رائحة ورقة تصلح للكتابة
1-
ارادت ام حسين أن تؤدب زوجها المرسى .. لم تجد افضل من تعليقه عاريا على حبل الغسيل بالشرفة .. قاصدة ان يراه الجيران ..يعرف القاصى منهم قبل الدانى ماجنته يداه..قالت امرأة من الجيران اركب الحذاء واتركه يهرول بى الى هناك ..اعرف من ام حسين ماجرى ..اعلقه على صدرى ليقرأه ويعرفه من لم يعرفه بعد من الاحباب
والاصحاب ..اعتلت حذاءها ومضت الى حيث ارادت .
رأى المرسى اعينا تتسلق الجدران المواجهة لبيته ..تبحث لها عن مواقع مميزة ترى منها ماتشاء ..قذف احداها بمشبك غسيل مجاور ..هوت العين تتدحرج على ارض الطريق
قالت المرأة وهى تعلق على وجهها مجموعة بسمات منتقاة لأم حسين:- اصابنى القلق عليك..ماالذى جرى؟
زعقت ام حسين :- طهقنى ..طول النهار يجرى فوق ورقة كراس ..يشعر بالملل يقفز فى قلب كتاب ..اقول له كفى..يرمينى بنظرة ضيق قائلا ..عدوة الابداع
مصمصت المرأة شفتيها وهى ترميها بنظرة اشفاق هائلة وتدير رأسها مغادرة: اعانك الله على ما ابتلاك
وتركتها مهرولة الى السلم الذى لفظها الى الطريق
..................................
2-
عاد الى الورقة من جديد ..انحدر مع سطر منها الى ادنى رغما عنه..انتبه ..حدقت عيناه غضبا من السطر المراوغ الذى زاغ عنه وحاول الصعود ثانية الى اعلى ..رأى سدودا تمتد امامه تعوق تحركه..ارتجف..مضى بينها يبحث عن مهرب..انسابت من فتحات رأسه شرائط ورقية رفيعة تحمل افكارا ومواضيع شتى ..مضت تتسلق الجدران ..تمسك بطرفها صاعدا حتى وقف على قمة سطر وعب من الهواء مايكفيه لتعويض مافقده فى رحله الصعود....انتبه للشرائط الورقية تتطاير الى انفه مع الهواء ..صرخ ..الافكار ستخنقنى .
...........................................
3-
من ثقب الباب رأى زوجته تنبثق وتتشكل امامه فى صورتها التى يعرفها صارخة ..عاوزين فلوس يامرسى .
اشار الى بنطاله على الجدار..حدجه البنطال مليا..اخرج جيوبه الخاوية هازئا وادار وجهه عنه..وجهت المرأة عينيها واسنانها نحوه..همس ..تصرفى الآن ..ودعينى لأفكارى.
انشبت اظفارها فيه ..رفعته من ياقة قميصه الى مروحة السقف ..ربطته فيها وادراتها بأقصى سرعتها..طارت الافكار عبر النافذة..بقى بدونها شاعرا انه بلا غطاء.
4-
قررت ام حسين تصعيد المواجهة مع المرسى ..قررت عدم السماح لأى ورقة بدخول بيتها..علا صوته ساخطا ..والكتابة؟ ..لم تبال به..هرول خارجا الى الطريق ..قائلا لنفسه سأكتب على اى صفحة متاحة ..ومضى باحثا بعينيه على ارض الطريق عن ورقة تصلح لمعانقة القلم..انتبهت اذناه لصوت خطوات مجاورة ..انصت جيدا ..دقق فى الانصات وهو يكاد يضج من الفرح ..الاقدام تكتب بخطواتهاحروفا..توقعها على الارض ..الحروف تتشكل جملا ..الجمل تتشابك لتصنع عبارات ..الاقدام تكتب ..العبارات تضج بالمشاعر..اكمل سيره متابعا خطوات اخرى ،فأخرى ..اسعده اكتشافه..صار قادرا على قراءة الخطوات..يحدد عن طريقها المشاعر ..عاد يعب من الهواء بقدر مايستطيع .
5-
حينما اتى الليل انسل من عقب الباب الى داخل شقته..احتمى بالظلمة ومضى داخلا ..فتح زجاجة الحبر وقذف بنفسه فيها ..اغترف منها مايكفيه وقفز خارجا..ارسل انفه بتشمم رائحة ورقة تصلح للكتابة..رأى واحدة اسفل مقعد قريب..قفز فوقها ..زغردت السطور ورقص الحبر سعيدا ،اما هو فنسى ام حسين وقرارها المتعسف ،ولم يعد يذكر لها وجود.
رَحِيِل
………
قصة قصيرة
…………….
أَمَام الْبَاب الْخَشَبِى بِزَخَارِفِه الْبَهِيجَة تَوَقَّفَت .. أَعَدْت قِرَاءَة الْعُنْوَان الَّذِى قَرَأْتُه مَرَّات وَمَرَّات ..تَأَكَّدَت مِن الَرْقَم الْمُدَوِّن ..أُعِد ت الْتَّأَكُّد ..دَقَقْت جَرَس الْبَاب ، وَوَقَفْت مُثْقَلَا بِحَمْل لَّهَفَتَى أَنْتَظِر ..بَعْد دَهْر رَأَيْت الْبَاب يَفْتَح ..أُطِل وَجْه ابْنِى ..تَلَقَّيْتَه بَيْن أَحْضَانِى ..أَخِيِرَا مِن قَلْب الْمَتَاهَة عَثَرَت عَلَيْك ..أَخَذ يَمْسَح الْدُّمُوْع عَن وَجْهِى.
- كَيْف حَال الْسَّفَر مَعَك؟
- كُل آَثَار الْتَّعَب تَبَدَّدَت الْآَن
أَخَذَنِى مِن يَدِى ..كَان الْصَّبَاح يَافِعَا مَايَزَال ..سَرَت وَسَط الْخُضْرَة أَتَنَسَّم عِطْر الْصَّفَاء ..أُدِيْر الْنَّظَر حَوْلِى ..أَشَار الَى مِظَلَّة تكَونَهَا الْأَغْصَان الْمُلْتَفَّة ..قَال :-
- الْوَكْر..هُنَا أَجْلِس وَسَط الْحَدِيقَة أَتَنَاوَل الْافْطَار
أُخْرِجَت مِنْدِيْلا وَرَقِيّا أَمْسَح بِه مَاتَبَقَّى مِن شُعَيْرَات بِرَأْسِى ..الْعَرَق ابِر حَامِيَة تُنَفِّذ فِى مَسَامّى وَأَسْفَل ظَهْرَى..حَمْلَقْت فِى الْمَائِدَة الَّتِى تَتَوَسَّط الْوَكْر - كَمَا يُسَمِّيَه - وَالْمُقْعَدِين الْخَالِيِّين :-
- أَيْن الْاوْلاد ؟
رَد بَاسِمَا :- فِى الْمَدْرَسَة
كَانَت الْشَّمْس تُرْشَق أَسْهُمُهُا الْذَّهَبِيَّة مِن خِلَال أَوْرَاق الْشَّجَر فِى أَضْلُع الْمَقْعَدَيْن وَالْمَائِدَة ..فَكَّرْت أَن أَجْلِس قَلِيْلا ..أَسْتَرِيْح مِن عَنَاء الْطَّرِيْق .؟.بِنَفْس الْبَسْمَة أَشَار الَى مَبْنِى سَاكِن وَسَط الْخُضْرَة زَاهِى الْبَيَاض ..قَال بِمَرَح :-
- تَعَالَى أَفَرِّجُك عَلَى الْبَيْت
سَرَت مَعَه ..أَيَّام طَوَال لَم أَرَه فِيْهَا ..افْتَقَدْتَّه.. أَحْسَسْت أَن الْعُمْر يُهَرْوِل .. يَدْنُو مِن نِهَايَتِه دُوْن أَن أَرَاه .. الْبَيْت لَم يَعُد فِيْه مَايَشَدْنّى لِلْبَقَاء ..الْزَّوْجَة ذَهَبَت ..اقْتُرِح عَلِى أَن أُسَافِر الَيْه فِى اجَازَة قَصِيْرَة
- تُفَضِّل يَابَابّا
فُتِحَت الْبَاب وَتَقَدَّمَت ..مَسَافَة طَوِيْلَة قَطَعْتُهَا لِأَجْلِه ..رُفِعَت وَجْهِى لِأَعْلَى ..تَلَا قَت عَيْنَاى بِأَرْبَعَة أَعْيُن بَاسِمَة مُعَلَّقَة عَلَى الْجِدَار تَسْتَقْبِل الْدَّاخِل مُبَاشَرَة ..تَبَسَّمَت بَاجِهَاد الْلَّحْظَة مِن أَجْلِهَا . زَوْجَتِه مُعَلَّقَة بِيَدِه فِى فَخَر ، وَهُو يَقِف مُوَاجِها الْكَامِيْرَا بِبَسْمَة ثِقَة طَالَمَا أَعْجَبَتْنِى فِيْه
- مَارَأْيُك ؟
حَدَّقْت فِى مِلْاحَة المَلَامِح ..هَمَسَت بُجَد :- جَمِيْلَة
اتَّسَعَت ابْتِسَامَتِه :- زَوْجَتِى .. سَتُعْجِبُك أَكْثَر حِيْنَمَا تَرَاهَا
وَمَضَى الَى الْأَمَام ..سِرْت خَلْفِه الَى وَسَط الرَّدْهَة ..رَأَيْتَنِى أَفْتَح عَيْنَى الَى أَقْصَاهَا ..الْأَنْوَار خَافِتَة ..تَنّبُع مِن لَمْبَات صَغِيْرَة ،تَحْجِبُها بِلَّوْرَات زُجَاجِيَّة خَشِنَة الْسُّطُوْح ..الْظِّلال تَتَلَاقَى عَلَى فُرُش الْمَقَاعِد وَالأَرَائِك بِالْوَانُهَا الْنُّضْرَة ، لِتَصْنَع عَالِما مِن غُمُوْض ..الْنُّوْر الْخَافِت يُكْتَفَى بِفْتِرَاش الْجُدْرَان ..بَيْنَمَا تَبْزُغ مِن الْأَرْكَان مُوْسِيْقَى هَادِئَة تَنْسُل لِتُطِيح بِالْحَوَاس.
شَد انْتَبَاهَى صُوْرَة ثَانِيَة زَاهِيَة الْأَوَان تَتَوَسَّد مُنْتَصَف الْجِدَار الْمُقَابِل ..كَانَت لَأَمْرَأَتِه وَحْدَهَا ..تَأَمَّلْت وَجْهِهَا ..حُسْنِهَا فَيَّاض ..قَسَمَاتِهَا رَقِيْقَة .. بَسْمَتُهَا رَائِعَة ..مِن صِغْرِه يَتَمَنَّى هَذَا ..يَسْعَى الَيْه ..تَرَكْنَا مُنْذ سِنِيْن قَائِلا أَنَّه سَيَبْحَث عَن ذَاتِه ..سَنَوَات مَرَّت لَم أَر مِنْه الَا كَلِمَات عَجْلَى عَبْر الْهَاتِف ..كُنْت كَثِيْرا مَا أَسْأَلُه ..الْم تَجِد ذَاتِك الَّتِى تَبْحَث عَنْهَا الَى الْآَن ؟ ..فَتَرْن ضَحِكْتَه عَبْر الْسَّمَاعَة :- مَازِلْت احَاوِل ..أَخِيِرَا اضْطَرَنّى أَنَا لِلْسَّفَر الَيْه ..وَاضِح أَنَّه كَمَا أَرَى وَجَد مَايُرِيد .
- تَفَضَّل مِن هُنَا يَا أَبِى
أَهْمِس فِى ارْهَاق :- لَا دَاعِى لِلْفُرْجَة الْآَن
تَتَّسِع ابْتِسَامَتِه :- الَا تُرِيْد رُؤْيَة بَيْتِى ؟
أَهُز رَأْسِى مُسْلِما وَأَسِيْر خَلْفِه ..يَمْضِى الَى مَمَر ضَيِّق ،بِه حُجُرَات الَى الْيَسَار ..أَرَى الَى الْيَمِيْن هِرَّة نَاعِمَة ، سَاحِرَة الْعَيْنَيْن تُطِل مِن اطَار ذَهَبَى عَلَى الْجِدَار ..يَفْتَح بَاب الْحُجْرَة الْأ وَلَّى ..أُدْخِل بَعْدِه ..تَقَابَلْنّى سِتَارَة مُزَرْكَشَة ذَات وُرُوْد مُطَرَّزَة بِقُمَاشَهَا الْسَّمَاوَى ، تُغَطِّى جُزْءا مِن الْجِدَار ،الْجُزْء الْآَخِر بِه نَافِذَة مَفْتُوْحَة الْمِصْرَاعَيْن ..الْهَوَاء يُسَبِّح مَرَحَا فِى الْمَكَان ..وَجْهِى تَنْبَسِط أَسَارِيْرُه أَمَامِى فِى الْمِرْآَة ..حُجْرَة وَفَاء ..أَرْمُق الْصُّوَر الْمُتَزَاحِمَة عَلَى الْجُدْرَان ..مُمَثِّلَيْن وَمُطَرَبَين ..أَشِعَّة الْشَّمْس عَبْر الْنَّافَذَة ترَشقُهُم بِمَطَر الْضَّوْء ..أَهُز رَأْسِى عَجَبا ..أَرْسَل بُصْرَى عَبْر الْنَّافَذَة الَى الْحَدِيْقَة ..أَسْمَع صَوْتَه يَقُوْل :- وَفَاء فِى الْمَدْرَسَة
وَيَتَّجِه لِلْحُجْرَة الْتَّالِيَة ..خُطْوَة قَدَمَى لَم تَعُد تُسَاعِدُنِى ..أَتَقَدَّم مُتَمَهِّلا خَلْفِه ..آاااه ..حُجْرَة أَشْرَف ...الْمُح وَجْهَيْن مُتَلَاصِقَيْن عَلَى الكُوُمِيَدِيَنّو الْمُلَاصِق لِلْسَّرِيْر ..ضِحكَتِهُما الْصَّغِيْرَة رَائِعَة ..أُقَبِّلُه وَأَخْتُه بِشَغَف ..أُعِيْد وُضِع الَّاطَار مَكَانَه وَأَمْضَى ..يُقَابَلْنّى وَجْهِى فِى الْمِرْآَة مُرْهَقَا ، مَلَامِحِه تَسْتَغِيْث مَن الْتَّعَب ..أَتَأَمَّل الْشُّعَيْرَات الْبَيْضَاء فِى فَوَدَى ،الْزَّاحِفَة الَى أَعْلَى ،الْصَّاخِبَة فِى الْذَّقْن ..ذَهَب الْعُمْر بِك الَى مَالْا عَوْدَة مِنْه ..الَتَغَضَنَات يُغَطِّيْهَا الْعِرْق و..أُدِيْر رَأْسِى عَن الْمِرْآَة ..أَتَمَنَّى أَن أَسْأَلَه الْرَّاحَة أَوَّلَا وَبَعْدَهَا أَتَفَرَّج كَمَا أَشَاء .
- تُفَضِّل يَاأَبَى
لَا أَجِد الْجُرْأَة عَلَى الْبَوْح بِمَالِدَى ..أَمْضَى بِرَغْمّى خَلْفِه الَى الْحُجْرَة الْثَّالِثَة عَلَى الْيَسَار ،الْمُطِلَّة عَلَى الْحَدِيْقَة مِن الْوَرَاء ، بِالتَّحْدِيْد كَمَا قَال لَى تُطِل عَلَى الْوَكْر ..أُرَاعِهَا مُتَّسِعَة ،أَكْبَر مِن الْحُجُرَات الْسَّابِقَة ..تَقَابَلْنّى سِتَارَة لَبَنْيَّة الْلَّوْن ذَات نُقُوْش مُطَرَّزَة تُغَطِّى الْجِدَار ،تَنْسُل عِبَرِهَا خُطُوْط مُسْتَقِيِمَة مِن الْضَّوْء مِن خَصَاص الشِّيْش لِتُرْتَمّى تَحْت قَدَمَى ،تُحِيْل الْظَّلام الَى عُتْمَة نَاعِمَة ،الْفُرُش الوِرَّدَى الْمُبَعْثَر يُؤَكِّد أَنَّهَا حُجْرَة نَوْمِه ..أُغَادِرُهَا مُحْرَجا ..هَذَا هُو الْوَكْر الْحَقِيقِى أَيُّهَا الْشَّقِى ..مِن يَوْمِه هَكَذَا ..أَرْقُبُه بِجَانِب عَيْنَى ..أتَعَبَنّى ..مَع هَذَا أَشْعُر بِه أَكْثَر ..أَرَاه قَرِيْبا مِنِّى ..أُمُّه رَحِمَهَا الْلَّه كَانَت تَقُوْل ..لَا أَعْرِف كَيْف يُشْبِهُك الَى هَذَا الْحَد ..رَغْم هَذَا فَأَنَا أُخْتُلِف عَنْه كَثِيْرَا ..لَم أَكُن يَوْمَا أَحْمِل تَطَلُّعَات أَكْثَر مِن طَلَب الْسِّتْر ..أَمْرَأَة تَرْضَى بْعِيشَتِهَا ،تَشْعُر أَنَّنِى رَجُلُهَا ،وَأَوْلَاد أَحْسَن تَرِّيْتِهُم ،وَلَا شَىْء أَكْثَر ..أَمَّا هُو ..!
- تَطْلُع الْسَّطْح يَابَابّا ؟ ..الْمَنْظَر مِن فَوْق رَائِع
صَرَخَت :- يَابَنِى ..هَذَا اجِهَاد لَا أَتَحَمَّلَه
نَعُوْد الَى الرَّدْهَة ..تَحْت الْصُّوَرَة الْزَّاهِيَة الْأ لَوْان لِامْرَأَتِه نَجْلِس .
- تَأْكُل أَوَّلَا ؟
وَيُشِيْر الَى مَائِدَة الْطَّعَام فِى الْجَانِب الْأَيْمَن ..حَوْلَهَا أَرْبَعَة مَقَاعِد بِعَدَد أَفْرَاد الْأُسْرَة ..رَغْم أَن الْجُوْع يَتَعَمْلَق فِى أَحْشَائِى أَقُوْل :-
- بَل نَنْتَظِر الْأَوْلَاد
- اذُن تَشْرَب شَيْئا
يُهَرْوِل نَحْو الْمَطْبَخ..أَسْمَع صَوْت مِزْلاج الْبَاب يَفْتَح ..أَرَى أَصْل الْصُّوَرَة الَّتِى أَجْلِس تَحْتِهَا حَيّا أَمَامِى ..أَتَامل الشَّكْل بِانْبِهَار ..وَجْهِهَا ..دَهْشَتَهَا ..أُعَالج الْقِيَام .
