بسم الله الرحمن الرحيم
إغتيال لحظة كره
مجموعة قصصية
بقلم
محمد عباس على
إهداء
الى تلك التى صارت دنياى
أقدم بعضاً من عالمى
فهرس
........
1- إغتيال لحظة كره
2- الكرسى
3- الوصية
4- هرولة
5- البيت
6- الباب المغلق
7- معنى فى القلب
8- المضمار
9- الكلب
10- الهبوط من لحظة حلم
11- كارت شحن
12- خواء
13- السوط
14- لسعة برد
15- ليل وضحكات
16- الشجرة
17- الخصم
18- الحذاء
19- مشوار
20- نواقيس الألم
21- غيبة
22- لحظة شروق الشمس
23- الجنة
24- بسمة أبى
25- حفلة عرس
26- عودة الميت
27- فقد صديق
28- ترقية
29- تحريات
30- الهاتف
31- انتظار
32- زيارة ليلية
33- الفراشة البيضاء
34- ثورة ظل
35- طقوس ليلية
36- تصوير
37- أزمة مرور
38- اللوحة
39- مغادرة
40- القرار
41- مهوى
42- الشاهد
43- الغائب
44- إبتسامة أمى
45- اللغز
46- الاخر
47- القطار
48- المنطقة الخطرة
49- الأستاذ
1
إغتيال لحظة كره
رغم القناع الجديد الذى يرتديه عرفته.
حدقت فى وجهه ..العيو ن المنطفأة الوميض ..السارحة الى أفاقٍ مجهولةٍ ..التغضنات المترسبة فى أديم الوجه والرقبة ..اليدين النحيلتين اللتين تبرز عروقهما بلونها الزرعى الغامق ..وأخيراً تلك الجلسة التى لم يكن يعرفها ..رفع عينيه نحوى ..غير أنه –مؤكد – لم يعرفنى ..استدرت بوجهى عنه ..رأيت وجهه القديم ماثلا لعينى ..يجلس فارداً جناحيه على المكان ..مفرود الصدر ..واثق النظرات ..لامع الأحداق ..باسم الثغر بتلك البسمة التى تحملها الوجوه التى تعتلى المقاعد العالية ..لحظتها كان بلا قناع ..يؤدى دوراً يقتنع أنه خلق له ..تقدمت ممتثلاً للأمر ..حاملاً بالقلب رهبة وبين عينى خضوع ..واثقا أن هناك من يقف خلفى متأهباً ..من يقف بجوارى متربصاً ..ومن يتفحص وجهى ..يقرأ افكارى ..يحلل نظراتى ويتتبع إنفعالاتى ..بينما هو من عليائه يطل علّى ..ناظراً الّى كشىء يشرف بالمثول بين يديه..يشير ناحيتى ..يتحدث عنى ولايتحدث الّى ..صدرت أوامره ..شعرت به يشتط ..همست راجياً أن يسمح لى بالكلام ..برقت عيناه وهو يصرخ : - لا أحديتكلم غيرى.
أحاطت بى الأيدى والقيود فوراً ..قلت وهم يسحبوننى من أمامه ..: -أريد....
ولم اكمل ..أغلقوا فمى وعينى . بعدها حاولت فهم سر غضبه ..ضحكت الوجوه منى ..كيف سمحت لنفسى أن أتكلم فى حضرته ..أن أريد بدون إذنه ..تسائلت وهل هذاممنوع ؟..نظر أًحدهم الّى متعجبًا ولم ينبس بحرف ..ضايقتنى النظرة ..لست صغيراً و لاأبله ..صرخت :- سأتكلم .
واستدرت ثانيةً اليه ..كان قابعاً فى سكونه ..متكوراً حول نفسه ..مرتدياً قناعه الجديد ..أثارنى صمته ..شعرت به يتوارى خلف قناعه ،وتدل نظراته على عدم معرفته بى ..حاولت التحديق فى عينيه قائلاً أننى سأظل أتكلم ..أقول مالدى ..أصف ما أشعر به ..أحكى عما أفكر به ..رفع يداً كليلةً مستوضحاً ماذا أقول ..إتسعت عيناى وانا لا أملك إبعادهما عنه ..عدت أتكلم ..أريدك أن تعرف أن هذا مصير محتوم ..رفع صوتاً واهناً :ماذا تقول ؟ ..أشحت بيدى يائساً : -لن يكون بيننا حوار اليوم ..كما لم يكن بالأمس ..واستدرت أريد السير بعيداً ..صك أذنى رجاءه أن أساعده ليقوم من مكانه ..هزتنى المباغته ..عدت اليه بقوة..!
حدقت فى وجهه ..العيو ن المنطفأة الوميض ..السارحة الى أفاقٍ مجهولةٍ ..التغضنات المترسبة فى أديم الوجه والرقبة ..اليدين النحيلتين اللتين تبرز عروقهما بلونها الزرعى الغامق ..وأخيراً تلك الجلسة التى لم يكن يعرفها ..رفع عينيه نحوى ..غير أنه –مؤكد – لم يعرفنى ..استدرت بوجهى عنه ..رأيت وجهه القديم ماثلا لعينى ..يجلس فارداً جناحيه على المكان ..مفرود الصدر ..واثق النظرات ..لامع الأحداق ..باسم الثغر بتلك البسمة التى تحملها الوجوه التى تعتلى المقاعد العالية ..لحظتها كان بلا قناع ..يؤدى دوراً يقتنع أنه خلق له ..تقدمت ممتثلاً للأمر ..حاملاً بالقلب رهبة وبين عينى خضوع ..واثقا أن هناك من يقف خلفى متأهباً ..من يقف بجوارى متربصاً ..ومن يتفحص وجهى ..يقرأ افكارى ..يحلل نظراتى ويتتبع إنفعالاتى ..بينما هو من عليائه يطل علّى ..ناظراً الّى كشىء يشرف بالمثول بين يديه..يشير ناحيتى ..يتحدث عنى ولايتحدث الّى ..صدرت أوامره ..شعرت به يشتط ..همست راجياً أن يسمح لى بالكلام ..برقت عيناه وهو يصرخ : - لا أحديتكلم غيرى.
أحاطت بى الأيدى والقيود فوراً ..قلت وهم يسحبوننى من أمامه ..: -أريد....
ولم اكمل ..أغلقوا فمى وعينى . بعدها حاولت فهم سر غضبه ..ضحكت الوجوه منى ..كيف سمحت لنفسى أن أتكلم فى حضرته ..أن أريد بدون إذنه ..تسائلت وهل هذاممنوع ؟..نظر أًحدهم الّى متعجبًا ولم ينبس بحرف ..ضايقتنى النظرة ..لست صغيراً و لاأبله ..صرخت :- سأتكلم .
واستدرت ثانيةً اليه ..كان قابعاً فى سكونه ..متكوراً حول نفسه ..مرتدياً قناعه الجديد ..أثارنى صمته ..شعرت به يتوارى خلف قناعه ،وتدل نظراته على عدم معرفته بى ..حاولت التحديق فى عينيه قائلاً أننى سأظل أتكلم ..أقول مالدى ..أصف ما أشعر به ..أحكى عما أفكر به ..رفع يداً كليلةً مستوضحاً ماذا أقول ..إتسعت عيناى وانا لا أملك إبعادهما عنه ..عدت أتكلم ..أريدك أن تعرف أن هذا مصير محتوم ..رفع صوتاً واهناً :ماذا تقول ؟ ..أشحت بيدى يائساً : -لن يكون بيننا حوار اليوم ..كما لم يكن بالأمس ..واستدرت أريد السير بعيداً ..صك أذنى رجاءه أن أساعده ليقوم من مكانه ..هزتنى المباغته ..عدت اليه بقوة..!
2
الكرسى
انتشر الخبر فى الإدارة فوراً
(رمضان الصاوى ضُبط متلبساً بالسرقة )...الكل رفض التصديق ..قالوا :- محال ،الرجل شب وشاب على الإستقامة ، ربى أولاده عليها ، ثم إنه بعد أشهر قليلة سيخرج الى المعاش ..فكيف يلوّث سمعته الآن ؟
قال العالمون ببواطن الأمور :-
- بل سرق ، الأمن ضبطه وهو يخرج من الباب الرئيسى وفى عز النهار .
سأل أحد المتطفلين :- وماهى المسروقات ؟
قيل :- كرسى رئيس مجلي الإدارة !!
...............
حينما سُئل الأستاذ حامد رئيس مجلس الإدارة الجديد فى هذا قال :-
- رمضان لم يشد انتباهى ..لا أعرفه ..وبالتالى لا أملك الحكم عليه ..هو رجل ينظف المكتب فى غيابى ،يجلس أمام الباب فى وجودى ،يحضر المشروبات اذا طلبتها ،غير هذا لا أعرف عنه شيئاً.
سأله المحقق :- هل ترى أن نتغاضى عن فعلته ؟
أشاح بيده فى لامبالاة :- أمره متروك لكم
...............
بسؤال الأستاذ صالح الرئيس السابق لمجلس الإدارة أثنى على رمضان ، قال إنه طيب القلب، بسيط ، لم ير منه طوال عشرته الطويلة معه الا وجهاً باسما ً وعينين راضيتين .
قيل له :- وماذا فعلت حينما أتى اليك بالكرسى ؟
قال :- رددته فوراً
سئل ثانية :- ولماذا أخذ الكرسى أصلاً وأتى به اليك ؟
أجاب وقد تغير وجهه:- اسألوه فى هذا .
........................
نظر المحقق الى رمضان مدققاً ،فحصه من أسفل الى أعلى ..يرتدى جلباباً أزرق اللون ،يتعثر فى مشيته بقامته القصيرة ،أسمر اللون ،منبسط الأسارير ،أشيب شعر اللحية والرأس ،تملأ الأخاديد وجهه ..أشار اليه بالجلوس ..سأله عن أمره ..قال :-
- الأستاذ صالح عزيز علّى ..رجل متواضع وسلوكه طيب معى ..تأثرت كثيراً لفراقه .. سمعت أنه حزن جداً لأنه ترك الكرسى ..صار ضعيفاً ..بائساً ..طاعناً فى السن ..هو الذى كان قبل أن يفقد الكرسى سليماً باسم الوجه..عرفت أن سبب هذا هو الكرسى ، وأنه بدونه جرى له ماجرى ..أخذت الكرسى اليه ..هو بحاجة له ..رئيس المجلس الجديد يستطيع أن يطلب غيره .
تبسم المحقق ، سأله وهو يتابع تعبيرات وجهه:-
- لكنه رفضه ياعم رمضان
عبست أساريره واندفع قائلاً :- وهذا مايحيرنى !!
3
الوصية
تقدمت الأحذية بقوة ، دفعت الباب بعنف، إرتطم بالحائط،إهتز بقوة قبل أن ينهار فى مكانه ، تدفقوا الى الداخل ، تكاثروا وأحاطوا بالجالسين .
.............
كان أبى يمد يداً حذرة الى كسرة الخبز أمامه ، يقطع منها لقمة صغيرة يغمسها فى طبق العسل الأسود ، وباليد الأخرى يتحسس طريقه أسفل اللقمة خشية أن تقع منها نقاط على الحصيرة ، بينما أمى فى الناحية المقابلة من الطبلية تعجن الجبن القديم بلقمتها ، تفرده فى قاع الطبق ، تزيد من مساحتة ليكفى عشاءنا ، وتمسح اللقمة فى الحافة قبل أن تلقى بها الى بلعومها ، وانا فى الوسط بينهما أقضم لقيمات عجلى من الجبن استعداداً لكى أستدير الى العسل ، ووجدتهم فوق رؤسنا ، الوجوه الغليظة بعيونها النارية تحيط بنا ..مد أبى يديه حوله ،مط وجهه الى الأمام صارخا :- إيه ياولاد ؟ القت أمى باللقمة التى كادت تغوص فى بلعومها الى الطبق ورفعت يدها كمن ضبط متلبسا ً بالسرقة :-
- الحقنا ياأبو حسين
سألنى أحدهم بعد أن قيدنى رجاله وشلّوا حركتى :- أنت حسين ؟
صرخ أبى وهو يتحسس المكان حوله قائما من الطبلية ، ماداً يديه أمامه ..نظرت الى وجهه الممصوص وكفى يديه المعروقتين ، تركته اليهم ، أكفهم الواحدة منها تزن طناً ، انتبهت لأمى تصرخ ، زمجر كبيرهم ،دفع الطبلية بقدمه ، تطاير العسل الأسود ووقع فوق الجبن القديم على الحصير وضاع العشاء ..بكى أبى ، ظلت أمى على صراخها ، بينما العسل والجبن على الحصير .
