٍ ..تنطلق من سيارة فيات قديمة الطراز لعنة على ذلك الزحام الذى يشوه هدوء ونقاء الأسكندرية فى مثل هذا الوقت من كل عام ..يجاوبه فوراً من سيارة مرسيدس حديثة أغنية غربية الايقاع تشد الأعين بصراخها المتكرر..ترتفع من عربةbmw تقصد الاتجاه المعاكس أغنية تبدو كأنها تسجيل لمعركة شعبية استخدمت فيها الموسيقى ،وأكتفى ببعض الحروف عوضاً عن الكلمات ..ينطلق آذان الظهر من مسجد المواساة القريب ، تصارعة الأبواق الهادرة ، تتلوى رأس السلحفاة وهى تفكر بنقل قدمها من جديد .على الرصيف فى منتصف الطريق تبدو إمرأة أكلتها السنون ، مكللة الرأس بغطاء أسود مثل ثوبها الذى ينتهى الى حذاء عرك جلده الحياة ..تتحرك المرأة رغم ثقلها بوجهها المغطى بماء العرق المعجون بالدموع أسرع من السلحفاة ، منادية بصوتٍ مشروخٍ :- ياسيد
تبتلع هوجة الأصوات صوتها وهى تمضى مصرة على السير رغم مشاقه ، وعلى النداء رغم خفوت صوتها ..تقل حركتها رويداً ويخفت الصوت الى أن يصير همساً قبل أن تتوقف تماما ، وتبدأ مرحلة الهبوط الاضطرارى الى أسفل وهى تفتح فمها دون صوت منادية فى اصرار :- ياسيد
بينما السلحفاة على مهل تمد قدما للأمام وأخرى الى الخلف، وهوجة الأصوات هادرة ، والآذان يرتفع الى السماء عالياً :- الله اكبر الله اكبر
وعلى الرصيف الذى يتوسط الطريق جسد إمرأة مازال ينبض بنداء لايسمع :- ياسيد
ولامجيب.
اللوحه
فى وقت الظهيرة والشمس مستلقية على عرش السماء، متمتعة بصب نارها على الرؤوس، وشارع الرحمة المجاور- طولياً- لسور مقابر عامود السوارى يموج بالحركة، مابين غدو ورواح أو ثابت مكانة لايمتلك الرغبة فى الحراك ..هدأت الحركة رويداً ..صمتت الأصوات ،وبدا المشهد المتحرك يتحول الى لوحة ترابية اللون ،على يمينها منازل متهالكة ، مداخلها الواسعة مفتوحة على مصراعيها ، تجرى أمامها فى تدفق صامت مياه المجارى الطافحة من البالوعات أو المواسير المكسورة هنا أو هناك، تجلس بالقرب منها وأمام الأبواب نسوة بدينات بأثداءٍ مدلاة من وراء ملابسهن الكاشفة كالقرب على بطونهن، ذوات وجوه أكل عليها الدهر، ينظرن أمامهن ولايبدين مالديهن من مهارات التوغل بالألسنة والإشارات فى الوان وفنون السباب ، ربما بسبب حرارة الجو وربما بسبب همود طارىء على الأرواح الجم الألسنة ..وبين البيوت وعلى مسافات متباعدة بعض حوانيت وورش يعمل داخلها من يعمل، ويجلس على باب بعض منها معلم أو صاحب ورشة ،ومبسم الشيشة لايفارق فمه دون أن يصدر صوتاً أيضا .. فى الناحية اليسرى من الشارع السور الحجرى لمقابر العامود، يمتد الى الشارع الرئيسى الكبير المواجه لشريط الترام فى منطقة البياصة ، وقد رصت على حجارته المتآكلة ورش وحوانيت أخرى ، فمرة ترى ورشة اصلاح دراجات وقد علقت على بابها قطع غيار عديدة، ومرة ترى شادر من القماش يحجز الخراف والماشية، ومرة ترى مقهى مقام تمتد مقاعده وموائده أمامه بلا حدود..