- مَن أَنْت ؟
أَفْتَح فَمِى ..أَنَا !!
يَعُوْد بِالْمَشْرُوبَات ..يَهُش لَهَا:-
- بَابا ..جَاء مِن مِصْر
تُمَد يَدَهَا بِالْسَّلام ..بَسْمَتُهَا جَافَّة ..عَيْنَاهَا حَدُقَاتِهُما لامِعَتَان توَمَضَان بِنَظْرَة مَعْجُوْنَة بِازْدِرَاء أَو كَرِه أَو ..أَو ..لَا أَدْرِى ..شَعْرَهَا الْقَصِير هَالَة مِن ذَهَب تُحِيْط بِوَجْهِهَا الْأَبْيَض ..يَنْفَرِج فَمِهَا بِالْكَاد :-
- اهْلِا ..عَن اذُنَك
وَتَمَضَّى الَى حُجْرَتِهَا ..الْثَّالِثَة عَلَى الْيَسَار ..مُؤَكَّد هِى الَّتِى وُضِعَت صُوْرَة الْهِرَّة النَّاعِمَة سَاحِرَة الْعَيْنَيْن فِى الْمَمَر ..لَكِن أَيْن مَخَالِبَهَا ؟
يَمُد يَدَه بِالْشَّرَاب :-
- تُفَضِّل يَابَابّا ..الْبَيْت بَيْتِك طَبْعَا..بَعْد اذْنِك ثَوَانِى .
أَشِيْر الَيْه :- سَأُجْلِس بِالْحَدِيْقَة ..خُذ رَاحَتَك
أَفْتَح الْبَاب وَامْضِى ..أَتَّجِه الَى الْمِظَلَّة أَو الْوَكْر كَمَا يُسَمِّيْهَا ..الْقَى بَارْهَاق جَسَدِى عَلَى أَحَد الْمَقْعَدَيْن ..يَصِلُنِى صَوْتَهَا مُحْتَجَّا مِن خَلْف الْنَّافِذَة الَّتِى فُتِحَت تَوَّا فِى حُجْرَتِهَا :-
- لَايُوْجَد لَه مَكَان هُنَا ..أَفَهِمْت ؟
أَنْتَبِه لِلْكَلِمَات ..يَتَصَلَّب جَسَدِى ..أَبْحَث عَن صَوْتِه ..يَعُوْد صَوْتَهَا لِلِارْتِفَاع :- هَذِه مُشْكِلْتَك ..تَصْرِف .
أَجَاهِد الْوُقُوْف ..لَا أُحَاوِل تُعُقِّب صَوْتَه أَو مُحَاوَلَة مَعْرِفَة رَدَّه ..أُحَدِّق عَلَى الْبُعْد فِى الْبَاب الْخَشَبِى ....وَأَمْضَى !
………
قصة قصيرة
…………….
أَمَام الْبَاب الْخَشَبِى بِزَخَارِفِه الْبَهِيجَة تَوَقَّفَت .. أَعَدْت قِرَاءَة الْعُنْوَان الَّذِى قَرَأْتُه مَرَّات وَمَرَّات ..تَأَكَّدَت مِن الَرْقَم الْمُدَوِّن ..أُعِد ت الْتَّأَكُّد ..دَقَقْت جَرَس الْبَاب ، وَوَقَفْت مُثْقَلَا بِحَمْل لَّهَفَتَى أَنْتَظِر ..بَعْد دَهْر رَأَيْت الْبَاب يَفْتَح ..أُطِل وَجْه ابْنِى ..تَلَقَّيْتَه بَيْن أَحْضَانِى ..أَخِيِرَا مِن قَلْب الْمَتَاهَة عَثَرَت عَلَيْك ..أَخَذ يَمْسَح الْدُّمُوْع عَن وَجْهِى.
- كَيْف حَال الْسَّفَر مَعَك؟
- كُل آَثَار الْتَّعَب تَبَدَّدَت الْآَن
أَخَذَنِى مِن يَدِى ..كَان الْصَّبَاح يَافِعَا مَايَزَال ..سَرَت وَسَط الْخُضْرَة أَتَنَسَّم عِطْر الْصَّفَاء ..أُدِيْر الْنَّظَر حَوْلِى ..أَشَار الَى مِظَلَّة تكَونَهَا الْأَغْصَان الْمُلْتَفَّة ..قَال :-
- الْوَكْر..هُنَا أَجْلِس وَسَط الْحَدِيقَة أَتَنَاوَل الْافْطَار
أُخْرِجَت مِنْدِيْلا وَرَقِيّا أَمْسَح بِه مَاتَبَقَّى مِن شُعَيْرَات بِرَأْسِى ..الْعَرَق ابِر حَامِيَة تُنَفِّذ فِى مَسَامّى وَأَسْفَل ظَهْرَى..حَمْلَقْت فِى الْمَائِدَة الَّتِى تَتَوَسَّط الْوَكْر - كَمَا يُسَمِّيَه - وَالْمُقْعَدِين الْخَالِيِّين :-
- أَيْن الْاوْلاد ؟
رَد بَاسِمَا :- فِى الْمَدْرَسَة
كَانَت الْشَّمْس تُرْشَق أَسْهُمُهُا الْذَّهَبِيَّة مِن خِلَال أَوْرَاق الْشَّجَر فِى أَضْلُع الْمَقْعَدَيْن وَالْمَائِدَة ..فَكَّرْت أَن أَجْلِس قَلِيْلا ..أَسْتَرِيْح مِن عَنَاء الْطَّرِيْق .؟.بِنَفْس الْبَسْمَة أَشَار الَى مَبْنِى سَاكِن وَسَط الْخُضْرَة زَاهِى الْبَيَاض ..قَال بِمَرَح :-
- تَعَالَى أَفَرِّجُك عَلَى الْبَيْت
سَرَت مَعَه ..أَيَّام طَوَال لَم أَرَه فِيْهَا ..افْتَقَدْتَّه.. أَحْسَسْت أَن الْعُمْر يُهَرْوِل .. يَدْنُو مِن نِهَايَتِه دُوْن أَن أَرَاه .. الْبَيْت لَم يَعُد فِيْه مَايَشَدْنّى لِلْبَقَاء ..الْزَّوْجَة ذَهَبَت ..اقْتُرِح عَلِى أَن أُسَافِر الَيْه فِى اجَازَة قَصِيْرَة
- تُفَضِّل يَابَابّا
فُتِحَت الْبَاب وَتَقَدَّمَت ..مَسَافَة طَوِيْلَة قَطَعْتُهَا لِأَجْلِه ..رُفِعَت وَجْهِى لِأَعْلَى ..تَلَا قَت عَيْنَاى بِأَرْبَعَة أَعْيُن بَاسِمَة مُعَلَّقَة عَلَى الْجِدَار تَسْتَقْبِل الْدَّاخِل مُبَاشَرَة ..تَبَسَّمَت بَاجِهَاد الْلَّحْظَة مِن أَجْلِهَا . زَوْجَتِه مُعَلَّقَة بِيَدِه فِى فَخَر ، وَهُو يَقِف مُوَاجِها الْكَامِيْرَا بِبَسْمَة ثِقَة طَالَمَا أَعْجَبَتْنِى فِيْه
- مَارَأْيُك ؟
حَدَّقْت فِى مِلْاحَة المَلَامِح ..هَمَسَت بُجَد :- جَمِيْلَة
اتَّسَعَت ابْتِسَامَتِه :- زَوْجَتِى .. سَتُعْجِبُك أَكْثَر حِيْنَمَا تَرَاهَا
وَمَضَى الَى الْأَمَام ..سِرْت خَلْفِه الَى وَسَط الرَّدْهَة ..رَأَيْتَنِى أَفْتَح عَيْنَى الَى أَقْصَاهَا ..الْأَنْوَار خَافِتَة ..تَنّبُع مِن لَمْبَات صَغِيْرَة ،تَحْجِبُها بِلَّوْرَات زُجَاجِيَّة خَشِنَة الْسُّطُوْح ..الْظِّلال تَتَلَاقَى عَلَى فُرُش الْمَقَاعِد وَالأَرَائِك بِالْوَانُهَا الْنُّضْرَة ، لِتَصْنَع عَالِما مِن غُمُوْض ..الْنُّوْر الْخَافِت يُكْتَفَى بِفْتِرَاش الْجُدْرَان ..بَيْنَمَا تَبْزُغ مِن الْأَرْكَان مُوْسِيْقَى هَادِئَة تَنْسُل لِتُطِيح بِالْحَوَاس.
شَد انْتَبَاهَى صُوْرَة ثَانِيَة زَاهِيَة الْأَوَان تَتَوَسَّد مُنْتَصَف الْجِدَار الْمُقَابِل ..كَانَت لَأَمْرَأَتِه وَحْدَهَا ..تَأَمَّلْت وَجْهِهَا ..حُسْنِهَا فَيَّاض ..قَسَمَاتِهَا رَقِيْقَة .. بَسْمَتُهَا رَائِعَة ..مِن صِغْرِه يَتَمَنَّى هَذَا ..يَسْعَى الَيْه ..تَرَكْنَا مُنْذ سِنِيْن قَائِلا أَنَّه سَيَبْحَث عَن ذَاتِه ..سَنَوَات مَرَّت لَم أَر مِنْه الَا كَلِمَات عَجْلَى عَبْر الْهَاتِف ..كُنْت كَثِيْرا مَا أَسْأَلُه ..الْم تَجِد ذَاتِك الَّتِى تَبْحَث عَنْهَا الَى الْآَن ؟ ..فَتَرْن ضَحِكْتَه عَبْر الْسَّمَاعَة :- مَازِلْت احَاوِل ..أَخِيِرَا اضْطَرَنّى أَنَا لِلْسَّفَر الَيْه ..وَاضِح أَنَّه كَمَا أَرَى وَجَد مَايُرِيد .
- تَفَضَّل مِن هُنَا يَا أَبِى
أَهْمِس فِى ارْهَاق :- لَا دَاعِى لِلْفُرْجَة الْآَن
تَتَّسِع ابْتِسَامَتِه :- الَا تُرِيْد رُؤْيَة بَيْتِى ؟
أَهُز رَأْسِى مُسْلِما وَأَسِيْر خَلْفِه ..يَمْضِى الَى مَمَر ضَيِّق ،بِه حُجُرَات الَى الْيَسَار ..أَرَى الَى الْيَمِيْن هِرَّة نَاعِمَة ، سَاحِرَة الْعَيْنَيْن تُطِل مِن اطَار ذَهَبَى عَلَى الْجِدَار ..يَفْتَح بَاب الْحُجْرَة الْأ وَلَّى ..أُدْخِل بَعْدِه ..تَقَابَلْنّى سِتَارَة مُزَرْكَشَة ذَات وُرُوْد مُطَرَّزَة بِقُمَاشَهَا الْسَّمَاوَى ، تُغَطِّى جُزْءا مِن الْجِدَار ،الْجُزْء الْآَخِر بِه نَافِذَة مَفْتُوْحَة الْمِصْرَاعَيْن ..الْهَوَاء يُسَبِّح مَرَحَا فِى الْمَكَان ..وَجْهِى تَنْبَسِط أَسَارِيْرُه أَمَامِى فِى الْمِرْآَة ..حُجْرَة وَفَاء ..أَرْمُق الْصُّوَر الْمُتَزَاحِمَة عَلَى الْجُدْرَان ..مُمَثِّلَيْن وَمُطَرَبَين ..أَشِعَّة الْشَّمْس عَبْر الْنَّافَذَة ترَشقُهُم بِمَطَر الْضَّوْء ..أَهُز رَأْسِى عَجَبا ..أَرْسَل بُصْرَى عَبْر الْنَّافَذَة الَى الْحَدِيْقَة ..أَسْمَع صَوْتَه يَقُوْل :- وَفَاء فِى الْمَدْرَسَة
وَيَتَّجِه لِلْحُجْرَة الْتَّالِيَة ..خُطْوَة قَدَمَى لَم تَعُد تُسَاعِدُنِى ..أَتَقَدَّم مُتَمَهِّلا خَلْفِه ..آاااه ..حُجْرَة أَشْرَف ...الْمُح وَجْهَيْن مُتَلَاصِقَيْن عَلَى الكُوُمِيَدِيَنّو الْمُلَاصِق لِلْسَّرِيْر ..ضِحكَتِهُما الْصَّغِيْرَة رَائِعَة ..أُقَبِّلُه وَأَخْتُه بِشَغَف ..أُعِيْد وُضِع الَّاطَار مَكَانَه وَأَمْضَى ..يُقَابَلْنّى وَجْهِى فِى الْمِرْآَة مُرْهَقَا ، مَلَامِحِه تَسْتَغِيْث مَن الْتَّعَب ..أَتَأَمَّل الْشُّعَيْرَات الْبَيْضَاء فِى فَوَدَى ،الْزَّاحِفَة الَى أَعْلَى ،الْصَّاخِبَة فِى الْذَّقْن ..ذَهَب الْعُمْر بِك الَى مَالْا عَوْدَة مِنْه ..الَتَغَضَنَات يُغَطِّيْهَا الْعِرْق و..أُدِيْر رَأْسِى عَن الْمِرْآَة ..أَتَمَنَّى أَن أَسْأَلَه الْرَّاحَة أَوَّلَا وَبَعْدَهَا أَتَفَرَّج كَمَا أَشَاء .
- تُفَضِّل يَاأَبَى
لَا أَجِد الْجُرْأَة عَلَى الْبَوْح بِمَالِدَى ..أَمْضَى بِرَغْمّى خَلْفِه الَى الْحُجْرَة الْثَّالِثَة عَلَى الْيَسَار ،الْمُطِلَّة عَلَى الْحَدِيْقَة مِن الْوَرَاء ، بِالتَّحْدِيْد كَمَا قَال لَى تُطِل عَلَى الْوَكْر ..أُرَاعِهَا مُتَّسِعَة ،أَكْبَر مِن الْحُجُرَات الْسَّابِقَة ..تَقَابَلْنّى سِتَارَة لَبَنْيَّة الْلَّوْن ذَات نُقُوْش مُطَرَّزَة تُغَطِّى الْجِدَار ،تَنْسُل عِبَرِهَا خُطُوْط مُسْتَقِيِمَة مِن الْضَّوْء مِن خَصَاص الشِّيْش لِتُرْتَمّى تَحْت قَدَمَى ،تُحِيْل الْظَّلام الَى عُتْمَة نَاعِمَة ،الْفُرُش الوِرَّدَى الْمُبَعْثَر يُؤَكِّد أَنَّهَا حُجْرَة نَوْمِه ..أُغَادِرُهَا مُحْرَجا ..هَذَا هُو الْوَكْر الْحَقِيقِى أَيُّهَا الْشَّقِى ..مِن يَوْمِه هَكَذَا ..أَرْقُبُه بِجَانِب عَيْنَى ..أتَعَبَنّى ..مَع هَذَا أَشْعُر بِه أَكْثَر ..أَرَاه قَرِيْبا مِنِّى ..أُمُّه رَحِمَهَا الْلَّه كَانَت تَقُوْل ..لَا أَعْرِف كَيْف يُشْبِهُك الَى هَذَا الْحَد ..رَغْم هَذَا فَأَنَا أُخْتُلِف عَنْه كَثِيْرَا ..لَم أَكُن يَوْمَا أَحْمِل تَطَلُّعَات أَكْثَر مِن طَلَب الْسِّتْر ..أَمْرَأَة تَرْضَى بْعِيشَتِهَا ،تَشْعُر أَنَّنِى رَجُلُهَا ،وَأَوْلَاد أَحْسَن تَرِّيْتِهُم ،وَلَا شَىْء أَكْثَر ..أَمَّا هُو ..!
- تَطْلُع الْسَّطْح يَابَابّا ؟ ..الْمَنْظَر مِن فَوْق رَائِع
صَرَخَت :- يَابَنِى ..هَذَا اجِهَاد لَا أَتَحَمَّلَه
نَعُوْد الَى الرَّدْهَة ..تَحْت الْصُّوَرَة الْزَّاهِيَة الْأ لَوْان لِامْرَأَتِه نَجْلِس .
- تَأْكُل أَوَّلَا ؟
وَيُشِيْر الَى مَائِدَة الْطَّعَام فِى الْجَانِب الْأَيْمَن ..حَوْلَهَا أَرْبَعَة مَقَاعِد بِعَدَد أَفْرَاد الْأُسْرَة ..رَغْم أَن الْجُوْع يَتَعَمْلَق فِى أَحْشَائِى أَقُوْل :-
- بَل نَنْتَظِر الْأَوْلَاد
- اذُن تَشْرَب شَيْئا
يُهَرْوِل نَحْو الْمَطْبَخ..أَسْمَع صَوْت مِزْلاج الْبَاب يَفْتَح ..أَرَى أَصْل الْصُّوَرَة الَّتِى أَجْلِس تَحْتِهَا حَيّا أَمَامِى ..أَتَامل الشَّكْل بِانْبِهَار ..وَجْهِهَا ..دَهْشَتَهَا ..أُعَالج الْقِيَام .
- مَن أَنْت ؟
أَفْتَح فَمِى ..أَنَا !!
يَعُوْد بِالْمَشْرُوبَات ..يَهُش لَهَا:-
- بَابا ..جَاء مِن مِصْر
تُمَد يَدَهَا بِالْسَّلام ..بَسْمَتُهَا جَافَّة ..عَيْنَاهَا حَدُقَاتِهُما لامِعَتَان توَمَضَان بِنَظْرَة مَعْجُوْنَة بِازْدِرَاء أَو كَرِه أَو ..أَو ..لَا أَدْرِى ..شَعْرَهَا الْقَصِير هَالَة مِن ذَهَب تُحِيْط بِوَجْهِهَا الْأَبْيَض ..يَنْفَرِج فَمِهَا بِالْكَاد :-
- اهْلِا ..عَن اذُنَك
وَتَمَضَّى الَى حُجْرَتِهَا ..الْثَّالِثَة عَلَى الْيَسَار ..مُؤَكَّد هِى الَّتِى وُضِعَت صُوْرَة الْهِرَّة النَّاعِمَة سَاحِرَة الْعَيْنَيْن فِى الْمَمَر ..لَكِن أَيْن مَخَالِبَهَا ؟
يَمُد يَدَه بِالْشَّرَاب :-
- تُفَضِّل يَابَابّا ..الْبَيْت بَيْتِك طَبْعَا..بَعْد اذْنِك ثَوَانِى .