................
على ذات الطبلية جلست أتحسس مكان كسرة الخبز ، أقطع منها لقمة صغيرة ، أبحث عن بقايا العسل الأسود فى القاع ، بينما زوجتى تجلس أمامى ، بيدها كسرة خبز أخرى وقطعة جبن قديمة صغيرة الحجم ، تهرسها بلقمة تمسحها فى حافة الطبق قبل أن تلقيها الى بلعومها ، وبيننا جلس ولدنا الشاب يأكل الجبن وينتظر العسل ، حينما فتح الباب عنوة ، ارتطم بالجدار قبل أن يتهاوى ، تدافعت الأحذية الثقيلة الى الحجرة ، أحاطت بنا ، مددت يدى أمامى وأخذت أمط وجهى للأمام صارخاً :- إيه ياولاد ؟
قيدوا ولدى ، شلوا حركته ، تحسست عينىّ الممسوحتين بحسرة وصراخ أمه يهز الجدران ، انتفضت واقفاً أحول بينهم وبينه ، دفعنى أحدهم فى صدرى بحذائه الغليظ ، انقلبت على ظهرى فوق الطبلية ، طار العسل ليختلط بالجبن القديم فوق الحصير ، حملت جزعى وهممت بالقيام ثانية ، خذلتنى ساقاى ، جلست الى جوار الجدار أرزح تحت ضعفى ، بينما زوجتى لاتهدأ .
قليلا ً وتذكرت حفيدى ، ناديته وانا أدور بوجهى متلهفاً ، أتحسس صوته بأذنى :- نعم ياجدى
مددت يدى اليه ، اقترب منى ، أمسكت بيده وأخذت أوصيه بما لدىّ
4
هروله
رأيته هناك ..يجلس وحده فى مدخل المقهى .. على يمين الداخل وحده .. كانت مائدته صغيرة ، تكفى بالكاد صينية الشاى ..انجذبت اليه .. الوجه أعرفه .. شعرت بهذا .. رأيته من قبل .. ليست غريبة علّى تلك الملامح القروية الرقيقة ، بسمرتها الرائقة ذات الطابع القمحاوى المميز .. أعرفه ..نعم ..لكن أين ومتى؟ لآ أدرى ..نظرت اليه من مكانى على يسار الباب ..انتبهت الى أنه يبادلنى النظرات ..مؤكد يتساءل عنى ..عيناه تقولان هذا ..رفع كوب الشاى الى فمه ..تذكرت كوب الشاى أمامى .
المقهى فسيح ..أرضه مغطاة بنشارة الخشب ..موائده مصفوفة..مقاعده مرصوصة..أصوات قواشيط الطاولة والدومينو تزغرد بين الحين والحين .أضواء اللمبات الفلورسنت يختلط بها دخان المعسل ، وهو يجلس هناك ..الاحظ أيضا أن مائدتى صغيرة تكفى بالكاد صينية الشاى ،وأنا ايضا وحدى .تتلاقى عيناى بعينيه عبر فرجة من رؤس لاعبى الطاولة..أين رأيتك؟ يصرخ صوت:- شيش بيش تانى !!
يعبس و جه كان يستعد للأبتسام..يكركر الماء فى قلب زجاجى للشيشة..لايزال وجهه مألوفا لى ..لكن أين ؟ ..أنادى عامل المقهى ..أشير اليه بطرف خفى ..أسأله عنه ..يهز العامل رأسه قائلا :-
- هو مثل آخرين يجيئون ويمضون فى هدوء ،لايشعر به أحد .. لايترك أثرا ما ،اللهم الا أثر حذائه على نشارة الخشب ،غير أن أقداما تجىء لتطمس ماقبلها.
كان الآخر قد قام ..اتجه الى الخارج ..التفتّ الى عامل المقهى أسأله :-
- هل سيعود ؟
- لاأدرى
شكرته وأسرعت نحو الباب ..تنبهت الى أن آثار أقدامنا قد توحدت قبل أن أخرج بعدة خطوات ..أكملت السير ..سألحق به ..أسأله :- من أنت ؟ ..سرت فى اصرار ..كان أمامى ..رفعت صوتى ..ناديته ..زمجرة العربات المارة وهدير الأصوات المتداخلة أضاع صوتى ..وسعت طول الخطوات ..ازداد الزحام بدخولنا السوق ..بذلت جهدا لأتتبع بعينى خطواته ..الوجوه كثيرة ..الملامح غريبة ..والوان الغروب تظلل الأشياء..يجب أن أتحدث اليه قبل أن يطوى الليل أستار النهار ..لو غاب عن عينى -أشعر أننى – لن أعثر عليه ثانية ..تزداد المسافة بيننا طولا ..أبدأ الهرولة ..يزداد العزم ..يقوى الاصرار ..لابد أن أكلمه ..صحيح أننى حتى الآن لاأعرف ماذا سأقول له ..لكن حينما سنكون معا مؤكد سأجد ما أقول ..تزداد الظلمة توغلا ..تتلاطم المناكب ..تختلط الوجوه ..تزداد الهرولة ..قدماى تصرخان ..دقات قلبى تضج ..أحاول التوقف ..لا أستطيع ..أظل أسير ..أبحث عنه ..لا أمّل من البحث
رأيته هناك ..يجلس وحده فى مدخل المقهى .. على يمين الداخل وحده .. كانت مائدته صغيرة ، تكفى بالكاد صينية الشاى ..انجذبت اليه .. الوجه أعرفه .. شعرت بهذا .. رأيته من قبل .. ليست غريبة علّى تلك الملامح القروية الرقيقة ، بسمرتها الرائقة ذات الطابع القمحاوى المميز .. أعرفه ..نعم ..لكن أين ومتى؟ لآ أدرى ..نظرت اليه من مكانى على يسار الباب ..انتبهت الى أنه يبادلنى النظرات ..مؤكد يتساءل عنى ..عيناه تقولان هذا ..رفع كوب الشاى الى فمه ..تذكرت كوب الشاى أمامى .
المقهى فسيح ..أرضه مغطاة بنشارة الخشب ..موائده مصفوفة..مقاعده مرصوصة..أصوات قواشيط الطاولة والدومينو تزغرد بين الحين والحين .أضواء اللمبات الفلورسنت يختلط بها دخان المعسل ، وهو يجلس هناك ..الاحظ أيضا أن مائدتى صغيرة تكفى بالكاد صينية الشاى ،وأنا ايضا وحدى .تتلاقى عيناى بعينيه عبر فرجة من رؤس لاعبى الطاولة..أين رأيتك؟ يصرخ صوت:- شيش بيش تانى !!
يعبس و جه كان يستعد للأبتسام..يكركر الماء فى قلب زجاجى للشيشة..لايزال وجهه مألوفا لى ..لكن أين ؟ ..أنادى عامل المقهى ..أشير اليه بطرف خفى ..أسأله عنه ..يهز العامل رأسه قائلا :-
- هو مثل آخرين يجيئون ويمضون فى هدوء ،لايشعر به أحد .. لايترك أثرا ما ،اللهم الا أثر حذائه على نشارة الخشب ،غير أن أقداما تجىء لتطمس ماقبلها.
كان الآخر قد قام ..اتجه الى الخارج ..التفتّ الى عامل المقهى أسأله :-
- هل سيعود ؟
- لاأدرى
شكرته وأسرعت نحو الباب ..تنبهت الى أن آثار أقدامنا قد توحدت قبل أن أخرج بعدة خطوات ..أكملت السير ..سألحق به ..أسأله :- من أنت ؟ ..سرت فى اصرار ..كان أمامى ..رفعت صوتى ..ناديته ..زمجرة العربات المارة وهدير الأصوات المتداخلة أضاع صوتى ..وسعت طول الخطوات ..ازداد الزحام بدخولنا السوق ..بذلت جهدا لأتتبع بعينى خطواته ..الوجوه كثيرة ..الملامح غريبة ..والوان الغروب تظلل الأشياء..يجب أن أتحدث اليه قبل أن يطوى الليل أستار النهار ..لو غاب عن عينى -أشعر أننى – لن أعثر عليه ثانية ..تزداد المسافة بيننا طولا ..أبدأ الهرولة ..يزداد العزم ..يقوى الاصرار ..لابد أن أكلمه ..صحيح أننى حتى الآن لاأعرف ماذا سأقول له ..لكن حينما سنكون معا مؤكد سأجد ما أقول ..تزداد الظلمة توغلا ..تتلاطم المناكب ..تختلط الوجوه ..تزداد الهرولة ..قدماى تصرخان ..دقات قلبى تضج ..أحاول التوقف ..لا أستطيع ..أظل أسير ..أبحث عنه ..لا أمّل من البحث
5
البيت
حينما مضت عنك زوجتك انكسرت ..أنت نفسك- فى داخلك – اعترفت بهذا ..دموعك التى جفت فى عينيك ظلت فياضة فى القلب ، وشعرت بأنياب الفراغ تتناوشك وأنت بلا حول، ترى الدنيا من حولك خالية ..تتذكر ضيقك منها وصبرك عليها وتحملك لها ، وتعود الى لحظاتك الحالية بدونها فتتمنى لو تعود وتفعل ماتريد، فقد كانت هى الوجود بالنسبة لك أو هى الدنيا كما قال الشاعر (قد تغدو إمرأة ياولدى يهواها القلب هى الدنيا ) ..صحيح أنك لم تحبها يوماً ،كنت تستسيغ زواجكما مضطراً ، إلا أن العِشرة فى النهاية تحولت الى تفاهم أقرب للحب ، أو هو استسلام لقدرٍ لا مفر منه ، رأيت أنت فيه تحقيق حياة مستقرة أفضل من حياة أخرى بلا لون ولا طعم، أو هو حب حدث وأنت لاتدرى بدليل ذلك الفراغ الذى حلّ بعدها .
تجلس الآن فى حجرتك \حجرتكما ..تراها قادمة من عملها فى حدود الرابعة بعد الظهر ..وجهها كقرص شمس الغروب ، مقطوعة النفس تلعن المواصلات واضطرارها للعمل بسبب كسلك وتقاعسك ، فلو أنك بحثت عن عملٍ آخر بعد الظهر لأتيت بما يكفى البيت ، ولما اضطرت هى الى مذلة الخروج من بيتها، والتعرض لما تتعرض له يومياً سواء فى العمل أو المواصلات ، خاصة أن المشوار طويل بين بيتكما فى أطراف المدينة ومكان العمل فى الضواحى ..قديماً كنت ترد عليها بأنك حتى لو وجدت عملاً آخر وأتيت بمال قارون فلن تترك عملها قط ، وتدخلان فى جدال لاينتهى.. بعدذلك تعلمت الصمت ، ربما لشعورك بلا جدوى هذه المناقشات ، وربما لأحساسك بما فى قولها من صواب ، وربما أيضا وهذا الأقرب خشيتك من التكرار شبه اليومى لهذه الحرب التى لاتتحملها أعصابك، خاصة أنها –كانت – تمتلك لسانا لاينضب له معين ، ولديها قدرة هائلة على التحدث لساعات بلا ملل أو اجهاد ..لذا فقد تعلمت الصمت ، تتركها تتكلم لحظات تطول أو تقصر، ثم تقوم الى المطبخ ، تعّد الغذاء وتنسى ماكان وتتكلم معك عما جرى اليوم قائلة أن أجمل مافى الأمر أنكما أصبحتما صديقين ..تبتسم أنت وتلزم الصمت .
يناديك ولدك الأكبر..تلتفت عنها اليه ..بابا ..نريد طعاماً ..تعود اليها ..يلفحك الفراغ بنيرانه ..ينزف القلب أنينه من جديد .
--------------
لأنكم أربعة أرواح كان المكان دافئاً تنتشر فيه حرارة الأنفاس والكلمات ، يموج بالحركة ، ولا يخلو من حروف متطايرة، خاصة منها فهى لاتستريح للصمت ، وكثيراً ماكنت تضبطها وحدها تأتنس بالغناء بصوتها الحاد الذى يزعج السكون، فتضحك منها ومن كلماتها التى تخترعها لأنها تنسى الكلمات الأصلية .