والكل فى تلك اللحظة من الظهيرة قد أكلهم الصمت يميناً وشمالاً، أما فى نهر الشارع فقد انعدمت حركة الأرجل، وهى عادة إما جنازة متحركة وصرخات تهز الجدران ، أو خطوات السكان أنفسهم تقطع الحفر والمطبات على مهل ...ساد اللوحة الصمت لحظات قبل أن تقطعه صرخة أنثوية حادة مزقت السكون، وأعادت الحركة الى الوجوه فاستدارت الى مصدر الصوت، لترى إمرأة مهوشة الشعر حافية القدمين ممزقة الثياب تهرول ،غير مبالية بلسع الأرض لقدميها الحافيتين ولا لنظرات الذكور اللزجةالتى ترامت على ماظهر من جسدها وهى تصرخ :- يامحمود
تقع على الأرض ..تتعثر فى حجر ..تهب من جديد ..تصل الى باب المقابر الحديدى الصدىءعلى شريط الترام ..الباب مفتوح على مصراعيه انتظاراً للموتى والأحياء ..يمنعها الحراس من الدخول..تمسك الحديد الصدىء ..تنادى من خلف خطوطه المتقاطعة :- يامحمود
يهز صراخها اللوحة..تتبعث الأصوات والحركة عبر أرجائها..يعلو صوت أبواق السيارت المارة ، ويتعالى ضجيج وسباب النسوة المتربعات على الأبواب، وتكركر المياه فى القلوب الزجاجية للشيشة هنا وهناك ، ويغمز أحدهم لفتاة مارة ـوتأتى على البعد صرخات جنازة قادمة ، بينما المرأة تبتعد فى بطء محنية الرأس نازفة العينين ، تسير على جمر الأرض وصوتها الواهن ينادى :- يامحمود
مغادرة
إهتزت عربات القطار بفعل تشغيل المحرك الرئيسى..الرصيف المزدحم بالأرجل إضطرب ..إحتضن أحدهم الآخر مودعاً وهو يهمس فى أذنه موصياً ..قبّل آخر طفلًا صغيراً تعّلق برقبته باكياً رافضاً أن يدعه يمضى..أشارت سيدة ذات معطف أسود يمتد بامتداد براح جسدها السارح الى ماتحت ركبتيها بيدها المغضنة ذات العروق النافرةلآخر يتحرك بظهره ناحية القطاروهو يرمقها من خلف سحابة المياه المتجمعة فى مآقيه الشابة ،مصّراً على عناق النظرات لآخر مدى ..وقف الى جوارباب المقطورة الأولى شاب نحيل القوام مثلث الوجه له عينان عميقتا الغور شديدتا سواد الحدقات محاولاَ التماسك،وكفاّه ملتصقتان بكفىّ فتاة عسلية العينين شعرها الأسود منكفىء على ظهرها ،وهى تحبس دموعها بالكاد وتتحدث بسرعة غير مبالية بألم كفيها من اعتصاره لهما، وعلى باب المقطورة الأخيرة كانت إمرأة بجلباب باهت الإخضرار تنزل طستاً من الألمونيوم كبير، به جبن وزبد وبيض من فوق رأسها وتدفع به الى الباب المفتوح، طالبة ممن حولها أن يساعدوها لدفعه ناحية الباب المغلق فى الجانب المقابل،وخلفها طالب يحمل كتبه مغادراً الى كليته ..