أَشِيْر الَيْه :- سَأُجْلِس بِالْحَدِيْقَة ..خُذ رَاحَتَك
أَفْتَح الْبَاب وَامْضِى ..أَتَّجِه الَى الْمِظَلَّة أَو الْوَكْر كَمَا يُسَمِّيْهَا ..الْقَى بَارْهَاق جَسَدِى عَلَى أَحَد الْمَقْعَدَيْن ..يَصِلُنِى صَوْتَهَا مُحْتَجَّا مِن خَلْف الْنَّافِذَة الَّتِى فُتِحَت تَوَّا فِى حُجْرَتِهَا :-
- لَايُوْجَد لَه مَكَان هُنَا ..أَفَهِمْت ؟
أَنْتَبِه لِلْكَلِمَات ..يَتَصَلَّب جَسَدِى ..أَبْحَث عَن صَوْتِه ..يَعُوْد صَوْتَهَا لِلِارْتِفَاع :- هَذِه مُشْكِلْتَك ..تَصْرِف .
أَجَاهِد الْوُقُوْف ..لَا أُحَاوِل تُعُقِّب صَوْتَه أَو مُحَاوَلَة مَعْرِفَة رَدَّه ..أُحَدِّق عَلَى الْبُعْد فِى الْبَاب الْخَشَبِى ....وَأَمْضَى !
رياح الذاكرة
قصة قصيرة
أمام باب رأسه توقف..هو يعرف نفسه جيداً ،اذا دخل لن يخرج قريباً ، ثم إنه لايجيد عمل شيئين فى وقت واحد ، إما أن يترك رأسه بما فيها جانباً ويدخل رؤس الآخرين ، يزيل الصدأ عن واحدة ، يمحو التراب عن ثانية ، يمتدح نظافة ثالثة ، ويرتب أثاث رابعة وهكذا ، أو يترك هؤلاء ويدخل رأسه هو ، وفى تلك الحالة – هويعرف جيدا - لن يخرج بسهولة ، اذ عليه أن يسلك سراديباً مظلمة قاصداً غرفاً مطموسة الملامح والحدود ، ينظر وينقب ، يمحو أشياءً ويثبت أشياء ، وفى كل الأحوال سيرهقه هذا كثيراً ويسرقه من عمله ، ذاك العمل الذى يضطره أن يضع عينيه فى خدمة من حوله ، لذا فدخول رأسه الآن محفوف بالخطر ، خاصة اذا اضطر أن يعود من سراديبها لأمر عاجل ، اذ عليه فى تلك الحالة أن يغلق الغرف فوراً على ما فيها ، والا زحفت خارجة وواجهت الأعين المترصدة ، وفى هذا خطر .
..........
لعلها عفاف السبب ، تلك المرأة التى عطّر من أجلها بالمسك طريقاً عريضاً على جانبيه الياسمين ، يمتد من رأسه الى قلبه مباشرة دون حواجز أو إشارات ، وكان يسعد كل السعادة وهو يراها تمرح فيه رائحة غادية ، بين القلب حيث تقيم فى سكن مترامى الأطراف ناصع البياض راقى الرياش ، ترى داخله كما ترى خارجه كلؤلؤة تتألق تحت نور صاف لايغيم ، وبين العقل حيث ممشاها ومتريضها ..عفاف التى رصع صورتها فى عينيه بأرق الصفات ، و التى حاك لها من الأسماء مارآه يليق بوجهها البهى السمات ، ورغم هذا مضت عنه !! ..ركلت رأسه بكل مافيها ووطأ ت قلبه بكل مايحمله ، ولم تترك له الا قناعاً واحداً لوجهها لم يره من قبل ولم يكن يعتقد يوماً إنها تملكه ، ذلك القناع الذى قابلته به وهى راحلة وامتلكت القدرة على أن تصرخ فى وجهه :- لن أبقى معك
تلك المرأة التى صار يمقت رأسه لأنها يوما احتوت ظلها ، وقرر أن يمحو صورتها وسيرتها من قاموس حياته ، فاسكنها بئراً عميقاً فى أقصى دهاليز رأسه ، قاصداً أن يغمرها ماءه العطن فلا تخرج منه ، الا أنها بين الحين والآخر كانت تطفومفتحة العينين ، نظراتها الملتهبة تترصده ، كلما القى بصره الى البئر خطفته ، يدور فى دوامة تلك النظرات ، يسمع ذات الحروف تتكرر فى أذنيه :- لن أبقى معك بعد الآن
يرتجف ، تمتد ذراعاه رغماً عنه اليها ، يضغط رأسها لتغوص فى عطانة الماء ، ويفرمن سراديب رأسه خارجاً ، تتلقفه أعين الآخرين ، الوجوه حوله معلقة من رؤسها فوق المكاتب ،الرؤس لها أعين مرنة تتمدد الى الأمام فى حركات نصف دائرية ، كل ٌحسب قدرتها على الإمتداد ..زميله فى المكتب المقابل يكدس الأوراق أمامه ،يسند رأسه عليها ويترك عينيه تتمددان نحوه ،تفتشان وجهه ، تتفحصان عينيه ، ولولا قدرته على غلق رأسه فى الوقت المناسب لدخلها ونقب داخلها .
.................
انتبه لأولاده يهرولون داخل رأسه ، رغم الشغب والضوضاء ارتسم على شفتيه ظل إبتسامة ، رصدها زميله فى المكتب المقابل ،هب من جلسته قافزاً الى أعلى المكتب بعد أن ازاح الأوراق بقدمه اليمنى جانباً ، ورفع صوته لتنتبه الآذان جميعاً اليه :-
- ضبطته يبتسم !!
تعالت الصيحات متسائلة عن ذلك السبب الذى جعله هنا حيث الغيوم المتراكمة والضباب المتكاثف يفعلها ، و طالبوه فوراً بعرض الأسباب ،قال وعيناه تتابعان لعبهم فى رأسه :-
- أولادى
- مالهم ؟
- يلعبون فى رأسى
- اخرجهم لنا .
تقافز الأولاد فوراً على أسطح المكاتب حيث العيون والآذان المتربصة . صمت قليلاً ثم اكمل :-
- منذ رحيلها وهم لايغادرون رأسى
واسوه بكلمات تليق بالمناسبة !
.............
يخشى الولوج الى رأسه الآن وهو يراها رغماً عنه تسكنها ، الغى الطريق بين قلبه وعقله من أجلها ، وضع فيه المتاريس والأسلاك الشائكة لمنع مرورها ، أغلق بوابات قلبه ووضع عليها الأقفال مصّراً على الا تطأ وديانه ورياضه بقدم ٍ ،أما عقله فقد أعلن فيه قرارا سيادياً بحظر دخولها بأى حال اليه .
الغريب أن الأمر يسير على مايرام ولايخرق الحظر الا هو !!
.............
اليوم أراد دخول رأسه ، منتظراً أن يدفع الباب الموصد ، وأن تباغته رياح الذاكرة وتطيح بعزيمته كالمعتاد..مد قدمه داخلاً ، مهيئاً نفسه لما بعد الدخول ، فوجىْ بالرأس خالية من أثارها ، أدار عينيه دهشة فى أرجاء المكان ، كانت هناك صورة جديدة تلوح عن بعد ، ملامح أخرى ووجه آخر، حدق فيه قليلاً قبل أن يهش له .
ثمالة
قصة قصيرة
من خلف أهدابها التى احتمت بها من فيض نظراته عادت اليه ، لأول مرة يلوح لها طيفُ شعورٍ مثل هذا ، تضطرب وتتلعثم الحروف على شفتيها ، وتهرب حتى بعينيها منه ، حدقت فيه ثانية كأنها لم تره من قبل ، الوجه الأسمر ، بعينيه السوداوين ، وفمه المرسوم بنضارة حدوده ، بذقنه المدببة ، بنهر السكينة المرتسم على محياه ! لم تعرفه من قبل ،أو هكذا خيل اليها ، حديثه الآن وهو يشبك الحرف بالحرف فى ثقة وهدوء يقولان أنها لم تعرفه من قبل ، زميلها لسنوات طوال ، نعم ، ولكنها الآن ترى وجهاً لم تره من قبل ، إنه يحدثها عن أشياء رغم أنها تعرفها الا أنها الآن لها مذاق ومعنى لم يطف لها ببال ، فهو مثلها يتجرع الوحدة ، وإن كانت تمتاز عنه بوجود إبنتها وزوجها الى جوارها ، شقتهما أسفل شقتها ، يقضيان عندها مايشاء لهما الوقت ، فاذا حان الفراق تركاها لجدران شقتها ، تتحسس حفرها وتستدفىء ببرودتها ، تشعل الأنوار طوال الليل لتستطيع الخلود الى النوم ، فالحياة منذ وفاة زوجها تمضى بها متشابهة الحدود والأبعاد ، لا يتغير فيها الا ملامح تفاجئها عبر المرآة من يوم الى آخر، ملامح صارت من سرعة تغيرها تخشى أن تباغتها يوماً بما لاتطيق ..أثناء النهار يأخذها العمل الذى رغم مرارته يملأ حياتها ، ويمدها بحرارة هى أشد ماتكون حاجة اليها ، تسمع الكلمات ، تذوب فيها سلباً وإيجاباً ، يباغتها الزملاء بانتهاء الوقت وضرورة الفراق من جديد ، تتحرك على غير عادتها طوال عمرها بتؤدة الى بيتها ..قديماً كانت تراقب عقارب الساعة ، تصعد بنظراتها فوق عقاربها لتجرى بها أكثر ، رغبة فى العودة الى البيت والى زوجها وإبنتها ، كانت حياتها مليئة حتى حافتها ، لاتكاد تلتقط أنفاسها من كثرة مشاغلها وضيق الوقت الى أن تخلد للراحة منهكة القوى ، تضع رأسها على الوسادة فتغيب عن الكون ..الغريب أن تلك الأيام بكل مافيها من طول وعرض وإتساع لم يعد لها منها الآن الا روائح من الذكرى لا تكاد تغيب ، وجه زوجها التى كانت تناجيه وتحكى له وتسمع منه حتى بعد أن اصبح صورة داخل إطارمذهب على الجدار بشريطه الأسود المحتضن حافته اليسرى ، كانت ملامحه تعانق روحها ليلاً ونهاراً ، تفيض بضحكاتها وكلماتها وكل حركة منها على قلبها برداً وسلاماً ، فتعانق روحه وتغمض عينيها طلباً للنوم ..رويداً بدأت الضحكات تقل والكلمات تبهت ولم يعد هناك الا بسمة تصادفها على الجدار كلما رفعت عينها اليه ، فقربه بالأمس كان حياه تحياها بينما الآن صورته على الجدار واجب تلتزم به ، صحيح أنها لم ترتبط بغيره ولو بخيالها ولم يلفت بعده إنتباهها أحد لشعورها بأنها تقف فى دائرة عمرها المحدودة ذات السمات والملامح التى يجب عليها أن تلتزم بقوانينها ، هامسة لنفسها أن الباقى قليل ، وايضا - وهذا مالا تعترف به حتى لنفسها أو ربما لم يدر بخلدها - لأنها حتى الآن لم تصادف من يحرك ثورة نبضاتها ، أو بركان حيرتها ، أو حتى يطوف بسماء خيالها فيهتز له.. كانت فقط يعتريها شعور قلب ٍ على حرف بئر ، لا مناص له من الغوص إن عاجلاً أو آجلاً فيه ، شعور بالجمود وأنت حى ، غيبوبة ذات سمات مختلفة تعتريك وأنت مفتح العينين ، واع لما حولك ، تنظر بعين محايدة الى مايجرى واثقة أنها لم يعد لها من كل هذا الا الرؤية عن بعد انتظاراً لأمر لن يطول انتظاره ، و بانتهاء دورها الذى لم يعد له جدوى أصلاً الا مع إبنتها وزوجها ، فهذه هى الثمالة الباقية فى كأس حياتها والتى تشعر أنها تعيش من أجلها ،وتدور راغبة فى فلكها صبح مساء ، فهما يعيشان معها تقريباً كل الوقت ، من لحظة عودتها الى المنزل بعد الظهر الى أن تشعر بالنعاس فتتحرك نحو سريرها فى تكاسل هادىء ناعم دون أن ترفع عينيها كما تعودت وتلقى تحية المساء الى زوجها ..وللحق فقد حدثها بعض الأصدقاء فى أمر زواجها ثانية ، هامسين أن هناك من يناسبها بل من هو أصغر سناً ويقبل عن طيب خاطر بها ، فكانت تعلن الرفض قبل حتى أن تعرف من هو وهل هو زميل أم لا ، حتى جاء محمود اليوم وتحدث اليها بلا مقدمات قائلاً فى هدوء انه يريد الإرتباط بها ! ، أكبر منها هو بسنوات قليلة ، هى تعرفه ، كانت تعرف المرحومة زوجته ، لم تتخيله يوماً ينطق بهذا لها أو لغيرها ، لم تكن المفاجأة أنها سمعت هذه الكلمات منه الآن ، لكن المفاجأة الحقيقية أن قلبها دق وأهدابها ارتعدت وشعرت بأطرافها تتثلج ، ولم تستطع أن تقول كلمتها الأثيرة لا ، أو حتى تعترف بما اعتراها وتجد القدرة على قول نعم ، واكتفت بالتحديق الى البلاط ومربعاته المحددة والتى لم تمنعها حدودها من التواصل فيما بينها .
سمعته يقول بلطف وهو يدير ظهره مغادراً :-
- أترك لك الفرصة لتفكرى ؟
وجدت نفسها تتحرك ، تملك القدرة من جديد على النطق ، تحلق بجناحيها لأعلى ، تعبر السحب والكواكب الى فضاء جديد لها وحدها ،تطير معها فيه طيور بيضاء ذات سمات مرحة ، يلفها نور ملائكى حنون يبعث فى النفس سكينة ويمنح الروح صفاء ، وتسمع فيه تراتيل نورانية حروفها نقية تتغلغل فى خلاياها منعشة مجددة ، وجسدها يتسامى ويعلو ، ومن هناك نادته بقوة :- محمود
واستدار اليها !
جواد الفرحة
قصة قصيرة
فى الساحة الواسعة أمام البيت سرادق كبير ..زحام ملون ..زغاريد منتشية ..ضحكات مرحة..وفرقة موسيقية لايسمعها أحد من تلاطم الأصوات وبحر الضجيج..خلفها والى جوار الباب مباشرة تقف (هى) متشحة بالصمت ..عيناها سارحتان عبر فيافى الأنين ..تفيض الدموع ..تسدل أستارها الشفافة على المرئيات حولها ..يبدو الكون متأرجحا لايثبت على حال .بينماالزغاريد عويل
فى الساحة الواسعة أمام البيت سرادق كبير ..زحام ملون ..زغاريد منتشية ..ضحكات مرحة..وفرقة موسيقية لايسمعها أحد من تلاطم الأصوات وبحر الضجيج..خلفها والى جوار الباب مباشرة تقف (هى) متشحة بالصمت ..عيناها سارحتان عبر فيافى الأنين ..تفيض الدموع ..تسدل أستارها الشفافة على المرئيات حولها ..يبدو الكون متأرجحا لايثبت على حال .بينماالزغاريد عويل
...................... .
بالداخل فى مقدمة السرادق تبدو (حنان ( كما لم تبد من قبل ..بيضاء الثياب والوجه..دافئة العينين ..تبعثر البسمات بلا حساب على الحضور. جبل الجليد - كما طالما سماها أبوها من قبل - تحرك ..تحول الى جبل من نور ..فيض من حنان ..كأنما لم يكن بالأمس جامداً حتى النخاع .
حنان ذات القناع الزجاجى تتفتح أمامها الأبواب ..شامخة تبدو ..متألقة العينين بلمعة الظفر ..شبابها الغض يفرض ياسمينه على الحضور ..ترمقها العيون كما لم ترمقها من قبل ..خلعت قناعها وانفرجت قسماتها وارتدّت الى أنوثتها ناضجة ، شهية ، يغزو شبابها العيون
بالداخل فى مقدمة السرادق تبدو (حنان ( كما لم تبد من قبل ..بيضاء الثياب والوجه..دافئة العينين ..تبعثر البسمات بلا حساب على الحضور. جبل الجليد - كما طالما سماها أبوها من قبل - تحرك ..تحول الى جبل من نور ..فيض من حنان ..كأنما لم يكن بالأمس جامداً حتى النخاع .
حنان ذات القناع الزجاجى تتفتح أمامها الأبواب ..شامخة تبدو ..متألقة العينين بلمعة الظفر ..شبابها الغض يفرض ياسمينه على الحضور ..ترمقها العيون كما لم ترمقها من قبل ..خلعت قناعها وانفرجت قسماتها وارتدّت الى أنوثتها ناضجة ، شهية ، يغزو شبابها العيون
..........................
. أما ( هى ) فتنزوى الى جوار جدار متهالك الطلاء ..تنهش اللحظات لحمها دون أن تبدى الما ..تقتبس من الوجوه حولها بسمات ملصقة بعناية فوق إنقباض الملامح ..تتجه لأمها ..نور الفرح يغزو وجهها .. تفرح لحنان الصغرى وتنساها ..!
بالأمس بكت من أجلها ..سألتها كما سألتها مراراً : -
- اليس لك أصدقاء ، زملاء عمل ، شله مثل حنان ؟
كان أبوها يدعوها جبل النار لثورة لسانها التى لاتهدأ ، وصراحتها الزائدة ..جبل النار الآن صار رماداً ..لم يعد هناك جدوى من استعمال حروف متهالكة لتكوين عبارات غير ذات جدوى .
بالأمس بكت من أجلها ..سألتها كما سألتها مراراً : -
- اليس لك أصدقاء ، زملاء عمل ، شله مثل حنان ؟
كان أبوها يدعوها جبل النار لثورة لسانها التى لاتهدأ ، وصراحتها الزائدة ..جبل النار الآن صار رماداً ..لم يعد هناك جدوى من استعمال حروف متهالكة لتكوين عبارات غير ذات جدوى .
................................