الآن ورغم أنكم ثلاثة غادر الدفْ المكان ..صارت البرودة تسكن الجدران والفراش وقلبك ، ورغم الحركة يسكن الفراغ المكان ..تنظر الى ولديك ..أحدهما يجلس الى الكمبيوتر مشغولا بمحادثة هامة مع وجه أنثوى أصفر على الشاشة البيضاء ،بينما الآخر هناك يرقد نصف رقدة على الفراش ، مسّلماً عينيه لشاشة التليفزيون، بينما المكان كله يعوم على بحيرة فوضى لم ترها من قبل ..تنظر حولك. تبدو لك وهى تصرخ حينما تعود من عملها وترى الصحون على المائدة وفي كل منها بقية من طعام ،والردهة والتراب المنسل الى المقاعد وأعلى السجاجيد ..تدور فى البيت وصراخها يسبقها على الجريمة التى حدثت فى غيابها فقد تركت المكان كله منسقاً لايوجد به ذرة من تراب :- لن أتحمل هذا ..لا أملك الوقت ولا الجهد لهذا الشقاء اليومى .
تطلب من ولديك الاهتمام بالأمر ..تتوه كلماتك فى الفراغ ..تعود من عملك يومياً قبلها بساعة تقريباً تنظف المكان بقدر ماتستطيع ..تعود هى من عملها ..تقول لك فى غضب زائف لاتفعل شيئاً ..أنت تزيد الأمر سوءاً ..تدور بعينيك باحثاً عنها لتقول لها فى رفق من لايرحم لايُرحم ..لاتجد الا الفراغ وبرودة تسرى فى عظامك وظلمة تزحف الى عينيك ..تطفر الدموع رغماً عنك..أنت هكذا الآن ..دموعك تسبق كلماتك ..تتحرك الى الردهة بين الكمبيوتر والتليفزيون مصاحباً مرضك ..البيت فوضى. النظافة فارقته..فوق طاقتك أن تقوم بالأمر كله وحدك..تسألهما –ولداك - الجلوس معاً لتحمل المسئولية الجديدة فى حدود المعاش الذى تقبضه كل شهر ..يضيع صوتك بين فوضى الأصوات .. ..تتحرك نحو الكمبيوتر ..تصرخ :- دع هذا وقم لنرى مايجب عمله
يواجهك بعينى اللامبالاة :- سأقوم ..لكن ليس الآن
تتركه الى التليفزيون ..يدهمك رده :-..حينما يقوم هو سأقوم أنا
يصرخ الأول من مكانه :- مالك بى ؟
يرد الثانى :- لاتشعر بما حولك
يرد الأول ..يصرخ الثانى ..يتمدد الوقت على حد الصرخات مذبوحاً . .
تبكى وتتحرك نحو الباب قائلا:-
:- لن أبقى معكما
..تطغى الأصوات العالية على صوتك ..تفتح الباب ودموعك تسبق الكلمات:-
:- لن أبقى معكما
..وتواجه الطريق !
6
الباب المغلق
إرتفع رنين الجرس فى فضاء الردهة..هب مفيد من مرقده ..إتجه نحو الباب وهو يتساءل عمن سمح لنفسه بالمجىء الآن ..رمى بعينه يميناً ..حجرة الأولاد مغلقة حيث يخلعون ملابس المدرسة ، ويرتبون أشياءهم إنتظاراً لتناول الطعام ثم المذاكرة ..إتجه بعينه الى أقصى اليسار حيث المطبخ ، وسناءالتى تدور فى أرجاءه دون توقف ، تسابق اللحظات لتجهيز الطعام ..أكمل السير سريعاً ..خطوات معدودة هى ، يرى بعدها ذلك الذى أخذه من رقدته وجريدة اليوم التى كان يتصفحها ..فتح الباب ..صرخ من الفرح والدهشة معاً :-
- حنان !!
وشدها من يدها ..أطلت سناء من فرجة باب المطبخ ..إنقلب تقلص ملامحها الى ترحيب وانبساط ..تلقتها بالقبلات وهى تسأل نفسها عن سر هذه الزيارة التى لم تكن فى الحسبان ، فمنذ زمن ٍ ليس بالقليل لم تفكر فى زيارتهم ، هم أيضا ً لم يزوروها ، وأكتفى الطرفان بمحادثات هاتفية من وقت لآخر، وزيارات فى الأعياد للمجاملة ، أما فى الأيام العاديةوفى وقت العصر مثل الآن فالأمر يحتاج الى تفسير .
إستأذنت سناء فى العودة الى الطبخ ..أكدت عليها أن تجلس الى أخيها قليلاً حتى تعّد الطعام ..تلّون وجه حنان ..همست أنها لاتريد طعاماً ..نظر مفيد اليها بجواره ..الوجه غزته شيخوخة مبكرة ..مؤكد من أثر المجهود الذى تبذله والتوتر المستمر فى العمل ..سناء أيضاً تترك عملها عند الظهر ..تمر على السوق ..تدخل الشقة ..تجد الأولاد سبقوها وجلسوا فى حجرتهم ينتظرون ..تدْخّل المطبخ ..يكون هو قد وقف فى طابور العيش أمام الفرن بعد إنتهاء
عمله ثم يعود للبيت.
عاد اليها بجواره ..عيناها فقدتا بريقهما القديم ..صارتا تحملان دقائق وثوانى الزمن ..تهرولان بينها بلا توقف ..بينما الشعر القديم الذى كانت تفرده خلف ظهرها كأسلاك الحرير مقيد الآن خلف منديل أبيض يدور حول الوجه فى شحوب .
منذ شهور لم يرها ..مؤكد جاءت لتراه ..هى هكذا فيضٌ من حنان ..كانت أقرب شقيقاته اليه ومازالت ..هو أيضا كان قريباً اليها ..تصرفاتها معه كانت تقول هذا، رغم أنهما فى الصغر كانا دائمى الشجار لأنهما ولدا فوق رأس بعضهما، كما كانت تقول المرحومة أمه ..همست :-
- مفيد..أريدك فى أمر هام
حدق فى عينيها ..أكملت وعيناها تبحثان عن مهرب منه ويداها تضغطان بعضهما فى حجرها :-
-أمّر وزوجى بضائقة ،ولم أجد سواك
إرتفع صوت سناء قادماً من المطبخ ..سألته أن يساعدها فى إعداد المائدة ..همس وهو يقوم :- نتناول الطعام أولا
همس صوتها ملاحقاً خطواته المبتعدة:- لم آت لآكل .
مضى الى المطبخ ..همس لسناء بما لديه وعاد ينادى الأولاد ..التفّوا حول عمتهم فى حبورٍ ، بينما هى تتابع أخاها وهو يتحرك ..صورته القادمة من الماضى شدتها ..شتان بينه وبين ماكان
بعد الطعام دعاها الى حجرته ..كانت سناء بجواره ..حادثها أمامها ..مضت الى الباب محنية الرأس فى صمت ..جلس بحجرته هادئاً يحادث سناء ..إنتبه لأمه أمامه ترميه بنظرات الحنق ..تقلصت ملامحه وضاقت عيناه ..سألته سناء عما به ..لم يرد ..هرول نحو الباب ومن أعلى السلم صرخ :-
- حنان ..تعالى
7
معنى فى القلب
-
-
-
-
- شعرت بهبوب عاصفة بين جنبىّ اقتلعت القلب من موضعه ، هى بذاتها ، لم تتغيّر . تفرست فيها تاركا ً المارة حولنا يتبعثرون فى الطرقات ، الحسنة الصغيرة أسفل يمين أنفها ،الفم الدقيق كنبضة السحر ، الجسد الممتلىء المتناسق ، العيون الدافئة النظرات ..كأننى ماتركتها الا الأمس .
- توقف تدفق العربات فى الميدان الكبير إثر إحمرار إشارة المرور ،هتفت باسمها ، رأيتها تحدق فى وجهى ، تتسع عيناها ، تتألق إبتسامتها ، وتنطق باسمى كأنها تبعثه من جب عميق .
- تلاقت الأكف ، زغردت النظرات ، قالت وهى تقترب منى خطوة :- أنت!!
- وتطايرت من حولنا الأشياء ، تبعثرت واختفت ولم يعد هناك سواى وسواها
- ، تدفقت الكلمات من شفاهنا معاً ، ضحكنا حينما اكتشفنا هذا .. كنا نفعل هذاقبلا ً ، تركت نفسى لشعورى الفائر بقربها ، غير أنى رغما عنى لاحظت أن صوتها تغيّر قليلاً ، لم يعد له تدفقه الأول ، وهناك تغضنات براعة المساحيق تخفيها ، ثم هذا البريق فى يدها اليسرى ..هويت من حالق ، كأننى لم اتوقع هذا أو اكتشفه الآن فقط ، نظرت اليها لائماً ،انتبهت أنها ترمق خاتم الزواج فى يدى أيضاً، وتدير عينيها الى حيث تنظر الى المارة الذين يمرون فى صمت من حولنا .
- قلت قاطعاً لحظات الشرود :- تزوجتِ ؟
- تبسمت عيناها ،ربما لسذاجة سؤالى ،قالت وهى تتجه بنظراتها الى يدى:- سنة الحياه
- " كان يمكن أن أذهب اليها ، مجرد أن أذهب كانت ستنسى أى خلاف بيننا ، والدها قال لو رضيت هى لن أمانع "
- أدير وجهى فيما حولنا ،الإشارات الحمراء تصنع مظاهرة فى نهر الطريق ،
- يأتينى صوتها متسائلاً :- أين ذهبت بك الأفكار ؟
- أهمل سؤالها متعمداً ،أعود الى وجهها :- إبتسامتك ماتزال رائعة .
- أدارت وجهها الى عرض الطريق ، قالت :- لم تتب من الكذب
- سألت لا أعرف لماذا :- عندك أولاد ؟
- غامت عيناها ، هزت رأسها نفياً.. اضطربت ،غمغمت معتذراً للسؤال ..رسمت ضحكة على شفتيها ،قالت :- وأنت ؟
- هززت رأسى بالإيجاب ..ارتفعت أصوات أبواق السيارت من حولنا ،تدافعت المناكب وتلاطمت الأصوات ، تكلمت أنا وهى فى ذات اللحظة :- كنا ....
- انتبهنا لما جرى ، ضحكت أعيننا من جديد وعدنا الى الصمت ..رمقت عينيها ،لم يعد لهما ذات السحر القديم ..نظرت ناحيتى شاردة ،عيناها متاهاتان .. كدت أصرخ فيها :- "لماذا تعاملت معى بعقلك فى الوقت الذى كنت أعاملك فيه بقلبى فقط ، الا يملك القلب إقامة حياة وصنع مستقبل ؟ "
- غير أننى لم أجد معنى لعتاب الآن ،أخذت أتأملها ،كأننى للمرة الأولى أراها ورغماً عنى أبحث عن المشاعر القديمة ،اللهفة ، ،الخوف ،الرجاء ،وأتسائل كيف صار كل منا صورة مكررة لشخص قديم ضاع ، فأنا لم أعد أنا وهى لم تعد هى ، صرنا ننظر الى أنفسنا ومشاعرنا من الخارج ، تهنا وتاهت منا تلك الأيام ، حتى المشاعر التى فارت حين رأيتها عادت وبردت من جديد ،غريبان يلقى كل منهما الآخر ..ثم !! كأن الذين كانا بالأمس إثنان آخران غيرنا ، كل مايربطنا بهما أننا فقط نتذكر حكايتهما .
- عدت الى وجهها ، صارت شخصاً آخر ،كأنها لم تكن بالأمس الا معنى فى القلب ،أو طيف يمر بخيال ، فلا نذكر الملامح وإن كنا نعرفه ونفكر فيه وربما تشوقنا اليه .
- قلت استمراراً للحوار :- حدثينى عن حياتك الآن
- تبسمت :- قل أنت أولا ماشكل حياتك
- شاركتها الابتسام قائلاً :- بدونك لامعنى لها
- شعرت بها تبذل جهداً لتبتسم ، عيناها مجهدتان ، مؤكد العمل ،الزوج ،الفكر
- قالت :- مازلت مصّراً على الكذب .