وبين المسافة بين المقطورة الأولى والأخيرة تقريباً وعلى مقعد من المقاعد الحجرية المنتشرةعلى الرصيف كانت إمرأة ترتدى جلباباً أسود يعلوه غطاء رأس بذات اللون به ثقوب ،ينفر من بينها شيب شعرها الناصع البياض وقد التصق بعضه بجبهتها بفعل العرق المعجون بالدموع السارح عبر مسام جسدها واخزاً، وهى جالسة مربعة الساقين تنظر أمامها الى حيث لاتدرى ،منادية من خلال الدموع وارتجافة الصوت:- ياسيد
والأقدام حولها تسعى ..أطلق القطار صفيره مؤذناً بالرحيل ..ترك أحدهم معانقه وصعد لأعلى ..فك آخر يدّى صغيره من رقبته وسلمه لأمه مودعاً ..أدارت المرأة ذات المعطف الأسود ظهرها للقطار وأفرجت عن دموعها ،مسلمةّ إياها لمنديل حريرى صغير أودعته يدها اليمنى ..ودع الشاب النحيل الفتاة بمزيد من الضغط على كفيها ..وقفت المرأة ذات الطست محاولة الألتصاق بالباب المغلق خوفاً من كلمات مفتش القطار ..أخذ الطالب ركناً بعيداً أسند ظهره اليه وكتبه فى يمينه وعينيه على وجه فاتنة تجلس أمامه ..تحرك القطار مغادراً
ظلت المرأة ذات الجلباب الأسود مكانها على المقعد وسط الرصيف الذى خلا من الناس على المقعد الحجرى تنظر أمامها بذات النظرات التائهة من خلف الدموع المعجونة بالعرق وهى تنادى بصوت مشروخ :- ياسيد
ولامجيب!
القرار
برقت عيناها وأخذ جمر وجهها يشتعل رويداً بعد أن القى زوجها كلمته واستدارعنها متجهاً الى خارج حجرة النوم..مامعنى أن يسافرفى الغد، يتركها بعد أيام من الزفاف تعد على أصابع اليد الواحدة ويمضى ؟.. لايذهب الى عمل ساعة أو ساعتين ويعود، بل يركب طائرةويغيب أياماً ويتركها تحادث الجدران.
ركلت الأرض بقدمها..رمت الشباك بشرر نظراتها ،وهبّت واقفة تدور فى الحجرة كنمر سجين ..ذات الحجرة التى رأت ماظنته فجر سعادتها ..لم تدر أن الأمر كله حلم ليلة وأنقشع الضباب عن حقيقة هى كالعادة ظلام لابدر فيه ولا نجوم ..سترفض هذا السفر ..مهما كانت النتائج عليه أن يبقى ..هى أهم من الكون ..على الأقل من أجل شكل ٍ إجتماعى لامفر منه ..من أجلها ..من أجل صورتها امام أعين راصدةٍ لاترحم ..إن كان عليها تستطيع الآستغناء عنه فى أى وقت تشاء ..لكن الآن ..لا.
ثم ماذا يظن نفسه ليفكر وحده ويصدر القرار ،يقول لها بكل بساطة كأنه يلقى خبراً عادياً أو يتحدث عن إناسٍ آخرين أنه سيسافر لأهم هام !!
ركلت المقعد الصغير أمام مرآة التسريحة بقدمها ..إنقلب مرتطماً بضلفة الدولاب على ظهره فى صمت ..شردت قليلا مع همسة أمها ليلة الزفاف ..(زوجك كما تعوديه ..وابنك كما تربيه ) ..تبسمت لها :- لست صغيرة
قالت جادة :- الخطأ منذ البداية فى هذا الأمر يكون عادة خطأ العمر .