تتحرك الزفة ..تعلو الزغاريد ..تصرخ الموسيقى ..تتدافع الأجساد ..تشعر ( هى ) بموجة عالية تحملها تطويها بين جناحيها ، تعتصر روحها ، تلقيها من علٍ ، يترنح الكون حولها ، تختلط الأشياء ، تتباعد وتغيم الوجوه ، تتحول الشفاه المفتوحة للإبتسام الى كهوف سوداء تبرز من أحشائها أنياب ماصة للدماء ..تحاول الإمساك بدقائق اللحظة ، يفلت منها الإتزان ، يترنح الجسد ، تفتح فمها ، تحاول الصراخ ، الإستناد على الجدار ، تمد يديها بعد أ ن أعياها البحث عن لسانها وفمها ..اليد تستغيث ..لا أحد يسمع إشارة اليد أو يفهم لغة الاصابع ، تتفجر عروقها بالدماء اللاهثة عبر دروبها ، تذكر أ مها و هى ترد تحية المدعوات بزغرودة أعلى وأطوَل ، تذكرها وهى تمتطى جواد الفرحة غير عابئة بنظراتها الكسيرة وهى ترقبها على البعد ..أمها التى بكت من أجلها بالأمس تنساها الآن وتعيش لحنان ..رمقتها بلوم ..لم تبال الأم بنيران نظراتها ، طارت من ركن الى آخر فى خفة ، تداعب المدعوين والمدعوات ، تمطر عيناها الفرحة نقاطا تتناثر حولها ، تشدها من يدها
تتحرك الزفة ..تعلو الزغاريد ..تصرخ الموسيقى ..تتدافع الأجساد ..تشعر ( هى ) بموجة عالية تحملها تطويها بين جناحيها ، تعتصر روحها ، تلقيها من علٍ ، يترنح الكون حولها ، تختلط الأشياء ، تتباعد وتغيم الوجوه ، تتحول الشفاه المفتوحة للإبتسام الى كهوف سوداء تبرز من أحشائها أنياب ماصة للدماء ..تحاول الإمساك بدقائق اللحظة ، يفلت منها الإتزان ، يترنح الجسد ، تفتح فمها ، تحاول الصراخ ، الإستناد على الجدار ، تمد يديها بعد أ ن أعياها البحث عن لسانها وفمها ..اليد تستغيث ..لا أحد يسمع إشارة اليد أو يفهم لغة الاصابع ، تتفجر عروقها بالدماء اللاهثة عبر دروبها ، تذكر أ مها و هى ترد تحية المدعوات بزغرودة أعلى وأطوَل ، تذكرها وهى تمتطى جواد الفرحة غير عابئة بنظراتها الكسيرة وهى ترقبها على البعد ..أمها التى بكت من أجلها بالأمس تنساها الآن وتعيش لحنان ..رمقتها بلوم ..لم تبال الأم بنيران نظراتها ، طارت من ركن الى آخر فى خفة ، تداعب المدعوين والمدعوات ، تمطر عيناها الفرحة نقاطا تتناثر حولها ، تشدها من يدها
:- أريدك يا أمى
تربت خدها برفق : -
تربت خدها برفق : -
:- سأعود اليك
وتغيب ..تبصق عيناها الدموع وينطق الجسد كلمته .
وتهوى
وتغيب ..تبصق عيناها الدموع وينطق الجسد كلمته .
وتهوى
.....................
حقه
قصة قصيرة
يسير متبخترا وسط الحارة ..فخرا برأسه المتعددة الوجوه ..ينظر بالاف الاعين الى النوافذ والشرفات والحوانيت والابواب والاعين المتناثرة هنا وهناك ..يبحث بشغف عمن يتابعه لكى يفرد صدره امامه بعرض الطريق ، ويوجه حبتى عينيه الى وجهه صارخة :-
- من لديه مثل مالدى؟
وشعوره هذا لاينبع من فراغ ، فما لديه لايصل الاخرون الى بعض البعض ، منه فهو لايملك وجوها فى رأسه فقط ، بل ان تلك الوجوه تتشكل حسب الحاجة الى وجوه الحيوانات ، وذلك له فلسلفة عنده ، اذ يقول انه بين الحيوانات والانسان علاقات غير منظورة تؤكدها درجات التشابه بينهم ، فمثلا هناك تشابه بين الاسد او الحمار او الذئب وبعض الاشخاص ..تشابها لايكمن فى الوجوه فقط بل يتغلغل داخل النفوس ليشمل التصرفات ايضا ..فكم من ضبع بيننا يعيش على الرمم وكم من حمارادمى يحمل الاثقال ، وينال من الاذى ماينال ، ورغم هذا يظل متماسكا ، باحثا عن الحكم والايات المنزلة التى تشيد بالصبر ومصير من يلوذ به ، وكم من اسد لايفعل شيئا سوى انتظار ان يأ تيه طعامه فاخرا فينظر فيه متأففا زاهدا ، طامحا الى غيره وهكذا ..لذا يسير وسط الطريق ناشرا ذراعيه على المارة والحوانيت ، راغبا عن الاعين المتابعة ، وان كان يرقب بجد ماحوله ، ولاتفوته نظرة او اشارة او حتى غمزة من احدهم تشير اليه ، فاذاكان الامر عاديا مر بسلام ، اما ان كان غير هذا فصوت الحمار يعلو ، والنهيق يملأ المدينةبكاملها ليصم الآذان ويوغر الصدور ، ويتقافز القرد من نافذة الى اخرى ، ومن شرفة الى التى تليها ، ثم يأتى دور الذئب الذى ينشب مخالبه فيمن حوله لايفرق بين جسد وآخر ، فالكل امامه صيد يستحق النهش ، فاذا رأى اقدام العسكر الغليظة ذات الاصابع العنكبوتية التى تتحسس الطرقات كل اصبع فى مكان ، او اجسادهم المدكوكة التى تعتبرمراكز متحركة تنطلق منها الاعين متغلغلة فى الوجوه المارة ، والآذان متسعة لتشمل البيوت والمقاهى والحوانيت والاوكار المختلفة ، و رأى وجوههم ذا ت الشوارب العنكبوتية التى يصطادون بها القتلة والمجرمين ، وايديهم المكتنزة التى تمتد عبر الطرقات باحثة عن فرائسها من الديدان والحشرات المتوارية هنا وهناك بعيدا عن الاعين ..اذا رأى ظل احدهم قادما على البعد تحول الى ارنب لطيف يرضيه بعض الخص او قطعة من جزر ويمضى فى سلام .
وزوجته رغم معرفتها بما لديه لاتفتخر مثله بتلك المزايا ، لسبب بسيط يعرفه من حولها وهو انها لاتمتلك لسانا ولاتعرف لغة الحروف ..يراها الجيرا ن وينظرون اليها فتتعثر فى خجلها ، وتبحث عن رأسها لتحنيه على صدرها ، هربا من لفح النظرات وصهد الكلمات المتقافزة على الشفاه..فاذا دخلت جحرهاو اطمأ نت انها وحدها زرعت نهرا من الدموع وغاصت فيه بكل جسدها ..حتى اذا ماشعرت بالاكتفاء قامت عنه الى شئونها ..هذا اذا لم تكن جذور ابنتها مزروعة معها بالبيت ..اما فى وجودها فالامر يختلف ..تتداخل الرأسان معا ..تتغلغل كل منهما فى الاخرى ..تختلط التلافيف ، وتتوزع الافكار ، وتدور الهمسات دوراتها عبر جدران الادمغة ، حتى اذا ماتعبت عادت الاوضاع الى ماقبل الاندماج ، وهبت كل منهما الى بئر خاص بها وهوت اليه .
وعادة ماتكون الابنة بالخارج لظروف عملها فى مغارة يملكها رجل يدعى على بابا ، له يد مطاطية الاصابع لايعرف احد لطولها حدودا ..يمدها كيف يشاء ووقتما يشاء ، والبنت التى ترضى فان اصابعه لاتنسى لها هذا ، اما التى ترى اصابعه وتنفر منها فانه يقصيها من مغارته ..فعل هذا كثيرا حتى جاء الى بنت هذا الرجل وتوقفت اصابعه عن الامتداد المطاطى ، وتوقف لسانه عن تجميع حروف طردها ..ليس بسبب ابيها وانما لأنه رأى فى الامر تحديا لايليق به ان ينسحب عنه ..قرر ان يواجه الا مر..استعان وهو الذئب ببعض الثعالب التى دلته على طريقة استطاع بها ان يمد اصابعه المطاطية ويلفها حول جسد البنت ..يلفها ويلفها الى ان غاب الجسد تماما ولم يعد احد فى المغارة يراه او يسمع صوتها التى طالما رفعته وواجته به متحدية ..بعدما اعتصرت الاصابع الجسد وتركته ممصوصا تماما وقد جفت فيه ينابيع ماء الحياة لفظته الى الطريق ، تتابعه صرخات مدوية فى جميع الارجاء :- هذه المغارة لايدخلها الا الشرفاء .
عاد الجسد بدون البنت الى جحر الام ..عرفت ماجرى ..كسرت الجحر ..وانطلقت ..اتت بزوجها من الطريق ..خلعت عنه جميع الوجوه بمخالب لبؤة يملؤها الغل ..وقف امامها بلا وجه يتساءل عن الامر ..حين عرف انطلق زئير الاسد يهز الارجاء ..انطلق الى المغارة .. واجهته حفنة من ذئاب جائعة ..دارت حوله ..نهشت لحمه ..عاد الى الطريق ارنبا ضعيفا خائر القوى ..ارتمى على الارض ورفع قدميه لأعلى صارخا :-
- هاتولى حقى
كانت الشمس بازغة من عمق النهر ، بينما العيون تتدحرج قادمة من الشرفات والنوافذ والابواب ..اندفعت انوف تتشمم الخبر ..مد احدهم عينيه الى بلعومه..دفعها محاولا اصياد الكلمات قبل غيره ..اطلق اخر اذنيه تتحسسان لسانه ..دون جدوى
- ما هو حقك ؟
كان شاربه يبدو كعلامتى صح على جانبى وجهه ، و تبدو عيناه كعينى قطار ليلى ، اما فمه فنفق مظلم تسيل منه حروف مفككة لارابط بينها ، بينما جلبابه مفتوح الطوق كحظيرة دجاج ، اسفلها سروال يصل الى عقبيه ، .اما وجوهه جميعا فقداجتمعت فى تلك اللحظة ، وصارت وجها واحدا مزروعا باشجار الحنظل والصبار ،تنطلق منه الكلمات متأججة الحروف :-
- هاتولى حقى
قصة قصيرة
يسير متبخترا وسط الحارة ..فخرا برأسه المتعددة الوجوه ..ينظر بالاف الاعين الى النوافذ والشرفات والحوانيت والابواب والاعين المتناثرة هنا وهناك ..يبحث بشغف عمن يتابعه لكى يفرد صدره امامه بعرض الطريق ، ويوجه حبتى عينيه الى وجهه صارخة :-
- من لديه مثل مالدى؟
وشعوره هذا لاينبع من فراغ ، فما لديه لايصل الاخرون الى بعض البعض ، منه فهو لايملك وجوها فى رأسه فقط ، بل ان تلك الوجوه تتشكل حسب الحاجة الى وجوه الحيوانات ، وذلك له فلسلفة عنده ، اذ يقول انه بين الحيوانات والانسان علاقات غير منظورة تؤكدها درجات التشابه بينهم ، فمثلا هناك تشابه بين الاسد او الحمار او الذئب وبعض الاشخاص ..تشابها لايكمن فى الوجوه فقط بل يتغلغل داخل النفوس ليشمل التصرفات ايضا ..فكم من ضبع بيننا يعيش على الرمم وكم من حمارادمى يحمل الاثقال ، وينال من الاذى ماينال ، ورغم هذا يظل متماسكا ، باحثا عن الحكم والايات المنزلة التى تشيد بالصبر ومصير من يلوذ به ، وكم من اسد لايفعل شيئا سوى انتظار ان يأ تيه طعامه فاخرا فينظر فيه متأففا زاهدا ، طامحا الى غيره وهكذا ..لذا يسير وسط الطريق ناشرا ذراعيه على المارة والحوانيت ، راغبا عن الاعين المتابعة ، وان كان يرقب بجد ماحوله ، ولاتفوته نظرة او اشارة او حتى غمزة من احدهم تشير اليه ، فاذاكان الامر عاديا مر بسلام ، اما ان كان غير هذا فصوت الحمار يعلو ، والنهيق يملأ المدينةبكاملها ليصم الآذان ويوغر الصدور ، ويتقافز القرد من نافذة الى اخرى ، ومن شرفة الى التى تليها ، ثم يأتى دور الذئب الذى ينشب مخالبه فيمن حوله لايفرق بين جسد وآخر ، فالكل امامه صيد يستحق النهش ، فاذا رأى اقدام العسكر الغليظة ذات الاصابع العنكبوتية التى تتحسس الطرقات كل اصبع فى مكان ، او اجسادهم المدكوكة التى تعتبرمراكز متحركة تنطلق منها الاعين متغلغلة فى الوجوه المارة ، والآذان متسعة لتشمل البيوت والمقاهى والحوانيت والاوكار المختلفة ، و رأى وجوههم ذا ت الشوارب العنكبوتية التى يصطادون بها القتلة والمجرمين ، وايديهم المكتنزة التى تمتد عبر الطرقات باحثة عن فرائسها من الديدان والحشرات المتوارية هنا وهناك بعيدا عن الاعين ..اذا رأى ظل احدهم قادما على البعد تحول الى ارنب لطيف يرضيه بعض الخص او قطعة من جزر ويمضى فى سلام .
وزوجته رغم معرفتها بما لديه لاتفتخر مثله بتلك المزايا ، لسبب بسيط يعرفه من حولها وهو انها لاتمتلك لسانا ولاتعرف لغة الحروف ..يراها الجيرا ن وينظرون اليها فتتعثر فى خجلها ، وتبحث عن رأسها لتحنيه على صدرها ، هربا من لفح النظرات وصهد الكلمات المتقافزة على الشفاه..فاذا دخلت جحرهاو اطمأ نت انها وحدها زرعت نهرا من الدموع وغاصت فيه بكل جسدها ..حتى اذا ماشعرت بالاكتفاء قامت عنه الى شئونها ..هذا اذا لم تكن جذور ابنتها مزروعة معها بالبيت ..اما فى وجودها فالامر يختلف ..تتداخل الرأسان معا ..تتغلغل كل منهما فى الاخرى ..تختلط التلافيف ، وتتوزع الافكار ، وتدور الهمسات دوراتها عبر جدران الادمغة ، حتى اذا ماتعبت عادت الاوضاع الى ماقبل الاندماج ، وهبت كل منهما الى بئر خاص بها وهوت اليه .
وعادة ماتكون الابنة بالخارج لظروف عملها فى مغارة يملكها رجل يدعى على بابا ، له يد مطاطية الاصابع لايعرف احد لطولها حدودا ..يمدها كيف يشاء ووقتما يشاء ، والبنت التى ترضى فان اصابعه لاتنسى لها هذا ، اما التى ترى اصابعه وتنفر منها فانه يقصيها من مغارته ..فعل هذا كثيرا حتى جاء الى بنت هذا الرجل وتوقفت اصابعه عن الامتداد المطاطى ، وتوقف لسانه عن تجميع حروف طردها ..ليس بسبب ابيها وانما لأنه رأى فى الامر تحديا لايليق به ان ينسحب عنه ..قرر ان يواجه الا مر..استعان وهو الذئب ببعض الثعالب التى دلته على طريقة استطاع بها ان يمد اصابعه المطاطية ويلفها حول جسد البنت ..يلفها ويلفها الى ان غاب الجسد تماما ولم يعد احد فى المغارة يراه او يسمع صوتها التى طالما رفعته وواجته به متحدية ..بعدما اعتصرت الاصابع الجسد وتركته ممصوصا تماما وقد جفت فيه ينابيع ماء الحياة لفظته الى الطريق ، تتابعه صرخات مدوية فى جميع الارجاء :- هذه المغارة لايدخلها الا الشرفاء .
