تحية وسلام

تلك كلماتى بين يديك ..انظر ..دقق ..ستجد عبر الحروف نبضات تعلو معطرة بالحب ..تطلب السلام ..ترجو الوفاق ..المشكلات سوء تقدير مشترك بين اثنين او اكثر ..الحب كلمة ..وربما كان نظرة ..او هو لحظة صمت تجمع بين اثنين ينعمان بالدفءوحرارة الامن ..تفضل ..اقرأنى ..بكل الحب استقبلك ..ومتى ما اردت المغادرة لك منى ايضا كل الحب ..وسلام ...محمد عباس على

الأحد، 19 يونيو 2011

مجموعة رائحة ورقة تصلح للكتابة

بسم الله الرحمن الرحيم




رائحة ورقة تصلح للكتابة

مجموعة قصصية


بقلم

محمد عباس على



إهداء

الى من أعطى ولم ينتظر كلمة تقدير
والى من لم يعط وطالب بكل التقدير
الى أناس كالطيف وأناس كالأشباح
أكتب هذه الكلمات




فهرس
1-                رائحة ورقة تصلح للكتابة
2-                رحلة البحث عن إسماعيل
3-                أطول محمود فى التاريخ
4-                ظلال على  جدار الليل
5-                مأزق أنف ضال
6-                حكام فرع الشجرة
7-                الصوت
8-                وجهاً لوجه
9-                المرآه
10-        حقه
11-        بلا وجه
12-        على حافة البئر
13-        مراسم تفتيش ديموقراطى
14-        زئير حنون لأسد مغادر
15-        الإفلات من إطار مذهب
16-        الولوج الى رأس جرداء
17-        جرنال لسيدة المدير
18-        رأس سليم
19-        الميزان
20-        الحذاء
21-        الكلب
22-        بسمة لصرصار عابر
23-        جنازة جسدى
24-        خواء
25-        التعويض
26-        الشجرة
27-        القطار





































رائحة ورقة تصلح للكتابة 1-
                                                  



1- 
ارادت ام حسين أن تؤدب زوجها المرسى .. لم تجد افضل من تعليقه عاريا على حبل الغسيل بالشرفة .. قاصدة ان يراه الجيران ..يعرف القاصى منهم قبل الدانى ماجنته يداه..قالت امرأة من الجيران اركب الحذاء واتركه يهرول بى الى هناك ..اعرف من ام حسين ماجرى ..اعلقه على صدرى ليقرأه ويعرفه من لم يعرفه بعد من الاحباب 
والاصحاب ..اعتلت حذاءها ومضت الى حيث ارادت .
رأى المرسى اعينا تتسلق الجدران المواجهة لبيته ..تبحث لها عن مواقع مميزة ترى منها ماتشاء ..قذف احداها بمشبك غسيل مجاور ..هوت العين تتدحرج على ارض الطريق
قالت المرأة وهى تعلق على وجهها مجموعة بسمات منتقاة لأم حسين:- اصابنى القلق عليك..ماالذى جرى؟
زعقت ام حسين :- طهقنى ..طول النهار يجرى فوق ورقة كراس ..يشعر بالملل يقفز فى قلب كتاب ..اقول له كفى..يرمينى بنظرة ضيق قائلا ..عدوة الابداع
مصمصت المرأة شفتيها وهى ترميها بنظرة اشفاق هائلة وتدير رأسها مغادرة: اعانك الله على ما ابتلاك
وتركتها مهرولة الى السلم الذى لفظها الى الطريق 
..................................
2- 
عاد الى الورقة من جديد ..انحدر مع سطر منها الى ادنى رغما عنه..انتبه ..حدقت عيناه غضبا من السطر المراوغ الذى زاغ عنه وحاول الصعود ثانية الى اعلى ..رأى سدودا تمتد امامه تعوق تحركه..ارتجف..مضى بينها يبحث عن مهرب..انسابت من فتحات رأسه شرائط ورقية رفيعة تحمل افكارا ومواضيع شتى ..مضت تتسلق الجدران ..تمسك بطرفها صاعدا حتى وقف على قمة سطر وعب من الهواء مايكفيه لتعويض مافقده فى رحله الصعود....انتبه للشرائط الورقية تتطاير الى انفه مع الهواء ..صرخ ..الافكار ستخنقنى .
...........................................
3- 
من ثقب الباب رأى زوجته تنبثق وتتشكل امامه فى صورتها التى يعرفها صارخة ..عاوزين فلوس يامرسى .
اشار الى بنطاله على الجدار..حدجه البنطال مليا..اخرج جيوبه الخاوية هازئا وادار وجهه عنه..وجهت المرأة عينيها واسنانها نحوه..همس ..تصرفى الآن ..ودعينى لأفكارى. 
انشبت اظفارها فيه ..رفعته من ياقة قميصه الى مروحة السقف ..ربطته فيها وادراتها بأقصى سرعتها..طارت الافكار عبر النافذة..بقى بدونها شاعرا انه بلا غطاء.

4- 
قررت ام حسين تصعيد المواجهة مع المرسى ..قررت عدم السماح لأى ورقة بدخول بيتها..علا صوته ساخطا ..والكتابة؟ ..لم تبال به..هرول خارجا الى الطريق ..قائلا لنفسه سأكتب على اى صفحة متاحة ..ومضى باحثا بعينيه على ارض الطريق عن ورقة تصلح لمعانقة القلم..انتبهت اذناه لصوت خطوات مجاورة ..انصت جيدا ..دقق فى الانصات وهو يكاد يضج من الفرح ..الاقدام تكتب بخطواتهاحروفا..توقعها على الارض ..الحروف تتشكل جملا ..الجمل تتشابك لتصنع عبارات ..الاقدام تكتب ..العبارات تضج بالمشاعر..اكمل سيره متابعا خطوات اخرى ،فأخرى ..اسعده اكتشافه..صار قادرا على قراءة الخطوات..يحدد عن طريقها المشاعر ..عاد يعب من الهواء بقدر مايستطيع . 
5- 
حينما اتى الليل انسل من عقب الباب الى داخل شقته..احتمى بالظلمة ومضى داخلا ..فتح زجاجة الحبر وقذف بنفسه فيها ..اغترف منها مايكفيه وقفز خارجا..ارسل انفه بتشمم رائحة ورقة تصلح للكتابة..رأى واحدة اسفل مقعد قريب..قفز فوقها ..زغردت السطور ورقص الحبر سعيدا ،اما هو فنسى ام حسين وقرارها المتعسف ،ولم يعد يذكر لها وجود.












2- رحلة البحث عن اسماعيل


.

حين رأيته نسيت ماكنت اريد ..وجهه لوحة مرسوم عليها علامة خطر ..سألت : -
مابك ؟
-
قال :- كارثه
-
صدتنى الكلمة ..تراجعت محدقا فى وجهه ..قافزا على طرفى شفتيه استشرافا لبقية مالديه..قال :- امى
-
سألت : - مالها ؟
-
قال جادا:- ضاعت
- .
تصيدت ملامحه بمخلب نظراتى ..عيناه شاردتان ..تغطيان مساحة من الفضاء واسعة ..الميدان حولنا فسيح..وسطه تمثال الكاتب المصرى يجلس القرفصاء مدونا شيئا ما ..عيناه على مدونته ..لا اعرف لحظتها كيف انتبهت انه لايحمل قلما وان المدونة صماء لاحروف بها ..طاف بى انه ربما جلس هكذا للنحت فقط لاغير ..النور حولنا صناعى يغمر المكان ..يرتدى لباس البطولة عدة امتار لأعلى ،بعدها يترك المجال للظلمة لاكتساح كل مايقابلها ..لانجوم هناك ولاقمر ..ارتد الى الارض مدحورا ..العربات تمرق حولنا ..زمجرة محركاتها صراخ الشياطين ..وهناك اناس يتحركون ..وجوههم مطموسة لاتكاد تبين..اعود الى اسماعيل ..عيناه على سفرهما وسط الظلمات ..اتلفع بالصمت ..يأتينى صوته مغلف بالقهر
:-
مارأيك ؟
-
احدق فى تلافيف الحيرة المنبسطة على بياض عينيه . اعترض :- امك احتلها المرض ..قيدها العجز ..لاتملك حرية قدميها .
يشيح بيده..اسألك الرأى
ارمى بحروفى بين يديه :- وهل هناك رأى؟ ..نبحث عنها
هز رأسه اسف ربما على سمات الغباء المرتسمة على ملامحى وهو يقول انه لم يفته هذا الامر ..مر على الاهل والجيران و..! سألته :- هل توجهت الى مستشفى مثلا؟ .. اتصلت باختك المسافرة اوعائلتكم فى البلد؟
انطفأوميض عينيه ..احنى رأسه هامسا :- لا
تركته ومضيت
................................
وسط الطريق مضيت حاملا رأسى بين يديّ ..عيناى فيهما صورة تلك المرأة بملابسها السوداء ، ووجهها اليابس ، وعينيها المجوفتان .. اقلب فيهم ناظريّ.. شىء فيها تغير ..هذا مؤكد. ..نظرتها ..صمتها ..الضيق التى ينضح به صوتها . اذكر جيدا وجهها القديم.. كلما ذهبت لبيتهم كنت اراها ، كأنما هى قدر لافكاك منه ..احكى لاسماعيل ابنها اننى لاادق الباب ابدا ..بمجرد وصولى الى رأس السلم تفتحه ..ترحب بى..تدعونى للدخول بوجهها الذابل ، وخصلات شعرها الثلجية ، واصابعها المسحوبة ، وتلك البسمة المقددة التى تقابلنى بها ..تفتح فمها المثروم قاصدة الابتسام ..اقابل اسماعيل..تدخل محمولة على المشروبات ..ينهمر نهر حديثها بحروفها المكسرة..الغريب ان لديهاقوة استماع مرعبة ..تفهم برامج التليفزيون بانواعها ..تتحدث عن الخلافة وتناقشها بطريقتها ، وتدور حول مشكلات البلد طالبة منى الحل ، كأننى المسئول عنها وحدى ، وتنتقل الى شخصية اولاد البلد وماجرى لها ،والغد ومايحمله من مفاجآت ..انظر الى اسماعيل مستغيثا ..ليس ضيقا منها ، بل لضرورة خروجى لأعمال اخرى ..يحاول اسماعيل التدخل ..اشعارها بضرورة الانتهاء ..لاتعطيه فرصة لكلام او حتى ابداء رأى .. بل هى فقط تتكلم ..وحين يطول الصمت حولهاتنتبه ..تتسائل ببسمة راضية :- ضايقتك بحوارى ؟،
...................................
رآيتها تجلس على حافة الحياة ..رأسها على صدرها ..تبخل بنظراتها الكليلة على الكون حولها..وامرأة شابةتقف فوق رأسها يمينا. سابحة فى ملكوت شرودها ..تتأمل بيان حالتها ..مرتدية بالطو ابيض يتقافز فوق جسدها زهوا بنصاعته..وفوق رأسها شمالا تقف امرأة اخرى حاملة بين يديها الطب والحقن والبرشام وجهاز قياس الضغط..اتسعت عيناى وهما تبتلعان المرئيات امامى..تحتضنان الجسد المفترش السرير ..تزرعان على خلاياه اشواقهما..تقدمت خطوة ..جابهتنى امطار رعدية من عينى المرأة ذات البالطو ..سألتنى وهى ترمينى بشرر نظراتها المتأججة:
-
قريبها؟
انسالت الكلمات دون ارادة منى : - نبحث عنها منذ زمن
اخترقت نظراتها جدار حدقاتى وهى تزمجر :-
- -
كيف تتركوها هكذا ؟

تركتها اليها ..رأسها ماتزال على صدرها..اقتربت منها..امسكت يدها المعروقة هاتفا..ام اسماعيل..
رفعت جبالا من فوق عينيها لترانى ..رمتنى بنظرة متعجلة وعادت تحنى رأسها من جديد بعد ان اشاحت بيدها قائلة فى ملل..ماذا تريد ؟
..........................
حملته على جناحى طائرا به الى حيث اريد ..على باب المستشفى القيت به من حالق ..تركته ودخلت ..هرول خلفى ..على بابها تكسرت اجنحتى ..وقفت مهيض الجناح ، تاركا له فرصة التقدم ،ومجابهة امه وحده ..فاض سيل قنواته الدمعية وتوقف الى جانبى ضارعا ..ادخل معى ..رميت بعينى الدهشة فى وجهه معترضا ..لاحظ انها امك انت..دفعنى بيده فاندفعت معه الى حيث تصيدتنى مخالب نظرات البالطو الابيض الذى يزهو بنصاعته ..رمتنى بلمعة استنكار من احداقها ..تراجعت ..تقدم هو ..امى..قبل يديها وهو يغمسها فى بحر دموعه ..رفعت عينيها اليه ..نظراتها رافضة ..حانقة ..انفرجت شفتاها الجافتان عن كلمتين ..من انت ؟..تضرعت همساته ..انا اسماعيل ....لم تبال به ..استدارت الى الطبيبة بجوارها راجية ..اريد اسماعيل ابنى ..قالت الطبيبة بحروف منسوجة بالدهشة ..وهذا ؟؟اشاحت برأسها عنه ..هذا ليس ولدى ..لا اعرفه ..وعادت رأسها تنحنى على صدرها..بخلا على الكون بنظراتها ..!











3- أطول محمود فى التاريخ

رأيتها على الجدار ..مستديرة الوجه..بيضاء ..بخيوط صغيرة مذهبة الحواف..تحاذيها أرقام أجنبية سمراء اللون ،يتألق عليها الضوء،ويلهث فوق صفحتها مؤشر نحيل الجسد ،يدور فى حلقات دائرية لاتهدأ ،معتليا مؤشريين آخريين  ،أحدهما بدين الهيئة قصيرها ،والآخر أعظم منه طولا.
فتحت عيّنى على اتساعهما ..المفترض فى المؤشرات أن تدور فى اتجاه اليمين ..هذه تدور فى اتجاه الشمال !!
كانت دقاتها فى ليل الصمت مدوية ..تك ..تك ..تك..تسلقت عيناى سقف الحجرة المزركش بالسواد ..أخذت تتقافز على المساحات الخافتة الضوء،التى تتناثر هنا وهناك بين الحفر والتعرجات ،لاحقتها خواطرى تقفز  خلفها وتلهث ، حملت جسدى من الوضع راقدا على الفراش الى الوضع جالسا ، مسندا ظهرى الى مسند السرير ..رأيت أفكارى تتدحرج من أم رأسى وتتكور بين عينّى متسائلة بحدة:-
(  نمت الساعة التاسعة مساء ..وعدت تستيقظ فى التاسعة الا الثلث من مساء ذات اليوم ،كيف  !!؟
عدت الى الساعة ..عقاربها – وكأنها تستفز ادراكى أكثر  - تتراقص ، تتحرك فى قفزات متناغمة فى ذات الاتجاه ..الشمال !
تاهت المرئيات عن عينى ..غير أن خاطرة قفزت الى رأسى ..( وما أدراك  أنك استيقظت فى ذات المساء  ؟ )
فتحت عينى تماما ..لقد نمت الساعة التاسعة يوم الخميس الموافق ستة من الشهر ..اذن فنحن اليوم حتما الجمعة الموافق سبعة من الشهر ..نظرت الى النتيجة على الجدار ..تركتها الى التليفزيون ..لن يجلو الأمر سواه ..هرول المذيع بين يدّى متجهم الوجه ..نفخ فى أذنى  :-
(  الساعة الآن الثامنة والنصف مساء يوم الأربعاء الموافق خمسة من الشهر)
صرخت :-    لا
أشاح بيده فى ملل
توارى عنى
.....................................


داخل قفصى الصدرى حملت حيرتى ،وانسقت وراء قدمّى  الى الخارج .. الظلام منقوش على الأشياء ..مبذور فى تلافيف الهواء   ،وضارب بجناحيه العظيمين الأفق على البعد ..غرزت حبتى عينّى  بين عقربى الساعة فى يدى اليسرى ..الثامنة الا  الربع ..أدرت بصرا زائغا الى الطريق .. أحدهم قادم .
-  كم الوقت الآن  ؟
-   الثامنة  الا  الربع
سألت آخر..ذات الاجابة  :   -   الثامنة  الا  الربع
طارت قدماى الى الميدان الكبير ..الساعة الضخمة التى تعلو جامعته العريقة لن تكذب ..كانت الثامنة الا الثلث ..ملأ الغباء قسماتى ..فتحت  فمى كحمار صغير  لايفقه شيئا مما حوله ..كان هناك اناس فى الميدان ..كائنات متناثرة يمرون بنفس الحالة ..عرفتهم من علامات بدت على الوجوه ..اقتربت من أحدهم :-   ماالأمر   ؟
أغلق فمه بالكاد،   وأعاد بناء تقاسيم وجهه بتعبيرات حسية جديدة ،   وهمس محاولا الظهور بمظهر اللامبالى بالأمر :-
-  الساعة تسير الى الوراء.
ارتفع صوت متلهف بجوارى صارخا :-
-   أنت أيضا   !!؟
انتبه الينا بعضهم                ..انضموا الينا سراعا ..كانت ساعة الجامعة العتيقة تشير الى السابعة ونصف وخمس دقائق ..ارتفعت الأصوات صاخبة ، صنعت مظلة من حروف تائهة لارابط بينها  ، مالبثت أن تهاوت مترنحة على أسفلت الطريق فى حدود السابعة
......................
رأيت قامتى تقصر وانتابنى فزع  .. رجال المدينة أصابهم نفس الداء ..كلهم يوما بعد يوم تقصر قاماتهم ،كأنما يرتدّون الى الوراء بأعمارهم وأطوالهم ، رغم أن مافى تجويف الأدمغة لايتغير  .
..  حاولت الحكومة فى بداية الأمر تجاهل الموضوع .. لم تستطع .. أتت بساعة جديدة مجربة ومضمونة ووضعتها فى الميدان الكبير ، دارت  شمالا .. وضعت ذراع طويلة ربطت من ناحية بعقارب الساعة  ، ومن ناحية أخرى بموتور يدور يمينا ، وصور التليفزيون الميدان والناس والساعة ، وأكد أن الأمور تخت السيطرة ، غير أن ماجرى للرجال  فجر  الموقف ، ولم يستطع أحد أن يخفى الأمر .. اندفعت الصحف فى تناولها له  .. المدن المجاورة أرسلت علماءها للمساعدة.. طلب بعضهم أن يعود ببعض الساعات لمعاينتها ،  وببعض  الرجال لوضعهم تحت الفحص   .. الساعات لدهشة الجميع سارت باتجاه اليمين ، والرجال بدأوا فى الاستطالة بمجرد مغادرتهم مدينتنا ..الجدير بالذكر أن الوحيد فى مدينتنا الذى بقى على حالته ولم تقصر قامته هو عمدتنا القصير  الذى ظل على قصره   .
......................
قال الولد   - ابنى  - وهو ينظر الّى مرتابا :-  مدير المدرسة طلب ولى أمرى
لم أفطن لمعنى نظرته .. قلت بعفوية  :-
-    ماذا فعلت هذه المرة  ؟  .. أتعرف جزاءك  اذا
اذا  اشتكى منك  ؟
أجاب الولد ابن العشر سنوات محتجا :-
-    وهل أنت الذى سيأتى معى  ؟
وهو ينظر الى قامتى التى كادت تقارب قامته ،ويكمل مستدركا  :-                 -     ماما تأتى معى
وهو ينظر برضا الى طولها ..حدقت فيه بحدة وأنا أبحث عن كلمات أزجره بها ، أو عصا أهوى بها على ظهره ..رأيت أمه الى جانبه انسحبت أجرجر المى ..تبعتنى زوجتى فى صمت ..جلست على المقعد .. شدتنى لأجلس على حجرها ..كالطفل العنيد رفضت ..قالت بجد  :-  اذا  استمر هذا  الوضع سأجن
هربا من الخوض فى موضوع ليس وقته الآن   هرولت الى التليفزيون أفتحه ..مد المذيع المتجهم الوجه يده الى أذنى قربها من فمه وصرخ :-
-  تم شراء ساعات يابانية أصيلة تساير الزمن ، وتدور يمينا ، وسوف توزع على الرجال الذين قصرت قاماتهم
سألته :-   وهل يعيد لى هذا ارتفاع قامتى  ؟
أشاح بوجهه عنى ولم يرد
............................
فى اليوم المحدد لاستلام الساعة ارتديت ملابس ابنى و  مضيت الى الميدان الكبير..احتفال مهيب كان هناك ..ميكروفونات تشيد بهذا  الانجاز ..اعلام ترفرف ..موسيقى تصدح  ، و حوارات غاية فى الجدية  تدور  ..فمن قائل أن الأعداء رشوا الزرع بمبيدات تغتال الرجال ..ومن قائل أن السبب منا . اذ الغينا رجولتنا بايدينا ،وتعودنا الرضوخ لأوامر غيرنا ،  ولم يعد لنا طعم ولا رائحة  ، فبدأت أجسامنا تتكيف مع الوضع الجديد . . ومن قائل أن هذا عقاب من الله أنزله بنا ، لأننا غيرنا نواميس الكون ،  وخاصة وضع المرأة ،فخرجت من بيتها ، ودست أنفها فيما لايعود عليها ولا على بيتها بالخير ،  ورفعناها فوق الرجال بقوانين ما أنزل الله بها من سلطان ،  فجعلنا الله عبرة ..ومن قائل ان الحكومة رأت أن تشغل الرجال بعيدا عنها وعما تفعله ففعلت فينا هذا .
كلمات كثيرة سمعتها ، وأفواها عديدة رأيت كلا منها يزفر مالديه فى حدة ..غير أن الكل صمت حينماوقف مسئول لجنة توزيع الساعات أمام الميكروفون ،  وأعلن آسفا  أن الساعات بمجرد دخولها المدينة غيرت من سيرها !!
تعالت الأسئلة حائرة عما يجرى ولاندرى له  تفسيرا  ، وهذا الجو الذى نعيش فيه ، وتعالت الصيحات تطلب ضرورة البحث فورا عن حل ،  لحظتهارفع  الرجل ذراعيه طالبا الصمت قائلا  :-  اطمئنوا ..بحثنا عن الحل ووجدناه ..وقد  تقرر الآتى :-
اولا  -   الغاء الساعات الموجودة بشكلها الحالى وعمل ساعات أرقامها من(1  الى   12  ) تكتب متجهة الى اليسار  وبالتالى تصبح
العقارب فى سيرها ناحية الشمال بدل اليمين طبيعية ولا تحدث مشكلة
ثانيا  -تقرر تعويض  القامات القصيرة بأسماء تلغى المشكلة فورا ..مثل محمد الطويل ..على الأطول ..حسن المستطيل ..حسين المطول ..وهكذا ..وتأكيدا لعدالة التوزيع سيترك لكم اختيار الصفة المناسبة كما ذكرت ..ولن تتدخل الحكومة فى هذا
ثالثا   بعد الاختيار سيتم توزيع طراطير لها اطوال مختلفة ..تم صنعها خصيصا من أجلكم ..كل واحد سيأخذ طرطورا  بطول مناسب ..ويكتب على الواجهة اسمه الجديد .مثلا أنا اسمى أحمد المتطاول ..أكتب هنا  ( وأشار الى مقدمة الطرطور  )  اسمى ليعرفنى كل الناس ..وبهذا تنتهى المشكلة
استلمت طرطورى  الجديد ،وارتديته فوق رأسى بعد أن كتبت اسمى بلون أزرق على قماشه الأحمر ليكون واضحا للعيون ..(  أطول محمود  فى التاريخ  ) ..وعدت الى بيتى فرحا ..أنظر الى الطريق  من علٍ

