- ازداد صراخ أبواق السيارات ..رأيتها تنظر فى ساعتها ،شعرت بضيق مفاجىء ، تصر على التعامل معى بعقلها فى كل المواقف ، فتحت فمى لأتكلم ،رأيت الصمت أجدى ،نظرت بحركة مرسومة الى ساعتى أيضاً، وهمست متسائلا فى حيادية :- أراك ثانية ؟
- انتبهت لإخضرار إشارة المرور ،رفعت عينيها بنظرة ذات حدود وأبعاد
- ، قالت :- مؤكد سنلتقى
- ومدت يدها مسلمة ،بعدها أدارت ظهرها لى ومضت ، تذكرت أننى لم أسألها أين أو متى ..هى أيضاً لم تشغل بالها بهذا ،فكرت أن أناديها ، لم أجد جدوى لهذا ، تركت الميدان .. ومضيت !
7
المضمار
-
-
- اركض
- لاتتوقف هكذا ..نعم
- ادفع هذا الذى كلّت قدماه..المضمار لايقبل الضعفاء..اركض وانظر أمامك .. نعم ..ولاتبالى بهؤلاء الذين يمرقون بجانبك ، فهم لايبالون بك ، ولا ينظرون اليك الا لتحديد الخطوة التى ستكون أمامك .. فى البيت سيهللون لك اذا سبقت ..سوف ترى فى الأعين السرور ،وسوف يظلون على فخرهم بك طالما أنت تواصل الركض داخل المضمار بنفس العزم ، وربما تطوع أحدهم راضيا ً أن يمضى معك ، يتعلم منك ،عازماً فى نفسه إن استطاع أن يسبقك ذات يوم .
- .................
- آااااااه
- هذا ماكنت تخشاه طول الوقت قد حدث ، السقوط وسط المضمار ، تدوسك الأقدام ، تطأ رأسك ، يحملوك خارجا ً، يتركونك وحيداً لاتبالى بك عين ولا يأبه لك سمع ، بالكشف يتضح وجود كسر ٍ فى إحدى ساقيك يمنعك من العودة ، تصرخ ، ترفض الإعتراف بالأمر ، تحاول النهوض
- لمواصلة السباق ، لاتستطيع ، تتجه عيناك الى قبة السماء ،ولأنها المرة الأولى لك لاتعرف مالذى يجب أن يقال ، تسقط رأسك فى إعياء على براح صدرك ، تذكر والدك الفران وذرات الدقيق تغطى جسده ، وأنت ذاهب اليه تأخذ مصروفك منه ، صورة تشغل ركناً فى ذاكرتك لايمحى ، رحمه الله لم يكن يحسن العدو ، كان بالكثير يمشى ، خطوته البطيئة جعلته فى المؤخرة دوما ً ، سبقه آخرون ، قطعوا المسافت بعيداً وتركوه مكانه ، كان السفح بالنسبة له آمناً ، لايرى فيه خشية السقوط التى تنتاب أهل القمم ، كانت لديه مقولات محفوظة من جدوده أصحاب الكهوف والسراديب والحفر أن القناعة كنز، والصبر ثروة ، ومحاولة تسلق المرتفعات مغامرة غير مأمونة العواقب ، لذا حينما نزلت أنت الى المضمار بدلا ًمنه إتجهت اليك أنصاف الأنظار ، بعضها مشفق من طول السباق ومن قلة الخبرة بقانون الركض وحيل الراكضين ، والبعض الآخر إستهزأ بك قائلا ً أن الولد سر أبيه ، ومؤكد يحفظ عبر سراديب عقله الممتلئة بخفافيش الظلمة المتوارثة مقولات أبيه ، وأنك بالكثير ستهرول قليلاً فى براح السفوح ثم تنقطع منك الأنفاس لأن لين عظامك لن يساعدك على الإستمرار ، وانطلقت الى الأمام ،رأيت الحواجز تعترض طريقك ، والليل يدور بك والأعين ترصدك ، والسقوط يتعقبك ، لم تبال بشىء ،هرولت بكل جهدك وصورة أبيك لاتفارقك ،هرولت ولم تضع فى حسابك إمكانية التعثر أو احتمال السقوط ، حتى الآن وأنت فى مكانك على جانب الطوار وحيداً الا من عينيك اللتان ترصان المضمار ومن فيه ، وصدرك الذى لاتهدأ ناره لاتفكر فى الشكوى ، ولاتلعن من أوقعك ، ولاتبكى لعدم وجود ساق جاهزة بدلا ً من تلك التى لم تعد ذات جدوى ، بل تستند على عكازك وتواصل العدو ،صحيح أن خطوتك تأثرت كثيرا ً باصابتك لكنك تمضى ماوسعك المضى ، المهم أن تكون داخل المضمار ،وهذا يحسب لك !!
8
- الكلب
بالأمس بعت الكلب الباقى من العائلة ..حاولت أن أبدو أصيلا أمامه فأجريت دمعة أو إثنتين على خدى فى صمت ..فى الحقيقة ..هو ايضا كان حزينا ..بدا حزنه نبيلا مثله وظل صامتا طول الوقت .
كنت قد شرحت له الأمر بالتفصيل قبل أن نخرج الى الطريق ..اجلسته على مقعد مقابل فى الردهة وتحدثت اليه ..لم يأخذ الامر وقتا اذ وجدت لديه استعدادا طيبا لتفهم الامر ..ضممته الى صدرى فى رفق ومضيت الى الطريق ..وصلت السوق ..وقفت صامتا اتذكر كلمات ( كريمه ) خطيبتى الحالية وزوجة المستقبل ..لا أعرف لماذا اهتم بعباراتها ..ارددها واحفظها وأنفذ ماتريد....أعيش عبر الحروف ..واستلهم من العبارات حياة أعيشها وأتنسم ريحها بلهفة لامثيل لها ..وقفت إذن أتذكر كلماتها وهى تقول : -
- أريد بيتا خاليا من الأغراب
ولأننى أحبها وأتوق الى الزفاف سريعا ليس لغرض سوى أن أكون بجوارها كل - وليس بعض - الوقت فقد تحمست للأمر ..انتحيت بكلبى جانبا ..اعدت عليه ماقالت ، واضفت : -
- إياك أن تظننى أطيعها وأفعل المستحيل لأرضيها من أجل جاه أبيها ،أو مركزه ،أو أننى أعمى لا أرى دمامتها ..كلا .
- واقسمت له تأكيدا على ما أقول..حرك ذيله ..ادركت أنه اقتنع ..اكملت : -
- أننى أريد زواجا سعيدا ..هل تفهم ما أعنى ؟
- حدق فى وجهى ونبح مرة أو اثنتين ..قالت عيناه أنه يقدر ما أقول ولايجد فى صدره شيئا من ناحيتى ..تبسمت له وحملته بين يدّى وانا اؤكد انه ليس غريبا عنى ، فأبوه كان يحرس البيت قبله ومات فى حادثة مشهورة ،كتبت عنها الصحف فى حينها ،فقد أصّر على مطاردة لص اطلق عليه النار ليكف عنه ،ولم يكف ولم يتركه الا حينما رأى رجال الشرطة ،لحظتها تركه لهم واتخذ ركنا مات فيه بهدؤ ودون ضوضاء ،بعدها ونتيجة للذكرى الاليمة المرتبطة بالمكان لم تتحمل الكلبة الام المعيشة معنا وهجرت البيت ،وبقى هو موظفا امينا قليل الطلبات ..يأخذ مايصل اليه بصدر رحب ..لايطلب المزيد ولايفكر مجرد تفكير فيه ،ومتى رآنى يهب واقفا فى احترام نبيل وهو يهتف بلغته هتافات مدوية تخجلنى فأنظر اليه فى عطف وارفع يدى نصف رفعة وابتسم نصف ابتسامة واسأله عن حاله وهل هو سعيد فى مكان عمله ام لا ،وهل يأتيه طعامه فى موعده ام لا ،واتركه شاعرا اننى فعلت مابوسعى تجاهه . لكننى امام الظرف الجديد كان لابد ان اضحى .فأخذته رغما عن ايجابية مشاعرى نحوه ومضيت الى السوق .. حملته ووقفت جانبا ..غارقا فى بحيرة صمت راكدة راسما ملامح اسى ،كلما ادار وجهه ناحيتى يراها فيطلق عقيرته بالنباح تضامنا معى ..اقترب رجل بدا من ملامحه انه يريد الشراء ..مد نظراته اولا ..ازداد وجهى تغضنا ..مد يده ..لم اتحرك ..سأل ان كنت اريد بيعه ..همست مبديا مزيدا من الاسى انه اصيل ،من النوع النادر ولولا الظروف مااضطررت لبيعه ..سأل : -بكم تبيعه ؟
سألت : - بكم تشتريه ؟
قال الثمن ..وافقت فوراً دون نقاش ومددت يدى اليه ..حمله ونسى أن يعطينى النقود ..انا ايضا تشاغلت عنه بفرحة العودة الى كريمه ملبيا طلبها .. كان الوقت ظهرا ..جلست على طرف المائدة اتناول ماوضعوه امامى من طعام ..هبت تاركة مكانها..لم انتبه لهذا الا حينما سمعتها تنطق إسمى مشفوعا بالفاظ لا اعتقد أنها تقصدها مثل (الدناءه – الجرثومه –وما اليها ) وتطلب منى مغادرة المائدة فوراً و المثول بين يديها..تمنيت أن اطلب منها الانتظار لحين شعورى بالشبع ..لم استطع ..رأيتنى اهرول نحوها ..اطأطىء رأسى هامسا : - نعم
سألتنى : -ماذا فعلت ؟
قلت بفرحة :- لن يوجد بيننا أغراب بعد الآن ..لقد بعت الكلب .
وانتظرت أن تفرح مثلى ..غير أننى فوجئت بعينيها تضيقان وتحدق فى وجهى : -
- لم اقصد الكلب ..انا اقصد أباك
- اتسعت عينّى
- ودق قلبى فى عنف ..جال بخاطرى لحظتها إننى نسيت أن آخذ ثمن بيع الكلب ..نحيت هذا الخاطر جانبا واتجهت بعينى الى وجهها.. البثور المنثورة فيه متوترة ..النقاط السوداء منفعلة ، والأسنان بفكها العلوى النافر توشك على عقرى ..ابتعدت ..سألتنى ..فيم تفكر ؟.. سريعا قلت :- فى كيفية بيع أبى!!
بالأمس بعت الكلب الباقى من العائلة ..حاولت أن أبدو أصيلا أمامه فأجريت دمعة أو إثنتين على خدى فى صمت ..فى الحقيقة ..هو ايضا كان حزينا ..بدا حزنه نبيلا مثله وظل صامتا طول الوقت .
كنت قد شرحت له الأمر بالتفصيل قبل أن نخرج الى الطريق ..اجلسته على مقعد مقابل فى الردهة وتحدثت اليه ..لم يأخذ الامر وقتا اذ وجدت لديه استعدادا طيبا لتفهم الامر ..ضممته الى صدرى فى رفق ومضيت الى الطريق ..وصلت السوق ..وقفت صامتا اتذكر كلمات ( كريمه ) خطيبتى الحالية وزوجة المستقبل ..لا أعرف لماذا اهتم بعباراتها ..ارددها واحفظها وأنفذ ماتريد....أعيش عبر الحروف ..واستلهم من العبارات حياة أعيشها وأتنسم ريحها بلهفة لامثيل لها ..وقفت إذن أتذكر كلماتها وهى تقول : -
- أريد بيتا خاليا من الأغراب
ولأننى أحبها وأتوق الى الزفاف سريعا ليس لغرض سوى أن أكون بجوارها كل - وليس بعض - الوقت فقد تحمست للأمر ..انتحيت بكلبى جانبا ..اعدت عليه ماقالت ، واضفت : -
- إياك أن تظننى أطيعها وأفعل المستحيل لأرضيها من أجل جاه أبيها ،أو مركزه ،أو أننى أعمى لا أرى دمامتها ..كلا .