عاد الجسد بدون البنت الى جحر الام ..عرفت ماجرى ..كسرت الجحر ..وانطلقت ..اتت بزوجها من الطريق ..خلعت عنه جميع الوجوه بمخالب لبؤة يملؤها الغل ..وقف امامها بلا وجه يتساءل عن الامر ..حين عرف انطلق زئير الاسد يهز الارجاء ..انطلق الى المغارة .. واجهته حفنة من ذئاب جائعة ..دارت حوله ..نهشت لحمه ..عاد الى الطريق ارنبا ضعيفا خائر القوى ..ارتمى على الارض ورفع قدميه لأعلى صارخا :-
- هاتولى حقى
كانت الشمس بازغة من عمق النهر ، بينما العيون تتدحرج قادمة من الشرفات والنوافذ والابواب ..اندفعت انوف تتشمم الخبر ..مد احدهم عينيه الى بلعومه..دفعها محاولا اصياد الكلمات قبل غيره ..اطلق اخر اذنيه تتحسسان لسانه ..دون جدوى
- ما هو حقك ؟
كان شاربه يبدو كعلامتى صح على جانبى وجهه ، و تبدو عيناه كعينى قطار ليلى ، اما فمه فنفق مظلم تسيل منه حروف مفككة لارابط بينها ، بينما جلبابه مفتوح الطوق كحظيرة دجاج ، اسفلها سروال يصل الى عقبيه ، .اما وجوهه جميعا فقداجتمعت فى تلك اللحظة ، وصارت وجها واحدا مزروعا باشجار الحنظل والصبار ،تنطلق منه الكلمات متأججة الحروف :-
- هاتولى حقى
حكاية زوجية
قصة قصيرة
انتبهت
لأمر غاب عنى طويلا ، قدرة فائقة لزوجتى على قذف الكلمات من فمها بسرعة ، انجاز لم يسبقها اليه أحد فى العالمين ، سررت بهذا ، قدمت لها فى عيد ميلادها الأخير مسجل فائق الحساسية لملاحقة كلماتها من ناحية ، ولشغلها عنى من ناحية أخرى ، ثم وهذا الأهم تستهلك قدرتها على الكلام فى غيابى ، فتقول ماتشاء ، واثقة أن هناك من يتابعها ولو كان مسجل ، فاذا عدت لم أجد الا الصمت ..قدمته لها وطلبت منها ممارسة هوايتها براحة وبعمق ، غير أننى فوجئت بأمرلم يدر بخاطرى قط ، اذ قالت لى ببديهية تحسد عليها:-
-
أقبل هديتك بشرط
أسرعت برسم ابتسامة على شفتى و أعلنت راضيا قبولى لشرطها قبل ان تنطق به . قالت:-
-
حينما تعود الى المنزل تسمع كل ماسجلته
ارتميت على مقعدى هاويا الى لجة صمت هادرة ، ولم انطق بحرف . تساءلت بدلال :-
-
مفاجأة ؟؟
قلت :- رائعة
وأنا العن تلك الفكرة التى أوحت لى باحضار تلك الهدية . أخذت أبحث عن ريقى وانا أحاذر من عينيها . لاحت لى خاطرة فاسرعت بالقول :-
-
حينما أعود الى البيت أريد سماعك أنت لاالمسجل
اشرق وجهها بابتسامة . قالت :-
-
لم يغب هذا عنى .. طالما انا متيقظمة سأحادثك وحين أنام أو أخرج سأترك لك المسجل حتى لاتشعر بالوحدة
صمتت قليلا وهى تتفرس فى ملامحى ، تبحث عن ذرة تحمل شبهة اعتراض ، لم تجد . اكملت كلماتها :-
- طبعا حينما أعود أو أصحو سأناقشك فيما سمعته أغمضت عينّى حتى لاترى مابهما ، وهرولت من أمامها الى غرفة مكتبى عازما على كتابة استقالتى من وظيفة مستمع تلك ، المفروضة على فى البيت من زوجتى ، وفى العمل من رئيسى الذى كلما فتحت فمى أشار الى بالصمت وانطلق فى الكلام ، وان كان بسرعة أقل كثيرا عن زوجتى . تدبرت الأمر بين الفعل ورد الفعل ، وجدت أننى لن أتحمل ردها فى حالة اعلانى الاستقالة من تبعية الرضوخ لصوتها . مؤكد الأمر سيتطور ، وساعتها لن أجنى الا الندم وتأنيب نفسى لتهورها . راودتنى نفسى على السفر والبعد كلية عنها . هززت رأسى ساخرا من تلك الفكرة لأننى مهما غبت سأعود ، ولحظتها ستضع الشرائط أمامى حصاد الغياب ، وحينها لن أنبس بحرف ..جلست واضعا يدى على خدى وانا اسأل نفسى وما العمل ؟.. جاءتنى فكرة كالبرق ..اعتدلت لها ..قلبتها على وجوهها ..رائعة ..رجعت الى الردهة باسما ، بادرتنى زوجتى فورا :- هاك ماسجلته فى لحظات غيابك
اتسعت ابتسامتى وانا احمل الجهاز منها
..ملأ وجهها العجب سألتنى فى ريبة :-
- مابك ؟
قلت :- فكرة أريد عرضها عليك
ازدادت مساحة الدهشة على أطراف وجهها سألتنى :- ماهى ؟
- أطلب المساواة معك
- نعم ؟
قلت :- أريد حقى
تغيرّ وجهها فورا بفعل الغضب ..بدأ صوتها يتخذ شكلا جديدا وهى تسأل متوجسة :-
- كيف ؟
قلت وأنا أعطيها المسجل :- نطبق المساواة على الكلام
ازداد صوتها غلظة وهى تقرب وجهها من وجهى متحفزة :-
- مازلت لاأفهم
قلت بسرعة :- نتكلم بقدر متساوى
علت شفتيها نظرة سخرية وهى تنظر الّى من أعلى
-
لن تلحقنى
قلت :- انت التى ستساوينى
برقت عيناها :- كيف؟
جلست أشرح لها .
التعويض
قصة قصيرة
طوفان البشر يملأ الطرقات ،
هكذا قالت له زوجه ، لم يهتم ، أمسك السلسلة الحديدية ، يمم وجهه ناحية ركن الحجرة الشمالى ، واتجه بقدمه الى الباب مغادراً الى الطريق .. له حانوته الذى يجلس فيه ، وبعد هذا يصبح الأمر سواء . قبضت يده اليمنى على السلسلة الحديدية المشدودة أمامه فى رقة على رقبة الصافى ، حيث يحث خطاه فى تؤدة مخترقا ً الدرب الضيق الى الشارع الكبيروهو خلفه ، يأخذ جانب الطريق بجوار الحوانيت المغلقة فى ذلك الوقت من كل صباح ، مشرعاً أذنيه أثناء سيره ، منصتاً الى ذات الأصوات التى اعتاد سماعها يومياً فهنا على الناصية ربيع صاحب عربة الفول الخشبية الصغيرة ، صوته الجهورى وعراكه المستمر مع زبائنه ، هذا العراك الذى وصل الى مرحلة الإدمان من الطرفين ، لدرجة أنه اذا لم يسمعه صباحا أيقن فوراً أنه غائب لمرض أو عذر قاهر ، وهناك درويش بائع الجرائد وقهقهاته التى ترج قلب الأرض ، فاذا نفذ الصافى الى الميدان ساد هدوء مغسول بماء الندى الرقيق الذى ينعش وجهه ، ويملأ صدره بانشراح يومى يواجه به محمود حينما يصل اليه على بعد خطوات من الميدان ، ويجده وصل متأخراً ومازال يعالج باب الحانوت ، وبدلاً من أن ينهره على إستمرار تأخره اليومى يشرق وجهه بضحكة ساخرة وهو يهتف به :-
- هى عادتك .. لن تشتريها
يتلعثم محمود وهو يبحث عن سبب لتأخره ، يومياً منذ عمل معه يحدث هذا ثم يبدأ العمل ، يجلس هو خلف مكتبه فى الناحية اليمنى من الحانوت، والصافى مقعى على الأرض بجواره ، وأمامه طعام إفطاره ، بينما محمود يقوم بترتيب المكان لإستقبال الزبائن ، أما هو فيقوم باستلام ثمن البضائع منهم ..يمد يده فيأخذ النقود ، يتحسسها ، يمد يده الى الدرج ، يخرج الباقى بهدوء ويمد يده الى الزبون الذى يأخذه ويمضى ، وقد يختلف أحدهم معه فى العد محاولاً إستغلال كف بصره ، فيحتد عليه فوراً مصراً إنه لايخطىء خاصة فى مسألة النقود ، ويتضح بعدها أنه كان محقا ً .
يومياً يحدث هذا فما الذى سيتغير اليوم ..أخذ طريقه المعتاد وراء الصافى قاطعا ً الدرب كعادته قاصداً الشارع الكبير ، غير أنه شعر لتوه برهبة جارفة ولدّها غوصه فى لجة متلاطمة الموج ، ابتلعته فوراً صانعة ضجيجاً رهيباً هز جوفه ، وتزاحم أجساد رهيب أعاق حركته ، لدرجة أنه أمسك السلسلة بكل مالديه من قوة حتى لايفلت الصافى منه . حاول التراجع عائداً الى الدرب من جديد ، لم يستطع ، سار مع قوة الدفع الجماعية الى الأمام ناحية الميدان والهتافات المدوية تخترق رأسه نافذة الى تلافيف جمجمته (الشعب يريد ..! ) ، شعر بضربات قلبه تعلو متصاعدة الى درجة الصراخ فى جوفه هاتفة بقوة مع الشباب السائر( الشعب يريد ..! ) ، وزلزال يهز جسده انفعالا مع تلك اللجة العاتية التى جرفت معها كل أحاسيسه وتفكيره وأحس بشعر رأسه يشب لأعلى والأصوات حوله تتحول الى هدير يهز اللحظات والأرض والسماء صارخة ( الشعب يريد ..! )، مضى معهم غافلاً عن الحانوت والولد اللاهى محمود ، ثم تذكرهما فجأة ، حاول تحديد اتجاهه ناحية حانوته ، لم يستطع ،علا صوته طالباً المساعدة ، لم يسمع نفسه ولم يسمعه أحد ، أصبح جسده قشة فوق لجة ماء تتقاذفها كيف تشاء ، لايملك من أمره ولا أمر الصافى والسلسلة الحديدية التى تربطه به شيئاً ، وأصبح كل همه الآن أن يحفظ توازنه حتى لايقع أرضا وهو يمضى لايدرى الى أين ، ماداً يديه أمامه سائراً بالكاد على قدميه ، وبعد فترة لايدرى طولها وجد الزحام يقل والأصوات تتباعد واستطاع أن يحرك يديه كيف يشاء .. مد يده اليمنى ساحباً طرف السلسلة نحوة، وجد فراغاً ، اختفت السلسلة ومعها الصافى ، اجتاحته ثورة عاتية وهو يشعر أنه صار بلا عينين ، لن يستطيع الذهاب الى مكان بدون الصافى ،كلبه ، صديقه، قائده .. اندفع لايدرى الى أين ، ماداً يديه أمامه :- الكلب ، أين الكلب ؟
وضع أحدهم يده على ياقة قميصة من الخلف بعنف :- تعالى معنا
شكر له شهامته غير أنه سأل نفسه لماذا يعامله هكذا .
..............
القوه أرضا ومضوا عنه ..كان مرهقا لايملك الحروف فظل راقداً بلا حول ، سمع صرير باب يغلق ، بعده امتد السكون بلا انتهاء ..بدت له اللحظات صحراء شمسها حارقة تكوى قلبه، وهو لايدرى ماالأمر ، دنياه بحر من ظلمة وحيرة عميقة الغور، الجدران رطبة عطنة الرائحة، والهواء مشبع بالخوف ، يرتد فكره الى الحانوت الذى لم يذهب اليه، مؤكد محمود فتحه ويعمل فيه بجد ، الولد نشيط ، سيقوم بعمله خير قيام ، ويذهب الى البيت يعطى إمرأته النقود ..انتفض جسده مرتعداً حينما مرت به هذه الخاطرة ..شعر بقلبه يهوى تاركاً مكانه فضاءاً تعصف ريح السموم بأركانه ..محمود يجلس الى زوجته وهو غائب.. يحادثها ويضاحكها !! .. الولد مرح.. صوته جذاب ..لو ..!
رفع رأسه عالياً هرباً من انقباضات تعتصر روحه ..تساقطت قطرات بللورية مالحة على يديه، لم يبال بها ..أخذ يستعيذ الله من وساوس الشيطان ..لوى عنق أفكاره الى الكلب الذى اختفى ..مؤكد انطلق الى أرجاء المدينة ينعم بفراغه .انتبه لهدير الباب يشق دياجير الظلمة وأركان الصمت حوله ، تتبعه صوت أقدام تقترب وفحيح صوت بشرى يأمره بالوقوف ..تساند على الجدران وترك نفسه ليد حديدية سحبته الى الأمام .
أثناء التحقيق سألوه :- لماذا تغمض عينيك ،هل ترفض رؤيتنا ؟
أدار وجهه ناحية مصدر الصوت مجيباً :- انا لا أرى
قال المحقق بخبث :- لاترانا ؟
أجاب بهدوء :- نعم
تم كتابة تقرير جاء فيه أن المتهم يتعمد إزدراء السلطات
...........................
أعيد الى محبسه.. الصمت حوله ليل لاينفذ والسكون طوق يقيد عنقه ويخنقه .. ينكمش فى نفسه وهو يصيغ السمع محاولا إقتناص صوت ..ينهشه الجوع بمخالب قسوته.. ينتظر أن يفتح الباب عازما السؤال عن شىء ولو كسرة خبز.. يصرخ فيه الحارس :- الطعام أمامك..
ينفجر:-
- لايوجد شىء
يعاقبه بتهمة الشغب ..تلقى اليه قطعة صماء كانت فى الأصل جبناً وكسرة خبز قديمة العهد، يصرخ ضارباً الجدران والهواء والصمت المطبق حوله متسائلا عما جناه ..يحتضن الأرض محاولا الإختباء بين طياتها ، كاتما ً أنفاس يأسه ، راغباً عن الإحساس بالألم الذى يجتاح كل ذرة من جسده ، وعن براكين الفكر التى تجتاحه ، باحثاً عن لحظات غياب عن نفسه لعلها تخفف عنه بعضا مما يلم به ، لكنه ينتبه بعد وقت الى أصوات عالية حوله ، أصوات صارت بالنسبة له ماضياً لايظنه يعود ، تقترب بقوة نحوه ، لم يسمع لمثلها منذ جىء به الى هنا ، وفتح الباب من جديد ، يفتح هذه المرة بصوت مغاير لما قبل ، ويدخل هواء جديد محملاً برائحة عذبة منعشة تشده من متاهة المه الى مدار انتباه لما حوله، اذ غاب الصوت الأجش ذو الفحيح المخيف وحل محله صوت مرح يدعوه للقيام ، يقترب منه يأخذ بيده يرفعه عن الأرض يكاد يحمله خارجا ، وهتاف يعلو:-
- الله اكبر
يدير رأسه حوله متسائلا عما يجرى وهم يقودونه الى الخارج ، يحتفون به ، يرفعوه على الأعناق ويطوفون به فى أرجاء المكان ..بعدها تسأله إحدى المذيعات :- ماشعورك الآن وانت حر ؟
يقول صادقاً:- أريد الكلب
تصفق الجماهير ، أما هو فيصيغ السمع عله يلتقط مايشير الى وجود كلبه قريباً منه .
بلا وجه
قصة قصيرة
يمتلك عبد العاطى وجهين لاغير ،أحدهما قاتم شديد السواد يحتفظ به فى حجرة مكتبه ، فى خزينة حديدية لايملك شفرة مفتاحها الا هو ، يضعه هناك بجوار أغلى مقتنياته التى لايطلّع عليها أحدٌ مهما كان خاصة زوجته .
أما الوجه الآخر الرائق البياض فهو الذى اعتاد إستعماله ، يحتفظ به فى حجرة نومه بجوار سريره ، ليكون تحت يده أنّى شاء ، يقابل به الوجوه الأخرى على اختلاف الوانها .. وقد أعجبت زوجته بهذا الوجه أيما إعجاب ، وتزوجته على حب ٍ جارف ٍ من ناحيتها ، ضحت من أجله بكل من اعترض طريقها ، أو شكك فى مصداقية وجهه ، أو ردد عليها مايقال من أن وجهه هذا وجه زائف يستخدمه وقت الحاجة فقط ، أما الوجه الأصلى فيخفيه عن الأنظار حتى لاتنفر منه ..ونظراً لأنه أقسم لها أنه لايمتلك الا هذا الوجه فقد صدقته ، لأنها على يقين أنه لايكذب خاصة معها ، فهو الرجل الذى اختارته وتفخر بوجهه أمام أقاربها وصديقاتها ، وتحدثهم عن ذلك الوجه بفخر مبعثه ما يمتلكه من مواهب يعجز عن إتيانها الآخرون ، فهو يستطيع التحدث وبطريقة بليغة جداً بحدقتى عينيه ، وايضا يمتلك القدرة على الحوار بملامح وجهه الأبيض الوسيم المشرب بالحمرة ،ثم هو لديه ذلك اللسان الزلق الذى يتفجر إحساساً ورصانة وهويتحدث ، ممتلكاً ناصية الحروف ، ويعرف كيف يسوسها ويوجهها كيف شاء ، وقد ظلت زوجته تلوك هذه الحروف والكلمات عن زوجها الى أن صبت إحداهن فى أذنيها مصهوراً من الحروف أجج النيران فى أذنيها ، اذ حدثتها حديث العارف عن ذلك الوجه المجهول ومايطويه تحت سماته من صفات ، وما تحمله عيناه من شرور ، ومايسيل من فرجة فمه من أدران ، وكيف استطاع أن يخفى هذا الوجه فى مخبأ سرى لايعرف طريقه الا هو ، لحظتها بدأت الزوجة تستعيد أحداثاً جرت لم تنتبه لمدلولها من قبل ، فهناك الباب المغلق لحجرة مكتبه على الدوام ، والجلسات الطويلة التى يقضيها داخل هذه الحجرة ، وكيف يعود اليها مجهداً زائغ العينين متعللا ً بارهاق العمل ، تتضخ الصورة فى رأسها الآن وتتطابق الحكاية مع الواقع الذى عاشته ، فهو يدخل ذلك الوكر - حجرة مكتبه - ليعود الى وجهه الحقيقى يرى به الكون والحياة والأحياء ، يخطط ويدبر، وحين يجهده الأمر يحاول العودة الى وجهه المستعار ويبذل الجهد ليتكيف معه ، وهذا ما يجعله يبدو مجهداً .
..قالت المرأة فى إصرار :- سأجده
قاصدة ذلك الوجه ، ولم تنبس بعدها بحرف .
................
سارت والليل قاصدة تلك المغارة المغلقة على أسرارها (حجرة المكتب) ، مصباح صغير فى يدها ، والمفاتيح فى يدها الآخرى ، وعبد العاطى هناك فى تيه دنياه نائماً ، على محياه بسمة تشى بمقدار مالديه من أحلام يعيش بعضها الآن فى منامه ، والبعض الآخر يدخره ليقظته ..فتحت الباب فى رفق ،أدارت ضوء المصباح هنا وهناك فى حذر، وجهته ناحية المكتب فى المواجهة ، رأت المقعد خلفة ، خزينة الكتب ، الصور على الجدران ، لم تصل الى شىء ..بهدوء رفعت الصور ، خلف صورة بستان يشقه نهر عذب ماؤه صافى الإزرقاق ، وتملأه الزهور البيضاء والحمراء ، وتعلوه طيور محلقة فى سلام فى فضاء رائق البياض وجدت الخزينة المطلوبة ، فتحتها برفق ،صدر أزيز حاد هز ركود الصمت ، مدت يدها وهى توجه ضوء المصباح الى الداخل ، لسع أصابعها ملمس وجه خشن الملامح ، صرخت وهى تحاول انتزاع اصابعها منه،صرخ الوجه وهو يتشبث باصابعها، مزقته وهى ترتعد رعباً واستدارت تريد الفرار ، صدمها قدوم عبد العاطى ، وقفت مكانها وقد ازدادجسدها ارتجافاً ،اما هو فقد سقط الوجه الاحتياطى عنه محدثاً دوياً نتيجه ارتطامه بالبلاط وتفتته ، نظرت اليه فى تيه رعبها وهى لاتكاد تعى الأمر ، رجلها بلا وجه بعد أن تمزق واحد وتفتت الآخر ، أرادت ان تتكلم ،تصرخ ،تطلب منه إيضاح الأمر ، لم يكن لديه وجه ليقول شيئاً ، مضت عنه !!
الْمَلِكَة
قُصَّة قَصِيْرَة
هَبَطَت الْسَّلَم مُتَمَهِّلا ..حَامِلا هُم هَذَا الْعَنَاء الَّذِى لَابُد مِنْه ..ابْنَتِهَا كَانَت تَبْكِى ..عَيْنَاهَا الصَغِيرَّتَان كَان فِيْهِمَا ذُعْر .