4- ظلال على جدار الليل


تربطنى ونافذة حجرة النوم رابطة ود مقيم..ود يشد كلا منا للآخر..كلما دخلت الحجرة تتلمس نظراتى وجهها ..اهتم بشكلها العام ..واشد مايكون الارتباط وانا راقد على سريرى فى الزاوية اليمنى من الحجرة ، مواجها للباب من ناحية ، ومجاورا لها من الناحية الاخرى ..الباب عادة يكون مغلقا ، اما هى فلا اغلقها ابدا ..فى الشتاء افتح الشيش مبعدا خصاصه الخشبية المتوازية عن عينى حتى لاتذكرنى بالفلنكات و القطار وفراق الاحباب ، تاركا الزجاج المغلق يحكى عما خلفه بلسان صمته البواح ..اما فى الصيف قيدخل الهواء وتدخل الشمس والقمر وافرع شجرتنا واوراقهابغير حساب .
بعد المغيب حينما اعود من عملى تشدنى السكينة بانفاسها الدافئة التى تعبق الحجرات الثلاثة حولى ..ارمى الردهة بنظرة سريعة لامبالية ..تبادلنى ذات النظرات ..اغادرها الى الصالون بقماشه الوردى الوثير ، باناقته المغالى فيها ، والبرودة التى تسرى فى عظامه صيفا وشتاء ..لا انتمى اليه ولا ينتمى الّى ..ادخل حجرة النوم ..تغمرنى الراحة ..ابتسم للنافذة ..تبتسم لى ..احتضن السرير بعينى او ربما بكل جسدى ..يفرد ذراعيه ويحتوينى...
فى الليل حينما تطلى الظلمة المرئيات بالسواد ، وتمطر السماء سكونايتغلغل فى الارجاء ، تبدأ سهرتى الحقيقية مع النافذة ..انظر من مرقدى الى فروع واوراق شجرتنا وهى تميل عليها ..تطوف باطارها وتلثم حوافها وتستر فوهتها من اعين المتطفلين ..لكنها لاتمنع اشعة القمر من الدخول الّىّ ، وافتراش جزء من السجادة الحمراء المهترئة الحواف ، التى تفترش الارض منذ سنين ..اضع وسادتين تحت رأسى لآتمكن من متابعة افتراش الضوء لجزء من السجادة ..احدق متأملا واغوص فى طيات الصور الماثلة امامى بفعل مرور الاشعة الفضية من بين الاوراق المدلاة والغصون المتفرعة ..واجدا فى كل ليلة من تلك الليالى القمرية جديدا يشد النفس اليه .
امس الاول
لمست نسمة بيضاء باناملها الحانية الفروع خلف النافذة مباشرة ..فتحت عينى من اغفاءة ..رأيت امرأة ممشوقة القد على السجادة ..كانت سمراء ..لم ابال باللون ..حركاتها خفيفة دليل على رقة الطبع ..تتمايل بجسدها بلطف يشد القلب ..تلاطمت امواج النظرات المتدفقة من عينى ..رفعت جسدى اكثر وتابعت مايجرى ..هذا الجسد لابد له من وجه فاتن اطاره دائرى كوجه القمر ،عيناه حوراء باسمة النظرات ،وملامحه آثرة تشد القلب بخيوط وداد رقيقة لاترى ،تتناثر حبات النبض بين يديه ..غاب القمر ..اختفت المرأة..نمت .
بالامس انتظرت مجيئها..رغم صعوبة هذا الا ان الامل لايغيب ، والنوم يفر امام بريق عينى ..اطل القمر ..تبسمت ..تحركت الاوراق بفعل النسيم ..اعتدلت ناظرا الى الحصير ..مفتاح بلدى عملاق يأخذ عرض الحصير ..انتقلت نظراتى دون ارادة منى الى الجدار بالاعلى حيث الشهادة الصناعية المقيدة بالاطار المذهب ذى الشريط الاسود اعلى جانبه الايسر ..اغمضت عينى على نظرة غضب لم استطع كبحها ونمت .
الليلة حاولت اغماض عينى هربا مماقد الاقيه ..راودنى الامل فى ظل جديد ..تحركت الاوراق بفعل النسيم ..اعتدلت قليلا ناظرا الى الحصير ..لم يكن الظل عليه ..كان واقفا امام النافذة مباشرة ، ولم يكن اسودا كسابقيه ، بل هو جسد مشكّل من خيوط الضوء الفضية المنسّلة من بين الفروع و الاوراق المدلاه ..جسد بشرى معتدل القامة ،مرفوع الرأس يتصل بخيوط فضية شفافة بقمر فتى ، مضىء الوجه يسع الكون ..اعتدلت جالسا ..احدق ..اتكلم ..كلماتى مهرولة ..متآكلة الحروف تحكى له عن تفكيرى فيه واننى كنت انوى قراءة الفاتحة على روحه ..غير اننى بعد لحظات توقفت ..قلت متسائل :- 
-
ابى ..لماذا لاترد علّى؟
على الضوء الخفيف الذى يغشى المكان طالعتنى السمات .. اللحية وشعر الرأس يحيطان بدورانها ..يصنعان اطارا ناصع البياض حول سمارها ..وبيده الكتاب لايفارقه ..لم الحظ اثر دهشة تغزو عينى لرؤيته هنا معه ..او لرؤيته هو ذاته هنا ..خلفه تطل فروع واغصان شجرتنا العجوز..ترقب الحجرة والحوار الذى يطوف عبر ارجائها من وقت لآخر ..بينما الجزع هناكبجوار الباب يقف حارسا منذ دهور ..رفع يده بالكتاب كمن يشير به او يشد انتباهى من جديد اليه ..رأيتنى ارتد الى الخلف قليلا ..تتخاذل نظراتى عنه
يلتمع الندى على اخضرار الاوراق المغموسة فى ضوءالقمر ..النافذة من خلال الفروج بين الاوراق ينفذ اليها الضوء..يلتف حول جسده المديد ..يتألق الوجه..تتسارع دقات قلبى مهرولة فى براح اللحظات ..طافية على سطح رجفة ممتدة بلا انتهاء..رهبة تملأ صدرى ..اغوص فى بحر من نظراته وحيرتى..المح لمحة حزن شفيف تسكن عينيه ..ا حني رأسى هربا منه ..تغطى غمامة وجه القمر ..يسود الظلام ..انتفض مهرولا نحو النافذة ، ازيح الاوراق والفروع باحثا عن وجه القمر ..لاشىء هناك الا الظلمة ..بكيت !!

























5- مأزق أنف ضال


رأيته قادما على البعد ،حاملا منديله فى يده ، مغطيا به أنفه..بدا سريع الحركة،يسير كأنه يهرول قاصدا هدفا ما ..بينما بدت عيناه كأنهما كهفان فى أغوار وجهه المثلث الأبعاد ،تبسم وجهه حينما وقع علّىّ ..عبس وجهى ..كان المغرب تشتعل ناره فى الأفق احمرارا ،بينما السواد يزحف متربصا بالأرجاء ،وانا أجلس على باب المقهى أشد أنفاس الشيشة ،وأمامى كوب الشاى ..سحب مقعدا وجلس الى جانبى.
سأل  :- مازلت ترفض  ؟
فتحت فمى فانطلقت منه أبخرة رمادية اللون ،تحجز بينى وبينه قبل أن تنطلق الى أعلى .
قلت :-  مازلت لا أفهم غرضك .
رفع المنديل عن أنفه ..قال :-
-        العرض بسيط ..أستأجر جزءا من جسدك لمدة عام ..وهذا طبعا فى حدود الشرف والدين
نحيت مبسم الشيشة  عن فمى ..انطلق الدخان هادرا فى وجهه ..قلت متربصا :-   أى جزء تقصد ؟
قال بسرعة مخيفة :-  الأنف !
بدا الأمر مبهما على نحو ما ..ربما لأنه اختارنى أنا ليطلب منى هذا الطلب ،وأنا المعلم صاحب المقهى ..قلت لنفسى ..يبدو غافلا .. استطيع أن أؤجر أنفا من الباطن ..أرضى صاحبه بمبلغ زهيد ،وأكسب أنا فارق الأجر ..استدعيت عاملا يدعى ماهر ،وأجلسته بجانبى ..قلت :-  أريد أن أستأجر أنفك لمدة عام بمبلغ معقول.
نظر بعدم فهم ..أدرت وجهى عنه مشيحا بيدى قائلا :-
- اذا رفضت عد الى عملك
نظر الى وجهى جيدا ،مستطلعا امارات الجد فيه ..فتح فمه بحرفى اللام و الألف..لم يطاوعه لسانه ..تحرك الى الأمام وعاد الى الخلف ..أخيرا حسم أمره وأقترب منى بوجهه هامسا:-
-        ومن قال أننى أرفض ؟  انا فقط استفسر

ربت كتفه برفق .
بعدها جاء الرجل المثلث الوجه ..قلت :-
-        أتيتك بأنف حسب ا المواصفات ..وأى  أجراء أو اتفاق أنا الضامن له .
عبست ملا محه وضاقت عيناه وقال مؤكدا :-
-        ليس هذا ما أريد
أمسكت بمبسم الشيشة وسحبت نفسا قويا منه ..نفخته محملا بضيقى مما سمعت ..عادت الأفكار تهرول فى فضاء رأسى هامسة ..مؤكد يريد أنفا يعتد به ..أنفا ذا حيثية ..يستطيع التقاط أى رائحة يريد ..واخترت الولد حازم لهذه المهمة ..تحدثت اليه ..لم يفهم شيئا كسابقه ، ولكنه أعلنها مدوية أنه موافق على ماأريد ..ضحكت منه ..وماهو الذى أريد   ؟أطلق ضحكة هزت أركان المقهى وهو يقول ..طلبات المعلم..لها درجة المعلمة على كل الطلبات ..
احنيت رأسى تأثرا ولم انبس بحرف
..جاء الرجل ..انهيت اليه الأمر ..عبست ملامحه وتكدر وجهه ،وأشار باصبعه السبابة  مؤكدا :-
-        أريد أنفك أنت
أزحت أصابعه عن وجهى قائلا :-
-        اذكر المواصفات المطلوبة وأنا آتيك بها
عاد يكرر :-   - أريد أنفك أنت .
القيت مبسم الشيشة بدخانه بعيدا واستدرت اليه :-
-        هذا لن يكون
وقمت الى داخل المقهى .. هرول صوته خلفى ..عدت بوجهى اليه ..رأيته فاتحا حقيبته الصفراء والنقود واضعة ساقا على ساق فى جوفها ،تنظر الّى من أعلى ..بادلتها النظر بذات الكبرياء  وعدت اليه ..ماذا تريد ؟
قال بذات رنين الصوت البطىء ، الذى يصل الأذن  غير عابىء بوقت أو ظروف :-  أريد أنفك أنت ..بالمبلغ الذى تريد .
اندفعت متسائلا :-
-        وماذا ستفعل به ؟  ستأخذه بعيدا ؟

تبسمت عيناه ربع ابتسامة وهز رأسه نفيا ..قلت لنفسى فورا ..أنه ربما رأى فى أنفى مالم يره غيره ، ومدام الأنف سيبقى والنقود المغرورة ستجىء ، وأكسر فيها حده الكبرياء سأقبل ..
جلسنا نكتب العقد الذى أصر  على أن يكون بيننا ..كنت قد أكدت له أنه لاداعى للعقود ،حيث أننا نلتزم بالكلمة ..هز رأسه وأصر على مايريد ..جلست مواجها له فى مكتب المحامى الذى طلب منى قراءة بنود العقد جيدا قبل التوقيع ..بعد الحاح مددت يدى وبدأت القراءة ..عقد ايجار بين طرفين ..يتعهد فيه الطرف الأول بتأجير أنفه للطرف الثانى نظير مبلغ مادى كبير ..على أن يتعهد صاحب الأنف أن يكون الضامن لأنفه فى أى طلب يطلب منه ..بحيث يتم التنفيذ فورا ،والا أصبح بالتضامن مع أنفه مسئولا أمام القانون .
-        هل لديك اضافات  ؟
انتبهت للمحامى يسألنى ..هززت رأسى نفيا ..تم التوقيع وتسلم كل منا صورة منه ..بعدها انتقلت الحقيبة الصفراء بما فيها الّى
..نظرت الى النقود متحفزا ..مقسما الا أدعها تهنأ براحتها فى هذا  المكان ، وسأبدأ فورا ببعثرتها فيما كنت أحلم به ،. ..قمت واقفا ..أشار الىّ أن استمع ..قلت هات ماتريد ..طلب من أنفى أن يتشمم الأخبار والأحاديث التى تدور فى المقهى ،وأن يسجلها فى تقرير  يومى يقدمه اليه ..قلت محتجا
-        أنفى لايكتب
رد فورا بذات كبرياء النقود التى كانت ماتزال فى الحقيبة شامخة :-
-        أنت متضامن معه ..بدليل أنك قبضت النقود عنه  لأنه لايقبض نقودا

اضطررت تحت قوة حجته للصمت .
عاد ثانية بطلب جديد ..أن يقوم أنفى بالاندساس هنا وهناك ..لايترك شيئا فى المقهى أو حولها وباتساع الناحية كلها ..قمت معترضا بصوت عال :-    أنفى لن يقوم بهذا
قال بهدوء واثق :-  اقرأ العقد جيدا وبعدها تكلم
اضطررت للرضوخ
...............
لاأعرف من الذى أخبرهم فى المقهى بالمهام الموكولة الى أنفى ..رأيتهم فى البداية يعترضون بكلمات ميهمة ذات أطر رمادية تحتمل التأويل ..تطور الأمر الى تذمر هادىء..أعقبه ارتفع صيحاتهم وأيديهم ..بعدها بدأوا يتحركون ناحيتى..تراجعت الى داخل المقهى مضوا خلفى ....ناديت عمالى ..تخاذلوا عنى ..اندفعت  الى الردهة العليا ..احتضنت الهاتف  باحثا عن صوت الرجل المثلث الوجه.. أغلق هاتفه دونى ..صرخت
بكل ماأملك من ذعر :-   ماذا تريدون  ؟
قالوا :-   أنفك
اضطررت انقاذا للموقف الى قطعه وتسليمه لهم ..غير أننى فوجئت بآخر جديد ينبت مكانه فورا ..امتلأت نفسى سعادة مادمت لم أخسر شيئا ..لكن سعادتى لم تدم طويلا ،اذ رأيتهم يتنبهون له ،و يصعدون الّىّ ،
مصرين على قطع الرقبة حتى لاينبت آخر جديد !























حكام فرع الشجرة-6





على فرع الشجرة وقفا جنبا الى جنب..هى بفستان زفافها الابيض ..فاتنة الملامح..ممشوقة القوام..وهو ببذلته السوداء الانيقة ، المفتوحة الجاكت عن قميص زاهى البياض..الصمت سياج يفصل بينهما ..بينما الساحة على مرمى البصر حولهما خالية الا من عويل الليل ..المدعوون صنعوا لهمامحفة من حرير ،طاروا بها عبر البساتين ، وفوق الاشجار ، بعدها جاءت التحية من فرقة الطيور الموسيقية..عزفت الحمامة مقطوعة هامت معها النفوس، وغنى البلبل اغنية اسعدت القلوب، وغرد الكروان فاذهل العقول..ثم اوصلوهما الى مدخل عشهما الانيق.. مضى كل الى غايته ، ولم يبق الاهما والليل وفرع الشجرة باستقامته تحت ضوء قمر يتقافز فى الانحاء ..نظرت اليه ..عيناه فيهما سطور شوق مقرؤة على الضوء الفضى ..فرت عيناها من عينيه..بحثت عن مأوى ..كان قلبها الصغير نهرا من قلق تجاوز حد الكتمان ، وبانت ملامحه على قسماتها ..سأل اخيرا :- 
-
مابك ؟
نظرت الى العش بجوارها ..حجراته فسيحة ..فرشها راقى ..هواءها متجدد ..نوافذها تطل على الخضرةوالسماء الزرقاء ، وعيون الليل الساحرة ،والقمر الدافىء بنوره الهامس باعذب الالحان..عادت اليه :-
-
لن اعيش هنا

اتسعت عيناه ..رفرف بجناحيه مرارا بقلق.قالت :- 
-
انظر يمينك

ويممت وجهها نحو اليمين..واجهته لافتة بيضاء عليها خطوط سوداء عريضة
ممنوع الزقزقة
مضت بوجهها الى اليسار ..رأى لافتة اخرى
يحذر الطيران بدون اذن
احنى رأسه منقبض القسمات ..حكام الاشجار الذين يأمرون وينهون فى ساكنى الفروع يصدرون تعليماتهم ، وعلى الجميع طاعتها ، والا حرموا من سكنى العلالى ، ونزلوا رغما عنهم الى الاسفل..انتبه لعينيها تقودانه الى الطريق ..طيور محذور عليها الصعود لاعلى ..تجاور الجدران ..متهدلة الاجنحة .. واخرى تسير على التراب باحثة عن مأوى..ضم جناحيه على جسده المتقازم فى صمت ، بينما الكلمات على شفتيه تتراجع مخزولة مفككة ، وهو يحاول ربطها دون جدوى ..اخيرا استطاع ان يهمس :- 
-
البعض يفضل البقاء 

واجهته محتدة :- لن ابقى
تألقت فى عينيه نظرة مباغته وهتف :-
-
اذا نظرنا الى نصف الكوب الاخر لن نندم

كانت واقفة على غصنها المورق ..النسيم يزف موسيقى الحياة اليها ..رغم هذا تبدو متجهمة ..عيناها فيهما نظرات قلقة .ترمق الساحة الخالية من خلال دوامات تدور فى رأسها لاتهدأ ...بينما الليل حولهما وحش ينشب انيابه فى الصدور ..ادار عينيه هذه المرة هربا من مطاردة نظراتها له ..ليلة زفافهما لن تكون هانئة بهذا الشكل..الشوق واللهفة والانتظار المتأجج والنيران المشتعلة والاحلام المتألقة كل هذا ابتلعته امواج غضبها المتلاطمة ..تريد الرحيل ..وهذا معناه سفر ومشقة وبحث ..معناه عش جديد وعالم جديد عليهما ان يألفاه ويتآلفا معه .. وجيران جدد واشجار اخرى .. وحكام اشجار آخرين قد يقبلون بهما ، وقد يرفضون بقاءهما بينهم .وهما فى كل الاحوال سيكونون مضطرين للاذعان ..لكنه الآن لايملك ان يتركها هكذا فى اتون من نار لاتهدأ .
انتبه لصوت بكاء ينسل عبر دهاليز الصمت الى اذنيه ..التفت اليها ..قرر التحرك فورا ..اغلق ازرار جاكت بذلته وفرد جناحيه وامتطى متن الهواء وهى الى جواره تكفكف 
دموعها راضية بالقرار التى سعت اليه .
طال بهما البحث حتى استقرا على مكان يصلح لما يريدان ..شجرة تستحم بضوء القمر ..اطرافها عفية وجسدها سارح . تصلح عشا للغرام ينعمان فيه بماينشدان من راحة..هبطا يلتقطان انفاسهما والنشوة تزغرد فى العيون ..ادارت عينى السعاد ة فى المكان وهى تفرد فستانها ، وتضبط طرحتها ناظرة الى القمر ، ترى وجهها على صفحته استعدادا لبدء مراسم الزفاف..امتقع وجهها وهى تهمس له :- 
-
انظر يمينك

رأى لافتة مكتوبا عليها :
احذر رصاص القناصة 
هرب منها الى اليسار..طالعته لافتة اخرى 
انتبه للقنابل الحارقة
عاد اليها 
خلعت ملابس الزفاف البيضاء وارتدت ثوبا اسود ..حدق فى وجهها الممتقع وعينيها الفزعتينن ، وقبل ان ينطق بحرف رآها تفرد جناحيها وتنطلق ..ارتدى عباءته القديمة ملقيا ببذلته ورابطة عنقه جانبا واطلق صوته خلفها :-
-
الى اين ؟
ردت وهى منطلقة باقصى سرعتها :- 
-
ابحث عن نصف الكوب الاخر الذى حدثتنى 
عنه


