- واقسمت له تأكيدا على ما أقول..حرك ذيله ..ادركت أنه اقتنع ..اكملت : -
- أننى أريد زواجا سعيدا ..هل تفهم ما أعنى ؟
- حدق فى وجهى ونبح مرة أو اثنتين ..قالت عيناه أنه يقدر ما أقول ولايجد فى صدره شيئا من ناحيتى ..تبسمت له وحملته بين يدّى وانا اؤكد انه ليس غريبا عنى ، فأبوه كان يحرس البيت قبله ومات فى حادثة مشهورة ،كتبت عنها الصحف فى حينها ،فقد أصّر على مطاردة لص اطلق عليه النار ليكف عنه ،ولم يكف ولم يتركه الا حينما رأى رجال الشرطة ،لحظتها تركه لهم واتخذ ركنا مات فيه بهدؤ ودون ضوضاء ،بعدها ونتيجة للذكرى الاليمة المرتبطة بالمكان لم تتحمل الكلبة الام المعيشة معنا وهجرت البيت ،وبقى هو موظفا امينا قليل الطلبات ..يأخذ مايصل اليه بصدر رحب ..لايطلب المزيد ولايفكر مجرد تفكير فيه ،ومتى رآنى يهب واقفا فى احترام نبيل وهو يهتف بلغته هتافات مدوية تخجلنى فأنظر اليه فى عطف وارفع يدى نصف رفعة وابتسم نصف ابتسامة واسأله عن حاله وهل هو سعيد فى مكان عمله ام لا ،وهل يأتيه طعامه فى موعده ام لا ،واتركه شاعرا اننى فعلت مابوسعى تجاهه . لكننى امام الظرف الجديد كان لابد ان اضحى .فأخذته رغما عن ايجابية مشاعرى نحوه ومضيت الى السوق .. حملته ووقفت جانبا ..غارقا فى بحيرة صمت راكدة راسما ملامح اسى ،كلما ادار وجهه ناحيتى يراها فيطلق عقيرته بالنباح تضامنا معى ..اقترب رجل بدا من ملامحه انه يريد الشراء ..مد نظراته اولا ..ازداد وجهى تغضنا ..مد يده ..لم اتحرك ..سأل ان كنت اريد بيعه ..همست مبديا مزيدا من الاسى انه اصيل ،من النوع النادر ولولا الظروف مااضطررت لبيعه ..سأل : -بكم تبيعه ؟
سألت : - بكم تشتريه ؟
قال الثمن ..وافقت فوراً دون نقاش ومددت يدى اليه ..حمله ونسى أن يعطينى النقود ..انا ايضا تشاغلت عنه بفرحة العودة الى كريمه ملبيا طلبها .. كان الوقت ظهرا ..جلست على طرف المائدة اتناول ماوضعوه امامى من طعام ..هبت تاركة مكانها..لم انتبه لهذا الا حينما سمعتها تنطق إسمى مشفوعا بالفاظ لا اعتقد أنها تقصدها مثل (الدناءه – الجرثومه –وما اليها ) وتطلب منى مغادرة المائدة فوراً و المثول بين يديها..تمنيت أن اطلب منها الانتظار لحين شعورى بالشبع ..لم استطع ..رأيتنى اهرول نحوها ..اطأطىء رأسى هامسا : - نعم
سألتنى : -ماذا فعلت ؟
قلت بفرحة :- لن يوجد بيننا أغراب بعد الآن ..لقد بعت الكلب .
وانتظرت أن تفرح مثلى ..غير أننى فوجئت بعينيها تضيقان وتحدق فى وجهى : -
- لم اقصد الكلب ..انا اقصد أباك
- اتسعت عينّى
- ودق قلبى فى عنف ..جال بخاطرى لحظتها إننى نسيت أن آخذ ثمن بيع الكلب ..نحيت هذا الخاطر جانبا واتجهت بعينى الى وجهها.. البثور المنثورة فيه متوترة ..النقاط السوداء منفعلة ، والأسنان بفكها العلوى النافر توشك على عقرى ..ابتعدت ..سألتنى ..فيم تفكر ؟.. سريعا قلت :- فى كيفية بيع أبى!!
9
الهبوط من لحظة حلم
-
حين فتح الباب رآهم..ارتعد ..نظراته وشت لهم بما لديه ..تحركوا نحوه ..مدوا أيديهم اليه ..زادت إرتجافه جفونه وهو يرقب مايفعلون .
كان منذ قليل وهو يصعد السلم يمنى النفس بدقائق يقضيها ممداً على الفراش قبل أن يفكر فى تناول طعامه المجمع إفطار وغداء وعشاء ..دقائق يريح فيها رأسه قبل ظهره من الأفكار المتأججة التى تشتعل فيها بلا إنتهاء ، فهو فى تلك المدينة فرع لا أصول له ..عود يابس يكافح للبقاء ..صمته أنيسه كأنما نسي الكلمات أو نسيته ..يقوم كل صباح ..يمضى الى مقهى العمال على قمة الطريق فى أول الميدان ..يوضع كوب الشاى أمامه..يرتشفه وهو يرقب العربات المارة ..تقف إحداها يحتاجون لعمالة يوميه..حينما يشيرون اليه يتجه الى الخلف ..دائماً الى الخلف ..يصعد الى الصندوق حيث يجلس القرفصاء وسط بقية العمال .. عادة لايكون معه ثمن إفطاره ..يقوم بما يوكل اليه من عمل ..وقت الراحة يجلس وسط رفاقه ..هم يتسامرون وهو سادر فى صمته ..يتخذ له ركناً يرى منه مايجرى عن بعد ..يقرصه الجوع أو تشكو رأسه من صداع ..يمنى نفسه بلحظة إنفراده بالطعام فى حجرته حينما يعود اليها مساء ..ينتهى العمل ..يأخذ أجره ويعود مع طعامه راضى النفس ..يواجه السلم بدرجاته المتآكلة وجدرانه العارية من الطلاء ، برائحة الرطوبة المحملة بالعطن المعششة فى أركانه بعينين هادئتين ، ينفذ وسط الظلمة منذ ولوجه من باب البيت ، حافظا خطواته ،متقدماً فى حذر الى الأمام ، قاطعاً الممر القصير الى السلم ، يمد يده الى الدرابزين الخشبى ،ماداً قدمه اليمنى الى الأمام حالماً باللحظة التى يرى فيها الفراش ليلقى بإجهاد يومه بين يديه .
فى أيام أخرى وهو يقف أول الميدان تأتى العربات النقل ذات الصندوق المعدنى الكبير ..تختار آخرين دونه ..يعود الى حجرته دون طعام ..يبحث بين بقايا الخبز البائت عما يسد جوعه ويلهى معدته ..يجلس القرفصاء على فرشته محملقا فى الظلمة ،أو واضعاً رأسه بين ساقيه ..تمر به رؤى شتى ..عمل يومى لاينقطع ..طعام لاتعافه النفس ..تغيير فرشته التى يرقد عليها ..ثوب جديد لأيام عطلته ..تمضى به الرؤى ..يغرق فى النوم ..توقظه صرخات أم السيد فى البيت المجاور ..شباكها يواجه شباك حجرته ..تقابل زوجها العائد بعد منتصف الليل بصراخها المعتاد..ترميه بكل مالديها من سباب..يرد عليها ..يهتكان بصوتهما ستر الليل ..ينظر من وراء الشيش منتظرا لحظات بعينها تحدث كل يوم وبذات الترتيب ، وربما بذات النبرات وتعبيرات الوجوه ، اذ يهدأ الصوتان رويداً ..يسود الصمت قليلا ..تبدأ أم السيد فى البكاء حسرة على ماتلاقيه فى حياتها ..يقترب أبو السيد مطيباً خاطرها ..يتطور الأمر بينهما ..يحاصرهما بنظراته من وراء الشيش ..يعيش معهما لحظة بلحظة ..يدقق متابعاً يد أبى العربى وشفتيه..يشتعل جسده بالنيران ..نيرانه تتأجج ..يرتمى على فرشته لاهثاً..بعدها يسود صمت حالم
تضيع بين جنباته الأفكار والرؤى ويغمض عينيه طلباً للنوم .
فى الصباح يلج النور الحجرة عبر الشيش المغلق ..يبتسم للنور ويمضى الى المقهى .اليوم بالذات عاد متهالكا .. يتوكأ على عصا خشبية وجدها على الطريق ..طعامه بيمينه ، وشماله تتحسس رأسه بين الحين والآخر ، وهو يشعر بالم يصعد من ساقه الى أم رأسه مباشرة ، معجون بفرحة لم يعرفها منذ زمان ، لأنهم طلبوا منه أن يعمل عندهم شهراً كاملاً ..فتح الباب ..وسط الظلمة رأى اشباحاً تتربص به ..أعيناً متجهمة تترصده .. وأيدى تمتد اليه ..ارتعد ..فكر أن يصرخ ..لم يجد كلمات او حروفاً تسعفه ..اكتفى بعلامات الدهشة التى كسا بها ملامحه ، فاغراً فاه الى أقصى مدى ..انزلقت العصا مرتطمة ببلاط الحجرة مصدرة صوتاً خشناً .. لم يبال به ..صرخت أم السيد فى زوجها كالمعتاد ..لم يتحرك نحو الشيش ..رآهم يقتربون منه ..نسى الم ساقه والعمل الذى ينتظره بالغد ..ضم كيس الطعام الى صدره ووقف ينتظر
حين فتح الباب رآهم..ارتعد ..نظراته وشت لهم بما لديه ..تحركوا نحوه ..مدوا أيديهم اليه ..زادت إرتجافه جفونه وهو يرقب مايفعلون .
كان منذ قليل وهو يصعد السلم يمنى النفس بدقائق يقضيها ممداً على الفراش قبل أن يفكر فى تناول طعامه المجمع إفطار وغداء وعشاء ..دقائق يريح فيها رأسه قبل ظهره من الأفكار المتأججة التى تشتعل فيها بلا إنتهاء ، فهو فى تلك المدينة فرع لا أصول له ..عود يابس يكافح للبقاء ..صمته أنيسه كأنما نسي الكلمات أو نسيته ..يقوم كل صباح ..يمضى الى مقهى العمال على قمة الطريق فى أول الميدان ..يوضع كوب الشاى أمامه..يرتشفه وهو يرقب العربات المارة ..تقف إحداها يحتاجون لعمالة يوميه..حينما يشيرون اليه يتجه الى الخلف ..دائماً الى الخلف ..يصعد الى الصندوق حيث يجلس القرفصاء وسط بقية العمال .. عادة لايكون معه ثمن إفطاره ..يقوم بما يوكل اليه من عمل ..وقت الراحة يجلس وسط رفاقه ..هم يتسامرون وهو سادر فى صمته ..يتخذ له ركناً يرى منه مايجرى عن بعد ..يقرصه الجوع أو تشكو رأسه من صداع ..يمنى نفسه بلحظة إنفراده بالطعام فى حجرته حينما يعود اليها مساء ..ينتهى العمل ..يأخذ أجره ويعود مع طعامه راضى النفس ..يواجه السلم بدرجاته المتآكلة وجدرانه العارية من الطلاء ، برائحة الرطوبة المحملة بالعطن المعششة فى أركانه بعينين هادئتين ، ينفذ وسط الظلمة منذ ولوجه من باب البيت ، حافظا خطواته ،متقدماً فى حذر الى الأمام ، قاطعاً الممر القصير الى السلم ، يمد يده الى الدرابزين الخشبى ،ماداً قدمه اليمنى الى الأمام حالماً باللحظة التى يرى فيها الفراش ليلقى بإجهاد يومه بين يديه .
فى أيام أخرى وهو يقف أول الميدان تأتى العربات النقل ذات الصندوق المعدنى الكبير ..تختار آخرين دونه ..يعود الى حجرته دون طعام ..يبحث بين بقايا الخبز البائت عما يسد جوعه ويلهى معدته ..يجلس القرفصاء على فرشته محملقا فى الظلمة ،أو واضعاً رأسه بين ساقيه ..تمر به رؤى شتى ..عمل يومى لاينقطع ..طعام لاتعافه النفس ..تغيير فرشته التى يرقد عليها ..ثوب جديد لأيام عطلته ..تمضى به الرؤى ..يغرق فى النوم ..توقظه صرخات أم السيد فى البيت المجاور ..شباكها يواجه شباك حجرته ..تقابل زوجها العائد بعد منتصف الليل بصراخها المعتاد..ترميه بكل مالديها من سباب..يرد عليها ..يهتكان بصوتهما ستر الليل ..ينظر من وراء الشيش منتظرا لحظات بعينها تحدث كل يوم وبذات الترتيب ، وربما بذات النبرات وتعبيرات الوجوه ، اذ يهدأ الصوتان رويداً ..يسود الصمت قليلا ..تبدأ أم السيد فى البكاء حسرة على ماتلاقيه فى حياتها ..يقترب أبو السيد مطيباً خاطرها ..يتطور الأمر بينهما ..يحاصرهما بنظراته من وراء الشيش ..يعيش معهما لحظة بلحظة ..يدقق متابعاً يد أبى العربى وشفتيه..يشتعل جسده بالنيران ..نيرانه تتأجج ..يرتمى على فرشته لاهثاً..بعدها يسود صمت حالم
تضيع بين جنباته الأفكار والرؤى ويغمض عينيه طلباً للنوم .