- عَم عَاشُوْر عَاوِز يَأْخُذ مَامَا
الْسَّلَم عَال ..انْحِنَاءَاتِه مُتْعَبَة ..اسْتَنَدْت عَلَى الْدَّرَابِزِيَن الْخَشَبِى ..عَلَا أَنِيْنَه تَحْت ثِقَل جَسَدِى .
- يَأْخُذ أُمِّهَا الَى أَيْن ؟
حَاذَرْت وَأَنَا انْقَل قَدَمَى وَسَط الْضَّوْء الْأَصْفَر الْشَّحِيْح الَى أَسْفَل ..الْحَاجَة كَرِيْمَة زَوْجَتِى قَالَت :- الْمُعَلِّم عَاشُوْر صَاحِب مَحَل الجُزَارَة الْمُجَاوِر لِلْبَيْت ..رَغِم أَنَّه جَارَنَا لَا أَشْتَرِى مِنْه ..طَرِيّقْتَه لاتعْجِبَنّى.. ارْتَفَع مُوَاء قِطَّة تَحْت قَدَمَى ..حَاذَرْت حَتَّى لَا أَتَعَثَّر فِيْهَا وتَوْقَعْنّى ..أَخَذْت نَفْسا عَمِيْقَا بَعْد هُبُوْط الْدَّرَجَة الْأَخِيرَة ، وَرُؤْيَة الْأَرْض تَنْبَسِط تَحْت قَدَمَى ..وَقَفْت أُدِيْر وَجْهِى فِى الْمَكَان حَوْلِى ..الْفَنَاء الْوَاسِع الَّذِى لَايَهْدَأ فِيْه وِشْيِش بَوَّابِيْر الِجَاز ..الْلَّمْبَة الْصَّغِيْرَة الَّتِى تَعْلُو الْحُجْرَة الْوَحِيدَة فِى الْفِنَاء بِلَوْنِهَا الْأَصْفَر الْمُغَطَّى بِالْأَتْرِبَة وَالْغُبَار ، وَالَّتِى تُبَدِّد وَحْشَة الْمَكَان ، وَأَخِيْرا وَالَى الْيَمِيْن الْعَرَبَة الْخَشَبِيَّة الْصَّغِيْرَة الَّتِى تُحَمِّل قُدْرَة الْفُول كُل صَبَاح ..مَضَيْت مُتَمَهِّلا نَحْو الْحُجْرَة .
- مَّاالَّذِى يُرِيْدُه عَاشُوْر مِنْهَا ؟
دَقَقْت الْبَاب ..فُتِحَت ابْنَتِهَا ..الْمَكَان عِبَارَة عَن حُجْرَة صَغِيْرَة لِلْمَعِيشَة ، تُفْضِى الَى حُجْرَة أُخْرَى عَلَى الْيَسَار ، هِى بِالتَّأْكِيْد لِلْنَّوْم ، بَيْنَمَا الَى الْيَمِيْن الْمَطْبَخ وَالْحَمَّام ..هَبَّت فَاطِمَة مِن جَلْسَتِهَا عَلَى الْأَرِيكَة الْمُوَاجَهَة لِلْبَاب مُرَحِبَة ،وَقَام عَاشُوْر الَّذِى كَان يَجْلِس عَلَى مَقْعَد بِجِوَار الْمَائِدَة الْصَّغِيْرَة الَى يَسَار الْبَاب مُسْلِما :-
- اهْلِا يَاحاج ..عَاوْزيّنّك تَحْضُرْنَا فِى مَوْضُوْع .
نُقِلَت نَظَرَاتِى بَيْنَهُمَا ..فَاطِمَة عَادَت الَى جَلْسَتِهَا عَلَى الْأَرِيكَة ، وَقَد أَحَاطَت أَوْلَادِهَا بِيَدَيْهَا ، بَيْنَمَا عَاد هُو الَى مَقْعَدَه .جَلَسْت الَى يَمِيْنِه وَأَنَا أَهْمِس :- خَيْرا أَن شَاء الْلَّه
قَالَت مُحْتَجَّة :- تَعَال شِوَف يَاحاج
وَهِى تُشِيْر بِعُجْب الَيْه..دَافِع قَائِلا :-
- عَاوُزك فِى الْحَلَال يَابِنْت الْنَّاس
بَاغْتَنّى الْأَمْر ..كَان الْمَقْعَد مُتَهَالِكا ..بُذِلَت مَجْهُوْدَا لْأُوَازِن جَسَدِى عَلَيْه ..اتَّجَهَت الَى الْوَجْه الْمُكْتَنِز بِعَيْنَيْه الْصَّغِيْرَتَيْن ..تَرَكْتُه الَى يَدَه الْبَضَّة الْمُتْخَمَة بِالْلَّحْم ، الْمُزَيَّنَة بِالْخَاتَم الْذَّهَبِى الْمَحَشُور فِى أَحَد أَصَابِعَهَا الْجَاثِم عَلَى الْمَائِدَة ، مِمَّا يَجْعَلُهَا كُلَّمَا هَزَّهَا تُصَدِّر أَنِيْنَا خَافَتَا ..ارْتَدَّت نَظَرَاتِى عَنْه الَى فَاطِمَة..أَخَذَت احَدِّق فِى الْوَجْه وَأَعْجَب ..كَيْف هَذَا ؟..صُوْرَتِهَا فِى خَاطِرِى وَهِى تَقُف أَمَام عَرَبَتِهَا الْخَشَبِيَّة الْصَّغِيْرَة ، الْمِغْرَفَة فِى يَدِهَا ، وَالْقَدَر فُوَّهَتِه أَمَامَهَا ، وَالْفُوُل حَبَّات نَاضِجَة رَائِقَة الْلَّوْن ، تُشِع مِنْهَا الْبَهْجَة ، تَدْعُو الْمَارَّة بِشَكْلِهَا وَمَذَاقُهَا الَى الاحَاطَة بِالْعَرَبِّة ، وَالَى جِوَار هَؤُلَاء ابْتِسَامَة وَاثِقَة ، كِبْرِيَاء فَطْرَى، و لُمْعَة عَيْنَيْن بَلُونْهُما الْعَسَلَى الْرَّائِق وَهِى تَنْظُر الَيْك فَتَزِيْد الْجَمَال بَهَاءَا وَحُسْنَا .. الْآَن أَبْحَث عَن هَؤُلَاء ..لَا أَجِد شَيْئا..لَا أَجِد حَتَّى فَاطِمَة نَفْسَهَا .. الَّتِى أَمَامِى صُوْرَة جَدِيْدَة لَأَمْرَأَة أَعْرِفُهَا ..صُوْرَة لِأَوَّل مَرَّة أُعَايِنُهَا ..وَجْه مُرْهَق السِّمَات ..حَتَّى كَلِمَاتِهَا فَقَدْت مَّرَحُهَا ..فَقَدْت انّطِلَاقَتِهَا ..لَم تَعُد تُزَغْرِد فِى الْهَوَاء وَهِى تَنْطَلِق مِن فَمِهَا وَسَط الْحَارَّة . قَال الْرَّجُل الْغَلِيظ الْوَجْه بِصَبْر نَافِذ :-
- قُل شَيْئا يَاحاج
هَزَزْت رَأْسِى بِتُؤَدَة وَأَنَا انْتَبِه رُبَّمَا لِلْمَرَّة الْأُولَى الَى صَدْرَه الْمُرْتَفِع تَحْت الْجِلْبَاب الْأَزْرَق ، بِفَتَحْتِه الَّتِى يَبْدُو مِنْهَا صُدَيُرِيْه الْأَبْيَض الْمُنْتَفِخ الْجَانِبَيْن ..عُدْت الَيْهَا ..جَسَدِهَا بِالْنِّسْبَة لَه صَغِيْر ..كَيْف
يَتَزَوَّجُهَا؟ .. مُر بِخَاطِرِى مَاقَالَه الْبَعْض عَنْهَا مِمَّن يُحِيْطُوْن بِهَا فِى الْحَارَّة ، أَو يَجْلِسُوْن الَيْهَا وَالَى زَوْجِهَا فِى الْمَسَاء ، أَن لَهْوُهَا كَان بَرِيْئا ، لَيْس وَرَاءَه الَا رُوْح مَرِحَة لَأَمْرَأَة هَدَّهَا مَرَض زَوْجَهَا ، فَقَامَت تُحَمِّل عَنْه حَمَلَه بِبَسْمَة تَخْفَى وَرَاءَهَا الْكَثِيْر ، تَضْحَك أَمَام عَرَبَتِهَا تُعَابِث هَذَا وَتَضْحَك مَع تِلْك لِتُرْوَج بِضَاعَتِهَا .
- الْحِقْنِى يَاحاج
مِن مَتَاهَة الْشَّرُوْد انْتَبَهْت عَلَى صُوْتْهَا، و عَاد وَجْهِهَا يَلُوْح لَى ..عَيْنَاهَا مُشْرْقَتَان بِالْدُّمُوْع.. لَا أَعْرِف لِمَاذَا لَم أَتَخَيَّل هَذِه الْعُيُوْن تَبْكِى مِن قَبْل ، صِغَارُهَا حَوْلَهَا – مَازَالُوا - تَضُمُّهُم تَحْت جَنَاحَيْهَا ، وَالْرَّجُل يَجْلِس أَمَامَهَا ، عَيْنَاه الصَغِيرَّتَان تَتَّجْهَان الّى ..يُعَاوِد الالْحَاح :- احَضُرْنا يَاحاج ..حَاوَل تُقْنِعُهُا ..أَنَا عَاوِز أُرِيحَهَا ..أَسْنَدَهَا وَأَرْعَى أَوْلَادِهَا
قُلْت بُحَيْرَة وَأَنَا أَنْقُل نَظَرَاتِى بَيْنَهُمَا :- أَعْرِف الْمَوْضُوْع أَوَّلَا
قَالَت ابْنَتِهَا بِحِدَّة :- يُرِيْد الْزَّوَاج بمَامّا
اتَّجَهَت الَيْهَا ..نَكَّسَت رَأْسَهَا وَشَدَت الْصِّغَار الَيْهَا أَكْثَر ..وَجْهِهَا الْمَغْسُول بِالْدُّمُوْع جَفَّت نَضَارَتُه وَشَحَب لَوْنُه ، وَأَن كَانَت تَبْدُو فِى جِلْبَابِهَا الْأَسْوَد هَذَا فَاتِنَة المَلَامِح رَقِيْقَة الْتَّعْبِيْر ..يُحِق لَهَا أَن تَتَزَوَّج ..لَكِن أَوْلَادِهَا !!
عُدْت لِلْمُعَلِّم الَّذِى كَان يُحَدِّق فِى وَجْهِى مُتَفَرِّسا بِعَيْنَيْه الْصَّغِيْرَتَيْن ..وَجْهَه الْمُكْتَنِز يَكَاد الْدَّم يَثِب مِنْه ..فَمِه الْوَاسِع بِشَفَتَيْه الغَلِيظَتَين يَدُل عَلَى نَهَم ..أَخَذ يَهُز رَأْسَه الْحَلِيْق لَيُؤَكِّد مَاقَالِتِه ابْنَتِهَا ..لَاحَظ صَمْتِى ..عَاد يُلِح :-
- مَاذَا قُلْت يَاحاج. ؟
قُلْت وَأَنَا أَتَوَجَّه الَيْهَا :- الْقَوْل لِفَاطِمَة .
رَأَيْت عَيْنَيْهَا تَلْتَمِع حَدُقَاتِهُما بِدَمْع حَار وَهِى تَقُوْل مُحْتَجَّة :-
- لايَاحاج ..الْرَّجُل لَم يَمُر عَلَيْه عَام وَأُفَكِّر فِى غَيْرِه؟!
شَعَرْت بِارْتِيَاح لِقَوْلِهَا ..لَا أَعْرِف لِم ..رَأَيْتَنِى أَمْيَل لِرَأْيِهَا ..أَنْظُر الَى عَاشُوْر هَذَا ..لَو كُنْت امْرَأَة لَخَشِيْت مِنْه ..غَيْر أَنَّه لَم يَسْتَسْلِم
..ضَرَبَت يَدَه الْبَضَّة الْلَّحْم بِالْخَاتَم الْذَّهَبِى الْمَحَشُور بِاصْبِع مِنْهَا الْمَائِدَة بِضِيْق ، وَهُو يُرَدِّد مُحَدِّقَا فِى وَجْهِى بِلَهْجَة لَوْم حَادَّة :- - وَّبَعْدِيْن يَاحاج ؟
كَان وِشْيِش الْوَابُوُر يَخْبُو صَوْتَه كُلَّمَا عَلَا صَوْت عَاشُوْر ..اسْتَدَرْت لِفَاطِمَة الَّتِى الْتَحَمَت بِأَوْلادِهَا ..تَذَكَّرْت قَوْل زَوْجَتِى يَوْمَا وَهِى تَرَاهَا أَمَام عَرَبَتِهَا ، جَسَدِهَا الْمُمْتَلِىء يُعَبِّر عَن نَفْسِه بِعَظَمَة ، وَثَدْيَاهَا يَرْتَفِعَان فِى شُمُوْخ ، وَوَجْهُهَا بِجَبْهَتِهَا الْعَالِيَة ، وَاسْتِدَارَة ابْعَادَه بِالْفَم الْبَاسِم فِى تَحْفَظ ، بِالْعَيْنَيْن ذَوَاتَى الْبَرِيْق الْحَاد وَالْمُّقْتَحَم
:- تَصْلُح مَلَكَة
اتَّجَهَت بِعَيْنّى يَوْمَهَا الَى زَوْجَهَا الْجَالِس هُنَاك بِجِوَار بَاب الْبَيْت لَاعَمَل لَه الَا رَد سَلَام الْمَارَّة ..قُلْت :-
- هِى فِعْلَا مَلَكَة ..لَهَا رَعِيَّتِهَا ..لَكِن !!
وَصُمْت ..أَرَدْت أَن أُكْمِل أَن هُنَاك مَن يَقُوْل أَنْهَا عَاشِقَة لَعَاشُّوّر الْجَزَّار . . تَأْخُذ مَاتُرِيَدِه مِنْه ..عِوَضَا عَن زَوْجِهَا الْعَاجِز نَحْوَهَا ..غَيْر أَنَّى آَثَرْت الْصَّمْت .
هَب عَاشُوْر رَافِعَا يَدَه الْغَلِيْظَة فِى وَجْهِهَا :-
- يَابِنْت الْحَلَال اوْلَادِك مُحْتَاجُوْن الَي رِعَايَة وَأَنْت مُحْتَاجَة الَى سَنَد ..وَأَنَا أُرِيْدُك بِشَرْع الْلَّه .
ازْدَاد وَجْهِهَا انْفِعَالا ..اكْتَسَى الْشُّحُوْب بِحُمْرَة طَارِئَة بَيْنَمَا بَدَا عَسَل الْعَيْنَيْن بَاهِتا لَالُّمُعَة لَه ..صَدَقْت زَوْجَتِى تُصْلِحِين مَلَكَة ..لَكِن حَزِيْنَة ..أَشَاحَت بِيَدِهَا :-
- حِيْنَمَا أَحْتَاج سَأَلْجَأ الَيْك .
اسْتَدَار حَانِقَا الَى :- مَاتَتَكَلَم يَاحاج ..حَاوَل مَعَهَا ..أَرَاك سَاكِتَا
مُحْتَارَا عُدْت الَيْهَا ..شَد انْتَبَاهَى عَلَى الْجِدَار فَوْق رَأْسِهَا وَجْه زَوْجِهَا الْبَاسِم ..كَانَت ابْتِسَامَتِه مُؤَطَّرة بِشَرِيْط أَسْوَد ..بَيْنَمَا نَظَرَاتِه تُحِيْط الْغُرْفَة وَمَن فِيْهَا.. تَذَكَّرْت مَاحَدَّث مُنْذ شُهُور عِدَّة ،حِيْنَمَا صِحْت الْحَارَّة عَلَى صُرَاخ فَاطِمَة وَعَوِيْلَهَا :-
- الْرَّجُل مَضَى وَتْرِكْنّى ..تَرَك لِى الْهَم ..تَرْكُه لِى وَحْدِى ..هَمَسَت احْدَى الْجَارَات ارْتَاحَت مِنْه ..اعْتَرَضَت اخْرَى ..يَاأُخْتَّى ظَل رَجُل ...1
بَعْدَهَا احْتَجَبْت فَاطِمَة لَاتَخْرُج بِالْعَرَبِّة أَيَّاما، ثُم خَرَجْت امْرَأَة أُخْرَى ، تَقُف أَمَام عَرَبَتِهَا صَامِتَة ، حَتَّى نِدَاؤُهَا الْمُعْتَاد الَّذِى وَرَثَتِه مِن أَيَّام زَوْجَهَا:-
- احْلَى مِن الْلَّوْز يَافُوّل
نَسِيْتُه ، فَاذَا اضْطُرَّت لِلْابْتِسَام ابْتَسَمَت ، الَا أَن ابْتِسَامَتِهَا لَم تَعُد كَمَا كَانَت مِن قَبْل .
-يَابِنْت الْنَّاس ..لَأَخِر مَرَّة ..أَنَا شَارِى وَأُرِيْد صَالِحِك . أَنْت صَغِيْرَة ..كَفَاك شَقَاء ..دَعِيْنِى أَتَحَمَّل عَنْك .. أَنْت لَم تَخَلْقّى لِلبَهْدْلّة .