7- الصوت

أغلق بابه فى وجهها كالمعتاد ،أشياء كثيرة صارت تباعد بينهما الآن ،أحدها خواء جيوبه الذى صار مزمناً ،هى تعمل وهذا فى حد ذاته يجبر الكسرالمادى قليلاً ، وإن كان يعمق كسره الروحى الذى لايطيب ، رمق صورتها على الجدار بوجه نصفه عابس ، سميحة الصغيرة تحوّل  الإبتسام على وجهها الى عبوس مقيم ، تنظر اليه كلما أتى من الخارج ، تحاصره بنظراتها ، يمد يده فى جيبه ،تخرج خالية ، يهرول نحو غرفته ، يغلق بابها عليه دون كلمة ، اليوم رآها تجلس على الأريكة مواجهة لباب الشقة ، تواجهت عيناهما بمجرد فتحه للباب  ، فتحت فمها ،انهمرت الحروف والعبارات ،حاول أن يتكلم ،لم يجد مايقول ،أغلق بابه واستلقى على السرير ،تعقبه صوتها الى مكمنه،أدار مؤشر الراديو ورفع صوته،ظل صوتها يحاصره ،سد فتحة الباب السفلى ، اتجه الى الشباك المطل على الحارة الذى يستقبل صوتها العائد اليه بعد نفاذه الى الجيران ،عزله تماما ً وعاد  الى السرير ،حاول النوم ،لم يستطع ،شعر إنه يريد أن يتكلم ،يصرخ ،يبكى ،يفعل أى شىء ، إتجه الى المسجل ،احضر شريطاً جديداً ،جلس والحجرة الموصدة يتكلم .
..............
جلس وسط الحجرة مثقل  القلب ،الشريط امتلأ  ومايزال هناك المزيد من الكلمات يموج بها صدره ، يريد أن يتحدث عن العمل الذى يفر منه ، وسميحة التى تنوء بحمل البيت ومافيه ، والأولاد وطلباتهم التى لاتعرف النفاذ  ، و..خنقته العبرات ،ارتفع نشيجه ، سمع صوتاً يواسيه ، صمت فمه وارتفع وجيبه رعباً ، أدار عين الذهول حوله ،الصوت يكاد يعرف نبضاته ، يحسها، يعرفها ، حاول أن يتذكر ،يقارن ، يبحث ، لاشىء .. عّم  سكون ممقوت ، فكر إنه ربما كان وهماً ماسمعه ،عاد الصوت اليه ، صوت أنثوى ،هادىء ،واضح الحروف والكلمات كما طالما سمعه من قبل ، لكن لمن ؟.. ارتجف قلبه كسفينة فى ريح ، سألته :-
-       هل أنت خائف ؟
التفت حوله متثلج الأطراف ،متصلب النظرات ، مدققاً فى الجدران ،الباب ،الشباك ،همس بصوت مفتت الحروف :-
-       من انت ِ  ؟
رد ت :-  وهل هذا يهم ؟
الصوت مصدره الجدار الأيمن ،هو لاحظ هذا ،اقترب منه محاذراً ،فحصه ، دقق فيه النظر ، رفع الصور المعلقة ، أزال مشجب تعليق الملابس ،أزاح الأريكة القديمة ،لاشىء هناك وهى مازالت تتكلم ،ارتد الى مكانه محنى الرأس .
..................
مؤكد ليس جنوناً والا ماناقش الأمر بهذا المنطق ..ايضا هو لايتخيل والا ماحاورها وحاورته ..هل يكون به مس من جان ؟
ذهب الى شيخ يثق به ، جاء الرجل معه الى البيت  ، رتل وقرأ  ، أكد له أنه لاشىء هناك ومضى .
قال لنفسه لن يحل هذا اللغز الا إمرأة وياحبذا لو كانت سميحة فهى شعلة ذكاء ، فتح الباب وخرج اليها ،جلس بجوارها ،حدقت فى وجهه بعين العجب ، يهرب  حتى من مجرد سماع شكواها الى حجرته ، تسمعه يحادث نفسه ، تدق عليه الباب ، لايرد عليها ، ويتركها وحدها تواجه الريح بأجر من عملها لايكاد يكفى شيئاً .
تذكرته قبل تعطله وضحكاته تملأ البيت ،كان رجلها الذى تركن اليه ،الآن يفر منها، ماذا يريد الآن ؟..اذا كان يريد نقوداً فقد خاب مسعاه ..فتح فمه يحادثها ،أدارات وجهها عنه ،جر قدميه الى حجرته .
....................
رأى نفسه يدمن غلق الباب والتجاوب معها، يرسم لها صورة يراها بها بعين خياله ،أو أن صورة محددة تملأ رأسه رغما عنه مطابقة لهذا الصوت فهى وجه يسع الكون برحابة ابتسامته ، وعين ينبع من بين ضفتيها نهر حنان لاينضب ،  وفم يرسل بالحروف منغمة على أوتار اللغة فيملأ الآذان برجفة استماع محببة ،  مناقشاتها ايضاوحواراتها هادئة ،مقنعة ،تدفعه دفعاً الى الإيمان بما تقول اقتناعاً بها دون صراخ أو عويل أو حتى تباين درجة الصوت من عبارة لأخرى ،بوضوح هى  تختلف عن سميحة زوجته ، يحادثها على أنها أمامه بذات الوجه الذى ملأ كيانه دون أن يمتلك المقدرة على تحديد هويته أو من هى صاحبته التى بالقطع قابلها وتحدث اليها رغم انه لايتذكر أين أو متى أو حتى كيف ،يشرح لها ما يخبئه فى صدره ،يقول أشياءاً هو نفسه لايعرف كيف يقولها ولا كيف كانت موجودة داخله دون أن يدرى بها ، وهى تسمعه وتطيب خاطره .
حمد الله كثيراً أنه لم يقل عنها لأحد ولا حتى سميحه  ، وفى ذات الوقت طارد ذاكرته لمحاولة الوصول الى متى وكيف وأين رآها من قبل .
...........
عاد الى البيت ليلا ً ،قابلته سميحة كالمعتاد ،كانت تريده لتحكى له عن محمود ومصاريف المدرسة المطلوبة منه ،  وفستان  أحلام الذى تمزق ولاتجد غيره  ، وحذائها الذى تهرأ ولم يعد يصلح لرتق ، و..فتح باب الشقة ، مد يده الى جيوبه ،أخرجها خاوية كالمعتاد ، فتحت فاها متسعة العينين لاهثة الأنفاس تتابعه وهو يمضى الى حجرته ،يحكم إغلاقها دونها ، تفجرت  عيناها بسيل الدموع والشكوى ،أما هو فقد جلس لاهث الأنفاس يبحث عن مستقر ،تدور عيناه فى محجريهما ،تنطلق منهما نظرات لاتكاد تستقر فى مكان ،يهب واقفاً ، يتحدث منتظراً  أن يأتيه الصوت  ،  لم يأت ، ازدادت نظراته اضطراباً ،أخذ يدور فى مكانه راسما دوائر مغلقة الحدود والأبعاد ، طال الإنتظار ، زاد القلق ، اتجه الى  الجدار الأيمن  يتحسسه ، يدق عليه ، بينما الليل يهرول ، الظلمة تتكاثف  ، والصمت حريق يتأجج فى صدره وأمام عينيه  ، صرخ يناديها ، يرجوها العودة ، لامجيب ..قرر أن يبحث عنها بنفسه ، يصل اليها ، يعرف من تكون ومتى قابلها وأين ، يؤكد لها أنه مايزال يمتلك إرادته ، وأنها كما تأتى اليه  يستطيع الذهاب اليها ، هرول الى فأس قديم ، عاد به وانهال على الجدار ضرباً  .
كانت لديه  عزيمة لاتلين على تحقيق مايريد .!!
























8- وجهاً لوجه


شده صوت منصور من شروده :-
- دكتور .. أحضرت التصريح الخاص بموافقة السلطات؟
رد فوراً وهو يغرز نظراته فى حبتى عينيه : -
-     - تم الاستعداد لكل شىء
هز رأسه الضخم راضياً.. تابع الدكتور قفاه وهو يستدير عنه ..رغم نفوره منه وشعوره كلما رآه أنه بين لحظة وأخرى سيتناثر التراب من خلايا وجهه ويديه، أو يخرج له من جيب جلبابه الباهت الزرقة جمجمة غائرة العينين والوجنات ، الا أنه هو ذاته الشخص المطلوب  بصفته مندوب إدارة المدافن الذى سيتعاون معه ،  بهدف تسهيل  إجراء تجربة علمية تستخدم فيها أحدث التقنيات لبحث ماهية الروح، وطريقة مغادرتها البدن ، والتغيرات التى تطرأ على الجسد بمجرد تجرده منها وتحوله الى مادة خالصة.
بدأت الترتيبات حسب الخطة التى أعدها فريق البحث بواسطة الحاسب الآلى ..الألات ..التوصيلات ..الإضاءة ..الكشافت الأساسية ..الكاميرات ..أجهزة التسجيل .. جهاز الإنذار الفرعى.. وأخيراً جهاز الإنذار الرئيسى الذى ماإن يضغط على زره الأحمر حتى يقوم بالغاء العملية بالكامل . تحرك الدكتور متابعاً مايجرى ..اصطدمت عيناه بعينى مندوب إدارة المدافن المعلم منصور شيخ الترابية  من جديد  ..عيناه واسعتان .حدقاتهما بهت لونها وصار قريباً من الطين ..كلما نظر اليه شعر فى نظراته بسخرية متواريةخلف قناع من ثلج . ملامحه متجمدة على تعبير لايتغير ..يشعر وهو ينظر اليه أنه إما إبله لايفقه شيئاً أو هو رجل عميق الغور يخفى مشاعره وأفكاره فى الوقت الذى يقرأ فيه مابداخلك ..باغته صوته متسائلاً :-
-هل تشعر أنك ستصل الى شىء؟
عاد يغرز نظراته فى بؤبؤ عينيه ..العينان فيهما دهشة سرمدية لاتغيب ..قال له :-  لا أعرف إن كنت ستفهم أم لا ..لكن العلم فتح كل الأبواب
تركه المعلم منصور الى المقابر المتناثرة حولهما ثم عاد متسائلا :-
-     -حتى باب المقبرة ؟
اتسعت عينا الدكتور وتاهت فى سراديب سؤاله المباغت ..هل يعرف ماهية هذه المهمة ؟..حاول العودة من رحلة شروده اليه .:-  ماذا تقصد ؟
حدقت العينان الواسعتان فى وجهه وسمعه يقول :-
-     - أقصد سلامتك داخل المقبرة
-     إهتز قلبه بعنف فى فراغ صدره وتداخلت دقاته ..هز رأسه محاولا التشبث باللا مبالاة وهو يسأل راسما بسمة استخفاف على شفتيه :-
-     - ما الذى سيجرى ؟
-     باغته الرجل بسؤال :-   الم يقل لك الكمبيوتر  ؟
-     أدار وجهه عنه ..تشاغل بمتابعة التجهيزات مع طاقم الفنيين ..ارتفع صوت الرجل بسؤال جديد :-
-     - واذا حدث لك شىء بالداخل ؟
-     إمتلأ صدره ضيقاً منه ..استدار اليه ووجهه ينطق بحقيقة مشاعره :-
-     - ماذا تريد  ؟
-     لم يبال بقراءة ملامحه ..قال بقوة :-
-     - تكتب إقراراً بإخلاء مسئوليتى تماماً
-     أدار وجهه عنه :-    لك ماتريد .
-     ومضى الى الملف الذى يضم تفاصيل العملية ..راجع وضع الآلات ومكان الجثة القادمة وكذلك الغرفة الزجاجية الصغيرة التى سيجلس فيها داخل المقبرة للمراقبة وتسجيل الملاحظات ..باغته صوت منصور :-
-     -  ستبدأ الآن ؟
-     من فوق إطار نظارته الطبية  رماه بشرر نظراته  قائلاً  :- أنت تابع تنفذ مانريد ..حينما نريد
-     واستدار عنه ..التجربة أجريت من قبل فى ظروف مشابهة للواقع ..وضعت الألات اللازمة فى إحدى المقابر .؟.تم دفن ميت فيها وأُعيد إغلاقها ، لكن الألات فشلت فتقرر أن تعاد التجربة على أن ينزل الدكتور بنفسه مراقباً ، وبدلاً من وضع ميت سوف يوضع رجل قارب على الموت لتصبح التجربة أكثر صدقاً ويصبح والموت وجها ً لوجه ..لكن هل يمكن رؤية الموت ؟
-     رفع عينيه عن الورق.. وجههما لا أراديا الى منصور .. الإنسان ابن بيئته وهذه حقيقة ..هل يدرك ماهنالك بحكم معايشته للموتى؟.. سأله فجأة :-  هل رأيت الموت من قبل ؟
-     لاحظ فى تعبيرات وجهه الثلجية تموجاً ..تحركت الأجفان وفتح الفم عن أسنان مثرومة وبرقت عيناه قائلا ً :-
-     -      ( انا فى شبابى كنت أعمل بيدى ..أفتح مدافن المنطقة ..أعرفها             ورأيت منها الكثير ..الميت الذى أرقدته ووجهت وجهه للقبلة             وبدأت أفك كفنه فاذا بعينيه مفتوحتين ينظر الي متسائلاً ..أين انا         ؟ ..والميت الذى التقطه من يدى ثعبان فمه باتساع فتحة المقبرة           ..والميت الذى اشتعل ناراً بمجرد وضعه فى مضجعه والميت الذى رأيته هيكلا عظمياّ راكعاً على ركبتيه مستنداً بيديه بانحناء        جذعه على الجدار ..هذا الميت بالذات أفزعنى .. فهمت            ماجرى له وحده فى الظلام ومحاولته الفرار من الموت  .               .لحظتها كان المفروض أن أزيح العظام القديمة استعداداً لقادم            جديد ..لكننى توقفت وانا أرى هذا الهيكل ناشباً أظفاره فى
-     الجدار مكافحاً الفناء حتى أخر  لحظة من عمره ..صرخت بكل           ماأملك من مشاعر فجرها هذا المنظر فى صدرى وتمثل لى الموت            كما لم أره من قبل .)
-     أُعلن عن وصول سيارة الإسعاف بالمطلوب ..لمعت عينا الدكتور ومرت رجفه على جفنيه ..لاحظ منصور هذا ..رآه يتحرك نحو رجال قادمين يحملون شخصاً على محفة تحيط به الجهزة  متجهين به الى الداخل ..قال أحدهم أنه غائب عن الوعى منذ شهور ..يعيش على أجهزة التنفس الصناعى ..قلبه لاتكاد تسمع دقاته ..أهله انصرفوا عنه بعد أن كلفتهم اقامته بالمستشفى كل مالديهم ..قرر الأطباء رفع أجهزة التنفس عنه وافقوا على الانتفاع به فى التجربة مادام مصيره قد تقرر ..توجهت المحفة الى داخل المقبرة ومعها الألات وأجهزة قياس الضغط واشارات المخ والقلب وما اليها ..إندس المعلم منصور بين الأجساد  الى حيث رأى وجها شاحباً يتطلع اليه ..سأل :-  دكتور ..ماذا ستفعلون بهذا الرجل ؟
لم يبال به
عاد يسأل :- هل ستتركونه يموت ؟
استدار عنه ..لحظة رفع أجهزة التنفس الصناعى تقترب ..عليه الآن أن يهبط الى المقبرة ..يتحصن بصندوقه الزجاجى ..يرقب بعينيه ويسجل ملاحظاته .. لكن لماذا يرتجف وتصعد من جوفه هزات متوالية تمنعه من الحركة ؟.. سمع صوتاً يناديه ..تزلزل جوفه ..بذل جهداً ليقول أنه جاهز وتقدم  نحو المقبرة ..مد ساقاً للداخل ..لم تطاوعه الأخرى وغاصت الدماء من وجهه ..أدار نظراته فى الأجهزة والآلات والجسد المسجى والغرفة المحصنة بزجاجها الشفاف ثم تقدم الى حيث جلس فى مكمنه مراقبا ً الباب وهو يغلق والأنوار الصناعية وهى تملأ المكان بيضاء زاهية تتربص بالموت وتستعد له ..اتجهت عيناه الى عدادات القياس أمامه..المؤشرات ..القراءات ..الكاميرات المثبتة فى الأركان وشاشة الكمبيوتر التى تتلقى البيانات اولا بأول ..مد يده الى زر أزرق أمامه ..ضغطه بعزم ليفصل فوراً أجهزة التنفس الصناعى ..اتسعت عيناه وهو يرى الجسد الذى كان ساكنا منذ شهور ينتفض انتفاضة ملحوظة فى أقل من ثانية قبل أن يهمد الى الأبد وتتحرك أجهزة القياس امامه ..تجحظ عيناه ، يرتعد جوفه ..يحاول أن يتحرك فى مكانه ..يضغط على أى زر ..يصرخ حتى ..لم يملك الا إذعاناً كاملاً لسطوة شلل مفاجى ينشب اظافره فى ثنايا عقله .
اما فى الخارج فقد استمر سيل الصور القادمة للجثة وماحولها، والقراءات والبيانات المعتادة تملأ شاشة الكمبيوتر، مما يعنى أن كل شىءتحت السيطرة ..انتهت التجربة..فُتحت المقبرة..كان مكانه..سألوه عما كان ..لم ينطق بحرف، وحتى الآن ماتزال المحاولات جارية معه!

















9-  المرآه


لا أكاد أذكر تلك الظروف التى اضطرتنى للنظر الى هذه المرآة ولاحتى مكانها فى البيت .هل كانت فى حجرة النوم أم الردهة ..كل ما أعيه جيداً هو أننى وقفت أمامها ولم أر وجهى كما أعرفه ..لم يكن زجاج المرآة مكسوراً ولم يكن ماؤها باهتاً بل كانت سليمة مصقولة الزجاج ، ورغم هذا حين نظرت فيها رأيت وجهى مبعثراً    كل عين فى ناحية والأنف فى ناحية والفم فى ناحية  ..الغريب فى الأمر أن رقبتى كانت محنية على صدرى كأننى اتلقى اوامر من شخص أعلى أو أنصت الى تقريع عنيف ورغم هذا كانت هناك ملامح مبعثرة !
المرآة لاغبار عليها ، تعكس صور الأشياء حولى كما  هى، المقعد الكبير فى الركن بخشبه الذهبى وقوائمة المتآكلة ومسنديه وظهره الطويل ، المائدة الصغيرة أمامه بزجاجها الأزرق أ والنافذة المفتوحة الشيش التى ينفذ عبر فتحتها شعاع الشمس الذى يشى بما فى الهواء من غبار وأتربة، ويرتمى على السجادة المتهرئة النسيج ولونها الذى كلح من طول عشرتها لنا وانعكاس صورة جزء من الحديقة بأشجارها العتيقة وأزهارها الذابلة التى تشكو الاهمال منذ سنين، فاذا أدرت وجهى فى عمق الحجرة قليلاً فهناك السرير النحاسى الذى لم يعد لمثله وجود هذه الأيام بزخارف أعمدته النحاسية التى ينتهى كل منها بأكليل من زهر معدنى أصفر مايزال يحتفظ ببعض لمعته الى الآن  ،  والدائر القماش الذى يلف أعلى العمدان الأربعة بلونه الأبيض المنطفىء ، وزخارفه من الورود وفروع الأشجار،  وهناك ايضا الدولاب ذو الضلف الأربعة بحجمه العملاق وأدراجه العديدة وارتفاعه الذى يقارب السقف ..كل هذا بنظرة من المرآة أراه ..احدد معالمه  .. إلا وجهى أراه مبعثر الأجزاء ، عين هناك على اليمين تدور حدقاتها فى متاهة فراغ لاحد له ، ترى  ظلالا تتجه نحوها  ، تعود خائبة السعى لاتستقر على شىء ، وعلى البعد منها وفى الناحية المقابلة عين أخرى تتجه الى اليسار ..اليسار حدوده معروفة بلا أعماق، تدور لأعلى وتهبط لأسفل ولا جدوى، ثم الأنف يتشمم رائحة تعبق المكان ، الرائحة لاتطيب له،  يشكو منها، يبحث عن مصدرها دون جدوى ، ثم الفم وبه اللسان يتذوق طعم الهواء ، يعلن أن به طعماً غير مستساغاً فيمجه رغما عنه ، يحاول الكف عنه يغلق الفم ..الأنف به عيب ، التنفس فيه ليس طبيعى ، يحتاج لاستمرار فتح الفم للمساعدة على التنفس  ، يتذوق اللسان رغما عنه طعم الهواء، يضيق به ولايملك الاعتراض ..أنظر أبحث أدقق ..أشك فى هذه الصورة الجديدة التى لم أرها من قبل أهرول الى مرآة اخرى ..نفس الوجه المبعثر ..أشك فى البيت ..أدور فى الطريق أفتش المحال ..المقاهى ..نفس الشىء ..أسأل أحد المارة هل ترى فى وجهى شيئاً...؟
يقاطعنى قبل أن أكمل سائلاً :-
- هل ترى فى وجهى شيئاً أنت؟
نوقف المارة ..تتجمع الوجوه..نسألهم..يسألوننا..تكتظ الطرق
..بالوجوه المتسائلة بلا مجيب.
.........
فى سابقة تحسب لها قررت السلطات صرف مرآة لكل مواطن ليرى فيها وجهه سليماً موحد الأجزاء على أن تسحب المرايات القديمة من البيوت فوراً..نظرنا جميعاً ..الأجزاء المبعثرة تجمعت ..الأشلاء توحدت ..صفقنا بحماس وهتفنا بقوة .
.رجعت الى البيت ممتلىء القلب بالأمل..رأيت إمرأتى وسط الصالة ..وجهها كما عهدته .. تتحرك على مهل نحو المائدة لتجهيز الافطار ..وضعت المرآة الجديدة مكان القديمة ووقفت أمامهاعلى ضوء الشمس  أ نظر متباهياً بما فعلت ..كان وجهى مبعثر الأجزاء !