فى الصباح يلج النور الحجرة عبر الشيش المغلق ..يبتسم للنور ويمضى الى المقهى .اليوم بالذات عاد متهالكا .. يتوكأ على عصا خشبية وجدها على الطريق ..طعامه بيمينه ، وشماله تتحسس رأسه بين الحين والآخر ، وهو يشعر بالم يصعد من ساقه الى أم رأسه مباشرة ، معجون بفرحة لم يعرفها منذ زمان ، لأنهم طلبوا منه أن يعمل عندهم شهراً كاملاً ..فتح الباب ..وسط الظلمة رأى اشباحاً تتربص به ..أعيناً متجهمة تترصده .. وأيدى تمتد اليه ..ارتعد ..فكر أن يصرخ ..لم يجد كلمات او حروفاً تسعفه ..اكتفى بعلامات الدهشة التى كسا بها ملامحه ، فاغراً فاه الى أقصى مدى ..انزلقت العصا مرتطمة ببلاط الحجرة مصدرة صوتاً خشناً .. لم يبال به ..صرخت أم السيد فى زوجها كالمعتاد ..لم يتحرك نحو الشيش ..رآهم يقتربون منه ..نسى الم ساقه والعمل الذى ينتظره بالغد ..ضم كيس الطعام الى صدره ووقف ينتظر
10
شحن كارت
لأول مرة يفعل هذا، يتخلى عن حرصه ويطلب الكلام عبر الهاتف المحمول، ذلك الذى طالماسماه بالهراء الذى يسعى أهل الفراغ اليه ،الليلة بالذات هو الذى سعى اليه، ولو وصل الأمر الى الرجاء لفعل وهو على سريره مسنداً ظهره على الوساده، مواجهاً للتليفزيون الذى أصر الليلة على إطفاءه، رضوخاً لذلك الشعور الذى اجتاحه مع بداية الغروب وهو يلعب الطاوله كعادته مع أصدقاء المقهى، يداعب هذا ويشاغب ذاك، ويشد أنفاس الشيشة مطلقاً الدخان فى وجه الدقائق الفارة من بين يديه، غير عابىء بوقت يمر أو ليل على متن الظلام يأتى، فهو يعرف أنه سيعود الى الصمت يقضم فتات اللحظات أمام التليفزيون، أو منغمساً بين طيات النت والحوارات الملونة بالخداع ، حتى اذا مّل انزلق الى سريره، مستتراً بغطاءه من أعين الليل، والكلمات المغسولة بالدموع، التى لايعرف هل تترقرق على حواف جفونه أم على ضفاف شفتيه كلما راجعت ذاكرته صورة إمرأته وهى بين راحتى سريرها ، باسمة الوجه كلوحة أتم راسمها تزيينها بنقوش الملائكة وتركها تحفة ، تنتظر عودته من مقهاه آخر الليل بعد أن قضى سهرته مع الصحاب ،رآها فتبسم لها كعادته، داعبها ببعض الكلمات قاصداً أن يوقظها لتعد له طعامه ، لم تبال به ،هز ها، لم تجبه ،الوجه نوره يفيض على المكان حانياً ، والجسد دافء كحلم ،عاود المداعبة وقد بدأت خفافيش الخوف تعشش فى جوفه ،لم يتأكد من ظنونه الا حينما قال الدكتور الذى استدعاه كلمته ،لحظتها نظر الى وجهه فى المرآة ،الوجه هزيل النظرات، ذابل التغضنات يبكى الصمت على شفتيه إمرأة واجهت الموت وحيدة ، واستقبلته ببسمة هادئة ولم تشك من شىء ، فقط رحلت وتركته..الليلة بالذات داهمه هذا الشعور ،شعر أن دوره قد حان عليه ، هب من جلسة المقهى مهرولا الى البيت خشية أن يجىء ملك الموت بمنجله ليحصد روحه فى الطريق، يتعرض جثمانه لما يخشى منه من إيذاء وتقليب وتفتيش ، وربما تشريح لمعرفة سبب الوفاة ، ثم إيداعه الثلاجةانتظاراً لتقدم احد لإستلامه، وحيث أنه لاأحد سيتقدم لتلقيم فوهة الأرض به لجهل أولاده بما جرى له، لعدم انتظام زيارتهم له، فسوف يظل أسير الثلاجة، أو ربما باعوه لأحد طلبة الطب فيظل جسده يتقطع أبد الدهر.. العودة الى البيت أجدى على فراشه داخل شقته يلقى الموت، يباركه ، ويمضى معه مودعاً الوجود ببسمة كما فعلت هى من قبل ، ولا مانع من محادثة بعض معارفه الليلة ، حتى اذا غاب وطالت غيبته فكروا فيه وسألوا عنه، وقد يدور طائر القلق امام أعينهم ويأتون الى شقته، أو يتصلوا بأولاده لحضهم على زيارته واكتشاف سبب غيابه، وساعتها سيكونون مسئولين عن جثمانه الى أن يواره التراب ..أخذ يضغط الزر باصبعه متنقلاً من إسم الى آخر باحثاً عن معارفه، متغاضيا عن الرصيد الذى طالما حرص أشد الحرص عليه ، لم يبال به وهو يتهاوى امامه مع كل كلمة عجفاء تخرج من بين شفتيه، وهو ينظر عبر المرآة الى هيكل آدمى متيبس العظام، سقط شعره الثلجى من قبة رأسه تاركاً بقاياه متناثرة فى الأركان، محيطة بأعين متهدلة الأجفان، أحداقها برمادية لونها ترى الدقائق المارة بالآنات، وحوله صمت كصمت القبور ، يقطعه من لحظة لأخرى صوته المتصاعد من تجويف صدره متشبثاً بحياة يشعر بها تنسحب من أطرافه ،ضرب رقماً جديداً ،رصيدك الحالى لايكفى لإتمام المكالمة ،ارتعد ،الأسماء المهمة لم يحدثها بعد ،جرت الأرقام أمام عينيه أولاده وهواتفهم المغلقة ،أعز أصدقائه، معارفه ،هب من مرقده بقدر ماوسعته الحركة قاصداً شراء كارت شحن جديد ، أغلق الباب خلفه ، على السلم رأى جارته الكركوبة كماتعود أن يسميها ، تستند على خشب درابزين السلم صاعدة الى شقتها فى الدور الأعلى ، تعيش وحيدة ايضاً ،وجهها كلما رآه تذكر الفراعنة والعهد القديم ، لذا كان يتحاشى النظر اليها مكتفياً برد سلامها وهو محنى الرأس ، ليس خجلاً ولكن لكى لايتطلع الى وجهها وهيئتها، أو يعطيها الفرصة لبدء حوار لايملك اكماله بأى حال معها ..هذه المرة وقف أعلى السلم مترقباً صعودهاً ،القت التحية كعادتها ، سألها فوراً :- تتجوزينى
لأول مرة يفعل هذا، يتخلى عن حرصه ويطلب الكلام عبر الهاتف المحمول، ذلك الذى طالماسماه بالهراء الذى يسعى أهل الفراغ اليه ،الليلة بالذات هو الذى سعى اليه، ولو وصل الأمر الى الرجاء لفعل وهو على سريره مسنداً ظهره على الوساده، مواجهاً للتليفزيون الذى أصر الليلة على إطفاءه، رضوخاً لذلك الشعور الذى اجتاحه مع بداية الغروب وهو يلعب الطاوله كعادته مع أصدقاء المقهى، يداعب هذا ويشاغب ذاك، ويشد أنفاس الشيشة مطلقاً الدخان فى وجه الدقائق الفارة من بين يديه، غير عابىء بوقت يمر أو ليل على متن الظلام يأتى، فهو يعرف أنه سيعود الى الصمت يقضم فتات اللحظات أمام التليفزيون، أو منغمساً بين طيات النت والحوارات الملونة بالخداع ، حتى اذا مّل انزلق الى سريره، مستتراً بغطاءه من أعين الليل، والكلمات المغسولة بالدموع، التى لايعرف هل تترقرق على حواف جفونه أم على ضفاف شفتيه كلما راجعت ذاكرته صورة إمرأته وهى بين راحتى سريرها ، باسمة الوجه كلوحة أتم راسمها تزيينها بنقوش الملائكة وتركها تحفة ، تنتظر عودته من مقهاه آخر الليل بعد أن قضى سهرته مع الصحاب ،رآها فتبسم لها كعادته، داعبها ببعض الكلمات قاصداً أن يوقظها لتعد له طعامه ، لم تبال به ،هز ها، لم تجبه ،الوجه نوره يفيض على المكان حانياً ، والجسد دافء كحلم ،عاود المداعبة وقد بدأت خفافيش الخوف تعشش فى جوفه ،لم يتأكد من ظنونه الا حينما قال الدكتور الذى استدعاه كلمته ،لحظتها نظر الى وجهه فى المرآة ،الوجه هزيل النظرات، ذابل التغضنات يبكى الصمت على شفتيه إمرأة واجهت الموت وحيدة ، واستقبلته ببسمة هادئة ولم تشك من شىء ، فقط رحلت وتركته..الليلة بالذات داهمه هذا الشعور ،شعر أن دوره قد حان عليه ، هب من جلسة المقهى مهرولا الى البيت خشية أن يجىء ملك الموت بمنجله ليحصد روحه فى الطريق، يتعرض جثمانه لما يخشى منه من إيذاء وتقليب وتفتيش ، وربما تشريح لمعرفة سبب الوفاة ، ثم إيداعه الثلاجةانتظاراً لتقدم احد لإستلامه، وحيث أنه لاأحد سيتقدم لتلقيم فوهة الأرض به لجهل أولاده بما جرى له، لعدم انتظام زيارتهم له، فسوف يظل أسير الثلاجة، أو ربما باعوه لأحد طلبة الطب فيظل جسده يتقطع أبد الدهر.. العودة الى البيت أجدى على فراشه داخل شقته يلقى الموت، يباركه ، ويمضى معه مودعاً الوجود ببسمة كما فعلت هى من قبل ، ولا مانع من محادثة بعض معارفه الليلة ، حتى اذا غاب وطالت غيبته فكروا فيه وسألوا عنه، وقد يدور طائر القلق امام أعينهم ويأتون الى شقته، أو يتصلوا بأولاده لحضهم على زيارته واكتشاف سبب غيابه، وساعتها سيكونون مسئولين عن جثمانه الى أن يواره التراب ..أخذ يضغط الزر باصبعه متنقلاً من إسم الى آخر باحثاً عن معارفه، متغاضيا عن الرصيد الذى طالما حرص أشد الحرص عليه ، لم يبال به وهو يتهاوى امامه مع كل كلمة عجفاء تخرج من بين شفتيه، وهو ينظر عبر المرآة الى هيكل آدمى متيبس العظام، سقط شعره الثلجى من قبة رأسه تاركاً بقاياه متناثرة فى الأركان، محيطة بأعين متهدلة الأجفان، أحداقها برمادية لونها ترى الدقائق المارة بالآنات، وحوله صمت كصمت القبور ، يقطعه من لحظة لأخرى صوته المتصاعد من تجويف صدره متشبثاً بحياة يشعر بها تنسحب من أطرافه ،ضرب رقماً جديداً ،رصيدك الحالى لايكفى لإتمام المكالمة ،ارتعد ،الأسماء المهمة لم يحدثها بعد ،جرت الأرقام أمام عينيه أولاده وهواتفهم المغلقة ،أعز أصدقائه، معارفه ،هب من مرقده بقدر ماوسعته الحركة قاصداً شراء كارت شحن جديد ، أغلق الباب خلفه ، على السلم رأى جارته الكركوبة كماتعود أن يسميها ، تستند على خشب درابزين السلم صاعدة الى شقتها فى الدور الأعلى ، تعيش وحيدة ايضاً ،وجهها كلما رآه تذكر الفراعنة والعهد القديم ، لذا كان يتحاشى النظر اليها مكتفياً برد سلامها وهو محنى الرأس ، ليس خجلاً ولكن لكى لايتطلع الى وجهها وهيئتها، أو يعطيها الفرصة لبدء حوار لايملك اكماله بأى حال معها ..هذه المرة وقف أعلى السلم مترقباً صعودهاً ،القت التحية كعادتها ، سألها فوراً :- تتجوزينى