قُلْت مُعْتَرِضَا اسْتِرْسَالِه :- انْتَظَر يَامُعَلِّم
وَأَنَا أُحَدِّق فِى عَيْنَيْه الْصَّغِيْرَتَيْن عَلَى ضَوْء الْلَّمْبَة الْصَفْرَاء ، الَّذِى يُحَيِطَنَا بِخُيُوْطِه الَّتِى لَاتَبِيْن ، ثُم اتَّجَهَت الَى فَاطِمَة مِنْهَيَّا الْحِوَار :- - فَاطِمَه ..مَالِه الْمُعَلِّم عَاشُوْر ؟
نَظَرَت الّى فِى لَوْم وَقَالَت عَاتِبَة :- لِأَجْل خَاطِرِى ..لِاتَحَادَّثْنّى فِى هَذَا الْمَوْضُوْع
عُدْت أَسْأَلُهَا :- هَل نُعْطِيَك وَقْتَا لِلْتَّفْكِيْر ؟
هَزَّت رَأْسَهَا نَفْيا وَهِى تُؤَكِّد :- لَا ..لَقَد اقْتَرَنْت بِأَوْلادى وَانْتَهَى الْأَمْر
أَدَرْت وَجْهِى الَيْه ..وَجْهَه الْمُكْتَنِز رَأَيْتُه مُحْمَرا ، بَيْنَمَا ضَاقَت عَيْنَاه وَقُطْب جَبِيْنُه وَهُو يَقُوْل بِحِدَّة :- أَنْت الْخَاسِرَة
وَأَحْنَى رَّأْسِه عَلَى صَدْرِه وَدَفْع الْبَاب وَمَضَى ..عَلَا فَجْأَة وِشْيِش الْوَابُوُر ..قُمْت مُسْتَأْذِنَا ..مِن بَيْن دُمُوْعِهَا الْمُتَحَجِّرَة فِى الْمَآَقّى نَظَرَت الَى مُمْتَنَّة وَقَد عَادَت ابْتِسَامَة تُزَيِّن شَفَتَيْهَا ..ابْتِسَامَة رَغْم شُحُوْبَهَا الَا أَنَّهَا كَانَت بَازِغَة مَن عَسَل الْعَيْنَيْن كُلَّهَا بَهَاء ..وَان كَانَت أَكْثَر وَقَارا عَن ذِى قَبْل ِ
الوصية
قصة قصيرة
تقدمت الأحذية بقوة ، دفعت الباب بعنف، إرتطم بالحائط،إهتز بقوة قبل أن ينهار فى مكانه ، تدفقوا الى الداخل ، تكاثروا وأحاطوا بالجالسين .
.............
كان أبى يمد يداً حذرة الى كسرة الخبز أمامه ، يقطع منها لقمة صغيرة يغمسها فى طبق العسل الأسود ، وباليد الأخرى يتحسس طريقه أسفل اللقمة خشية أن تقع منها نقاط على الحصيرة ، بينما أمى فى الناحية المقابلة من الطبلية تعجن الجبن القديم بلقمتها ، تفرده فى قاع الطبق ، تزيد من مساحتة ليكفى عشاءنا ، وتمسح اللقمة فى الحافة قبل أن تلقى بها الى بلعومها ، وانا فى الوسط بينهما أقضم لقيمات عجلى من الجبن استعداداً لكى أستدير الى العسل ، ووجدتهم فوق رؤسنا ، الوجوه الغليظة بعيونها النارية تحيط بنا ..مد أبى يديه حوله ،مط وجهه الى الأمام صارخا :- إيه ياولاد ؟ القت أمى باللقمة التى كادت تغوص فى بلعومها الى الطبق ورفعت يدها كمن ضبط متلبسا ً بالسرقة :-
- الحقنا ياأبو حسين
سألنى أحدهم بعد أن قيدنى رجاله وشلّوا حركتى :- أنت حسين ؟
صرخ أبى وهو يتحسس المكان حوله قائما من الطبلية ، ماداً يديه أمامه ..نظرت الى وجهه الممصوص وكفى يديه المعروقتين ، تركته اليهم ، أكفهم الواحدة منها تزن طناً ، انتبهت لأمى تصرخ ، زمجر كبيرهم ،دفع الطبلية بقدمه ، تطاير العسل الأسود ووقع فوق الجبن القديم على الحصير وضاع العشاء ..بكى أبى ، ظلت أمى على صراخها ، بينما العسل والجبن على الحصير .
................
على ذات الطبلية جلست أتحسس مكان كسرة الخبز ، أقطع منها لقمة صغيرة ، أبحث عن بقايا العسل الأسود فى القاع ، بينما زوجتى تجلس أمامى ، بيدها كسرة خبز أخرى وقطعة جبن قديمة صغيرة الحجم ، تهرسها بلقمة تمسحها فى حافة الطبق قبل أن تلقيها الى بلعومها ، وبيننا جلس ولدنا الشاب يأكل الجبن وينتظر العسل ، حينما فتح الباب عنوة ، ارتطم بالجدار قبل أن يتهاوى ، تدافعت الأحذية الثقيلة الى الحجرة ، أحاطت بنا ، مددت يدى أمامى وأخذت أمط وجهى للأمام صارخاً :- إيه ياولاد ؟
قيدوا ولدى ، شلوا حركته ، تحسست عينىّ الممسوحتين بحسرة وصراخ أمه يهز الجدران ، انتفضت واقفاً أحول بينهم وبينه ، دفعنى أحدهم فى صدرى بحذائه الغليظ ، انقلبت على ظهرى فوق الطبلية ، طار العسل ليختلط بالجبن القديم فوق الحصير ، حملت جزعى وهممت بالقيام ثانية ، خذلتنى ساقاى ، جلست الى جوار الجدار أرزح تحت ضعفى ، بينما زوجتى لاتهدأ .
قليلا ً وتذكرت حفيدى ، ناديته وانا أدور بوجهى متلهفاً ، أتحسس صوته بأذنى :- نعم ياجدى
مددت يدى اليه ، اقترب منى ، أمسكت بيده وأخذت أوصيه بما لدىّ
آنات وتر مشدود
---------------
قصة قصيرة
-----------
حتما ًسوف يختلف الأمرُ كثيراً عن ذى قبل ..سترى الأرض والجدران والسماء والأرض بالوان ٍلم تكن لها ، وستشعر أن ذاك الهواء فى ذاك المكان له طعمٌ متغير ، طعمٌ مشبّع بتلك المشاعر التى أتت بك الى هنا ، لتجلس الى تلك الجدران التى توسمها الرطوبةُ بميسمها وتترك عليها وسمها هنا وهناك ، تنظر وتتأمل وتسحب مقعدا ً من المقاعد ، تجده باردا ً متجمد الأطراف ،تمسكه بيدك وتشعر أنه يلين معك ،ينعطف ناحيتك وكأنما تسرى فيه الكهرباء ُ ..يبدأ فى نبذ البرودة ِ ليستدفىء بسخونة ملمسك له . إجلس يامحمود ..لاتنظر الى التراب الساكن فوق الأركان وعلى الفرش ويمتطى الأرض ويعتلى صور الراحلين ،ولاتبالى برائحةِ العطن أو الهواء المسلوب الإرادة الذى يستكين هنا بين الجدران ..لاتبالى بكل هذا ، فقط إفتح النافذة َ هكذا ودع المصباح الكهربى فى غفوته ، وتسربل بالظلمة ، وكفن مشاعرك بالسكون ،لاتفكر ..دع التفكير الآن وأغمس نفسك وكينونتك ووجودك فى كينونة ِ ووجود المكان ..ليس عيبا ً أن تصير جزءا ً منه ..مقعدا ُ ..مائدة ُ ..أو حتى ذرة تراب متناثرة هنا أوهناك ..أو ربما نسمة ُ هواء تسبح فى جو المكان ، تتنسم رائحة َ الذين مضوا ..رحلوا ولم يعد لهم وجود ..آه ..منذ متى لم تأت الى هنا يامحمود لتستنشق رائحتهم ؟ على الأقل لتجديد الهواء والجلوس بين يدى مقاعد وفرش أطلّت ذات يوم على أهل ..أرح ظهرك يامحمود ..أمدد قدميك وأرفع رأسك لأعلى ..على هدى ضوء أحد المصابيح المتسرب الى الحجرة عبر النافذة حدق فى السقف ،راقب الخطوط والتعرجات المنحدرة هنا وهناك وآثار الطلاء الزائل والرطوبة المتوغلة وعينى هشام الذى ترك البيت ومضى ..!
هشام !! تنتفض مباغتا ً ..تعاود الجلوس ثانية ً وأنت تهمس بضعف ٍ أنك لن تعاود التفكير فى شىء ، حتى انعام لن تفكر فيها ،أنت لم تأت الى هنا - بيتك الأول - لتفكر بل لتأخذ إجازة من التفكير . تغمض عينيك ..لن أفكر الآن ..الآن ..لن أفكر ..تنتبه لصوت أقدام اليفة لأذنيك ..تنظر باتجاهها ..ترى أباك قادما ًعبر الممر الفاصل بين الردهة التى تجلس فيها وحجرات النوم .عيناه تحملان أطنانا ً من غضب ٍ :-
- ما زلت هنا ؟
تحاول أن تتذكر غلطتك..تدور بعينك باحثا ً عن مغيث ..ترى امك بهيجة َ قادمة ً خلف أبيك ..تحاول -كما إعتادت – أن تهدّىء ثورته ، دون جدوى ..نظرت الى عبينيه المشربتين بالحزم ..عم طلعت البقال الذى خرج من رابعة ابتدائى الذى يكتب إسمه بالكاد ، ويفتخر أمام الأقران أنه مايزال يحفظ يس والرحمن ..عم طلعت أبوك يصرخ فيك :-
- من لايحترم هذا البيت لايدخله
تتدخل بهيجةُ والدتك :- اسمعه أولا ..قد يكون له عذره
ترمق الجدران الصماء والرطوبة التى سرت فى نخاعها والبرودة التى تشمل الأشياءشارد النظرات ، سابحاً فى أجواء أمسٍ كأنه اليوم القريب ، تسمع نفسك تهمس بالكاد :-
- - كنت فى بيت محروس زميلى فى الجامعة ..تحدثنا مع والده ..حكى لنا عن تقاليد ومباىء و...!
- يصرخ أبوك مقاطعا ً :- هذا لايبرر التاخر عن العودة..أفهمت ؟
- تهز رأسك المحنية على صدرك ..تهزها مرارا ً كأنك تشهد الأرض والتراب والصمت على أنك فهمت ..تلوح لك عينا هشام من جديد ..ولدك الوحيد ..تعود من رحلةِ شرودٍ ماضٍ الى شرودٍ حاضر ً ..تسأله بهمس :- هل أنت جانى مع أمك ،أم مجنىّ عليك ؟
- تتذكر رسوبه فى موادٍ عديدة ٍ فى نصف العام وعدم مبالاته بهذا ..الشىء الذى ينفطر له قلب القلب أنه لايهتم ..شىء عادى هو بالنسبة له والمبرر جاهز ..لأنك ترفض الدروس الخصوصية ! تسمع صوت عم طلعت يصرخ فيك من جديد :- من لايحترم هذا البيت لايدخله
- وبهيجة امك تطّيب خاطره ليعفو عنك ..ترفع رأسك الى الجدار ..عبر الأتربة التى تعتلى ظهر الزجاج الذى كان ذات يوم نقى البدن تحاول عيناك النفاذ ..تسأل أباك جادا ً:-
- - أبى مارأيك فيما فعله هشام ؟
- يشيح بيده :- - أنت المخطىء
- - كيف ؟
- - تركته وحده
- - أمه معه ..إنها معلمة ..مربية
- - وحدها خطأ
- تكسو الحيرة عينيك - كيف ؟
- يرفع صوته مناديا ً أمك بهيجة التى تقبل عبر الممر فى طرحتها البيضاء التى تحيط بكهولة ِ قسماتها ونظراتها الحانية وفمها المثروم ..تقول لك بصوت هادىء :-
- - الولد ترك البيت ..نعم لكنه ذهب الى خاله ..ضع نفسك مكانه يامحمود
- - يا أمى إنه يشترط علّىّ إما الدروس الخصوصية أو السقوط فى الإمتحان
- - وانعام ؟
- ترتد نظراتك عن الجدران والرطوبة وخيالات الضوء المتسرب عبر النافذة ِ ..أنعام المدرسة ..انعام الأم تقول انك من عصر قديم ..تقصد عصرا ً حجريا ً ..تقول متهمة ً :- كيف لاتعترف بالدروس الخصوصية ،الست تعيش بيننا ؟
- ترد عليها مشفقا ً :- لم نكن نعرفها
- - الكل يعرفها الآن
- - لن تكون سببا ً فى نجاح
- - الكل ينجح
- - فى الدراسة ممكن ويأخذ شهادة أما فى الحياة فمحال
- تزاور برأسها عنك وهى تتمتم بكلمات لاتبين .. يثقب أذنيك صوت امك :- محمود ..ماذا جرى لك ؟ ..تدارى وجهك حرجا، تقول بهمس :- خائف من الغد
- وتتوه نظراتك فى طيات الرطوبة ِ التى تشبّعت بها الجدران ، بينما كلمات أبيك تتردد فى أذنيك :- من لايحترم هذا البيت لايدخله و امك تقول بلطف تطيّب خاطرك :-
- - أبوك يامحمود كلامه لازم يمشى
- ترى انعام جالسةً الى مكتبها تعد دروس الغد لطلبتها ..الولد لم يعد الى البيت بعد ظهور نتيجته ..انت تلازم الهاتف ، وهى دموعها تغسل الأرض والجدران والهواء :- أريد ولدى يتصل أخوها هاتفيا ً :- الولد عندى ..لن يعود الا بشرط تنتفض مهرولة اليك ..تشد السماعة منك .
- - يشرط كما يشاء
- - أن يأخذ درسا خصوصيا ً
- تصرخ انت :- لا ..الولد سيضيع
- لاتبالى هى باعتراضك ..تقول مؤكده :- يرجع وله مايريد ..وتضع السماعة ..تسمعها من خلال ضبابة شرود جامح يجتاح عقلك وكيانك تملى عليك ماتريد :-
- - الولد سيأتى ..لن تعاقبه ..وسيأخذ الدرس الذى يريد
- تصمت قليلا ثم تستدرك :- أرى من الأفضل الا تتحدث اليه
- تشعر ببردودة دشٍ مثلج ٍ يلسع جسدك ..تلتمع حدقتا عينيك وأنت تحادث نفسك ..( أذا اخذ درسا ً خصوصيا ً اليوم لن يعتمد على نفسه غدا ً..سيدمن الدرس الخصوصى فى عمله وفى بيته..لن يسلوه .)
- تشيح أنعام برأسها عنك ولاتحفل بالرد .
- تستغيث بأمك بطرحتها البيضاء ووجهها الذى يفيض بالعطف ..تسمعها تهمس :-
- - أبوك ياولدى ..كلامه لازم يمشى
- تصرخ فى انعام :- تعالى اسمعى كلام أمى
- ترى أباك يتدخل وهو يخلع نظارته الطبية ليريح عينيه قليلا :- ليس بالصراخ يامحمود تستجير به :- مارأيك ياعم طلعت ؟ ..قل لولدك المحامى وزوجته أنعام
- تنتبه لكم أنعام ..تنظر شذراً وتمضى ..تراها تدير ظهرها لك ، تصرخ خلفها :- أنعام
- يتردد صوتك مشبعا ً بالرطوبة بين الجدران ، تتطاير أتربة كانت راكدة منذ زمان ،بينما يقطع حد الظلمة شعاع قادم من سفر ..تدير عينيك حولك ..صمت أخطبوطى الأطراف يحيط بك ،يحتويك ويعد عليك أنفاسك . تقوم متثاقلا ً نحو الباب بعد أن تعيد غلق النافذة ..تهبط السلم الخشبى متمهلا ً ،مستندا ً على الدرابزين الكهل الذى يئن من ثقلك ..تصل أخيراً الى باب البيت ..تعود بعينيك الى الوراء هامسا ً بالدعاء لأبيك وامك وتقرأ الفاتحة َ ترحما ً عليهما ..بعدها تواجه الطريق والزحام ..والليل الممتد بلا حدود .
الوعد
قصة قصيرة
لم يصدق سامح عينيه وهو يأخذ ورقة الإجابة من المدرس بعد أن صححها ..النتيجة أقل من زميله محمود ..حدق فى السطور ..الإجابة صحيحة ..علامة صح تملأ الصفحة فماذا حدث ..لماذا أنقصة الأستاذ درجتين كاملتين ؟..ذهب مغاضباً الى البيت ..سألته والدته عما به ..أطلعها على ورقة الإجابة ..شرح لها الأمر ..هو ومحمود يتسابقان على المركز الأول فى الفصل .. أحدهما عادة يحصل على الدرجة النهائية ..الآخر يحصل عل نتيجة أقل بنصف درجة أو بالكثير درجة كاملة ويغضب لأن زميله سبقه ..يبحث أين الخطأ ويحاول الا يكرره ..لكن هذه المرة لايوجد خطأ ..فما الذى جرى ؟..حدق فى عينى أمه التى قابلت تساؤله بابتسامة كبيرة وقالت له :-
-الأمر سهل جداً
..سألها :-
- كيف؟
..حدقت بدورها فى حبتى عينيه العسليتين وقالت :-
-اسأل المدرس لماذا أنقصك درجتين
..ذهب الى سريره وهو يدير الحوار الذى سيجرى غداً بينه وبين المدرس ، ويؤكد لنفسه أنه أخطأ ونسى أن يضيف له درجتين ، ومن المؤكد أنه سيتدارك الخطأ ويعتذر له أمام الفصل ، ويضيفهما له ليصبح هو أول الفصل بعد أن سبق محمود بدرجة ، فمحمود حصل فى الأمتحان على تسعة درجات وهو ثمانية ، فاذا اضيفت له درجتان سيكون هو الأعلى ..نام سعيداّ بهذه النتيجة وعند الصبح قابل الشمس ببسمة واثقة ومضى الى المدرسة ..دخل الأستاذ الفصل ..رفع يديه ..قال الأستاذ مستفسراً :-
- ماالأمر ؟
..أخرج ورقة الإجابة بسرعه قائلا :-
- لقد حصلت على ثمان درجات وليس عندى أى خطأ .
أخذ المدرس الورقة ..جرت عيناه على السطور ..قال بجد:-
.. - معك حق ليس هناك أى خطأ
..تهللت أسارير سامح ..أكمل المدرس :-
.. - لكن موضوع التعبير لايستحق أكثر من الدرجة التى أعطيتها لك ، هل جمعت الدرجات ؟
..أحنى سامح رأسه محاولاً إخفاء ماأعتراه لحظتها من حزن طفا على صفحة وجهه..رآه المدرس وقد أحّمر ت أذناه وبدأت عيناه تغالبان دموعاً تأبى الا الظهور ..ربت ظهره وأراد أن يواسيه بأمر قد يهدىء ثائرته وينهى الأمر فوراً ..قال :-
- اسمع ..اذا احضرت لى تراباّ من الجنة سأعطيك الدرجة النهائية
..حدق سامح فى عينيه وهو ينصت باهتمام ، حتى اذا استوعب الأمر سأل بفرحٍ طاغٍ :-
- هل هذا حقاً ياأستاذ ؟
..تبسم الأستاذ قائلاً بجد :-
- أعدك بهذا
-
فى اليوم الثانى دخل سامح متهلل الأسارير يحمل كيساً من القماش ناصع البياض وقدمه للأستاذ الذى نظر اليه متسائلا :-
- ماهذا ياسامح؟
.. قال الولد بفرح :-
- تراب الجنة ياأستاذ
ازدادت حيرة الأستاذ وتساءل :-
- كيف؟
قال سامح:- أحضرت تراباً من الشارع ولأننى أعرف أن الجنة تحت أقدام الأمهات فقد وضعته تحت قدمى أمى ثم أحضرته لك
طلب الأستاذ من التلاميذ التصفيق لسامح ، نفذ وعده له
القناع
قصة قصيرة
قررت لصق إبتسامة على شفتيها ، إبتسامة محددة الأبعاد لاتحيد عنها ، تواجه بها قناعه الجديد ، غير مبالية بما يعلوه من عبوس ، الأقنعة تتغير ، هى تعرف هذا، وسوف تغيّر هذا القناع شاء أم أبى
........