10- حقه




يسير متبخترا وسط الحارة ..فخرا برأسه المتعددة الوجوه ..ينظر بالاف الاعين الى النوافذ والشرفات والحوانيت والابواب والاعين المتناثرة هنا وهناك ..يبحث بشغف عمن يتابعه لكى يفرد صدره امامه بعرض الطريق ، ويوجه حبتى عينيه الى وجهه صارخة :-
-
من لديه مثل مالدى؟
وشعوره هذا لاينبع من فراغ ، فما لديه لايصل الاخرون الى بعض البعض ، منه فهو لايملك وجوها فى رأسه فقط ، بل ان تلك الوجوه تتشكل حسب الحاجة الى وجوه الحيوانات ، وذلك له فلسلفة عنده ، اذ يقول انه بين الحيوانات والانسان علاقات غير منظورة تؤكدها درجات التشابه بينهم ، فمثلا هناك تشابه بين الاسد او الحمار او الذئب وبعض الاشخاص ..تشابها لايكمن فى الوجوه فقط بل يتغلغل داخل النفوس ليشمل التصرفات ايضا ..فكم من ضبع بيننا يعيش على الرمم وكم من حمارادمى يحمل الاثقال ، وينال من الاذى ماينال ، ورغم هذا يظل متماسكا ، باحثا عن الحكم والايات المنزلة التى تشيد بالصبر ومصير من يلوذ به ، وكم من اسد لايفعل شيئا سوى انتظار ان يأ تيه طعامه فاخرا فينظر فيه متأففا زاهدا ، طامحا الى غيره وهكذا ..لذا يسير وسط الطريق ناشرا ذراعيه على المارة والحوانيت ، راغبا عن الاعين المتابعة ، وان كان يرقب بجد ماحوله ، ولاتفوته نظرة او اشارة او حتى غمزة من احدهم تشير اليه ، فاذاكان الامر عاديا مر بسلام ، اما ان كان غير هذا فصوت الحمار يعلو ، والنهيق يملأ المدينةبكاملها ليصم الآذان ويوغر الصدور ، ويتقافز القرد من نافذة الى اخرى ، ومن شرفة الى التى تليها ، ثم يأتى دور الذئب الذى ينشب مخالبه فيمن حوله لايفرق بين جسد وآخر ، فالكل امامه صيد يستحق النهش ، فاذا رأى اقدام العسكر الغليظة ذات الاصابع العنكبوتية التى تتحسس الطرقات كل اصبع فى مكان ، او اجسادهم المدكوكة التى تعتبرمراكز متحركة تنطلق منها الاعين متغلغلة فى الوجوه المارة ، والآذان متسعة لتشمل البيوت والمقاهى والحوانيت والاوكار المختلفة ، و رأى وجوههم ذا ت الشوارب العنكبوتية التى يصطادون بها القتلة والمجرمين ، وايديهم المكتنزة التى تمتد عبر الطرقات باحثة عن فرائسها من الديدان والحشرات المتوارية هنا وهناك بعيدا عن الاعين ..اذا رأى ظل احدهم قادما على البعد تحول الى ارنب لطيف يرضيه بعض الخص او قطعة من جزر ويمضى فى سلام .
وزوجته رغم معرفتها بما لديه لاتفتخر مثله بتلك المزايا ، لسبب بسيط يعرفه من حولها وهو انها لاتمتلك لسانا ولاتعرف لغة الحروف ..يراها الجيرا ن وينظرون اليها فتتعثر فى خجلها ، وتبحث عن رأسها لتحنيه على صدرها ، هربا من لفح النظرات وصهد الكلمات المتقافزة على الشفاه..فاذا دخلت جحرهاو اطمأ نت انها وحدها زرعت نهرا من الدموع وغاصت فيه بكل جسدها ..حتى اذا ماشعرت بالاكتفاء قامت عنه الى شئونها ..هذا اذا لم تكن جذور ابنتها مزروعة معها بالبيت ..اما فى وجودها فالامر يختلف ..تتداخل الرأسان معا ..تتغلغل كل منهما فى الاخرى ..تختلط التلافيف ، وتتوزع الافكار ، وتدور الهمسات دوراتها عبر جدران الادمغة ، حتى اذا ماتعبت عادت الاوضاع الى ماقبل الاندماج ، وهبت كل منهما الى بئر خاص بها وهوت اليه .
وعادة ماتكون الابنة بالخارج لظروف عملها فى مغارة يملكها رجل يدعى على بابا ، له يد مطاطية الاصابع لايعرف احد لطولها حدودا ..يمدها كيف يشاء ووقتما يشاء ، والبنت التى ترضى فان اصابعه لاتنسى لها هذا ، اما التى ترى اصابعه وتنفر منها فانه يقصيها من مغارته ..فعل هذا كثيرا حتى جاء الى بنت هذا الرجل وتوقفت اصابعه عن الامتداد المطاطى ، وتوقف لسانه عن تجميع حروف طردها ..ليس بسبب ابيها وانما لأنه رأى فى الامر تحديا لايليق به ان ينسحب عنه ..قرر ان يواجه الا مر..استعان وهو الذئب ببعض الثعالب التى دلته على طريقة استطاع بها ان يمد اصابعه المطاطية ويلفها حول جسد البنت ..يلفها ويلفها الى ان غاب الجسد تماما ولم يعد احد فى المغارة يراه او يسمع صوتها التى طالما رفعته وواجته به متحدية ..بعدما اعتصرت الاصابع الجسد وتركته ممصوصا تماما وقد جفت فيه ينابيع ماء الحياة لفظته الى الطريق ، تتابعه صرخات مدوية فى جميع الارجاء :- هذه المغارة لايدخلها الا الشرفاء .
عاد الجسد بدون البنت الى جحر الام ..عرفت ماجرى ..كسرت الجحر ..وانطلقت ..اتت بزوجها من الطريق ..خلعت عنه جميع الوجوه بمخالب لبؤة يملؤها الغل ..وقف امامها بلا وجه يتساءل عن الامر ..حين عرف انطلق زئير الاسد يهز الارجاء ..انطلق الى المغارة .. واجهته حفنة من ذئاب جائعة ..دارت حوله ..نهشت لحمه ..عاد الى الطريق ارنبا ضعيفا خائر القوى ..ارتمى على الارض ورفع قدميه لأعلى صارخا :-


-
هاتولى حقى
كانت الشمس بازغة من عمق النهر ، بينما العيون تتدحرج قادمة من الشرفات والنوافذ والابواب ..اندفعت انوف تتشمم الخبر ..مد احدهم عينيه الى بلعومه..دفعها محاولا اصياد الكلمات قبل غيره ..اطلق اخر اذنيه تتحسسان لسانه ..دون جدوى
-
ما هو حقك ؟

كان شاربه يبدو كعلامتى صح على جانبى وجهه ، و تبدو عيناه كعينى قطار ليلى ، اما فمه فنفق مظلم تسيل منه حروف مفككة لارابط بينها ، بينما جلبابه مفتوح الطوق كحظيرة دجاج ، اسفلها سروال يصل الى عقبيه ، .اما وجوهه جميعا فقداجتمعت فى تلك اللحظة ، وصارت وجها واحدا مزروعا باشجار الحنظل والصبار ،تنطلق منه الكلمات متأججة الحروف :-
-
هاتولى حقى .



























11- بلا وجه



يمتلك عبد العاطى وجهين لاغير ،أحدهما قاتم شديد السواد يحتفظ به فى حجرة مكتبه ، فى خزينة حديدية لايملك شفرة مفتاحها الا هو ، يضعه هناك بجوار أغلى مقتنياته التى لايطلّع عليها أحدٌ مهما كان  خاصة زوجته .
أما الوجه الآخر الرائق البياض فهو الذى اعتاد إستعماله ،  يحتفظ به فى حجرة نومه بجوار سريره ، ليكون تحت يده أنّى شاء ، يقابل به الوجوه الأخرى على اختلاف الوانها .. وقد أعجبت زوجته بهذا  الوجه أيما إعجاب ، وتزوجته على حب ٍ جارف ٍ من ناحيتها  ، ضحت من أجله بكل من اعترض طريقها ، أو شكك فى مصداقيتة وجهه ،  أو ردد عليها مايقال من أن وجهه  هذا وجه زائف يستخدمه وقت الحاجة فقط ، أما الوجه الأصلى فيخفيه عن الأنظار حتى لاتنفر منه  ..ونظراً لأنه أقسم لها  أنه لايمتلك الا هذا الوجه فقد صدقته ، لأنها على يقين أنه لايكذب خاصة معها  ، فهو الرجل الذى اختارته وتفخر بوجهه أمام أقاربها وصديقاتها ، وتحدثهم عن ذلك الوجه بفخر مبعثه ما يمتلكه من مواهب يعجز عن إتيانها الآخرون  ، فهو يستطيع التحدث وبطريقة بليغة جداً بحدقتى عينيه ،  وايضا يمتلك القدرة على الحوار بملامح وجهه الأبيض الوسيم المشرب بالحمرة ،ثم هو لديه ذلك اللسان الزلق الذى يتفجر إحساساً ورصانة وهويتحدث ، ممتلكاً ناصية الحروف  ، ويعرف كيف يسوسها ويوجهها كيف شاء ، وقد ظلت زوجته  تلوك هذه الحروف والكلمات عن زوجها الى أن صبت إحداهن فى أذنيها مصهوراً من الحروف أجج النيران فى أذنيها ، اذ حدثتها حديث العارف عن ذلك الوجه المجهول ومايطويه تحت سماته من صفات ، وما تحمله عيناه من شرور ، ومايسيل من فرجة فمه من أدران  ، وكيف استطاع أن يخفى هذا الوجه فى مخبأ سرى لايعرف طريقه الا هو ، لحظتها بدأت الزوجة تستعيد أحداثاً جرت لم تنتبه لمدلولها من قبل ، فهناك الباب المغلق لحجرة مكتبه على الدوام ، والجلسات الطويلة التى يقضيها داخل هذه الحجرة ، وكيف يعود اليها مجهداً زائغ العينين متعللا ً بارهاق العمل ، تتضخ الصورة فى رأسها الآن وتتطابق الحكاية مع الواقع الذى عاشته ، فهو يدخل ذلك الوكر - حجرة مكتبه -  ليعود الى وجهه الحقيقى يرى به الكون والحياة والأحياء  ، يخطط ويدبر،  وحين يجهده الأمر يحاول العودة الى وجهه المستعار ويبذل الجهد ليتكيف معه ، وهذا ما يجعله يبدو مجهداً .
..قالت المرأة فى إصرار :- سأجده
قاصدة ذلك الوجه ، ولم تنبس بعدها بحرف .
................
سارت والليل قاصدة تلك المغارة المغلقة على أسرارها (حجرة المكتب)  ، مصباح صغير فى يدها ، والمفاتيح فى يدها الآخرى ، وعبد العاطى هناك فى تيه دنياه نائماً ، على محياه بسمة تشى بمقدار مالديه من أحلام يعيش بعضها الآن فى منامه ،  والبعض الآخر يدخره ليقظته ..فتحت الباب فى رفق ،أدارت ضوء المصباح  هنا وهناك فى حذر، وجهته ناحية المكتب فى المواجهة ،المقعد خلفة ، خزينة الكتب ، الصور على الجدران ، لم تصل الى شىء ..بهدوء رفعت الصور ، خلف صورة  بستان يشقه نهر عذب ماؤه صافى الإزرقاق  ، وتملأه الزهور البيضاء والحمراء  ، وتعلوه طيور محلقة فى سلام فى فضاء رائق البياض وجدت الخزينة المطلوبة ،فتحتها برفق ،صدر أزيز حاد هز ركود الصمت ، مدت يدها وهى توجه ضوء المصباح الى الداخل ،لسع أصابعها ملمس وجه خشن الملامح ، صرخت وهى تحاول انتزاع اصابعها منه،صرخ الوجه  وهو يتشبث باصابعها، مزقته وهى ترتعد رعباً واستدارت تريد الفرار ، صدمها قدوم عبد العاطى  ، وقفت مكانها وقد ازدادجسدها ارتجافاً ،اما هو فقد سقط الوجه الاحتياطى عنه محدثاً دوياً نتيجه ارتطامه بالبلاط وتفتته  ، نظرت اليه فى تيه رعبها وهى لاتكاد تعى الأمر ، رجلها بلا وجه بعد أن تمزق واحد وتفتت الآخر ، أرادت ان تتكلم ،تصرخ ،تطلب منه إيضاح الأمر ، لم يكن لديه وجه ليقول شيئاً ، مضت عنه !!


















12- على حافة البئر

من خلف أهدابها التى احتمت بها من فيض نظراته عادت اليه ، لأول مرة يلوح لها طيفُ شعورٍ مثل هذا  ، تضطرب وتتلعثم الحروف على شفتيها ، وتهرب حتى بعينيها منه ، حدقت فيه  ثانية  كأنها لم تره من قبل ، الوجه الأسمر ، بعينيه السوداوين ، وفمه المرسوم بنضارة حدوده ، بذقنه المدببة ، بنهر السكينة المرتسم على محياه ! لم تعرفه من قبل ،أو هكذا خيل اليها ،حديثه الآن وهو يشبك الحرف بالحرف فى ثقة وهدوء يقولان أنها لم تعرفه من قبل ،زميلها لسنوات طوال ، نعم،  ولكنها الآن ترى وجهاً لم تره من قبل ،إنه يحدثها عن أشياء رغم أنها تعرفها الا أنها الآن لها مذاق ومعنى لم يطف لها ببال  ، فهو مثلها يتجرع الوحدة ، وإن كانت تمتاز عنه بوجود إبنتها وزوجها الى جوارها  ،شقتهما أسفل شقتها ،  يقضيان عندها  مايشاء لهما الوقت ، فاذا حان الفراق تركاها لجدران شقتها ، تتحسس حفرها وتستدفىء  ببرودتها  ، تشعل الأنوار طوال الليل لتستطيع الخلود الى النوم  ، فالحياة منذ وفاة زوجها تمضى بها متشابهة الحدود والأبعاد  ، لا يتغير فيها الا ملامح تفاجئها عبر المرآة  من يوم الى آخر،  ملامح صارت من سرعة تغيرها تخشى أن تباغتها يوماً بما لاتطيق ..أثناء النهار يأخذها العمل الذى رغم مرارته يملأ حياتها ، ويمدها بحرارة هى أشد ماتكون حاجة اليها ، تسمع الكلمات ، تذوب فيها سلباً وإيجاباً ،  يباغتها الزملاء بانتهاء الوقت وضرورة الفراق من جديد ، تتحرك على غير عادتها  طوال عمرها  بتؤدة الى بيتها ..قديماً كانت  تراقب عقارب الساعة ، تصعد بنظراتها فوق عقاربها لتجرى بها أكثر ، رغبة فى العودة الى البيت والى زوجها وإبنتها  ، كانت حياتها مليئة حتى حافتها  ، لاتكاد تلتقط أنفاسها من كثرة مشاغلها  وضيق الوقت  الى أن  تخلد للراحة منهكة القوى ،  تضع رأسها على الوسادة فتغيب عن الكون ..الغريب أن تلك الأيام بكل مافيها من طول وعرض وإتساع لم يعد لها منها الآن الا روائح من الذكرى لا تكاد تغيب ، وجه زوجها التى كانت تناجيه وتحكى له وتسمع منه  حتى بعد أن اصبح صورة داخل إطارمذهب على الجدار بشريطه الأسود المحتضن حافته اليسرى ،  كانت ملامحه تعانق روحها ليلاً ونهاراً  ،  تفيض بضحكاتها وكلماتها وكل حركة منها على قلبها برداً وسلاماً  ، فتعانق روحه وتغمض عينيها طلباً للنوم ..رويداً بدأت الضحكات تقل والكلمات تبهت ولم يعد هناك الابسمة تصادفها على الجدار كلما رفعت عينها اليه ،   فقربه بالأمس كان حياه تحياها بينما الآن صورته على الجدار واجب تلتزم به ، صحيح أنها لم ترتبط بغيره ولو بخيالها ولم يلفت بعده أحدهم  إنتباهها لشعورها بأنها تقف فى دائرة عمرها المحدودة ذات السمات والملامح التى يجب عليها أن تلتزم بقوانينها ،  هامسة لنفسها أن الباقى قليل ، وايضا - وهذا مالا تعترف به حتى لنفسها أو ربما لم يدر بخلدها -  لأنها حتى الآن لم تصادف من يحرك ثورة نبضاتها  ، أو بركان حيرتها  ، أو حتى يطوف بسماء خيالها فيهتز له.. كانت فقط  يعتريها شعور قلب ٍ  على حرف بئر ، لا مناص  له من  الغوص إن عاجلاً أو آجلاً  فيه   ، شعور بالجمود وأنت حى  ، غيبوبة ذات سمات مختلفة  تعتريك وأنت مفتح العينين ، واع لما حولك  ، تنظر بعين محايدة الى مايجرى واثقة أنها لم يعد لها  من كل هذا الا الرؤية عن بعد انتظاراً لأمر لن يطول انتظاره ، واثقة  بانتهاء دورها  الذى لم يعد له جدوى أصلاً الا مع إبنتها وزوجها ، فهذه هى الثمالة الباقية فى كأس حياتها والتى تشعر أنها تعيش من أجلها  ،وتدور راغبة فى فلكها صبح مساء  ، فهما يعيشان معها تقريباً كل الوقت ، من لحظة عودتها الى المنزل بعد الظهر الى أن تشعر بالنعاس فتتحرك نحو سريرها فى تكاسل هادىء ناعم دون أن ترفع عينيها كما تعودت  وتلقى تحية المساء الى زوجها ..وللحق فقد حدثها بعض الأصدقاء فى أمر زواجها ثانية  ، هامسين أن هناك من يناسبها بل من هو أصغر سناً ويقبل عن طيب خاطر بها ،  فكانت  تعلن الرفض قبل حتى أن تعرف من هو وهل هو زميل أم لا  ، حتى جاء محمود اليوم وتحدث اليها بلا مقدمات قائلاً  فى هدوء انه يريد الإرتباط بها  ! ، محمود  زميلها أكبر منها بسنوات قليلة ،  هى تعرفه   كانت  تعرف  المرحومة  زوجته ، لم تتخيله يوماً ينطق بهذا لها او لغيرها ، لم تكن المفاجأة أنها سمعت هذه الكلمات منه الآن ، لكن المفاجأة الحقيقية أن قلبها دق وأهدابها ارتعدت وشعرت بأطرافها تتثلج ، ولم تستطع أن تقول كلمتها الأثيرىة لا  ، أو حتى تعترف بما اعتراها وتجد القدرة على قول نعم  ، واكتفت  بالتحديق الى البلاط ومربعاته المحددة والتى لم تمنعها حدودها من التواصل فيما بينها .
سمعته يقول بلطف وهو يدير ظهره مغادراً :-
-أترك لك الفرصة لتفكرى ؟
وجدت نفسها تتحرك  ، تملك القدرة من جديد على النطق   ، تحلق بجناحيها لأعلى ، تعبر السحب والكواكب الى فضاء جديد لها وحدها  ،تطير معها فيه طيور بيضاء ذات سمات مرحة ، يلفها نور ملائكى  حنون يبعث فى النفس سكينة ويمنح الروح صفاء ،  وتسمع فيه تراتيل نورانية حروفها نقية  تتغلغل فى خلاياها  منعشة  مجددة ، وجسدها يتسامى ويعلو ، ومن هناك  نادته بقوة :- محمود
واستدار  اليها !