هزت رأسها الصغير المتصلب الملامح فى مواجهة صورته المؤطرة باطار ذهبى على التسريحة ..لن تتركه يذبح لها القطةوهى مكتوفة الأيدى..لكل فعل رد فعل مضاد له فى الاتجاه لكنه بالتأكيد - معها - لن يساويه ..وسوف يرى.أمسكت بالهاتف ..ستعود غداً الى عملها ..ستطلب قطع الأجازة وحين يعود الآن ستبلغه بالقرار ..هرولت الأرقام خلف بعضها فى ذعر ..الخط مشغول ..أطلقت صيحة ضيق وهى ترقب الباب ..لايجب ان يدخل قبل أن تنتهى ..أعادت الطلب ..( يمكنك ارسال رسالة صوتية ...) ..رمت السماعة بقوة على الهاتف ..رأت خيالاً قادماً من الخارج وصوت أقدام تقترب ..رفعت السماعة بسرعة الى أذنها كأنها تتكلم ..دخل الحجرة متألق العينين ..وجهه يحمل إشراقة صبح باسم حاملاً صينية صغيرة عليها فناجين الشاى والحليب وبعض السندوتشات ..زغردت نظراته حين رآها ..وضع الصينية جانباً ..قرب وجهه من وجهها :- ماذا تفعلين ؟
أحادث رئيسى فى العمل
لماذا ؟
سأعود باكر
لن تعودين
نعم!!؟
ستسافرين معى بطبيعة الحال .
القت بجفنيها ستاراً بين عينيها وبينه وهى تهمس :- لكنى مضطرة للعودة .
اتسعت عيناه :- لماذا ؟
لأنى أبلغتهم بهذا
بدأ يرجوها العدول عن قرارها !
مهوى
الآن فقط يلتف الكل حولها..العيون تصب لهفتها على الوجه..الايدى تتحسس الجبهة ،والاسئلة تدور حول صمتهاوضرورة استدعاء طبيب .
يحاصرها الحنان التى طالما تاقت اليه ..تغمض عينيها على صورة تخشى ذوبانها فى متاهة اللحظات ،وتلزم الصمت .
.............................................
فى الساحة الواسعة امام البيت سرادق كبير ..زحام ملون ..زغاريد منتشية ..ضحكات مرحة..وفرقة موسيقية لايسمعها احد من تلاطم الاصوات وبحر الضجيج..خلفها والى جوار الباب مباشرة تقف ( هى ) متشحة بالصمت ..عيناها
سارحتان عبر فيافى الانين ..تفيض الدموع ..تسدل استارها الشفافة على المرئيات حولها ..يبدو الكون متأرجحا لايثبت على حال .بينماالزغاريد عويل .
بالداخل فى مقدمة السرادق تبدو (حنان ) كما لم تبد من قبل ..بيضاء الثياب والوجه..دافئة العينين ..تبعثر البسمات بلا حساب على الحضور. جبل الجليد - كما طالما سماها ابوها من قبل - تحرك ..تحول الى جبل من نور ..فيض من حنان ..كأنما لم يكن بالامس جامدا حتى النخاع .
حنان ذات القناع الزجاجى تتفتح امامها الابواب ..شامخة تبدو ..متألقة العينين بلمعة الظفر ..شبابها الغض يفرض ياسمينه على الحضور ..ترمقها العيون كما لم ترمقها من قبل ..خلعت قناعها وانفرجت قسماتها وارتدت الى انوثتها ناضجة ..شهية ..يغزو شبابها العيون . اما ( هى ) فتنزوى الى جوار جدار متهالك الطلاء ..تنهش اللحظات لحمها دون ان تبدى الما ..تقتبص من الوجوه حولها بسمات ملصقة بعناية فوق انقباض الملامح ..تتجه لأمها ..نور الفرح يغزو وجهها .. تفرح لحنان الصغرى وتنساها ..!
بالامس بكت من اجلها ..سألتها كما سألتها مرارا : -
- اليس لك اصدقاء ، زملاء عمل ، شله مثل حنان ؟
كان ابوها يدعوها جبل النار لثورة لسانها التى لاتهدأ ،وصراحتها الزائدة ..جبل النار الآن صار رمادا ..لم يعد هناك جدوى من استعمال حروف متهالكة لتكوين عبارات غير ذات جدوى .