11
خواء
صمتٌ وظلمةٌ يحيطان به ..يحاديانه أثناء سيره ..يسمع لهما طنيناً يدق رأسه ..يحاول الإسراع ..تصر خطواته على السير متمهلة تتحسس الأماكن ،وعيناه تتشممان الطريق ..بينما تراب ناعم تثيره قدماه ،ينتقض لاهثاً خلفه، يعلق بملابسه ،يصل الى فمه وعينيه ..يكمل السير شاقاً حجب الليل والصمت ،ماضياً خلف فكرة تتمثل له ، يرى فيها نهراً سوف يطهر روحه ..الظلمة ستار يستتر خلفه، والهدوء مركب يقوده الى غايته، والدقائق رفيق يمضى بجواره قاصداً ذات المكان الذى يقصده ..يكمل سيره..تبدو له المقبرة أخيراً ..ذات المقبرة بعينها ..بذات ملامحها التى تخترق حدقتيه على ضوء نجمة تولد فى تلك اللحظة..يدقق فيها ..فجوة فى باطن الأرض يغطى وجهها تراب أكثف من سابقه ،وحروف مطموسة تبدو أثارها على قطعة رخام ملصقة على جدار متآكل ،يعلوه إصفرار شاحب لايكاد يبين لونه ،يحده سواد باهت يكسو الأطراف ..تقدم قليلا منها متفحصاً..شعر بالتراب يعاود ثورته ..يعلو عينيه ..يطمر أفكاره ..ولايبقى هناك الا هو وذلك الراقد على مقربه منه والذى – من المؤكد – يراه ويشعر به ويعرف أنه جاء من أجله ..ذلك الراقد الذى ينعم فى جنان السكينة والهدوء ويتركه فى آتون الفكر يتقلب على جمر اللحظات ..حدق فى إتجاهه شاعراً أنهما لم يكونا قريبين فى يوم مثل الآن ..الآن هما ميتان لايفصلهما الا جدار، لكن كلا منهما ميتٌ على طريقته، فأحدهما يرقد تحت التراب هانئاً مستقراً فى مكانه، أما الآخر فمات ومضى حاملاً جثته على كاهله باحثاً عن مستقر ..تصلبت نظراته على اللوحة ..حاول أن يتمتم ببعض الكلمات ..عصته الحروف ..إنتبه للرجل ينفض عن نفسه التراب .. يخرج اليه..يتجه نحوه ..يمسك كتفيه ..يهزه صارخاً ..لن أسامحك أبداً ..إرتعد..شعر بقلبه يتوقف، بحلقه يجف، وبعينيه تجحظان ..فتح فمه لا إرادياً لايعرف إن كان يريد الصراخ مستغيثاً طالباً النجدة فى هذا المكان\الزمان الخاوى، أم أراد أن يشرح له ماخفى عنه ،غير أنه فى محاولته فتح فمه رفع رأسه لأعلى فالتقت نظراته بذات النجمة الوليدة ذات الضوء الفضى ..فتح عينيه على إتساعهما وهو يدير رأسه حوله ..صمتٌ رابضٌ فى الأرجاء ،وعتمةٌ شفافةٌ تشى بجو الحلم أو الكوابيس ، وقلب يرفرف بين جنبيه لايعرف إن كان هلعاً أم تأثراً بما حوله ..رفع يديه الى أمام شفتيه هامساً ببعض كلمات مرتجفة الحروف اعتقد انها ترحماً عليه، بينما على وجهه تبدو ملامح مشاعر شتى من خوف وبلادة وأسف وتقزم جارف لاحد له ..إنتبه لدموعه تهطل معجونة بندم لم يشعر بمثله من قبل ،ورأى رأسه ينحنى طالبًا الصفح والغفران ، هامساً أنه جاء.. وهذا مالم يكن يتخيلّ وقوعه قبل الآن !!
12
السوط
يقترب الليل من منتصفه ..تدب على أرض المحطة بعض الأقدام..البرودة تقتحم العظام ، وقطار الضواحى على رصيف جانبى يقف متهالكاً حاملاً عناء يومً فات ، الأنوار داخله خافته والبعض يجلس بانتظار لحظة الإقلاع ..آخر قطار هذه الليلة لذا يقف طويلاً ليعطى الفرصة لأصدقاء الليل من الركاب للحاق به ..أجلس فى العربة الأخيرة منه..العربة ممتلئة بالوجوه المغلفة بالنعاس ..أغلق عينيّ مسنداً رأسى على زجاج النافذة المغلق ..يرتفع بكاء رضيع بجوارى مخترقاً تلافيف رأسى ..ينفرج جفناى قصراً أرى فى مواجهتى إمرأة تحمله ،بجوارها رجل هو زوجها على الأرجح..أدير وجهى متشاغلا بالأرصفة الخالية والليل الذى يجوس فى أرجاءها، تهتز العربة برفق ،ينطلق صوت القطار مؤذناً بالتحرك، تهدهد المرأة طفلها ..يبدأ القطار رحلته ،يرتفع الضجيج من صراع العجلات مع القضبان ..أعاود إغلاق عينيىّ ..كان يجب أن أصمت ..المزيد من الشكوى معناه المتاعب ..الأولاد بالبيت لايفكرون الا فى النقود ..أما أنا..!
عاد الطفل للبكاء ..اختلط بأنين عجلات القطار ..وقفت به المرأة وسط المقاعد ..حمله زوجها عنها ووقف لتجلس هى..أخذت أراقب نجمة يلمع نورها ساطعاً على قبة السماء.
لم أخطىء حينما أرسلت الخطاب للمدير ..كان يجب أن يعلم مابى ..ليس كثيراً أن أطلب منه حمل لسانه بعيداً عنى ..الكلمات السنةٌ من نار تلسع
..إرتفع صوت الوليد عن ذى قبل ..صوته مشروخ من كثرة البكاء ..العيون المغلفة بالنعاس تضيق ..الأم تعاود حمله ..تلقمه ثديها وهى تستتر من الأعين ..أهرول بعينيى الى الخارج باحثاً عن نقطة الضوء وسط بحر الظلام..أعلن المدير أن من حقه إطلاق لسانه و تشكيله كما يريد ..يصنع منه مشنقة ،يجعل منه سوطا ، أو حتى مسطرة خشبية حادة السن ..رفضت فكرته ..أردت أن أنبهه الى كره الخلق للسانه وأنه من الأفضل التخلص منه ..حملت مقص كان أمامه وطلبت منه فتح فمه..ًصرخ ..حاولت أن أشرح له أننى أريد صالحه ..رفض الإستماع ..تجمّع البعض ..تعالت الأصوات ..إمتزجت ببكاء الصغير وأنين العجلات وظلمة الليل وسؤال المحقق :- مذنب ؟
دون أن أنطق بحرف تركت المكان وأنطلق مغادراً المحطة الأخيرة فى صمت
يقترب الليل من منتصفه ..تدب على أرض المحطة بعض الأقدام..البرودة تقتحم العظام ، وقطار الضواحى على رصيف جانبى يقف متهالكاً حاملاً عناء يومً فات ، الأنوار داخله خافته والبعض يجلس بانتظار لحظة الإقلاع ..آخر قطار هذه الليلة لذا يقف طويلاً ليعطى الفرصة لأصدقاء الليل من الركاب للحاق به ..أجلس فى العربة الأخيرة منه..العربة ممتلئة بالوجوه المغلفة بالنعاس ..أغلق عينيّ مسنداً رأسى على زجاج النافذة المغلق ..يرتفع بكاء رضيع بجوارى مخترقاً تلافيف رأسى ..ينفرج جفناى قصراً أرى فى مواجهتى إمرأة تحمله ،بجوارها رجل هو زوجها على الأرجح..أدير وجهى متشاغلا بالأرصفة الخالية والليل الذى يجوس فى أرجاءها، تهتز العربة برفق ،ينطلق صوت القطار مؤذناً بالتحرك، تهدهد المرأة طفلها ..يبدأ القطار رحلته ،يرتفع الضجيج من صراع العجلات مع القضبان ..أعاود إغلاق عينيىّ ..كان يجب أن أصمت ..المزيد من الشكوى معناه المتاعب ..الأولاد بالبيت لايفكرون الا فى النقود ..أما أنا..!
عاد الطفل للبكاء ..اختلط بأنين عجلات القطار ..وقفت به المرأة وسط المقاعد ..حمله زوجها عنها ووقف لتجلس هى..أخذت أراقب نجمة يلمع نورها ساطعاً على قبة السماء.
لم أخطىء حينما أرسلت الخطاب للمدير ..كان يجب أن يعلم مابى ..ليس كثيراً أن أطلب منه حمل لسانه بعيداً عنى ..الكلمات السنةٌ من نار تلسع
..إرتفع صوت الوليد عن ذى قبل ..صوته مشروخ من كثرة البكاء ..العيون المغلفة بالنعاس تضيق ..الأم تعاود حمله ..تلقمه ثديها وهى تستتر من الأعين ..أهرول بعينيى الى الخارج باحثاً عن نقطة الضوء وسط بحر الظلام..أعلن المدير أن من حقه إطلاق لسانه و تشكيله كما يريد ..يصنع منه مشنقة ،يجعل منه سوطا ، أو حتى مسطرة خشبية حادة السن ..رفضت فكرته ..أردت أن أنبهه الى كره الخلق للسانه وأنه من الأفضل التخلص منه ..حملت مقص كان أمامه وطلبت منه فتح فمه..ًصرخ ..حاولت أن أشرح له أننى أريد صالحه ..رفض الإستماع ..تجمّع البعض ..تعالت الأصوات ..إمتزجت ببكاء الصغير وأنين العجلات وظلمة الليل وسؤال المحقق :- مذنب ؟
دون أن أنطق بحرف تركت المكان وأنطلق مغادراً المحطة الأخيرة فى صمت
13
لسعة برد
تبلغ الفرحة مداها حينما أفتح عينى وأرى وجه امى ،أبتسم لها صباح الخير ،تلقانى بسمتها الحنون ،صباح الشمس والإشراق ،أغوص فى احضانها ،أشعر برحيق الدفء وطزاجة الحنان ،تحيطنى بجناحيها ..أوقن ان الشمس ليست نوراً فقط لكنها حرارة ايضاً
........
أقبّل أبى ،تسعدنى بسمته ،أضع الطعام فى الحقيبة وأسّلم مهرولاً نحو الباب لألحق بموعد المدرسة ..حينما أخرج من باب البيت تهلل الضياء ، تصنع لى ظلاً بديعاً أتيه به
......
حينما أعود ظهراً أضرب الجرس ، يتلقانى حضن أمى عند باب الشقة ، أشم عبير الشوق فى عينيها ، يحوطنى الحنان وانا بين يديها ، تسألنى عن يومى وعن دروسى وأصحابى ، ،أغوص فى طزاجة الدفء من جديد ، ينسل الظلام عبر الستائر وزجاج النافذة الى عينّى ،أشعر بلفحة برد تمتد نحوى ،صدرأمى يمنحنى الدفء ،ابادلها الإبتسام .
......
اليوم ضربت الجرس ، ظل المكان بارداً والجو مثقل بصمت شديد الإظلام ،ولم اجدها عند الباب ،ضربت الجرس أكثر واكثر ،ظل الباب مغلقا ً ..شعرت بالبرد يلسع جسدى !!