13- مَرَاسِمُ تَفْتِيشْ دِيمُوقْرَاطىْ




رَآَهُمْ يَدُوْرُوْنَ فِىْ الْمَكَانِ ..يُفَتِّشُونَ كُلِّ مَايَلْقُونَهُ أَمَامَهُمْ خَاصَّةً مَلَامِحْ الْوُجُوْهَ..أَرْجُلِهِمْ قَصِيْرَةً وَسَرِيْعَةٍ..جُذُوعِهُمْ مُكْتَنِزَةٌ . أَحْدَاقُهُمْ زُجَاجِيَّةِ ..مُدَرَّبِينَ عَلَىَ الْحَرَكَةِ وَالنَّشَاطَ ..وَهُوَ وَسَطِ الرَّدْهَةِ..أَوْلَادِهِ وَزَوْجَتُهُ مَعَهُ.. مَلَامِحُهُمُ فِىْ خِلَايَاهَا الْرُّعْبَ..وَالْعُيُوْنُ فِئْرَانِ مَذْعُوْرَةٍ تَدُوْرُ بِلَا اتِّجَاهِ ..يُتَابِعُونَهُمْ وَهُمْ يَدْوَرُونَ ، وَكَبِيْرُهُمْ يَقِفُ وَاضِعا
يَدَيْهِ فِىْ جِيَبَىْ بِنْطَالُهُ الْمُمَوَّهِ ،كَثِيْرٍ الْجُيُوْبَ ،وَلِسَانَهُ يَتَدَلَّى سَاكِبَا أُغْنِيَةً مَشْهُوْرَةٌ عَنِ الْحُرِّيَّةِ! ..تُوَجَّهُ الَيْهِ بِالْسُّؤَالِ :-
- مِنَ أَنْتُمْ ؟ مَاذَا تُرِيْدُوْنَ ؟
حَدْجَة بِنَظَرَاتِ ثعَابْنِيّةً ..زُجَاجَهَا يَتْلُوْ نَ حَسَبَ الْضَّوْءِ ، وَانْ كَانَ أَصْلا لَا لَوْنَ لَهُ ..مَدَّ يَدَهُ بِبِطَاقَةِ هُوِيَّتِهِ ..حَدَّقَ فِىْ الْكَلِمَاتِ الْمَكْتُوْبَةِ ..ارْتَعَدَ ..تَرَاجَعَ خُطْوَةٍ وَأَحْنَى رَأْسِهِ مُلْتَزِمَا الْصَّمْتِ..لَكَزْتُه امْرَأَتِهِ فِىْ جَنْبِهِ ..عَادَ وَرَفَعَ رَقَبَةٍ بِلَا مَفَاصِلُ وَنَطَقَ بِالْكَادِ :-
- مَا الْجُرْمِ الَّذِىْ ارْتَكَبْنَاهُ ؟
أَخْرَجَ يَدَهُ الْثَّانِيَةِ مِنْ جَيْبِ بِنْطَالُهُ ..ضَمَّ قَبَضْتُهَا وَبِالأُصْبّعَ السَّبَّابَةِ أَشَارَ الَيْهِ بِالتَّقَدُّمِ ..لَاحِظْ أَنَّ الْأُصْبُعِ يُشْبِهُ مِخْلَبٍ الْقِطَطُ ..أَنْكَرَ مُلَاحَظَتْهُ وَتُقَدِّمُ ..مَدَّ يَدَهُ الَيْهِ بِوَرَقَةٍ زَرْقَاءُ مَطْوِيَّةٌ بِعِنَايَةٍ ..طَلَبَ مِنْهُ قِرَاءَةٍ مَافِيْهَا ..فَتَحَهَا بِسُرْعَةٍ ..أَجْرَىَ عَلَيْهَا عَيْنَيْهِ مُهَرْوِلَةً عَبْرَ الْحُرُوْفْ الْبَيْضَاءُ....مَعَ ارْتِطَامُ نَظَرَاتِهِ بِالْحَرْفِ الْأَخِيرِ سَمِعَ صَوْتَهُ يَزْحَفُ بَطِيْئَا الَىَّ أُذُنَيْهِ ..:- امِلأَهَا بِمَحْضِ ارَادَتِكَ .
مُدَّتْ زَوْجَتِهِ عَيْنَيْهَا الَيْهَا ..وَسَطِ الْسَّطْرِ كُتِبَ ..( اسْتِبْيَانً )..تَحْتِهَا أَسْئِلَةِ مُتَدَرِّجَةٌ ..سُؤَالٌ ثُمَّ فَرَاغَ لِلَأْجَابَةِ وَهَكَذَا ..قَرَأْتَ الْسُّؤَالِ الْأَوَّلِ :- فُسِّرَ ..لِمَاذَا يُتِمَّ تَفْتِيشْ بَيْتِكَ الْآَنَ ؟
عَرَجْتَ عَلَىَ الْثَّانِىَ :- اذَا لَمْ تَكُنْ مُجْرِما وَتِسْتَحِقُّ الْمُسَاءَلَةِ ..فَمَاذَا تَكُوْنُ ؟
هَرْوَلَتْ نَظَرَاتُهَا الَىَّ الْثَّالِثُ :- مّاهْوَ الدَّوْرُ الاجْرَامّىْ الَّذِىْ قُمْتْ بِهِ بِحُجَّةِ أَنَّكَ مَظْلُوْمٌ وَمُضْطَهَدٌ وَمُهَمَّشٌ ؟
رَأَتْ يَدِ زَوْجِهَا تَمْتَدُّ الَىَّ ظَلَامٌ الْحُرُوْفْ اسْتِعْدَادَا لِلْجَوَابِ ..صَرَخَتْ فِيْهِ :-
حَذَارِ ..قَدْ يَكُوْنُ كَمَيْنٍ !
رَفَعَ يَدَا مُرْتَعِدَةً ..حَدَجَهُ الْآَخِرِ بِقَسْوَةٍ..خَفْضِ عَيْنَيْهِ هِّرْبَا مِنْهُ ..سَمِعَ صَوْتَهُ الْزَّاحِفَ يُعَاوِدُ الِانْسِلَالَ الَىَّ أُذُنَيْهِ :-
- مِنْ الِاجَرَاءَاتْ الْدِيِمُوقْرَاطِيَّةِ أَنَّ نَّتْرُكَ لِلْمُتَّهَمِ الْحُرِّيَّةِ - فِىْ الاخْتِيَارِ
وَجَدَ صَوْتَهُ بِالْكَادِ فَاسْتَخْدَمَهُ مُضْطَرّا :- أَىُّ اخْتِيَارُ ؟
قَدِمَ الَيْهِ وَرَقَةٍ جَدِيْدَةً طَالِبَا مِنْهُ أَنْ يَقْرَأَهَا ..الْقَى بِنَظَرَاتِ حَائِرَةْ عَلَىَ سُطُوْرِهَا الْتَّالِيَةِ
مُسْتَنَدُ اخْتِيَارُ
أَ - اذَا كُنْتَ وَاثِقَا مِنْ بَرَائَتِكِ وَلَمْ تُذْنِبْ فِىْ شَىْءٍ ، ادْفَعْ فَوْرَا رُسُوْمِ مُذَكِّرَةُ تُظْلَمُ ، لِتَتَقَدَّمَ بِهَا الَىَّ لِجَنَّةِ الْتَّظَلُّمَاتِ ، لِفَحْصِ شَكْوَاكَ .
بِ - اذَا كُنْتَ مُذْنِبا وَتُرِيْدُ الْتَّوْبَةَ حَقّا وَفِعْلَا ، يُمْكِنُكَ اعْلَانِ تَوْبَتِكَ وَنَحْنُ سَنْقَبْلَهَا ، وَسَوْفَ نُعْطِيَكَ صَكّا بِالْعَفْوِ وَذَلِكَ مُقَابِلَ رَسْمَ اعْلَانِ تَوْبَةً تَقُوْمُ بِدَفْعِهِ الَىَّ لِجَنَّةِ الْتَّوْبَاتِ
جَ- اذَا كُنْتَ تَرْفِضْ الِاشْتِرَاكِ فِىْ هَذَا الْنِّظَامِ فَأَنَّ عَلَيْكَ أَنْ تَطْلُبَ اسْتِكْمَالَ الْتَّحْقِيْقِ الْجَارِىَ الْآَنَ وَفِىُّ حَالَةُ حُدُوْثِ اهَانَةْ لَكَ أَوْ لِأَحَدٍ أَفْرَادُ أُسْرَتِكَ اتَّصَلَ فَوْرَا بِرَقْمِ ( 00 0900 ) عِلْمَا بِأَنَّ الْدَقِيقَةُ بِمَبْلَغِ ( )
انْتَبِهْ لَصَوْتُ الْرَّجُلُ نَاعِما يَنْسَلُّ فِىْ زَحْفُهُ الثُعْبَانّىْ الَىَّ أُذُنَيْهِ هَامِسَا :_ انْتَهَيْتُ مِنْ الْقِرَاءَةِ ؟
رَفَعَ عَيْنَيْنِ نَظَرَاتُهُمُا مُنْخَفِضَةٍ الَيْهِ :- وَصَلَتْ لِلْبَنْدِ جَ
قَالَ :- هَذَا يَكْفِىَ ..هَلْ حُدِّدَتْ الْبَنْدُ الَّذِىْ تُرِيْدُ ؟
عَادَتْ زَوْجَتِهِ تَصْرُخُ :- حَذَارِ مِنَ الْتَّعَامُلِ مَعَهُمْ ..أَنْتَ لَاتَدْرِى مَدَىْ شَرِّهِمْ .
اسْتَدَارَ الْرَّجُلُ الَيْهَا بِنَظَرَاتِهِ الْذِّئْبِيَّة سَائِلَا :- هَلْ تَعَامَلْنَا مَعَكُمْ بِعُنْفٍ ؟
انْدَفَعَتْ تُوَاجِهُهُ :- وَمَاذَا تُسَمَّىَ مَانَحْنُ فِيْهِ ؟
قَالَ وَهُوَ يَدُوْرُ بِعَيْنَيْهِ عَبْرَ تَقَاطِيْعُ وَتَقَاسِيّمِ وَجْهِهَا هَابِطَا بِنَظَرَاتِ سَرِيْعَةُ مُدَرَّبَةً الَىَّ سَائِرِ فَرْعُهَا :-
- أُسَمِّيْهِ تَفْتِيشْ للأُشْتَبَاهُ وَبِطَرِيْقَةٍ دِيِمُوقْرَاطِيَّةِ
- وَهَلْ مِنْ الْدِيِمُوقْرَاطِيَّةِ أَنَّ تُرُوعِنا ؟
- وَمَاذَا تَقْتَرِحِيْنَ فِىْ هَذَا الْشَأْنِ ؟
- عَلَىَ الْأَقَلِّ نَعْرِفُ سَبَبُ الْتَّفْتِيْشِ
- هَذَا مِنْ حَقِّكُمْ تَمَامَا ..يُمْكِنُكَ دَفْعُ رَسْمَ ايْضَاحِ حَالَةُ ..وَبَعْدَهُ نَقُوُلُ لَكَ مَاتُرِيِدِيِنَ
- هَلْ نَسْتَلِمْ ايْصَالا بِالْدَّفْعِ ؟
- طَبْعَا .
وَأَخْرَجَ دَفْتَرا أَزْرَقُ الْلَّوْنِ ..وَقَعَ عَلَىَ ايْصَالُ أَبْيَضُ بِحُرُوْفٍ سَوْدَاءُ ..قَطَعَهُ بِعِنَايَةٍ وَرِفْقٍ ، وَمَدَّهُ الَيْهَا مَعَ ابْتِسَامَةٍ سَائِلَةِ بِلَا لَوْنُ ..نَظَرَاتِ فِيْهِ .ارْتَجَفَتْ يَدَهَا بِقُوَّةٍ ..سَأَلَهَا زَوْجَهَا وْهُوَبَينَ دَفَّتَىْ الْتَّرَدُّدِ:- مَابِكَ ؟
رُفِعَتْ عَيْنَيْهَا الَيْهِ بِنَظَرَاتِ الْذُهُوْلْ :- أَنْظُرُ
اسْتَطَاعَ مَدَّ يَدَهُ وَأَخَذَ الايصَالَ ..حَدَّقَ فِيْهِ ..أَصَابَتْهُ عَدْوَىَ الارْتِجَافِ :- كُلُّ هَذَا الْمَبْلَغَ ..رَسْمَ ايْضَاحِ حَالِهِ ؟؟!
حَدَجَهُ بِنَظْرَةٍ صَارِمَةٍ كَقَيْدِ :- انَّهُ سِعْرُ رسْمّىْ يُطَبِّقُ فِىْ أَنْحَاءِ الْبِلَادِ .
هَمْسْ :- لَكِنَّنِى لَا أَمْلِكُ كُلُّ هَذَا الْمَبْلَغَ .
سَأَلَهُ :- كَمْ مَعَكَ ؟
قَالَ :- الْنِّصْفُ
تُفَكِّرُ قَلِيْلا ثُمَّ عَادَ الَيْهِ ..حَدَّقَ فِيْ عَيْنَيْهِ وَهُوَ يَصُبُّ كَلِمَاتِهِ بَطِيْئَةُ فِىْ أُذُنَيْهِ :- بِالْنِّصْفِ الْآَخَرِ يُمْكِنُكَ بَيْعٌ حَاسِتَّىَ الشُّمِّ وَالْسَّمْعِ.
لَمْ يَفْهَمْ شَيْئا ..وَانْ كَانَتْ أَعْمَاقِهِ قَدْ امْتَلَأَتْ بِقَلَقِ ..رَمَىَ بِنَظَرَاتِ لَا لَوْنَ لَهَا الَىَّ مُحَدِّثُهُ ..فَاتِحَا فَمِهِ ومكْتفيّا بِارْتِجافّةً خَفِيَفَةٌ تَهُزُّ جَسَدِهِ هَامِسَا :- كَيْفَ ؟
وُضِعَ الْآَخِرِ يَدَهُ عَلَىَ كَتِفِهِ مُطْمئنّا :- لَاتَقْلَقْ ..انَهَا اجْرَاءَاتٍ رُوْتِيْنِيَّةً ..شَكْلِيَّةٍ .. لِلْحِفَاظِ عَلَىَ الْمُوَاطِنِ.
وَطَلَبَ الْنُّقُودِ ..بَعْدَهَا بَدَأَ يَشْرَحْ أَسْبَابَ الِاشْتِبَاهِ فِيْهِمْ ..قَاطَعَتْ الْزَّوْجَةِ كَلَامِهِ فِىْ هِسْتِيْرِيَا :-
- كَفَىْ ..كَفَىْ ..هَلْ هَذَا يَدِيْنُنَا . ؟ رَدَّ بِهُدُوْءٍ وَهُوَ يُعَاوِدُ تَفَحَّصَهَا :-
- لَمْ تَتِمَّ الادَانَةً بَعْدَ ..لَكِنَّهُ اشْتِبَاهِ ..وَالْآنَ بِمَا أَنَّكَ رَفَضْتَ الْتَّعَاوُنِ مَعَنَا فَلَيْسَ أَمَامَنَا الَا اتِّبَاعَ اجَرَاءَ جَدِيْدٍ مَعَكُمْ ..فَهَلْ تَسْمَحُ لَنَا ؟
وَهُوَ يُوَجِّهُ كَلَامِهِ لِلْزَّوْجِ ..بَيْنَمَا عَيْنَاهُ عَلَىَ الْزَّوْجَةِ ..الَّتِىْ أَشَارَ لَهَا بِالِاقْتِرَابِ وَهُوَ يُكَمِّلُ حَدِيْثِهِ مَعَهُ :-
- الْمَفْرُوْضَ أَنَّ نَغْتَصِبُ زَوْجَتِكَ أَمَامَكَ لنُجْبْرّكِ عَلَىَ الِاعْتِرَافِ ..أَمَامَكَ أَمْرَانِ لِتَمْنَعَ هَذَا :-
الْأُوَلِ أَنَّ تَعْتَرِفُ وَتُنْقِذُهَا ..وَالْثَّانِىَ أَنَّ تَدْفَعُ رَسْمِا يُسَمَّىْ رَسْمَ شَرَفٍ لايقَافَ الْتَّنْفِيْذِ .
صَرَخَ دُوْنِ تَفْكِيْرِ :-
:- أَدْفَعُ
مَدَّ يَدَهُ الَيْهِ بايصَالَ جَدِيْدٍ ..نَظَرَ الَىَّ الْمَبْلَغَ ..صُعِقَ ..:- لَكِنَّنِى لَا أَمْلِكُ هَذَا الْمَبْلَغَ !!
قَالَ بِذَاتِ حُرُوْفِهِ الْزَّاحِفَةِ :- فِىْ تِلْكَ الْحَالَةِ أَمَامَكَ طَرِيْقَانِ ..الْأُوَلِ أَنَّ نَسْتَكْمِلُ عَمَلَنَا ..الْثَّانِىَ أَنْ تَبِيْعَ لَنَا شَقَّتِكَ
لَاشُعُورِيّا فَتَحَ فَمَهُ الَىَّ آَخِرِهِ ،وَاتَّسَعَتْ عَيْنَاهُ لِأَقْصَىْ مَاتِمْلِكْ مِنْ اتِّسَاعِ ..رَأَىَ نَظَرَاتِهِ الْثَلْجِيَّةُ تُجَابِهَهُ .. أَحْنَى رَأْسَهُ قَائِلا :- اخْتَرْتُ الْبَنْدُ الْثَّانِىَ .
دَارَ فِىْ الْمَكَانِ دَوْرَةُ سَرِيْعَةُ مُعَايَنا وَعَادٍ الَيْهِ :- الْمَكَانِ لايُسَاوِىْ الْمَبْلَغِ الْمَطْلُوْبِ .
ارْتَعَدَتْ خَلَايَا وَجْهِ الْزَّوْجِ ..رَأَهُ يَقْتَرِبُ ..زَادَ ارْتُعَادِهُ ..سَمِعَهُ مِنْ وَادٍ سَحِيْقٍ يَهْمِسُ وَهُوَ يَقْرُبُ وَجْهَهُ مِنْهُ قَائِلا :-
- يُمْكِنُكَ بَيْعٌ حَوَاسّ الْتَّذَوُّقَ وَالابْصَارِ وَالْلَّمْسِ
هَزَّ رَأْسَهُ يَمِيْنَا وَشِمَالَا دُوْنَ أَنْ يَنْبِسَ بِحَرْفٍ ..عَادَ الْآَخِرِ يَضَعُ يَدَهُ عَلَىَ كَتِفِهِ بِوُدٍّ :-
- انَهَا كَمَا قُلْتُ لَكَ اجْرَاءَاتٍ شَكْلِيَّةٍ
حَاوَلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ الْحُرُوْفِ ..سَأَلَ بِالْكَادِ :- وَمَنْ يَضْمَنُ لِىَ هَذَا ؟
قَالَ بِقُوَّةٍ :- أَنَا
بَعْدَهَا عَادَ يُدَقُّ مَسَامِيرَ نَظَرَاتِهِ فِىْ عَيْنَيْهِ قَائِلا :-
- الانَ جَاءَ الدَّوْرُ عَلَيْكَ ..امَّا أَنْ تَعْتَرِفَ أَوْ نَسْتَعْمِلُ مَعَكَ الْطَّرِيْقَةِ ( سَ )
وَأَشَارَ الَىَّ عَصَا غَلِيْظَةٌ مَعَ أَحَدِهِمْ لَهَا جِسْمٌ اسْطُوَانِىٍّ أَسْوَدَ يُنْتَهَى بِسِنٍّ مُدَبَّبٌ طَوِيْلٌ .
اعْتَرَضَ الْآَخِرِ فَزِعا :- سْتَضْرِّبَنّىْ بِهَا ..وَأَمَامَ أَوْلَادِىْ ؟؟!!
هَزَّ الْآَخَرُ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ شَدِيْدٍ سَلْبَا وَأَقْتَرِبُ مِنْهُ ..كَادَ أَنْ يُلْصِقَ وَجْهُهُ فِىْ مَلَامِحِهِ الْمُرْتَعِدَةٌ وَهُوَ يَقُوْلُ لَهُ :-
- هَذِهِ لاتُسْتَعَمّلَ فِىْ الْضَّرْبِ
وَنَظَرَ الَىَّ ظَهَرَةٌ الْأَسْفَلِ نَظْرَةً ذَاتَ مَعْنَىْ .. هَوَىً الْزَّوْجِ أَرْضَا ..جَلَسَ الْآَخِرِ قُبَالَتَهُ مُكَمَّلا :-
- أَمَامَكَ طَرِيْقَانِ ..الْأُوَلِ أَنَّ تَدْفَعُ رَسْمَ مُصَالَحَةَ ..الْثَّانِىَ الَا تَدْفَعُ وَفِىُّ تِلْكَ الْحَالَةِ سَنَسْتَعْمِلُ الْعَصَا .
. هَمْسْ بِلَا وَعَىَ:-
..: - اخْتَرْتُ الْأَوَّلِ ..لَكِنَّنِى لَا أَمْلِكُ نُقُودَا
اتَّسَعَتْ مَلَامِحِ وَجْهِهِ لَابْتِسَامَةُ ذَاتُ لَوْنٍ بَاهِتٌ وَهُوَ يَقُوْلُ :- اذُنٌ نَشْتَرِىَ شَهْوَةً الْكَلَامِ لَدَيْكَ .
الْقَى بِذِرَاعَيْهِ الَىَّ جَانِبِهِ مُسْلِما. صَمْتُ قَلِيْلا ثُمَّ تَذَكَّرْأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَنْطِقَ بِشَىْءٍ ..سَأَلَ :- هَلْ فِىْ هَذَا أَعْبَاءُ جَدِيْدَةً ؟
وُضِعَ الْآَخِرِ يَدَهُ عَلَىَ كَتِفِهِ قَائِلا :- لَا أَعْبَاءُ
فُوْجِىءَ الاثْنَانِ بِمَنْ يَدْفَعُهُمَا مَعَا مَنْ الْخَلَفِ ..دَفْعَةً لَمْ تُعْطَ لِأَيِّهِمَا فُرْصَةً لِتُوَازِنَ أَوْ مُحَاوَلَةٍ اسْتِقَامَةٍ مِنْ جَدِيْدٍ ..ارْتَطَمَتْ الْوُجُوْهَ بِالْحَائِطِ ، وَمَنْ الْحَائِطِ هَوَتْ أَرْضَا ..اسْتَدَارَا سَرِيْعَا مِنَ وُضِعَ الانْبِطَاحُ أَرْضَا عَلَىَ وَجْهَيْهِمَا اسْتِكِشّافا لِلْآمِرِ ..وَجْدَا الْأَوْلَادِ بِيَدِ كُلِّ مِنْهُمْ سِلَاحا يَصْرُخُوْنَ :-
- تِلْكَ الِاتِّفَاقِيَاتِ كُلَّهَا ..نَّرْفُضُهَا
وَجْهِ الِاثْنَانِ مِنْ مَوْقِعِهِمْا عَلَىَ الْأَرْضِ نَظَرَاتٌ مَلِيِئَةٌ بِالْسُّخْطِ الَيْهِمْ !!






