تتحرك الزفة ..تعلو الزغاريد ..تصرخ الموسيقى ..تتدافع الاجساد ..يترنح الكون حولها ..تختلط الاشياء ..تتباعد وتغيم الوجوه ..تتحول الشفاه المفتوحة للأبتسام الى كهوف سوداء يبرز من احشائها انياب ماصة للدماء ..تحاول الامساك بدقائق اللحظة ، يترنح الجسد ..تحاول الصراخ ..الاستناد على الجدار ..تمد يديها بعد ان اعياها البحث عن لسانها وفمها ..اليد تستغيث ..لا أحد يسمع اشارة اليد او يفهم لغة الاصابع ..تتفجر عروقها بالدماء اللاهثة عبر دروبها ..تذكر امهاو هى ترد تحية المدعوات بزغرودة اعلى واطول ، وتمتطى جواد الفرحة غير عابئة بنظراتها الكسيرة وهى ترقبها على البعد ..امها التى بكت من اجلها بالامس تنساها الآن وتعيش لحنان ..رمقتها بلوم ..لم تبال بنيران نظراتها ،وطارت من ركن الى آخر
فى خفة ، تداعب المدعوين والمدعوات ،تمطر عيناها الفرحة نقاطا تتناثر حولها ..تشدها من يدها :- اريدك يا امى
تربت خدها برفق : - سأعود اليك
وتغيب ..تبصق عيناها الدموع وينطق الجسد كلمته .
وتهوى
الشاهد
للحظة لم يستوعب عادل مايرى، وقف فاتحاً عينيه والصور تتوالى أمامه دون ترجمة الى معنى لشلل مفاجىء فى عقله، شلل لحظى جعله يتسمر فاتحاً عينيه وفمه، ممسكا بستارة النافذة، قابضاً عليها بلا وعى وهو يحدق فيما أمامه، وقلبه يتقافز لأعلى وأسفل فى جوفه فزعاً.. السرقة تتم فى الطريق وفى وضح النهار ، السارق يشهر سلاحه فى وجه المسروق بيد بينما الأخرى ممدودة لسلب المسروقات .
تحركت خلف النافذة أجفانه صعوداً وهبوطا وعقله يعود رويداً لمنطقة الوعى، هرول ناحية الباب هابطاً اليه ، عاد وتوقف قائلا لنفسه :-
- السلاح بيده ، لن أتمكن منه
رجع الى النافذة، رأى السارق يأمر المسروق بخلع ملابسه ، اشتعلت النيران فى جسده ، هرول نحو الهاتف ، اتصل بنقطة الشرطة ، الخط مشغول ، عاد الى النافذة ، السارق يقف مطمئناً، الطريق خالى من المارة ، الضاحية بعيدة عن صخب المدينة، عاد الى الهاتف ثانية، تحدث الى بعض الجيران ، تحركوا مجموعة لمواجهة الأمر .. رأى اللص عدداً من الرجال يحيطون به ، شهر سلاحه فى وجوههم ، فرهارباً ، لم يلحظ الملاءة البيضاء التى وضعت كساتر خلفه، لفوها حوله سريعاً ، حملوه فى عربة أحدهم وأقتادوه الى الشرطة .. شكرهم المسئول هناك ، فتح أوراقه، سأل -من فيكم قبض عليه ؟
قالوا :- كلنا
ابتسم راضياً قال بود :- يكفينى واحد فقط كشاهد
تقدم عادل ، قال:- أنا
اتجه اليه :- غداً صباحاً تحضر للشهادة
فى غرفة التحقيق وقف عادل ، أمامه لوحة سوداء الخطوط مؤطرة بإطار ذهبى (واذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) أعلى مكتب المحقق ، تبسمت عيناه ، فكرة الملاءةفكرته ، خدع بها السارق وتمكن منه ..نادى المحقق عليه ،تقدم ،سأله عما رأى ،حكى ماكان ،تركه الى السارق :- هل تعترف بجريمتك ؟