القناع جامد الملامح ، لايمتلك المقدرة على التحول ، عيناه ضيقتان ، فمه مذموم ، كلماته مبتورة الأطراف ، ثلجية المذاق ، و بلا لون ، يدخل به البيت ، لايفكر فى خلعه حتى أثناء النوم ، وفمه الذى كانت الكلمات تتساقط منه متدافعة ، لتحاصرها منذ دخوله من باب الشقة والى أن يسلّم نفسه لسطان النوم صار الآن كهفاً تغطى فوهته خيوط العنكبوت ، أما عيناه فلا يستخدمهما مثل السابق فى إحاطتها بسياج من نظراته الدافئة ، بل يكتفى الآن بنظرات ثلجية ، هذا اذا إضطر للنظر اليها والا فهناك أشياء أخرى يرمى اليها بعينيه ، تبرز البسمة لتواجه بها قناعه ، يدير وجهه قبل أن تتمكن منه ..تعرف أن النظرة لو طالت قليلاً سيذوب الجليد الرابض فوق سطح العينين ، ليس هذا فقط بل سيتساقط القناع الحديدى ذاته عن الملامح ، ينصهر ويظهر الوجه الحقيقى الذى يصر على إخفائه هذه الأيام . لكن كيف ؟
....................
منذ تشاجر معها وهو يصر على إنتهاج ذات الأسلوب ، ينكمش داخلاً سراديب نفسه وسط ظلمة ورياح هوجاء لا تعرف مدى ، يسير مستتراً خلف قناعه الحديدى ، مقيداً فمه حتى لايفلت منه حرف دون إرادته .. كم من مرة قالت له أن رحلتهما معاً فى براح درب الزواج قد طالت بما يسمح بتغيير جذرى فى إسلوب تعامل كل منهما مع الآخر ، يفترض أن يتشاجرا الآن ، وينسيا الأمر بعد دقائق معدودات ، إما أن يستمر الغضب لأبعد من ذات اللحظة فهذا سيجعل المسير كئيباً والرفقة جحيم ، وهو كان يتفهم الأمر ، ويعدها أنه فى حالة أى خلاف سيذكر هذا ، وفى كل مرة ينسى ويهرول نافياً نفسه بإرادته وسط سراديبه المظلمة وقناعه الصدىء . اليوم بالذات قررت أن تكسر هذا المنهج الذى يسير عليه ، تنهيه بفعل حازم يقطعه من جذوره ، رأته يدخل حاملاً ذات القناع ، إتجهت اليه ، وقفت أمامه ، واجهته ببسمتها ، تشبث بالقناع ، أدار عينيه بعيداً ، اعادتهما اليها ، رماهما أرضاً ، رفعت ذقنه بأصابعها ، تلاقت النظرات ، همست أعتذر اليك ..ذاب الجليد !
الكرسى
قصة قصيرة
انتشر الخبر فى الإدارة فوراً
(رمضان الصاوى ضُبط متلبساً بالسرقة )...الكل رفض التصديق ..قالوا :- محال ،الرجل شب وشاب على الإستقامة ، ربى أولاده عليها ، ثم إنه بعد أشهر قليلة سيخرج الى المعاش ..فكيف يلوّث سمعته الآن ؟
قال العالمون ببواطن الأمور :-
- بل سرق ، الأمن ضبطه وهو يخرج من الباب الرئيسى وفى عز النهار .
سأل أحد المتطفلين :- وماهى المسروقات ؟
قيل :- كرسى رئيس مجلي الإدارة !!
...............
حينما سُئل الأستاذ حامد رئيس مجلس الإدارة الجديد فى هذا قال :-
- رمضان لم يشد انتباهى ..لا أعرفه ..وبالتالى لا أملك الحكم عليه ..هو رجل ينظف المكتب فى غيابى ،يجلس أمام الباب فى وجودى ،يحضر المشروبات اذا طلبتها ،غير هذا لا أعرف عنه شيئاً.
سأله المحقق :- هل ترى أن نتغاضى عن فعلته ؟
أشاح بيده فى لامبالاة :- أمره متروك لكم
...............
بسؤال الأستاذ صالح الرئيس السابق لمجلس الإدارة أثنى على رمضان ، قال إنه طيب القلب، بسيط ، لم ير منه طوال عشرته الطويلة معه الا وجهاً باسما ً وعينين راضيتين .
قيل له :- وماذا فعلت حينما أتى اليك بالكرسى ؟
قال :- رددته فوراً
سئل ثانية :- ولماذا أخذ الكرسى أصلاً وأتى به اليك ؟
أجاب وقد تغير وجهه:- اسألوه فى هذا .
........................
نظر المحقق الى رمضان مدققاً ،فحصه من أسفل الى أعلى ..يرتدى جلباباً أزرق اللون ،يتعثر فى مشيته بقامته القصيرة ،أسمر اللون ،منبسط الأسارير ،أشيب شعر اللحية والرأس ،تملأ الأخاديد وجهه ..أشار اليه بالجلوس ..سأله عن أمره ..قال :-
- الأستاذ صالح عزيز علّى ..رجل متواضع وسلوكه طيب معى ..تأثرت كثيراً لفراقه .. سمعت أنه حزن جداً لأنه ترك الكرسى ..صار ضعيفاً ..بائساً ..طاعناً فى السن ..هو الذى كان قبل أن يفقد الكرسى سليماً باسم الوجه..عرفت أن سبب هذا هو الكرسى ، وأنه بدونه جرى له ماجرى ..أخذت الكرسى اليه ..هو بحاجة له ..رئيس المجلس الجديد يستطيع أن يطلب غيره .
تبسم المحقق ، سأله وهو يتابع تعبيرات وجهه:-
- لكنه رفضه ياعم رمضان
عبست أساريره واندفع قائلاً :- وهذا مايحيرنى !!
اللعبة
قصة قصيرة
إرتفعت الأكف بالتصفيق ..إشرأبت العناق ..تلاحقت الأنفاس تتابع الجسد المتمايل على الأنغام السريعة المتلاحقة ، وهو يمثل بتعبيرات وجهه معنى الحركات ، وقد التمع الضوء وأخذ يتراقص مع تحركات الأسطح الملساء للمدى فى كلتا يديه .
كانت العروس وعريسها يقفان يداً بيدٍ وهما يتابعانه فى صمت ، وقد تراقصت القلوب داخل الصدور مع إيقاع تحركاته وارتفاع يديه ، بينما ارتفعت الزغاريد وتوالت فلاشات كاميرات التصوير ، وملأ المكان صوت أحدهم يشدو بأحد الألحان .
ازدادت سرعة الإيقاع فازداد تمايل الجسد وتحركات يديه بالمدى ، وتلاعب الضوء المنبعث من اللمبات المختلفة الألوان أمام عينيه ، وصارت الوجوه المتعطشة للمشاهدةعيوناً تبرق ، وصدوراً مكشوفة تضوى ، ونغمات ٍعنيفة ٍمتلاحقة ٍلاتمهله لحظة لالتقاط الأنفاس .
ارتفعت يده اليمنى لأعلى واليسرى لأسفل ، تمايلت الرأس على الجانبين ، انفرجت الساقان ، واندفعت مديةٌ للأمام و الضوء يتلاعب على سطحها .. ومض السطح فغشى بعض العيون ، اندفعت المدية الأخرى فلحقت بالأولى .. تراجعت الأولى .. امتدت الثانية .. قاربت من صدر العروس .. تراجعت العروس إلى الخلف فى ذعر .. أحاطت بها يدا العريس ، والجسد المتمايل مايزال يشد الانتباه ..ضحكت العروس وعريسها ومن حولهما لما جرى ..اندفعت المدى ثانيةً ..إصّفر وجه العروس ..تخشّب جسدها ..لم تستطع الحركة ..مرت المدية الثانية فالأولى من فوق الصدر فالوجه مباشرة ً ..اكفهر وجه العريس ..إزداد ت الأكف تصفيقًا ً وعلت الزغاريد .. انتشرت الضحكات أكثر والجسد الراقص مايزال يتمايل ، ويداه الإثنتان تعكسان الضوء فيغشى البرق العيون . بدأ يتراجع الى الخلف فى حركاته الراقصة ، وقد اتجه بنظراته إلى العروس ..تلقف نظراتها بعينيه .. حاولت الإفلات ..لاحقتها نظراته..حادثتها عما جرى له منذ غابت عنه ..منذ احتجبت فلم يرها إلا اليوم ..هجر الرقص فى الأفراح إلى الأبد..لكنه اليوم من أجلها يعود ، ولعلها المرة الأولى التي يرقص فيها هكذا بكل مايملك من أحاسيس ، يدور قلبه حولها ..القلب يرقص ألما ً..تصفق الأكف وترتفع الزغاريد وتبرق العين فى سرور . خفضت عينها عنه .. اضربت حركة المدى بين يديه .هرب بعينيه لأعلى ..ارتطمت بالأضواء المختلفة
الأ لوان ، وبالزغاريد التي زعقت فى وجهه .. رمى بنظراته إلى أسفل ..إسمها بجوار إسم عريسها منقوشا على النشارة الخشبية الملونة التى زينّت الأرض ..لاذ بالوجوه من حوله ..مشغولة بما يؤديه من حركات ..لم يجد الا المدى بين يديه ..عادت اليمنى ترتفع لأعلى ..هبطت اليسرى لأسفل ..تسمر وجهه ناظرا ً للأمام فى مواجهة العريس ..هبطت اليمنى الى مستوى صدره ..تجاوزته ..انفرد الجسد على الأرض ..غطى إسم العريس وصار بجوار إسم العروس ..إعتمد فى ارتفاعه على اليد اليسرى ..هبطت اليمنى على إسم العروس ..مرت حافة المدية على الاسم فى عنف ..حفرت أخدودا ً بحروف الاسم ..عاد الجسد يرتفع ..امتدت اليدان لأعلى وتقابلت المديتان ..اصطدمت الحافة بالأخرى ..ابتعدتا ..انفرجت الساقان ..تحركت المديتان لتتقابلا من وراء الظهر، ثم انفردت الذراعان واعتدلت الساق ..اقترب من العروس وهو مفرود الذراعين ..أغمضت عينيها ورمت برأسها إلى الخلف مفلتتة من فمها صيحة ذعر ..نظرت إليه بعدها فى اعتذار ..أدارعينيه رافضا ً معاودة النظر اليها ..ازدادت حدة التصفيق ..تلاحمت المدى فوق الرؤوس ..تلاعب الضوء على الأسطح اللامعة .غشى البرق العيون ..بدأ يرجع إلى الخلف فى حركاته الراقصة وعيناه شاردتان بينما قلبه يغادر معه ..ظل يتراجع رويدا ً ..ثم مالبث أن غاص فى الظلام .
كانت العروس وعريسها يقفان يداً بيدٍ وهما يتابعانه فى صمت ، وقد تراقصت القلوب داخل الصدور مع إيقاع تحركاته وارتفاع يديه ، بينما ارتفعت الزغاريد وتوالت فلاشات كاميرات التصوير ، وملأ المكان صوت أحدهم يشدو بأحد الألحان .
ازدادت سرعة الإيقاع فازداد تمايل الجسد وتحركات يديه بالمدى ، وتلاعب الضوء المنبعث من اللمبات المختلفة الألوان أمام عينيه ، وصارت الوجوه المتعطشة للمشاهدةعيوناً تبرق ، وصدوراً مكشوفة تضوى ، ونغمات ٍعنيفة ٍمتلاحقة ٍلاتمهله لحظة لالتقاط الأنفاس .
ارتفعت يده اليمنى لأعلى واليسرى لأسفل ، تمايلت الرأس على الجانبين ، انفرجت الساقان ، واندفعت مديةٌ للأمام و الضوء يتلاعب على سطحها .. ومض السطح فغشى بعض العيون ، اندفعت المدية الأخرى فلحقت بالأولى .. تراجعت الأولى .. امتدت الثانية .. قاربت من صدر العروس .. تراجعت العروس إلى الخلف فى ذعر .. أحاطت بها يدا العريس ، والجسد المتمايل مايزال يشد الانتباه ..ضحكت العروس وعريسها ومن حولهما لما جرى ..اندفعت المدى ثانيةً ..إصّفر وجه العروس ..تخشّب جسدها ..لم تستطع الحركة ..مرت المدية الثانية فالأولى من فوق الصدر فالوجه مباشرة ً ..اكفهر وجه العريس ..إزداد ت الأكف تصفيقًا ً وعلت الزغاريد .. انتشرت الضحكات أكثر والجسد الراقص مايزال يتمايل ، ويداه الإثنتان تعكسان الضوء فيغشى البرق العيون . بدأ يتراجع الى الخلف فى حركاته الراقصة ، وقد اتجه بنظراته إلى العروس ..تلقف نظراتها بعينيه .. حاولت الإفلات ..لاحقتها نظراته..حادثتها عما جرى له منذ غابت عنه ..منذ احتجبت فلم يرها إلا اليوم ..هجر الرقص فى الأفراح إلى الأبد..لكنه اليوم من أجلها يعود ، ولعلها المرة الأولى التي يرقص فيها هكذا بكل مايملك من أحاسيس ، يدور قلبه حولها ..القلب يرقص ألما ً..تصفق الأكف وترتفع الزغاريد وتبرق العين فى سرور . خفضت عينها عنه .. اضربت حركة المدى بين يديه .هرب بعينيه لأعلى ..ارتطمت بالأضواء المختلفة
الأ لوان ، وبالزغاريد التي زعقت فى وجهه .. رمى بنظراته إلى أسفل ..إسمها بجوار إسم عريسها منقوشا على النشارة الخشبية الملونة التى زينّت الأرض ..لاذ بالوجوه من حوله ..مشغولة بما يؤديه من حركات ..لم يجد الا المدى بين يديه ..عادت اليمنى ترتفع لأعلى ..هبطت اليسرى لأسفل ..تسمر وجهه ناظرا ً للأمام فى مواجهة العريس ..هبطت اليمنى الى مستوى صدره ..تجاوزته ..انفرد الجسد على الأرض ..غطى إسم العريس وصار بجوار إسم العروس ..إعتمد فى ارتفاعه على اليد اليسرى ..هبطت اليمنى على إسم العروس ..مرت حافة المدية على الاسم فى عنف ..حفرت أخدودا ً بحروف الاسم ..عاد الجسد يرتفع ..امتدت اليدان لأعلى وتقابلت المديتان ..اصطدمت الحافة بالأخرى ..ابتعدتا ..انفرجت الساقان ..تحركت المديتان لتتقابلا من وراء الظهر، ثم انفردت الذراعان واعتدلت الساق ..اقترب من العروس وهو مفرود الذراعين ..أغمضت عينيها ورمت برأسها إلى الخلف مفلتتة من فمها صيحة ذعر ..نظرت إليه بعدها فى اعتذار ..أدارعينيه رافضا ً معاودة النظر اليها ..ازدادت حدة التصفيق ..تلاحمت المدى فوق الرؤوس ..تلاعب الضوء على الأسطح اللامعة .غشى البرق العيون ..بدأ يرجع إلى الخلف فى حركاته الراقصة وعيناه شاردتان بينما قلبه يغادر معه ..ظل يتراجع رويدا ً ..ثم مالبث أن غاص فى الظلام .
المرتب
قصة قصيرة
نظر الى الأتوبيس الذى مال على جانبه الأيمن وهو يسير ،لأول مرة لاتضيق عيناه ،لايغمغم بصوت كالفحيح ..ينظر الى المناكب التى تتدافع، يبتسم وهو يختلق لها العذار ، ينظر الى أصحابها على أنهم أناس مثله يعانون .
لحظات مرت قبل أن يغيب الأتوبيس عن عينيه ،مد يده يطمئن على جيوبه ،كان يتساءل كيف اندفع وسط تلك الكتل البشرية الى عرض الطريق ..ابتسم ثانية ،اكمل السير .
......................
لابأس من العودة الى البيت ،لابد أن يبدأ من الآن ، أن يكون لحياته برنامج جديد ،أن يقدم لوالدته النقود ،وليكن نصف راتبه ،لابد أن تشعر أنه موجود ،تنظر اليه بإكبار ،تركن اليه فى وقت الضيق ..ولابد لوالده الشيخ الذى يرى فى عينيه مالايقال والذى يتحدث صمته بما يريد أن تعود إبتسامته ، تعود الحياة اليه من جديد ، وتلك الرجفة آن لها أن تغيب ، وأن يزول الإنطواء والشرود ،لقد حقق إبنه الحلم ،امتدت حياته فى ولده ،لابد إذن أن يستريح .
أخيه الأصغر ايضا لن يذهب الى المدرسة بدون كراسات ،لن يضربه المدرس أو يلومه أمام الجميع ،سيأخذ الدرس الخصوصى الذى تحدث عنه ، سيقف على قدم المساواة مع زملائه ،والدته لن تزجره ،لن تحادثه بصوت خافت أ و تشرح له مالا يعيه .
هو ايضا لن ينسى نفسه اليوم ، سيدور على المحلات ، يشاهد بنفسه ويختار مايريد ،ولابأس من إصطحاب بعض الأصدقاء معه ،لابد أن يشاركوه الإختيار ..اليوم من حقه أن يشعر بكيانه، بوجوده ، بكرامته ..اليوم من حقه أن يشعر بشىء من الفخر ، لقد وصل الى جيبه أول راتب من عمله الجديد .
نظر الى الناس ، الى أسفلت الطريق ، الى الخطوط البيضاء ذات الأسهم ، الى الإشارات الضوئية التى تلألأ نورها الأخضر ، الى الشمس المتدفقة الضوء ..تبادل إبتسامة ودية مع شخص ما ..مد يده الى جيوبه يطمئن عليها ، لم ينتبه الى إحمرار إشارة المرور !