14- زئير حنون لأسد مغادر


حسما للنزاع القائم بين لسانها ولسانى قررت قطع الاول..قفزت فوق قدمّى الى الطريق ،تاركا صفا من الاجساد ذات عيون متأججة ،تحت شمس غاضبة ينتظرون ..كانوا يوجهون اشعة نظراتهم نحوى ..رأونى اركل الهواء وافتح الباب وامضى ..امسكت ايدى عديدة بجسدى من اجنحته الاربعة متوسلة ان ابقى ودفعونى الى الداخل ثانية ، لا ادرى بالايدى ام الاقدام وهم يمطروننى بوابل من الدعوات تتراكم  على حوافها حروف لعنات مكتومة يتداولونها فى الخفاء ...حاولت مصارعة الرغبة المتوثبة فى صدرى ..غافلتنى وامتطت قدمى وقادتنى الى الطريق ..ضبطت قوة الدفع على اقصى حد لمجابهة موقف متفجر لافكاك منه ..حمّرت عينى كما تفعل شمس الغروب ..واما م الباب ابتلعت اسدا
سمعت زئيره عندما مددت المفتاح قاصدا اقتحام طبلة الباب
زاد الزئير قوة عند تخاذل لسان الطبلة وتقهقر ه تاركا موقعه الحصين .
ورأيتنى اندفع الى الداخل ..اقف وسط الردهة صارخا :-
هاتى لسانك وتعالى .
جاوبنى فورا صوت له اندفاع ثور هائج فى ارض فضار :- اهلا
تقهقر الاسد قليلا خشية ضربة خرقاء من قرن الثور ..غير انه تذكر انه اسد ،فعاد يتقدم ..رأى غابة من خصلات شعر متنافرة ..اسفلها وجه دائرى مختلط الملامح ،غير محدد القسمات ..عرفه من خوار الثور السائل منه
ارتفع الخوار..علا الزئير
اقتحمت الساحة حيوانات  انسلت من جحورها ..رمت  بأعينها البراقة جلبا لمتعة المشاهدة
من بين الارجل المتكدسة فى الردهة انفلتت اجساد صغيرة طرية الاطراف ،جمة البكاء ووقفت وسط الردهة بين الاسد والثور.
تقهقر الاسد فورا حين رآها ..حبس زئيره المجهد داخل صدره وفتح ذراعييه جناحى تهدئة للصغار ..لم يكتف بهذا ..بسط عينيه طريق امان من الخوف .
القى نظرة جانبية الى الثور..رأى الملامح المتاخلة قد انتظن ..صارت وجها انثويا يعرفه ..تحول الوجه الى فم رقيق الابتسام ..قلت :-
سأعود  الى المكتب لأرى العيون المتراصة ذات النيران المتأججة
ردت :- ابق معنا قليلا .
عاد الاسد للزئير
لكن هذه المرة بحنو






















15- الإفلات من إطار مذهب


1-
فى ليلة زفافه ،بعد ان اغلق الباب عليهما ،رأى زوجته تطير من حوله ..تتسلق الجدران ،وتمشى على السقف ،تتجه الى النافذة المفتوحة،لاتبالى به ..اسرع باغلاق كل النوافذ وعاد اليها..ابتعدت عنه ..تناثرت  حروفه طيورا تغرد فى المكان ..فتحت عينيها جيدا ..اعجبتها اجنحة العبارات ..فتحت فمها وتكلمت ..انتهز الفرصة وسحبها من لسانها الى الارض من جديد .
2-
فى الصباحية اتت امها بصحبة ميكروفون ..وضعته اعلى الشرفة وبدأت الحديث ..انزعج من الضجيج   ، من نظرات المارة فى  السماء ، وعلى الارض  ، ومابينهما ..انطلق سريعا حيث صب الشاى الساخن فى الميكروفون ..التزمت الصمت

3-
نصحه احد الاصدقاء ان يذبح لها القطه ..عرف قطة بالطريق ..دخل بها الى البيت ..رأتها معه ..ادركت غرضه ..تحولت الى كلب عظيم الهامة ..ضخم الصوت ..انطلق نباحه فاضطرب نظام الاتصالات ..هجم على القطة ..استدارت القطة الى الزوج ..تحول الى فأر وجرى ..جرت القطة وراءه   ، والكلب وراء القطة ..صنع الثلاثة دائرة فى المكان المغلق ظلت مكتملة مدة طويلة.


4-
قالت امرأته ان الارض ستنبت لحما ..استطالت رقبته ..نظر الى الفرع الريان .. رأى الخضرة وشّم رائحة الطين ..قال ان الارض روحها الماء .
وقام يرويها .


5-
حينما نزل ولده لم يبك مثل بقية المواليد ..ادار عينيه حوله حتى رآه ..سأله اى العالمين اوسع ؟؟الذى اتى منه ، ام الذى استقبله ؟
قبل ان ينفرج فمه بجواب رأى امرأته تحمله من ياقة قميصه وتعلقه على الجدار ،وتضع حوله اطارا مذهبا وتلصق لافته اعلاه مكتوبه بخط مذهب ..(للزينه)
حاول الافلات ..لم يستطع ..من خلال النافذة تواصل مع اطارات مذهبة كثيرة عند الجيران ..اتفقوا على كسر الاطارات ونزع اللافتات

6-
الليلة نفذوا خطتهم
كسروا  الاطارات
ونزعوا اللافتات
بعدها امطرت السماء اذانا وعيونا والسنة ملأت المنطقة بكلمة ( لا )
الغريب ان النساء اطلقن الزغاريد .

16- الولوج الى رأسٍ جرداء






على عتبة رأسه توقف مشفقاً ..هو يعرف نفسه جيداً ،اذا دخل لن يخرج قريباً ،ثم إنه لايجيد عمل شيئين فى وقت واحد ،إما أن يترك رأسه  بما فيها جانباً ويدخل رؤس الآخرين ،يزيل الصدأ عن واحدة ، يمحو التراب عن ثانية ، يمتدح نظافة ثالثة ، ويرتب أثاث رابعة وهكذا  ،أو يترك هؤلاء ويدخل رأسه هو ، وفى تلك الحالة  – هويعرف جيدا -  لن يخرج بسهولة ،اذ  عليه أن يسلك سراديباً مظلمة قاصداً غرفاً مطموسة الملامح والحدود  ، ينظر وينقب ، يمحو أشياءً ويثبت أشياء ، وفى كل الأحوال سيرهقه هذا كثيراً ويسرقه مما حوله من عمل يتطلب أن يترك رأسه جانباً ولايقربها ، وأن يضع عينيه فى خدمة من حوله والا أمروه بطردها فوراً من المكان ، لذا فدخول رأسه الآن محفوف بالخطر ،خاصة اذا اضطر أن يعود فوراً من سراديبها  لأمر عاجل ، اذ عليه فى تلك الحالةأن يغلق الغرف على ما فيها حتى لاتزحف خارجة وتواجه الأعين المترصدة وفى هذا خطر .
..........
لعلها عفاف السبب ، تلك المرأة التى عطر من أجلها بالمسك طريقاً عريضاً على جانبيه الياسمين  ، يمتد من رأسه الى قلبه مباشرة دون حواجز أو إشارات  ، ،وكان يسعد كل السعادة وهو يراها تمرح فيه رائحة غادية  ، بين القلب حيث تقيم فى سكن مترامى الأطراف ناصع البياض راقى الرياش  ، ترى داخله كما ترى خارجه كلؤلؤة تتألق تحت نور صاف لايغيم ، وبين العقل حيث ممشاها ومتريضها ..عفاف التى رصع صورتها فى عينيه بأرق الصفات ،  ففى عينيها النبل الذى لاينبغى لغيرها ، وعلى شفتيها الحكمة التى لاتليق الا بها ، وفى بسمتها شروق شمس الوفاء التى لاتغيب عن شفتيها ..عفاف التى حاك لها من الأسماءمارآه يليق بوجهها النورانى البهى السمات  ، والتى تفجرت ينابيع أشعاره نقية صافية بين يديها  ، ورغم هذا مضت عنه !! ..ركلت رأسه بكل مافيها ووطأ ت قلبه بكل مايحمله  ،  ولم تترك له الا قناعاً  واحداً لوجهها لم يره من قبل ولم يكن يعتقد يوماً إنها تملكه ، ذلك القناع الذى قابلته به وهى راحلة وامتلكت القدرة على أن تصرخ فى وجهه :- لن أبقى معك..تلك المرأة التى صار يمقت رأسه لأنها يوما احتوت ظلها ، فاسكنها بئراً عميقاً فى أقصى دهاليز رأسه قاصداً  أن يغمرها ماءه العطن فلا تخرج منه  ، الا أنها بين الحين والآخر تطفومفتحة العينين  ، كلاليب نظراتها تترصده ، كلما القى بصره الى البئر خطفته ، يدور فى دوامة تلك النظرات ، يسمع ذات الحروف تتكرر فى أذنيه :- لن أبقى معك بعد الآن
.. يرتجف ، تمتد ذراعاه رغماً عنه اليها ، يضغط رأسها لتغوص فى عطانة الماء ، ويفرمن سراديب رأسه  خارجاً ، تتلقفه أعين الآخرين ، الوجوه حوله معلقة من رؤسها فوق المكاتب ،الرؤس لها أعين مرنة تتمدد الى الأمام فى حركات نصف دائرية  ، كل ٌحسب قدرتها على الإمتداد ..زميله فى المكتب المقابل يكدس الأوراق أمامه ،يسند رأسه عليها ويترك عينيه تتمددان نحوه ،تفتشان وجهه ، تتفحصان عينيه ، ولولا قدرته على غلق رأسه فى الوقت المناسب لدخلها ونقب داخلها .
.................
انتبه لأولاده يهرولون داخل رأسه ، رغم الشغب والضوضاء ارتسم على شفتيه ظل إبتسامة ،  رصدها زميله فى المكتب المقابل ،هب من جلسته قافزاً الى اعلى المكتب بعد أن ازاح الأوراق بقدمه اليمنى جانباً  ، ورفع صوته لتنتبه الآذان جميعاً اليه :-
   -ضبطته يبتسم !!
تعالت الصيحات متسائلة عن ذلك السبب ا الذى جعله هنا حيث الغيوم المتراكمة والضباب المتكاثف  يفعلها ،  و طالبوه فوراً بعرض الأسباب ،قال وعيناه تتابعان لعبهم فى رأسه :-
  - اولادى
  - مالهم ؟
  - يلعبون فى رأسى
  - اخرجهم لنا .
تقافز الأولاد فوراً على أسطح المكاتب حيث العيون والآذان المتربصة . صمت قليلاً ثم اكمل :-
   -منذ رحيلها وهم لايغادرون رأسى
واسوه بكلمات تليق بالمناسبة !
.............
يخشى الولوج الى رأسه الآن وهو يراها رغما عنه تسكنها ،الغى الطريق بين قلبه وعقله من أجلها ، وضع فيه المتاريس والأسلاك الشائكة لمنع مرورها ، اغلق بوابات قلبه ووضع عليها الأقفال مصّراً على الا تطأ وديانه ورياضه بقدم ٍ ،أما عقله فقد أعلن فيه قرارا سيادياً بحظر دخولها بأى حال اليه .
الغريب أن الأمر يسير على مايرام ولايخرق الحظر الا هو  !!
.............
اليوم أراد دخول رأسه ،  منتظراً أن يدفع الباب الموصد ،وأن تباغته رياح الذاكرة  وتطيح بعزيمته كالمعتاد ، راغباً أن ينظر الى طيفها وهو يملأ رأسه  ،   وصوتها وهو يعلو    ورناته تهز جدران دماغه  ، وبسمتها وهى تشيع الحياة فى ركود  روحه ..مد قدمه داخلاً ،مهيئاً نفسه لما بعد الدخول ، فوجىْ بالرأس خالية من أثارها ، أدار عينيه دهشة فى أرجاء المكان ،كانت هناك صورة جديدة تلوح عن بعد ، ملامح اخرى ووجه  آخر،حدق فيه قليلاً قبل أن يهش له  .




















17- جرنال لسيادة المدير








(1)

حينما رأته امرأته واضعا الصندوق الخشبى فوق كتفيه هبت واقفة ..اتت بشاكوش واخذت تدق لتكسره ..ظل يضحك وهو يرى عرقها يسيل ، وجهدها يقل ، وترمى بذرعيها الى جوارها عجزا ..قال :- لن تستطيعى كسره مهما فعلت
وهو يشعر بالرضا عن قراره الاستغناء عن رأسه..هاهو فعلها ووضع مكانها صندوقا مغلقا لايفتح الا بأمره..ولأنه ربما يحتاج اليها وضعها فى صندوق زجاجى ، به ميكروفون صغير ..متى احتاجها حادثها واستمع اليها كما يريد .

(2)
مضى عن زوجته ..تحرك خارجا تاركا رأسها راقدا على الارض يتلوى من الغيظ
..
سار خطوة ..تسلقت رأس امرأته الجدران بسرعة واطلقت من فمها رزازا من كلمات لزجة التصقت بطبلة اذنه :- المصروف خلص ياحسين ..تصرف
توقف مكانه ..فكر ان يرمى بالصندوق جانبا ويصرخ فيها ..لم يجد لسانه ..بحث عن عينيه ..تاهتا بين اسوار ومربعات سجادةحمراء متهرئة تفترش ارض الردهة..تحرك مرغما الى الخلف ..هوى راضيا من حالق الى بئر السلم ومنه الى تراب الطريق

(3)
قضى وقتا حتى استطاع ازالة الظاهر من كلماتها اللزجة بمنديل ورقى عن اذنه
رآه احد اللصوص ..طمع فى صندوقه الخشبى ..قال فى نفسه ان الخشب غالى هذه الايام ..يبيبعه ويشترى بثمنه قدما ثالثة تعينه على شئون حياته ..اقترب منه ..تركه يقترب ..وضع سكينا فى جنبه وهمس : - اريد هذه الصندوق.
ضحك منه ..غرز السكين اكثر ..اطلق عليه رزاز كلمات زوجته اللزجة ..المصروف خلص ياحسين ..التصق باذنه ..علق برزاز قديم ..رمى السكين وجلس يروى له مشكلته مع الكلمات اللزجة طالبا منه الدخول الى اذنه لاجتثاث جذورها.
(4)
مضى اخيرا بعيدا عن اللص ..شاعرا وهو يحرك قدميه فى هواء الطريق ويطارد كائنات التراب بقدميه انه ظلم زوجته ..ظن بكلماتها الظنون رغم انه لولاها ماافلت من هذا الموقف العصيب ..وقف جانبا فتح الصندوق ..رأى وجهها ..قبل ان يبادرها بالشكر اطلقت عينيها نحوه . فتحت فمها ..خشى ان تصطدم العينان به ويحدث مالا يحمد عقباه او تعاود اطلاق رزازها الى اذنه..اعاد اغلاق الصندوق وقرر تأجيل الشكر الى حين عودته
(5)
دخل حجرة مكتبه فى المصلحة ..انفتحت ادراج المكاتب المتراصة بطول الحجرة ..من داخل الادراج اطلت اعين متربصة ..همس :- صباحكم مثل سابقيه .
عادت الادراج تغلق على العيون ..تبسم راضيا ومضى الى مكتبه ..فتح الدرج الاوسط وقفز فيه محتضنا جريدته وكيس فطوره ..بدأ داخل الدرج يقرض طعامه مستطلعا الصفحة الاولى من الجريدة ..قرأ العنوان الرئيسى
صندوق خشبى رائع لكل مواطن
اشاح بيده هامسا :- فعلتها بارادتى
واكمل القراءة..شّده خبرفى اطار اسود بالجانب الايسر من الصفحة
شاب يتبرع بنصفه الاسفل لرجل نصفه الاسفل مفقود!!
ارتج الدرج بالصندوق الخشبى بكيس الفطور ..قفز ليطلع الزملاء على الخبر ..رأى المدير قادما بجسده الاسود وجناحيه الكبيرين ..نقره بمنقاره فى خشب صندوقه نقرة المته..هب من مكانه متحفزا ..سلط عليه رزاز كلمات زوجته اللزجة ..المصروف خلص ياحسين ..تصرف
قابله المدير برزاز مضاد ابطل مفعول الاول ..وصرخ :- اخرج من الدرج
خرج حاملا الجريدة مفتوحة على الصفحة الاولى ..انفرج منقار المدير وهو يطالع المكتوب فيها ..واجه حسين بنظرة حانية .:- ممكن استلف الجرنال .
فكر ان يسأله هل يريد صندوقا خشبيا مكان دماغه ام يرنو الى نصف اسفل جديد ..غير انه لم يجرؤ على السؤال فالتزم الصمت .






18- رأس سليم


شعرت رأس سليم انها تستحق ان تسود..تأمر وتنهى طالما الجميع يسعى الى ارضائها ، فأعلنت انها سيدة البيت ..لم يبال بها احد ..قررت ان تحول القول الى عمل..اعلنت اعتقال اجساد الاخوة داخل حجراتهم ..لايخرجون الا للضرورة..واذا خرجوا فالحناجر عليها اقفال ..والاقفال لاتفتح الا بأمر منه ..والا فانه لن ينجح هذا العام بسببهم..تمت هذه الخطوة بنجاح فانتشت رأس سليم ..قررت حبس لسان الام فى فمها،ومنعه تماما من الحركة مادامت هناك مذاكرة والا..!
قوبل هذا القرار ببعض الاعتراض ، وافقت رأس سليم متضررة ان تتكلم الام ، شرط ان يتم هذا فى حدود الهمس ، فى حالات الضرورة فقط ..اما عينا الاب فقد امرتهما رأس سليم بالاغضاء عما يجرى ..محذرة انها لن تذاكر .ولحظتها ستكون العاقبة وخيمة
على الجميع
........................................
رأت عينا الام ان حبس ان حبس لسانها فوق ماتحتمله رأسها..ثارت على رأس سليم ..فكرت ان تدقها بيد الهاون وتنتهى منه ..او تلقيها من النافذة لتلاقى مصيرها ..صرخ قلبها ..انه سليم ..ولدك البكر ..المتعلم الوحيد فى العائلة ..قررت القيام بحركة مقاومة سلبية تنفذ بها ماتريد وتعيد الى رأسه اتزانها ..فكرت ماذا تفعل ..اهتدت الى وسيلة رأتها ناجحة ..امرت اذنيها بعدم سماع طلباته اثناء المذاكرة ونصحت لسانها بالتراخى عن تلبية اى نداء له ، وليضرب رأسه فى الحائط ..لم يتحسن الوضع كثيرا ،اذ ظلت رأسه على حالها ..طورت الام اسلوبها ، طلبت من عينيها التشاغل عن متابعة تعبيرات وجهه مثلما تفعل عادة لتلبية طلباته..ظلت رأسه على عنادها ..قررت الام تطوير مقاومتها اكثر ..الغت جرعات الحنان التى تزوده بها كحوافز اضافية اثناء الاستذكار ..شعرت رأس سليم هنا بالخطر..ادركت مغزى تصرفات الام ..تريد نزع السيادة منه..قامت بهجوم مباغت لاجهاضها..كسا ملامحه بلون الالم وبحركة محسوبةالقى برأسه على طاولة المكتب ..فزعت الام ..نسيت الحرب و المقاومة وهرعت اليه ..حملت رأسه وضمتها الى صدرها ..اهتزت الرأس طربا وهى تشم رائحة فزعها وهى تصرخ : - مالك يابنى ؟
وانفرجت شفتاه عن ابتسامة خفية وهو يرى خطته تسير كمايريد
























19  - الميزان






تمهيد
معجونة كلماتها بالدموع..تنظر الى الاعين حولها..الاعين تبادلها النظرات ..بينما على الارض بجوارها يقبع البيض المكسور التى كانت تنوى بيعه فى السوق مختلطا بالجبن والطين..الكل ينتظر رحيلها ليهرول نحو البرعى طلبا لرضاه..البرعى يقف امام حانوته حاملا نظراته الثعلبية مقسما انه لا دخل له فى هذا بل هى رغبة الباعة فى السوق !

1-
الطرد

يحيطون بها كالقيد ..ملامحهم عابسة الى حد العاصفة ..اعينهم ضيقة تتأجج فيها النيران ،والسنتهم حادة تقطربالحروف السوداء..تدير عين الرعب فيهم..تهطل فى اعماقها امطار الرعب ..ترتعد..تهمس للمرأة السمينة بجوارها ،مستجيرة بها : - خالتى ام محمد !
المرأة تغشاها ايضا غاشية من خوف ..تتسع عيناها كبئرين غاض منهما الماء،ويتلون وجهها بلون غروب زاعق الاحمرار ..الوقت مايزال مبكرا ..السوق ينفض عنه اثار الليل.. من اين اتى كل هؤلاءالباعة اصحاب عربات الخضر والفاكهة ،و معهم الجائلون الذين يحملون بضاعتهم فوق ايديهم ،او يفرشون على الارض وسط السوق ،او يحملونها على عربات صغيرة تدور بهم بين الحارات ..كلهم ترك فرشته وترك بضاعته واتى كالصقر..دار حول فاطمة تسبقه مخالبه..عينا المرأة السمينة معجونتان بالدهشة وهى تبصق نظراتها على الجميع..لم تجمعهم كلمة من قبل ..مثل النور والظلام لايلتقون الاعلى فراق .الآن فقط ومن اجل فاطمة تتوحد كلمتهم!!
اتجهت الى البنت الصغيرة بجوارها بنصف عينها اليسرى ..منكمشة تحت جناحها..التصقت بها ونقلت اليها الرعشة..علا صوت سليمان : - انت وهذه البنت التى جلبتها ..اخرجا من السوق .
تنظر فاطمة اليه ..وجهه قسماته ملطخة بتراب السوق ..معجونة بالغبار ..مترعة بالعرق..ترفع صوتها عله يصل اليه ..يفهم حقيقة الامر.. يعذرها..تضيع حروفها
وسط زحام الكلمات ..ترفع صوتها اكثر ..الاذان لاتسمع والعيون لاتنتبه..تشعر ان هناك قرارا لابد ان ينفذ لذا لايسمعون ..الكل فقط يتكلم ..يطالبها بالرحيل ..تقوم ام محمد مستندة على الارض ..رافعة جسدها الممتلىء بالكاد ..قسماتها مشربة باصفرار طارىء،يتمدد متشعبا على اجزاء جسدها المرتجف وهى تواصل الاحتجاج باحثة بينهم عن اذن تسمع .
يزأر صوت منصور من جديد : انت وهى خارج السوق
ويهرول مندفعا نحو بضاعتها وبضاعة فاطمة من الجبن والبيض يريد القاءها ارضا ..تمتد الايدى لتمنعه..يزيد حماسه ويمد ساقه من بين غابة السيقان المحيطة به ..ترتفع صيحات استياء كطيور سوداء تحوم فوق المكان .
...............................
2-
حسرة
وجه ام محمد كسطح رغيف قارب على الاحتراق ..تسير به وسط الطريق ..تحدق فى الوجوه المارة ..ترميها بجمر النظرات..السوق الذى عرفته وعرفها ..ربت فيه زبونا يجىء من اجلها ويسأل عنها..الباعة انفسهم ..من كانت تظنهم لها..
يطردونها منه..البنت اخطأت ..اغضبت البرعى ..مالها هى؟ ..ثم ان الحق يقال
البرعى هذا شره ..عينه فارغة ..ينظر الى الصبية الصغيرة بعين السوء ..البنت لاتفهم من هو البرعى او غيره ..وهؤلاء الباعة الذين اجتمع جمعهم على رأى واحد هو ارضاءه يتسابقون الى طردها .. مادامت صغيرة ,جديدة فى المكان ولن يغضب احد لها فليجتمع الكل عليها..تكمل سيرها وسط الطريق ..تبصق نظراتها على الوجوه العابرة ..بينما قدمها تودع الطريق بحسرة ..تنتبه لفاطمة الى جوارها وهى تتعثر ،تنقلب ببضاعتها على الارض ..تتفجر البراكين فى عينيها ..تلعن الظروف التى اضطرتها الى مساعدة هذه البنت واسرتها ..جلبت لنفسها الضرر بيديها .
.................................
3-
بعد الوقوع
كانت فاطمة تمضى ..جسدها النحيل لايقوى على حمل البضاعة والرعب معا ..تنظر الى الوجوه المحتشدة ..تتساءل لم يفعلون هذا ..الرجل البرعى الذى هو فتوة السوق ،الذى يفرض الأتاوات كما يقولون انفرد بها فى حانوته..الحانوت
يقسمه حاجز خشبى الى نصفين امامى وخلفى ..انفرد بها فى الاخير ومد يده عليها ..لو نال مااراد هل كانوا يصمتون ،يتغاضون مادام الامر بعيدا عنهم ؟ ..
تريد صوتا واحدا يقول لها اخطأت حينما تصيدت اصبعه وطحنته بين اسنانك ليبتعد عنك ..تدير عينيها فى الوجوه المنقبضة القسمات ..تهطل دموعها مطرا
وهى تتحرك خارجة الى الطريق ،حاملة مع البضاعة انكسارها ..المطر يصنع سحابة تغطى عينيها ..تحجب عنها المرئيات ..تتعثر قدمها فى حجر وسط الطريق ..تنقلب وبضاعتها على الارض ..يختلط الجبن بالتراب بالبيض المكسور ..يمتلىء وجهها بالدموع والدم والطين ..البضاعة ضاعت ..ضاع ثمنها الذى اقترضته امها من الجيران جنيها وراء جنيه على مدى ايام طويلة حتى استقام مبلغا تستطيع به ان تبدأ مشوارها فى السوق .. تدير وجهها بين العيون المتراصة
والتراب المعجون بالجبن والبيض..تحدق فيهم بعينين متحجرتين غاض ماؤهما
وهى مكانها على الارض..تنظر ..تترقب ..ثم مرة واحدة ترتفع يد اها وتلطم
خديها بكل ماتملكه من جنون، وتهذى بكلمات لايحاول احد من الوقوف فهم معناها !!






