رد بثقة وهو يحق فى وجهه بعينين زجاجيتين ماؤهما لايهتز :-
- انا المجنى عليه
أشرق وجه المحقق بدهشة :- والآخر !!؟
مشيراً الى المسروق منه
قال بتؤدة :- الجانى
خطف المحقق نظرة الى وجه عادل قبل أن يمضى الى المسروق منه:-
- مارأيك ؟
أحنى رأسه فوق صدره مخفياً آثاراً زرقاء وحمراء تعلوه ، ولم يرد ، صرخ المحقق مكرراً السؤال ،أجاب بصوت خافت ورأسه محنية :- انا الجانى
اتسعت عينا عادل وهو يحاول جاهداً استيعاب الأمر ، حدق فى وجه السارق الذى يشرق بعلامات النصر ، تركه الى المسروق ، صرخ :- هناك خطأ
تجهم وجه المحقق ، ضاقت عيناه وسدد اليه سهام الحنق المغموسة فى ماء عينيه متسائلا :- ماذا قلت ؟
أجاب :- هذا هو اللص
وأشار اليه
قال المحقق من بين أسنانه وهو يرميه بنيران نظراته :- الاعتراف سيد الأدلة ..الآخر اعترف دون إكراه أو ضغط ..فهمت ؟
بلا تفكير قال عادل :- لا
ضاقت عينا المحقق أكثر، قال ببطء وهو يحاصره بسهام نظراته :-
ستفهم –
وطلب الحارس !!
الغائب
صرخت نظراتى إنه هو ..غرد القلب فى قفصه وفاض بصدرى شوقه القديم .. بدا قادما ً من بعيد ..اقتربت منه .توقفت..هذا شائب الشعر والنظرات ..جبهته استطالت وتمدد وجهه بتغضناته طولاً..يسير هادىء القدمين ..خطواته ثابتة.. وبيده حقيبة جلدها حائل اللون يميل الى البياض الباهت تحت أضواء العربات المارقة ، ويغيم اذا انتقل الى الظل .. يهز يده اليمنى هزات واهنة متمهلاً ، بينما اليسرى ثابتة الى جانبه لاتكاد تهتز. صرخت عيناى..
الآخر كانت خطواته شقية ..تتقافز على بساط الأرض ..يداه ثائرتان تناطحان اللحظات ، وذقنه تخاصم منطقة صدره ، بينما عيناه جبلان فى أعلى وجهه يصدان النظرات عنه، مالت عيناى عنه ، هاجس طاف برأسى ، الوقت تمدد والوجوه لعبة أيدى الزمن العابثة . .عادت عيناى الى ملابسه ..لم تتغير ..ذات التنسيق والألوان الهامسة ..واصلت إقترابى منه..همست لنفسى - حينما طالته أضواء العربات المارة - إنه هومع بعض التغيير ، عاودت الهمس - حينما طوته غيمة الظل و رأيت كائناً آخر لايمت للقديم بصلة - بأنه ليس هو ..اقتربت اكثر ، حدقت محاولا ً إصطياد عينيه ، لم ينتبه لى ..إتجهت نظراته الى شىء خلفى ، حاولت أن أعرف ماهو ، لم أصل الى شىء ..همد تغريد القلب وانطفأت لمعة الأحداق ، لم يعد هناك الا تساؤل حائر عنه ، قطعته بالتقدم خطوات جديدة نحوه هاتفاً
مرحبا -
وانا أمد يدى مسلّماً ، تبسمت عيناه وهو ينقلهما من البعيد المجهول الى عينى ، وأفتر فمه عن بسمة متغضنة الحواف ..كنا على حافة الطوار ..العربات المارقة لاتهدأ صرخاتها ..الظلمة تغفو فى مكان ٍ ، تجثم على آخر ، والظلال على الجدران تركض بلا توقف.ظلت يدى ممدود ةً وانا أجهز الحروف على شفتى لسؤاله عن غيبته وأين كان ومتى عاد و..أطل من حبتى عينيه تساؤل :- هل تساعدنى على عبور الطريق ؟