20- الحذاء






تعملقت جذور الحيرة فى صدرى وانا أحدق فى الشاشة الفضية ، الرجل يبدو وقوراً جاد الملامح ، يتكلم بتؤدة مفكر وبعلم خبير ، حروفه مرتبه ولغته سليمة، يوظف ملامح وجهه بإتقان وهو يتحدث عن الحذاء العجيب الذى هو ثورة ستزيل الغباء من الكون ، والذى تم تصميمه ليمنح الإنسان من خلال دائرة الكترونية فيه الذكاء ، الشاشة الفضية كبيرة تعلو مدخل حانوت لبيع الأحذية ،المحل صارخ الألوان ، ذو واجهات زجاجية مضيئة بأضواء ملونة بالوان مبهرة ، تحيط بالأحذية الجديدة ذات الألوان والمقاسات المختلفة ،أحدق فيها لعلى أصل الى جديد فى شكلها أو إضافة الى تركيبها ،لاشىء ،أرى وجهاً يحمل سمات الجد تغطى عينيه نظارة طبية ، تعلوها رأس ملساء يحيط بجوانبها شعر خفيف ، ويحمل بين يديه حذاءّا جديداً ويخرج من الحانوت فى كبرياء قاصداً الطريق ، اتصدى له بسؤال غبى لامفرمنه :-
n مارأيك فيه ؟ مشيراً الى الحذاء
ينظر الىً من خلف نظارته الطبية مباغتاً ، يحدق منقباً فى وجهى قبل أن يلفظ حروفه بجفاف :-
-
معجزة
-
جربته ؟
-
سأجربه
مضيت مع إنحناءة الطريق لأجد الشارع الكبير أمامى حيث الحوانيت أكبر واللافتات تشد العين وتسلب النظر بحروف النور المنبعثة منها بشتى الألوان ، و التى تروح وتجىء وتصعد وتهبط وتدور فى حلقات لاتهدأ ..تنبهت لأحدهم يقف وسط الشارع داعياً الى أوكازيون وتخفيض هائل فى سعر الحذاء الجديد ، الذى يحمل مميزات ستقلب الموازين وتغير الأفكار وتبدل القيم ، فهو الحذاء الذكى المناسب لكل المهن والأعمال، والذى سيمحو الفوارق تماما ً بين الأذكياء والأغبياء ، وسيجعل من الكرة الأرضية شعلة ذكاء تتأجج فى سماء الكون ، اندفعت الى الحانوت ، صفاً طويلا وقفت فى آخره على مضض خشية أن ينتهى العرض قبل أن أفوز بما أريد ، وصلت الى الأمام ، وجدتنى أمام حاسب آلى سألنى عن إسمى وعن عملى ، قلت انا الدكتور يوسف مكتشف الإنزيم المسئول عن درجة الذكاء فى جسد الإنسان ، نظر الىّ الرجل الجالس خلف الحاسب متسائلاً :-
-
هل لهذا الإكتشاف فائدة الان ؟
لم أفهم مايعنى ،أوضح :-
-
فى وجود الحذاء المعجزة لن تحتاج لهذا الإنزيم
لم أرد ، جربت الحذاء فى البيت ، لم الحظ جديداً ، حدقت فى ملامحى عبر المرآة ، كل شىء عادى ،اختبرت مستوى ذكائى بالحذاء وبدونه ، لم يتغير ، هرولت الى الطريق والحذاء فى يدى وعلامة إستفهام كبرى تتراقص أمام عينىّ ، دخلت الشارع الكبير ، كان مزدحماً ، حادثت نفسى أن الخديعة تسرى فى النفوس الساذجة وتعبرها الى العقول المغوية و القلوب الواهنةالتى تلغى كل مساحات التفكير لتضع مكانها مساحات أكبر للغفلة ، اقتربت أكثر ، سمعت عبارات التذمر تسرى عبر الأفواه ، نتيجة عدم ورود شحنة جديدة من الأحذية بدل التى نفذت ، قلت لأحدهم أننى أريد إرجاع الحذاء واسترداد نقودى ، تطايرت العبارات مطالبة بالشراء فوراً وبالسعر الذى أحدده .. وسط الحوانيت ذات الواجهات الزجاجية بالوانها الصارخة وشاشتها العملاقة التى ماتزال تتحدث عن المعجزة التى ستحيل ظلام الغباء الى نور كان الأمن ينتشر ، اتجهت اليهم طالباً إعدام الحذاء فوراً وأمام الجميع !!

















21- الكلب


بالأمس بعت الكلب الباقى من العائلة ..حاولت أن أبدو أصيلا أمامه فأجريت دمعة أو إثنتين على خدى فى صمت ..فى الحقيقة ..هو ايضا كان حزينا ..بدا حزنه نبيلا مثله وظل صامتا طول الوقت .
كنت قد شرحت له الأمر بالتفصيل قبل أن نخرج الى الطريق ..اجلسته على مقعد مقابل فى الردهة وتحدثت اليه ..لم يأخذ الامر وقتا اذ وجدت لديه استعدادا طيبا لتفهم الامر ..ضممته الى صدرى فى رفق ومضيت الى الطريق ..وصلت السوق ..وقفت صامتا اتذكر كلمات ( كريمه ) خطيبتى الحالية وزوجة المستقبل ..لا أعرف لماذا اهتم بعباراتها ..ارددها واحفظها وأنفذ ماتريد....أعيش عبر الحروف ..واستلهم من العبارات حياة أعيشها وأتنسم ريحها بلهفة لامثيل لها ..وقفت إذن أتذكر كلماتها وهى تقول : -
-
أريد بيتا خاليا من الأغراب

ولأننى أحبها وأتوق الى الزفاف سريعا ليس لغرض سوى أن أكون بجوارها كل - وليس بعض - الوقت فقد تحمست للأمر ..انتحيت بكلبى جانبا ..اعدت عليه ماقالت ، واضفت : -
-
إياك أن تظننى أطيعها وأفعل المستحيل لأرضيها من أجل جاه أبيها ،أو مركزه ،أو أننى أعمى لا أرى دمامتها ..كلا .
-
واقسمت له تأكيدا على ما أقول..حرك ذيله ..ادركت أنه اقتنع ..اكملت : -
-
أننى أريد زواجا سعيدا ..هل تفهم ما أعنى ؟
-
حدق فى وجهى ونبح مرة أو اثنتين ..قالت عيناه أنه يقدر ما أقول ولايجد فى صدره شيئا من ناحيتى ..تبسمت له وحملته بين يدّى وانا اؤكد انه ليس غريبا عنى ، فأبوه كان يحرس البيت قبله ومات فى حادثة مشهورة ،كتبت عنها الصحف فى حينها ،فقد أصّر على مطاردة لص اطلق عليه النار ليكف عنه ،ولم يكف ولم يتركه الا حينما رأى رجال الشرطة ،لحظتها تركه لهم واتخذ ركنا مات فيه بهدؤ ودون ضوضاء ،بعدها ونتيجة للذكرى الاليمة المرتبطة بالمكان لم تتحمل الكلبة الام المعيشة معنا وهجرت البيت ،وبقى هو موظفا امينا قليل الطلبات ..يأخذ مايصل اليه بصدر رحب ..لايطلب المزيد ولايفكر مجرد تفكير فيه ،ومتى رآنى يهب واقفا فى احترام نبيل وهو يهتف بلغته هتافات مدوية تخجلنى فأنظر اليه فى عطف وارفع يدى نصف رفعة وابتسم نصف ابتسامة واسأله عن حاله وهل هو سعيد فى مكان عمله ام لا ،وهل يأتيه طعامه فى موعده ام لا ،واتركه شاعرا اننى فعلت مابوسعى تجاهه . لكننى امام الظرف الجديد كان لابد ان اضحى .فأخذته رغما عن ايجابية مشاعرى نحوه ومضيت الى السوق .. حملته ووقفت جانبا ..غارقا فى بحيرة صمت راكدة راسما ملامح اسى ،كلما ادار وجهه ناحيتى يراها فيطلق عقيرته بالنباح تضامنا معى ..اقترب رجل بدا من ملامحه انه يريد الشراء ..مد نظراته اولا ..ازداد وجهى تغضنا ..مد يده ..لم اتحرك ..سأل ان كنت اريد بيعه ..همست مبديا مزيدا من الاسى انه اصيل ،من النوع النادر ولولا الظروف مااضطررت لبيعه ..سأل : -بكم تبيعه ؟
سألت : - بكم تشتريه ؟
قال الثمن ..وافقت فوراً دون نقاش ومددت يدى اليه ..حمله ونسى أن يعطينى النقود ..انا ايضا تشاغلت عنه بفرحة العودة الى كريمه ملبيا طلبها .. كان الوقت ظهرا ..جلست على طرف المائدة اتناول ماوضعوه امامى من طعام ..هبت تاركة مكانها..لم انتبه لهذا الا حينما سمعتها تنطق إسمى مشفوعا بالفاظ لا اعتقد أنها تقصدها مثل (الدناءه – الجرثومه –وما اليها ) وتطلب منى مغادرة المائدة فوراً و المثول بين يديها..تمنيت أن اطلب منها الانتظار لحين شعورى بالشبع ..لم استطع ..رأيتنى اهرول نحوها ..اطأطىء رأسى هامسا : - نعم
سألتنى : -ماذا فعلت ؟
قلت بفرحة :- لن يوجد بيننا أغراب بعد الآن ..لقد بعت الكلب .
وانتظرت أن تفرح مثلى ..غير أننى فوجئت بعينيها تضيقان وتحدق فى وجهى : -
-
لم اقصد الكلب ..انا اقصد أباك
-
اتسعت عينّى
-
ودق قلبى فى عنف ..جال بخاطرى لحظتها إننى نسيت أن آخذ ثمن بيع الكلب ..نحيت هذا الخاطر جانبا واتجهت بعينى الى وجهها.. البثور المنثورة فيه متوترة ..النقاط السوداء منفعلة ، والأسنان بفكها العلوى النافر توشك على عقرى ..ابتعدت ..سألتنى ..فيم تفكر ؟.. سريعا قلت :- فى كيفية بيع أبى !!























28-                  بسمة لصرصار عابر


فى لحظة البدء  امتطى الصمت
بدا للأعين الراصدة حجرا محدد الأبعاد .. تدحرج الى أن وصل الى الباب ، وعندها تفتت الى تراب أخذ طريقه من العقب عبر الأتربة والغبار الى الداخل .. واجه الكرش المتكور خلف المكتب المتورم الأبعاد ، بقمة رأسه الصلعاء ، بينما عيناه تتابعان تراب السجادة الحمراء ، ذات الخيوط المتهرئة من طول الوطء  ..اعتدل الكرش باستدارته المتخفية خلف بنطلونه المرتفع الى تخوم الصدر ، وتمدد الى الأمام مستندا على حافة مكتبه التى تآكلت بفعل استمرار الأحتكاك..ظلت الرأس محنية بانتظار أن يفرغ الكرش محتوياته فورا ..طال الصمت ..رفع رأسه مترقبا..رأى  عينين لوزيتين ترميانه بنظرات ثلجية التعبير ..عاد يحنى رأسه فورا وهو يطلق من بطنه صوتا شديد الالتهاب
-       حضرتك طلبتنى ؟
شمله جليد النظرات قليلا فجّمده  ،قبل أن تنطلق من الفم الصغير المكتنز الشفتين  حروف متأكلة:-
-       سأعلقك من أرنبة أنفك ان لم تنجز ما أريد
انكسر رأسه فانحنى يلعق الأرض بعينيه
انتفخ الكرش أكثر وهو يهب من مكانه يتصيد أذنه ويصب فيها كلماته المتآكلة  آمرا :-
-       لديك نصف ساعة و تعود بحنجرنه ملفوفة فى ورق سوليفان
عاد يتفتت من جديد  منزلقا الى قاع حذائه بلا صوت ..كان الهواء حوله يفسد .. يفقد اكسجينه ويكتظ بثانى أكسيد الكربون الخارج من خياشيم الكرش الكبير ويزيده اختناقا ..من مكانه هناك على السجادة المتهرئة الخيوط عاد يرفع رأسا لاتجيد الارتفاع .. رأى الآخر باهت الملامح كذكرى لاتفيد ..يمد قيود نظراته الحديدية لتحيط به وتقيده ، وتزيد معاناته مع ثانى أكسيد الكربون المتزايد ، وهو لايملك الا أن يحرك أرنبة أنفه على نسيج  السجادة هنا وهناك ، و يدور حول حذائه قاصدا عقب الباب ..عاد صوت الآخر يلاحقه :-
-       لاأ ريد عنفا
كان النهار يتأرجح على الجدران والشمس العرجاء تدق الأرض ماضية من ركن الى أخر.
قبل أن يستدير الى كرش الرجل من جديد حدق فى ثقب طبلة الباب ..نفذ منها الى الخارج مستطلعا موقف السكرتيرة ذات النهود البهلوانية ، راقب أذنيها التى تجيد مدها الى أضيق الأماكن وأقوى التحصينات ..اطمئن أنهاتعتلى اطار مرآتها الصغيرة لتتقصى آخر أخبار قسماتها ..عاد  من ذات الثقب الى الرجل المتورم هامسا بلهب الحروف :-
-       كما تأمر
رفع الآخر رأسه الى السقف ملقيا اليه بفتات الكلمات –
-       بمجرد أن تنتهى تعود الى صيوان أذنى وتصب مالديك
-       كما تأمر
-       اذهب
حمل جثته على كتفه وقفز من أعلى سور السجادة ..تفتت من جديد عند العقب ، فانزلق الفتات الى الخارج ..القى نظرة من أعلى على السكرتيرة التى لم تبال به ومضى الى الطريق .. كان الشارع يسير والناس يزحفون ..يلعقون الصهد ورائحة الأسفلت الساخن   تحرق أغشية الأنوف ..كان يعرف مايريد ..فرد صدره ورفع رأسه لأعلى بعد أن ابتسم لصرصار كان يعبر الطريق
























29-       جنازة جسدى

عاشر

يا أبن أدم مهما تعاشر ..هكذا قلت لنفسى بعد أن قفلت راجعا من آخر مراسم دفن جثتى ..لم يكن حزنا مابى ، فالأحزان ماعادت تؤثر كالسابق علّى ،لكنها العشرة والمعرفة الطويلة ، وأحداثا مرت وأحداثا عاصرناها معا فى الخيال ، وتمنينا أن لو تحققت ..أشياء كثيرة سرت أفكر فيها ، وأنا عاود التساؤل المرة تلو الأخرى ، عن كيفية الحياة الجديدة التى سأحياها بلا جسد ، وكيف تكون؟ على الأرض أم فى السماء ؟وأن كنت  الآن أسير وأتحرك ، وأمضى قاصدا منزلى الكائن هناك على أطراف الصحراء ، حيث أخترت أن أقيم بعيدا عن ضوضاء المدينة ، وقلبها الذى أصبح معتما ..الروح على ماأعرف لاتسير ، بل تطير أو نحو ذلك .. وهى خفيفة ..أخبرتنا الأخبار عنها أنها لطيفة .. دخلت الجسد غصبا وتغادره غصبا .. لكننى لم يحدث لى أى من هؤلاء !  فأى الأرواح أنا ،شقى أم سعيد ؟.. ارتطمت قدماى بحجر .. تألمت .. زاد عجبى ..هل الأرواح تتألم للمسة حجر ؟..أكملت سيرى قاصدا أن أعود الى البيت ، فأقصص روايتى على زوجتى ، وأسمع منها المفيد ، فهى رغم أنها تعليم متوسط وأنا تعليم فوق العالى بقليل أستمع لرأيها ، وأنفذه فورا ، ليس لخوفى منها ، ولا هو تحيز لها ، ولا قلة شخصية منى فأنا شخصيتى قوية جدا بشهادتها - شهادة زوجتى - ولكنه تعود تعودته منذ سنين ..اذا الّم شىء بى عدت اليها فأعطتنى المفيد ، وهكذا ..اكملت السير .. رأيت أعرابيا قادما على البعد ..قلت لن يرانى وهذا شىء طيب .. هؤلاء الناس لم يعد لديهم ماكان لهم طوال دهور طوال.. خاصة أيام الرسالة الأولى ..جاورنى الرجل ..قال :- 
-  السلام عليك
قلت متعجبا :-
-  أنت ترانى ؟
قال بهدوء واثق :-
-  نعم
قلت:-
-  كيف ؟ ..انا عائد لتوى من جنازة جسدى فكيف ترانى ؟
 تبسم الرجل العجوز عن فم أثرم ابتسامة هى الى البكاء أقرب وقال :-  ..يابنى أنت لم  تدفن جسدك بل روحك
 اهتزت المرئيات أمام عينى ..ورأيت وجهه يصير وجوها عديدة تحدق بى ..تحاصرنى ..تحصرنى فى زاوية تحت نظراتها ، لا أملك معها الا أن أصلب مقلتى على براح وجهه ، منتظرا المزيد ..قال:-
-          ماآراه الأن أمامى جسد بلا روح
تذكرت الحجر ..وسيرى على قدمّى وتساؤلى ..و..قلت لنفسى لن أصدق ماقال الا حينما أعود الى البيت وأستوثق من زوجتى

















24-خواء




صمتٌ وظلمةٌ يحيطان به ..يحاديانه أثناء سيره ..يسمع لهما طنيناً يدق رأسه ..يحاول الإسراع ..تصر خطواته على السير متمهلة تتحسس الأماكن ،وعيناه تتشممان الطريق ..بينما تراب ناعم تثيره قدماه ،ينتقض لاهثاً خلفه، يعلق بملابسه ،يصل الى فمه وعينيه ..يكمل السير شاقاً حجب الليل والصمت ،ماضياً خلف فكرة تتمثل له ، يرى فيها نهراً سوف يطهر روحه ..الظلمة ستار يستتر خلفه، والهدوء مركب يقوده الى غايته، والدقائق رفيق يمضى بجواره قاصداً ذات المكان الذى يقصده ..يكمل سيره..تبدو له المقبرة أخيراً ..ذات المقبرة بعينها ..بذات ملامحها التى تخترق حدقتيه على ضوء نجمة تولد فى تلك اللحظة..يدقق فيها ..فجوة فى باطن الأرض يغطى وجهها تراب أكثف من سابقه ،وحروف مطموسة تبدو أثارها على قطعة رخام ملصقة على جدار متآكل ،يعلوه إصفرار شاحب لايكاد يبين لونه ،يحده سواد باهت يكسو الأطراف ..تقدم قليلا منها متفحصاً..شعر بالتراب يعاود ثورته ..يعلو عينيه  ..يطمر أفكاره ..ولايبقى هناك الا هو وذلك الراقد على مقربه منه والذى – من المؤكد – يراه ويشعر به ويعرف أنه جاء من أجله ..ذلك الراقد الذى ينعم فى جنان السكينة والهدوء ويتركه فى آتون الفكر يتقلب على جمر اللحظات ..حدق فى إتجاهه شاعراً أنهما لم يكونا قريبين فى يوم مثل الآن ..الآن هما ميتان لايفصلهما الا جدار، لكن كلا منهما ميتٌ على طريقته، فأحدهما يرقد تحت التراب هانئاً مستقراً فى مكانه، أما الآخر فمات ومضى حاملاً جثته على كاهله باحثاً عن مستقر ..تصلبت نظراته على اللوحة ..حاول أن يتمتم  ببعض الكلمات ..عصته الحروف ..إنتبه للرجل ينفض عن نفسه التراب .. يخرج اليه..يتجه نحوه ..يمسك كتفيه ..يهزه صارخاً ..لن أسامحك أبداً ..إرتعد..شعر بقلبه يتوقف، بحلقه يجف، وبعينيه تجحظان  ..فتح فمه لا إرادياً لايعرف إن كان يريد الصراخ مستغيثاً طالباً النجدة فى هذا المكان\الزمان الخاوى، أم أراد أن يشرح له ماخفى عنه ،غير أنه فى محاولته فتح فمه رفع رأسه لأعلى فالتقت نظراته بذات النجمة الوليدة ذات الضوء الفضى ..فتح عينيه على إتساعهما وهو يدير رأسه حوله ..صمتٌ رابضٌ فى الأرجاء ،وعتمةٌ شفافةٌ تشى بجو الحلم أو الكوابيس ، وقلب يرفرف  بين جنبيه لايعرف إن كان هلعاً أم تأثراً بما حوله ..رفع يديه الى أمام شفتيه هامساً ببعض كلمات مرتجفة الحروف اعتقد انها ترحماً عليه، بينما على وجهه تبدو ملامح مشاعر شتى من خوف وبلادة وأسف وتقزم جارف لاحد له ..إنتبه لدموعه تهطل معجونة بندم لم يشعر بمثله من قبل ،ورأى رأسه ينحنى طالبًا الصفح والغفران ، هامساً أنه جاء.. وهذا مالم يكن يتخيلّ وقوعه قبل الآن !! 





















25-                       التعويض



                                     
قالت له زوجته  أن طوفان البشر يملأ الطرقات ، لم يهتم ، امسك السلسلة الحديدية ، يمم وجهه ناحية ركن الحجرة الشمالى ، واتجه بقدمه الى الباب  مغادراً الى الطريق ..هو له حانوته الذى يجلس فيه ،  وبعد هذا يصبح الأمر سواء . قبضت يده اليمنى على السلسلة الحديدية المشدودة أمامه فى رقة على رقبة الصافى ، حيث يحث خطاه فى  تؤدة مخترقا ً الدرب الضيق الى الشارع الكبيروهو خلفه ،  يأخذ جانب الطريق بجوار الحوانيت المغلقة فى ذلك الوقت من الصباح ، مشرعاً أذنيه أثناء سيره ، منصتاً الى ذات الأصوات التى اعتاد سماعها يومياً فهنا على الناصية ربيع صاحب عربة الفول الخشبية الصغيرة  ، صوته الجهورى وعراكه المستمر مع زبائنه ،  هذا العراك الذى وصل الى مرحلة الإدمان من الطرفين ،  لدرجة أنه اذا لم يسمعه صباحا أيقن فوراً أنه غائب لمرض أو عذر قاهر ،  وهناك  درويش بائع الجرائد وقهقهاته التى ترج قلب الأرض  ، فاذا نفذ الصافى الى الميدان ساد هدوء مغسول بماء الندى الرقيق الذى ينعش وجهه  ، ويملأ صدره بانشراح يومى يواجه به محمود حينما يصل اليه على بعد خطوات من الميدان  ويجده وصل متأخراً ومازال يعالج باب الحانوت  ، وبدلا من أن ينهره على استمرار تأخره اليومى يشرق وجهه بضحكة ساخرة وهو يهتف به :-  هى عادتك .. لن  تشتريها ..يتلعثم محمود وهو يبحث عن سبب لتأخره ، يومياً منذ عمل معه يحدث هذا ثم يبدأ العمل ،  يجلس هو خلف مكتبه فى الناحية اليمنى من الحانوت،  والصافى مقعى على الأرض بجواره ،  وأمامه طعام إفطاره  ،  بينما محمود يقوم بترتيب المكان لإستقبال الزبائن ، أما هو فيقوم باستلام ثمن البضائع منهم ..يمد يده فيأخذ النقود ، يتحسسها  ،  يمد يده الى الدرج  ، يخرج الباقى بهدوء ويمد يده الى  الزبون الذى يأخذه ويمضى ،  وقد يختلف أحدهم معه فى العد محاولا استغلال كف بصره  ، فيحتد عليه فوراً مصراً إنه لايخطىء خاصة فى مسألة النقود  ، ويتضح بعدها أنه كان محقا ً .
يومياً يحدث هذا  فما الذى سيتغير اليوم ..أخذ طريقه المعتاد وراء الصافى قاطعا ً الدرب كعادته ،  قاصداً الشارع الكبير غير أنه شعر لتوه برهبة جارفة ولدّها غوصه فى لجة متلاطمة الموج ،  ابتلعته فوراً صانعة ضجيجاً رهيباً هز جوفه ،  وتزاحم أجساد رهيب أعاق حركته ،  لدرجة أنه أمسك السلسلة بكل مالديه من قوة حتى لايفلت الصافى منه  . حاول التراجع عائداً الى الدرب من جديد ،  لم يستطع ،  سار مع قوة الدفع الجماعية الى الأمام ناحية الميدان والهتافات المدوية تخترق رأسه نافذة الى تلافيف جمجمته (الشعب يريد ..! ) ، شعر بضربات قلبه تعلو متصاعدة الى درجة الصراخ فى جوفه هاتفة بقوة مع الشباب السائر( الشعب يريد ..! ) ، وزلزال يهز جسده انفعالا مع تلك اللجة العاتية التى جرفت معها كل أحاسيسه وتفكيره  وأحس بشعر رأسه يشب لأعلى والأصوات حوله تتحول الى هدير يهز اللحظات والأرض والسماء صارخة ( الشعب يريد ..! )، مضى معهم غافلا عن الحانوت والولد  اللاهى محمود ، ثم تذكرهما  فجأة ، حاول تحديد اتجاهه ناحية حانوته ،   لم يستطع  ،علا صوته طالباً المساعدة ، لم يسمع نفسه ولم يسمعه أحد ،   أصبح جسده قشة فوق لجة ماء تتقاذفها كيف تشاء ، لايملك من أمره ولا أمر الصافى والسلسلة الحديدية  التى تربطه به شيئاً ، وأصبح كل همه الآن أن يحفظ توازنه حتى لايقع أرضا وهو يمضى لايدرى الى اين ،  ماداً يديه أمامه سائراً بالكاد على قدميه ، وبعد فترة لايدرى طولها  وجد الزحام يقل والأصوات تتباعد واستطاع أن يحرك يديه كيف يشاء   .. مد يده اليمنى ساحباً طرف السلسلة نحوة،  وجد فراغاً  ، اختفت السلسلة  ومعها الصافى  ، اجتاحته ثورة عاتية وهو يشعر أنه صار بلا عينين ، لن يستطيع الذهاب الى مكان بدون الصافى  ،كلبه ،  صديقه،  قائده .. اندفع لايدرى الى اين ، ماداً يديه أمامه :- الكلب أين الكلب ؟ وضع أحدهم يده على ياقة قميصة من الخلف بعنف :- تعالى معنا  ..شكر له شهامته غير أنه سأل نفسه لماذا يعامله هكذا .
..............
القوه أرضا ومضوا عنه ..كان مرهقا لايملك الحروف فظل راقداً بلا حول ، سمع صرير باب يغلق  ، بعده امتد السكون بلا انتهاء ..بدت له اللحظات صحراء شمسها حارقة تكوى قلبه،  وهو لايدرى ماالأمر ، دنياه بحر من ظلمة وحيرة عميقة الغور،  الجدران رطبة عطنة الرائحة،  والهواء مشبع بالخوف ، يرتد فكره الى الحانوت الذى لم يذهب اليه،  مؤكد محمود فتحه ويعمل فيه  بجد ،  الولد نشيط  ، سيقوم بعمله خير قيام ، ويذهب الى البيت يعطى إمرأته النقود ..انتفض حينما مرت به هذه الخاطرة ..شعر بقلبه يهوى تاركاً مكانه فضاءاً تعصف ريح السموم بأركانه ..محمود يجلس الى زوجته وهو غائب.. يحادثها ويضاحكها  الولد مرح.. صوته جذاب ..لو ..!
رفع رأسه عالياً  هرباً من انقباضات تعتصر روحه ..تساقطت قطرات بللورية مالحة على يديه،  لم يبال بها ..أخذ يستعيذ الله من وساوس الشيطان ..لوى عنق أفكاره الى الكلب الذى اختفى ..مؤكد انطلق الى أرجاء المدينة ينعم بفراغه .انتبه لهدير الباب يشق دياجير الظلمة وأركان الصمت حوله ، تتبعه صوت أقدام تقترب وفحيح صوت بشرى يأمره بالوقوف ..تساند على الجدران وترك نفسه ليد حديدية سحبته الى الأمام .
أثناء التحقيق سألوه :-   لماذا تغمض عينيك ،هل ترفض رؤيتنا ؟
أدار وجهه ناحية مصدر الصوت مجيباً :- انا لا أرى
قال المحقق بخبث :- لاترانا ؟
أجاب بهدوء :- نعم
تم كتابة تقرير جاء فيه أن المتهم يتعمد إزدراء السلطات
...........................
أعيد الى  محبسه.. الصمت حوله ليل لاينفذ والسكون طوق يقيد عنقه ويخنقه .. ينكمش فى نفسه وهو يصيغ السمع محاولا إقتناص صوت ..ينهشه الجوع بمخالب قسوته.. ينتظر أن يفتح الباب عازما السؤال عن شىء ولو كسرة خبز.. يصرخ فيه الحارس :- الطعام امامك.. ينفجر:-  لايوجد شىء.. يعاقبه بتهمة الشغب ..تلقى اليه قطعة صماء كانت فى الأصل جبناً وكسرة خبز قديمة العهد،  يصرخ ضارباً الجدران والهواء والصمت المطبق حوله متسائلا عما جناه ..يحتضن الأرض محاولا الإختباء بين طياتها ، كاتما ً أنفاس يأسه ، راغباً عن الإحساس بالألم الذى يجتاح كل ذرة من جسده  ،وعن براكين الفكر التى تجتاحه باحثاً عن لحظات غياب عن نفسه  لعلها تخفف عنه بعضا مما يلم به ، لكنه ينتبه بعد وقت الى أصوات عالية حوله ، أصوات صارت بالنسبة له ماضياً  لايظنه يعود ، تقترب بقوة نحوه ، لم يسمع لمثلها منذ جىء به الى هنا  ، وفتح الباب من جديد ،  يفتح هذه المرة بصوت مغاير لما قبل ،  ويدخل هواء جديد  محملاً برائحة عذبة منعشة تشده من متاهة المه الى مدار انتباه  لما حوله، اذ غاب  الصوت الأجش ذو الفحيح المخيف وحل محله صوت مرح يدعوه للقيام ، يقترب منه يأخذ بيده يرفعه عن الأرض يكاد يحمله خارجا ،  وهتاف يعلو:-   الله اكبر تحيا ثورة شباب مصر .. يدير رأسه حوله متسائلا عما يجرى وهم يقودونه الى الخارج  .. يقف أمام الباب يشعر.. بجسد ناعم الملمس يتمسح بساقيه ..يتدفق احساسه املا أن يكون هو الصافى.. هذه اللمسة يعرفها ..يمد يده اليه يمسح الكلب وجهه فى راحة يده.. يهوى اليه معانقاً وهو يبكى ..من بين دموعه تشرق إبتسامة !


























26-        الشجرة




على الأرض
 تدق عصاه على مراحل زمنية ثابتة ، الأرض أسفلتية سوادها يمتد بامتداد البصر ، لوقع الإرتطام المنتظم رنين يهز قلب الليل الغارب ، يحدق فى شجرة السدر ذات الفروع الكثيرة والأوراق الصغيرة وهى ملتحفة بالعتمة ، واقفة كحارس ٍ على مدخل بيت (المجدور) ، الذى  تاهت حدوده فى طيات الظلمة فلم يبد منه الاسواد هلامى لا حدود له ..تواصل العصا دقاتها وهو ينظر الى الشجرة وثمارها الصغيرة الملقاة على الأرض التى أفترشها ضوء اللمبة الأصفر الهابط من أعلى الباب الحديدى الباهت السواد ، وعلى غير رغبته يواصل السير مديراً وجهه عن الثمار الصغيرة ( النبق )والتى كان يومياً قبل الفجر مثل الآن وهو متجه الى المسجد يجمعها فرحاً بكثرتها  ، قائلاً أن هذا ليس رزقه وحده بل رزق المصلين القلائل الذين يشاركونه القيام فى هذا الوقت  ، يجمع النبق فى كيس  صغير ،  وحينما يصل المسجد يفتح الصنبور عليه ثم يوزعه على الموجودين مؤكداً أنه علاج ناجع لمرض السكر  وأشياء أخرى ، يقولها مداعباً الكبار وأصحاب اللحى البيضاء مثله  ، الى أن جاءت مرة أقعى فيها أسفل الشجرة يجمع النبق كعادته واذا به يرتعد فى مكانه وترتجف نبضاته فزعاً وهو يرى الى جواره ظلاً أسود يطوى الفراغ صاعداً لأعلى،  وحاجزاً عن  عينيه النور تماماً وصوت حاد يحاصره :- هذه الثمار ملكى وحدى
رفع رأسه بالكاد الى مصدر الصوت محاولاً لم شتات نفسه والتحكم فى ارتجافة يديه ليجد المجدور أمامه يرميه بنظرات موبخة ،اهتزت الحروف على شفتيه قليلاً قبل أن يتمكن من تجميعها هامساً :- أعرف
ويصمت قليلاً قبل أن يجد حروفاً أخرى وجدها ملائمة للموقف :- لكنها على الأرض ..مشاع للمارة !
إعترض المجدور بحدة :- بدون إذنى ؟
عاودت الحروف الإنكماش على شفتيه وهو يشعر بساقيه المتهالكتين أصلاً تهددان بانهيار كامل ،همس  محاولا ً التعلق بأى قشة تنجيه من بحر  خجله هذا :-  وهل ترفض ؟
قال الآخر بجفاء :- نعم أرفض ومضى عنه .
يتذكر تلك الحادثة وهو يمضى يومياً على ذات الطريق تدق عصاه الأرض الأسفلتية وسط الطريق بعيداً عن بيت المجدور والشجرة وحبات النبق الصغيرة التى يلفها الضوء الأصفر بوشاحه فيصقل صفرتها امام عينيه الا أنه يدير وجهه عنه ويمضى ، وحين يسأله أحدهم عن سبب انقطاع هداياه اليومية يكتفى بابتسامة صغيرة قائلاً أن الشجرة لم تعد تعطى    قاصداً أنها لم تعد تعطيه ،  الى أن جاء اليوم ووجد المجدور أمامه بعد الصلاة ، مد يده مسلّماً واستعد للخروج غير أن الآخر اعتقل يده المعروقة بارتجافتها فى باطن كفه وهو يهمس له :- أذنت لك
أدار عينيه نحوه ، نور المصابيح السارى فى المكان ينهمر على ملامحه المجدورة من أثر مرض قديم الم به فى صغره وترك علاماته على وجهه مما جعل الناس يتركون إسمه الحقيقى شعبان وينادونه المجدور ،حدق فى وجهه بعين العجب ،بدت الرحمة رائقة الماء فى أعماق عينيه  بينما على شفتيه ملامح اعتذار على هيئة ابتسامة خجلى ..افلتت اليد المعروقة من باطن اليد الآخرى فى رفق وقد أدرك ماهناك وهو يسأل :-              مالأمر ؟ 
أحنى المجدور رأسه هامساً :- لم تعد الشجرة تعطى ثمراً .
حدق فى وجهه قليلاً  قبل أن يستدير عنه عائداً من ذات الطريق




27-                                           القطار



رأيته جالساً وحده
مواجهاً للداخل ،السيجارة بين يديه دخانها يصنع ستاراً ضبابياً بينى وبينه، من خلف الضباب  رأيت عينيه تبرقان ،نجمتان يخترق نورهما ضبابية اللحظة،لكنهما شاردتان ،تائهتان فى فضاء لانهائى ،يرمحان عبر براحه ،لايهدآن .
لحظتها فهمت معنى أن يفقد الإنسان عزيزاً . اطلق بعض الدخان من فمه ،ازدادت ضبابية اللحظة بيننا ،من خلفها واصلت النظر ناحيته .كان ينتظر منى الخبر ،ينتظر أن انطق به ،أهز ركود الصمت الذى يحتوى كلينا ،لكنى لم استطع النطق به .رأيتنى أعود اليها ،أتصورها تصرخ ذاهلة ،ترفع يديها أمامها ،تحاول رد القدر ،يطلق القطار صفيره ،أفزع ،تعاودنى الرعدة ،أنفجر فى وجه الضباب والدخان :- دهسها القطار
قاصداً أختى ..قال ببطءٍ :- أعرف
ونفخ مزيداً من الدخان ..تفجرت الدموع من عينى ..القطار حديد يتحرك ،و الحديد لاقلب له ،مهما ارتفعت حرارته لايحس ،لايلين ،قلت :-
-           أبى ..لا أحب القطار     -     
-     من خلف السحابة المضببة بلونها الرمادى قال :-
-         -  لم يكن لها أن تقف أمامه
-     الردهة ممتلئة بالسواد ،دنوت من أمى ،عيناها حمراوان ،قسماتها ذابلة يعلوها اصفرار .تمنيت أن أعتذر لها لأننى تأخرت .لو أسرعت قليلا وقلت لها الخبرالذى لدّى كانت ستفرح لبعض الوقت قبل أن يدهمها الحزن.
-     مددت لها يدى ،اعتمدت عليها ،همست وهى تنظر فى حبتى عينّى :-  لن ترى أختك ثانية
-     إنشرخ صدرى من الحزن ،عاد القطار يرسل صفيره المشئوم ،يصرخ منذراً ،مهدداً ،مطلقاً طيوره السوداء تحلق أمام عينّى ،تحجب ضوء الشمس ،وأختى هناك ،تستدير ،ترتعد، تتصلب فى مكانها ،وتمد يد ها ظناً منها أنها تملك القدرة على صده والنجاة منه ،يدوّى الصفير فى الآفاق ،يزداد شعورى بالذنب ،اليوم بالذات كنت سعيداً ،باسماً طول الطريق بعد أن رأيت نتيجة الامتحان ،كنت الأول ،شىء لم يحدث من قبل ،كنت محلقاً كعصفور نبت له جناحان منذ قليل ،يضرب بهما الهواء ويمضى..اقتربت من البيت ،من أول الشارع أخذت أسابق اللحظات وحين اقتربت ارتجف بدنى ،دخلت الشقة ،بياض الجدران غطاه سواد الثياب .زفة الأنوار حجبتها ظلمة الدموع ..حكت لى إحداهن عن القطار ..قالت إنه كان يركض ،لايتوقف ،قلبه الحديدى لايدق ،وعيناه لاتبصران ..اطلقه القدر ليراه الناس ..يحكون عنه ويخشون منه ..لا أعرف لحظتها لماذا رفرف العصفور الصغير بجناحيه الرقيقين عاجزاً عن حمل نفسه وهوى أرضاً ..شعرت أننى بحاجة لوجود أبى ..ابتعدت صامتاً ابحث عنه وحين وجدته كانت سحابة ضبابية تفصل بينى وبينه ..كان لدّى الخبر الذى أعرف أنه يتوق لسماعه ..لكننى لم أجد له معنى الآن
-      ..بكيت !
-     ..............
-     خرج أبى من حجرته ،وجهه قسماته جامدة ،عيناه نظراتهما حادة ،والسيجارة فى يده متأججة النيران ..فتح باب الحجرة ومضى عبر الممر الواصل الى الردهة وهناك توقف ..رفع صوته الجهورى آمراً النسوة بالصمت ..رفعت أمى حدقتى عينيها نحوه محتجة ..العينان حمراوان ،يركض  عبر ساحتهما الأنين ،تدور الدموع ،غير أنها لم تنبس بحرف ..شبكت ذراعيها أعلى صدرها وأحنت رأسها ومضت تدور فى متاهة أفكارها فى صمت ..قال أبى موضحاً :-  لاتؤذوها فى مرقدها
-     وعاد الى حجرته  ..شدنى وجه أمى ..نظراتها نظرات حمامة بلا جناح ..تجلس ساكنة تنتظر شيئاً ما لاتدرى كنهه ..فكرت أن أهبها لحظة فسحة من الحزن ..أخبرها فيها بالخبر الذى لدّى ..أشعر اننى منحت الحمامة جناحين جديدين ..فتحت فمى ..لم أر جدوى للكلمات ..لن تشفى جرحاً ..لن تعيد روحاً الى جسد بلى ..والحمامة حين ينكسر جناحاها لاتفيدها عبارات تعزية مهما كان صدقها .
-     انتبهت لأبى قادما عبر الردهة ،متسع العينين كأنه فى حالة دهشة دائمة وكان محنى الظهر ..تقدمت نحوه ..استند بيده على كتفى ومضينا نحو الباب ..فى الطريق وانا امضى الى جواره مهدئاً من خطوتى لأسايره قلت هامساً :- أننى نجحت وأن ترتيبى الأول هذا العام ..شد على كتفى فى صمت ..داهمنى فيض من مشاعر ..رأيت القطار من جديد يطلق صفارته قادما كقدرٍ لافكاك منه، والطيور السوداء والتى كانت من المؤكد انها حلقت فى مكان الحادث، وأختى وهى تمد يديها وتقف مكانها ، والقطار يتقدم وصفيره يعلو ..يعلو ..يصم أذنى ..صرخت ..عادت اليد تشد على كتفى وسمعته يهمس كأنما ينتزع الكلمات من جب :-   لاتنسى أنك رجل










-