الأستاذ
قست ملامحه ..قطع المسافة بينه وبين الفتى طائراً ..وقف على رأسه المحنية أسفل الدرج ينظر معه ..علا اللغط حوله ..انتبه الفتى ..رفع رأسه ..أنشب الأستاذ زيدان مخالبه فى الموبايل المتوارى عن عينيه ..نظر فى شاشته ..غرق فى بحور بلاهة طارئة وأبعد عينيه مرتاعاً ، أما الفتى فقد وقف داخل درجه منبسط الملامح بدون حراك .. فتح زيدان فمه باحثاً عن كلمات تناسب موقفأ لم يره قبلا . عاجله الفتى قائلاً وهو يحدق فى عينيه بذات هدؤه أنه لايريد سماع شىء ..سيخرج وينتهى الأمر .انهارت كلمات زيدان..حدق عاجز الحروف والكلمات مكتفياً بنظرات تشى بما فى جوفه من نيران أخيراً قال فى بطء
- أخرج من الفصل ..لاتعد الا بولى أمرك
ضحك الولد ضحكة معجونة بلا مبالاة ومضى متمهلا ً نحو الخارج ..ركل الباب بقدمه بعد خروجه ليعاود إغلاقه..صرخ زيدان أنه سيشكو لأبيه .. سيجبره على احترام الدرس .هدأ قليلاً ثم أكمل:-
- الولد خسارة ..ياي مرن لولا بعض الصدأالذى يعوق حركته.. واستدار خارجاً من الحصة
..................
فى مكتب المدير أخذت صورة الولد تبدو لعينيه وهو يقول بملامحه المتراخية أنه لايريد أى كلام .يقول هذا بلا خوف ..لايخشى حتى من ضربة عصا أو ركلة قدم ..وقوف زيدان أمام السبورة كاشفا ً ظلمتها ببياض الطباشير عمره كله لم يشفع له اليوم أمام هذا الولد ، وقال له أمام الفصل ماقال ..طوال عمرك يازيدان تتعامل معهم على أنهم يايات تتفاوت قابليتها للإنضغاط حسب مرونتها ونوع معدنها ، وتقول أن مهمتك الكبرى الحفاظ على الا يصدأ منها ياي.. الأولاد أحداقهم تبرق بالذكاء لكنهم لايفقهون شيئاً ..يضغط عليهم ..يغيبون عن المدرسة ..يطلب أولياء امورهم.. لاجدوى منهم . ، فما الذى جرى ؟
- سأله المدير :- مابك ؟
- هز رأسه وهو يتحامل على نفسه تاركاً المدرسه ومن فيها الى البيت
- ..................
- تحرك متوجساً شراً من ساقيه .. طالما حملتاه وسط الفصل روحة وإياباً ووقوفاً لساعات وأيام وسنين .. الآن كلّتا ، لم تعودا تساعداه على السير ، يضطر الى البطء فى حركته ، ولولا حرجه من اهل المنطقة الذين يعرفونه ويوقرونه لجلس على أقرب مقعد أو رصيف يقابله بين مسافة واخرى ..اليوم بالذات يشعر أن شقاء العمر لم يثمر ...اليايات صدأت وضرب أحدها قلبه ..أصابه فى الصميم ..الأولاد دوماً يخشون من صوته ..يهرولون أمام عصاته التى لم يعد يستعملها ..لم يحدث قط أن تجرأ منهم لسان على الارتفاع امامه ولم تجرؤ رأس على عدم الخضوع لأوامره ..صرت عاجزاً يازيدان ، وعجوزاً لاجدوى منك ..لم تعد لك هيبة أمام أولادك فى البيت ولا حتى فى المدرسة ..حتى وظيفة خيال المآتة لم تعد تصلح لها .!
- تمنى الوصول سريعاً الى البيت ليمدد جسده على الفراش شاعراً أنه بين لحظة وأخرى سيسقط رغماً عنه ..سار يحرك قدميه بالكاد ..سمع صوتاً
- خشناً ينطق باسمه آمراً إياه بالوقوف ، ورأى جسداً مربعاً ينتهى برأسٍ مظلمة يواجهه :- أنت زيدان ؟
- رفع عينيه الى الوجه الجاحظ العينين :- ماذا تريد؟
- -الولد الذى طردته اليوم سيعود غذا الى المدرسة ..لن تنظرنحوه..لن تفكر فى توجيه كلمة اليه ..أفهمت
؟
حدق فى وجهه الذى يحاصره بحدقتين تعومان وسط بحيرتين من دماء .. نسى الام ساقيه وهمود جسده ..تنبهت حواسه ولمعت أحداقه وأقترب منه معترضا:- الكلام فى المدرسة وليس هنا
زمجر الآخر :- بل هنا .والآن
وامسكه من ياقة قميصه جاذباً إياه الى الأمام بقوة :- هل لديك إعتراض ؟
تخاذلت ساقاه نتيجة الهزة المفاجئة ولولا أن الآخر يمسك بياقة قميصه لتهاوى أرضاً ..تحامل على الامه ليستمر فى الوقوف ، بينما أطلقه الآخر واعطاه ظهره مدمدماً بكلمات غير مفهومة ومضى ..نظر زيدان حوله ..عيون المقهى تتابعه ..آذان الشرفات والنوافذ تترصده ..احنى رأسه ومضى .
.............
قالت إمرأته :- مابك؟
وقد طالعها وجهه على باب الشقة كاشفاً عما بداخله ..أشاح بيده دون أن يمتلك ناصية الحروف ومضى الى غرفته ..أغلق بابها خلفه وهوى على سريره مستعيداً ماجرى ، تاركاً لدموعه العنان لتنهمر على خديه بلا توقف ، وكلما أجهده البكاء استعاد ماجرى فتعاود دموعه الانهمار موبخاً نفسه انه صمت ولم يمتلك القدرة على المواجهة ، ولم يصر على رفض أى حوار بالطريق .. تحدثه نفسه أن الصمت فى هذه الحالة أجدى وأقل ضرراً ، يتهمها بالجبن والتخاذل ، شاعراً أنه بعد الآن لن يجد وجهاً ولا كرامة يواجه بها الأولاد ..مؤكد تناثر الخبر هنا وهناك وحسم الأمر ..غداً سيضحكون منه ، تمتلىء الأفواه بالضحكات وهى تروى حكايته ، تتوارى الأعين بسخريتها منه ..الأولى به أن ينسحب بكرامته أو ماتبقى منها ولا يجازف بتلك البقية فى معركة خاسرة لن يجديه منها شيئاً ..دخلت زوجته تدعوه للغداء ..أغمض عينيه ولم يرد
..............
مجهد العقل والجسد عَبَر باب المدرسة ..التف حوله الولاد ..تطايرت عبارات صغيرة محملة بالمشاعر ..حدق فى الوجوه .. صارخة بالرفض .. اتسعت عيناه ..اليايات تتحرك ..لم تصدأ بعد !.. إتسع صدره ..صار بحراً يهدر ماؤه بالغضب ..رفع رأسه ..تألقت عيناه فى وجه الشمس ، ومضى الى الأمام ..قابله المدير .
- لن أسكت وسوف ترى
.هز رأسه بهدوء:- بل أرى أن تسكت ..الموضوع بسيط
وتحرك نحو الفصل .. رأى الولد جالساً فى هدوء ينظر اليه بذات النظرة المعجونة باللامبالاة ..أشار اليه:-
- أنت .. قف ..قلت لاتحضر بدون ولى أمرك .