14
ليل وضحكات
حقيبة صغيرة هى ، تكفى بالكاد غيار داخلى واحد ، قميص ، بنطال ، ومعهم كتاب قديم الطباعة عنوانه (العلاج بالضحكات ) حملهم صالح ومضى نحو الباب قاصداً الطريق ، السفر ليلاً عادته مذ كان صغيراً ، يهرب من ملل الانتظار الذى لايطيقه بالنوم ، قطار منتصف الليل دائماً يروق له ، ركابه قليلون ، يختار مقعدين خاليين ويفرد جسده شاغلا نفسه بالكتاب الى أن ينام ، ولايصحو الا عند الوصول .. كانت الطريق ناعسة شبه مظلمة يطويها أنين الصمت وهو يمضى وحده ، وبدر هرم تآكلت حوافه يرافقه فى ملل ، بينما الأشجار على الجانبين تصنع ظلالا فضية تؤانسه فى سيره ، رأى مقهى أنواره قاتمة على البعد ، اقترب منه ، جلس على أول مقعد قابله طلباً لطاقة يستمدها من كوب شاى ساخن قبل أن يواصل السير ، وضع الحقيبة بجواره ، تقدم العامل منه شبه نائم ، يحمل بين طيات سماته مللآً لاحد له .. ملامحه منقبضة تلائم المكان ،هكذا قال صالح لنفسه وهو يستقبله بمشروع إبتسامة ، رآه يقّوس ظهره محنياً جزعه نحوه هامساً كمن يخصه بسر :-
- ماذا تريد ؟
بدأت ملامح الإبتسامة تظهر وهو يقول:-
- شاى
أدار العامل وجهه حوله قلقاً بعد أن حدق فى عينيه ورأى الإبتسامة جيداً ..كانت العيون نصف الناعسة تتجه اليهما ، أشاح بيده فى اضطراب ومضى بعيداً دون أن ينطق بحرف ، اتبعه صالح بعين الدهشة ،انتبه لبعض النظرات مازالت عالقة بوجهه ، رأى أيدى مفرودة الأذرع تشير اليه وانطلقت كلمات بأصوات غامضة مهمهمة :-
-لانريد مشاكل هنا
- اطردوه فوراً
- ابعدوه عنا
اتسعت مساحة الحيرة فى صدره ، عاد العامل قادما بالشاى همس يسأله عما يرى ، اقترب ثانيه من أذنه :-
- انتبه لنفسك ،المكان مراقب
اتسعت حيرته باتساع الظلمة فى المكان ، أدار نظرات القلق حوله ، العيون مازالت متربصة به ، الأيدى مفرودة الأذرع مسكونة بالغضب .. غادر المقهى واكمل السير ، على بعد خطوات فى منطقة تقطنها وحشة وظلام أحس بكف غليظة تنحط بثقلها على كتفه ، انتفض شاعراً بقلبه ينزلق من بين أضلاعه ، استدار بفعل الرعب خلفه ، اصطدمت عيناه بعينين حانقتين تحاصرانه فى مكانه وتصبان عليه جحيم نظراتهما ،وسمع صوتا متحجر النبرات يسأله :-
- لماذا كنت تضحك ؟
..........
اكمل السير وسط الظلمة بأقدام دهشة وأنفاس متحيرة ، وقد قرر تدريب نفسه ليس على العبوس فهو يراه كثيراً فى الوجوه حوله ، ولكن على إجاده ممارسته بعد أن عرف بصدور قرار رسمى بتحريم الضحك ، فقد اكتشفوا أخيراً أن سبب المشاكل التى تعانى منها المدينة هو الضحك ، فهو يؤدى الى التسيب واللا مبالاه وأشياء أخرى كثيرة ، وحرصا على دفع عجلة الإنتاج وقطار التنمية فقد تقرر تحريم الضحك تماماً وتغريم فاعله بغرامة كبيرة ، من الآن فصاعداً سيلزم العبوس مثل الآخرين ، يكفيه ماجرى له ، طالبوه بدفع الغرامة ، لم يكن معه نقود تكفى ،أخذوا غياره الداخلى والقميص والبنطال ، أما الكتاب فقد تركوه له مع تحذير شديد اللهجة الا يستعمله .
.................
وصل محطة السكة الحديد ،على رصيف القطار رأى عيوناً متناثرة ذابلة النظرات ، وصمتاً يترسب فى الأركان .. مضى ناحية القطار مسرعاً ، دخل عربة قليلة الركاب ، اختار مقعدا مريحاً ، فتح شباكه طلباً للهواء ، ارتفع صفير القطار بعد دهور ، لفظ الهمود وبدأ الحركة ملقياً بما خلفه الى هاوية الظلمات ، هب صالح من مجلسه ، أخرج رأسه من النافذة ، وأطلق الضحكات عالية !!
15
الشجرة
على الأرض
تدق عصاه على مراحل زمنية ثابتة ، الأرض أسفلتية سوادها يمتد بامتداد البصر ، لوقع الإرتطام المنتظم رنين يهز قلب الليل الغارب ، يحدق فى شجرة السدر ذات الفروع الكثيرة والأوراق الصغيرة وهى ملتحفة بالعتمة ، واقفة كحارس ٍ على مدخل بيت (المجدور) ، الذى تاهت حدوده فى طيات الظلمة فلم يبد منه الاسواد هلامى لا حدود له ..تواصل العصا دقاتها وهو ينظر الى الشجرة وثمارها الصغيرة الملقاة على الأرض التى أفترشها ضوء اللمبة الأصفر الهابط من أعلى الباب الحديدى الباهت السواد ، وعلى غير رغبته يواصل السير مديراً وجهه عن الثمار الصغيرة ( النبق )والتى كان يومياً قبل الفجر مثل الآن وهو متجه الى المسجد يجمعها فرحاً بكثرتها ، قائلاً أن هذا ليس رزقه وحده بل رزق المصلين القلائل الذين يشاركونه القيام فى هذا الوقت ، يجمع النبق فى كيس صغير ، وحينما يصل المسجد يفتح الصنبور عليه ثم يوزعه على الموجودين مؤكداً أنه علاج ناجع لمرض السكر وأشياء أخرى ، يقولها مداعباً الكبار وأصحاب اللحى البيضاء مثله ، الى أن جاءت مرة أقعى فيها أسفل الشجرة يجمع النبق كعادته واذا به يرتعد فى مكانه وترتجف نبضاته فزعاً وهو يرى الى جواره ظلاً أسود يطوى الفراغ صاعداً لأعلى، وحاجزاً عن عينيه النور تماماً وصوت حاد يحاصره :- هذه الثمار ملكى وحدى
رفع رأسه بالكاد الى مصدر الصوت محاولاً لم شتات نفسه والتحكم فى ارتجافة يديه ليجد المجدور أمامه يرميه بنظرات موبخة ،اهتزت الحروف على شفتيه قليلاً قبل أن يتمكن من تجميعها هامساً :- أعرف
ويصمت قليلاً قبل أن يجد حروفاً أخرى وجدها ملائمة للموقف :- لكنها على الأرض ..مشاع للمارة !
إعترض المجدور بحدة :- بدون إذنى ؟
عاودت الحروف الإنكماش على شفتيه وهو يشعر بساقيه المتهالكتين أصلاً تهددان بانهيار كامل ،همس محاولا ً التعلق بأى قشة تنجيه من بحر خجله هذا :- وهل ترفض ؟
قال الآخر بجفاء :- نعم أرفض ومضى عنه .
يتذكر تلك الحادثة وهو يمضى يومياً على ذات الطريق تدق عصاه الأرض الأسفلتية وسط الطريق بعيداً عن بيت المجدور والشجرة وحبات النبق الصغيرة التى يلفها الضوء الأصفر بوشاحه فيصقل صفرتها امام عينيه الا أنه يدير وجهه عنه ويمضى ، وحين يسأله أحدهم عن سبب انقطاع هداياه اليومية يكتفى بابتسامة صغيرة قائلاً أن الشجرة لم تعد تعطى قاصداً أنها لم تعد تعطيه ، الى أن جاء اليوم ووجد المجدور أمامه بعد الصلاة ، مد يده مسلّماً واستعد للخروج غير أن الآخر اعتقل يده المعروقة بارتجافتها فى باطن كفه وهو يهمس له :- أذنت لك
أدار عينيه نحوه ، نور المصابيح السارى فى المكان ينهمر على ملامحه المجدورة من أثر مرض قديم الم به فى صغره وترك علاماته على وجهه مما جعل الناس يتركون إسمه الحقيقى شعبان وينادونه المجدور ،حدق فى وجهه بعين العجب ،بدت الرحمة رائقة الماء فى أعماق عينيه بينما على شفتيه ملامح اعتذار على هيئة ابتسامة خجلى ..افلتت اليد المعروقة من باطن اليد الآخرى فى رفق وقد أدرك ماهناك وهو يسأل :- مالأمر ؟
أحنى المجدور رأسه هامساً :- لم تعد الشجرة تعطى ثمراً .
حدق فى وجهه قليلاً قبل أن يستدير عنه عائداً من ذات الطريق
16
الخصم
التفتت الأعين الي بهجت حسين ، حملت النظرات آيات عجب لدخوله القاعة وفى تلك اللحظات بالذات . كان الجميع بما فيهم حسن منصور نفسه يوقنون بأن طلوع الشمس من مغربها أقرب من تفكيره - مجرد تفكير - فى حضور هذا الحفل ، تركوا المدير العام والمائدة الرئيسية والكلمات الروتينية المعدة لتلك المناسبات والتفتوا اليه ، تقدم بجسده الفارع محنياً رأسه فى هدوء الى حيث يجلس حسن ، صمت المتحدث ، ساد سكون منذر ، الأعين تترصد حركته والآذان مشرعة لإلتقاط أدق ما قد يصدرمنه ، فاليوم هو آخر عهد حسن بالعمل ، وحسب الروتين المتبع أقيم الحفل للإحتفاء به ، تم دعوة الجميع ماعدا بهجت لمعرفتهم الوثيقة بالخصام المستعر بينهما والذى لم يفلح معه تدخل من أى نوع ، فالرجلان قد أصرا على الإبتعاد ، ورفض أى حوار بينهما رغم وجودهما معاً فى ادارة واحدة ، كل هذا فى تحدٍ صامتٍ حيث لم ينبس أحدهما بكلمة عن الآخر ، لم يشكو منه أو يشرح حتى سبب هذا الخلاف ، واذا ذُكر أحدهما أمام الآخر أغلق فمه ولم ينطق بحرف ، الغريب أن كلا الرجلين يمتاز بالخلق وطيب النفس ، وكانا صديقين حميمين ، بينهما عشرة سنوات طويلة فى العمل وخارجه ، ورغم محاولة البعض التوغل فى الموضوع الا أن صمت الإثنين لم يعط أحداً الفرصة للوصول الى شىء ، حتى كان اليوم وحسن يجلس بين رجال الإدارة الكبار فى حجرة الإجتماعات وأمامهم كالعادة فى مثل هذه المناسبات قطع الجاتوه والمثلجات ، والميكروفون يتنقل من فم الى آخر معدداً مناقب حسن ، راجياً له حياة أفضل بعد الستين ، وحولهم بعض الشباب بأجهزة المحمول يصورون الحفل ، ويتسابقون لإلتقاط الصور مع الرجل الذى كان بالأمس رئيس ورشة الصيانة المهيب ، الذى يعرفون جيداً طبيعته وأسلوبه ، ويخشون من صوته الجهورى الذى يستخدمه كسلاح رادع ضد أى مقصر أو متوانٍ عن بذل الجهد فى عمله ، دون أن يفكر طوال عمره فى إيذاء أى منهم بجزاء أو خصم من الراتب ، مكتفياً حين يرد عليه أحدهم رداً لايعجبه أن يكتب مذكرة جزاء عنيفة اللهجة مايلبث أن يمزقها حينما يأتيه المذنب معتذراً ..يتسابق الشباب لإلتقاط الصور معه اليوم وهم يعرفون أنه سوف يأفل نجمه ويصبح ذكرى مصحوبة بالكلمة المتوارثة ( كان ) ، ولا يبقى منه فى الأذهان الا سيرة تمتد الى سنوات طوال ، تغيب فيها ملامحه عن الذاكرة، ويتوه صوته عن الأذان ، ولا تبقى الا كلمات تقال عنه أم بخير أو بشر ، فهم يتذكرون الى الآن الحاج حامد رئيس الورشة القديم ومواقفه فى الدفاع عن رجاله وخوفه عليهم ، وفى الوقت نفسه سيطرته ودفعه لهم لبذل أقصى ماعندهم مستخدماً فى ذلك يده قبل لسانه ، وهم راضون لأنهم يرونه يتصدرهم فى أى عمل مهما كان ، ويذكرون غيره ممن كانوا لايتوانون عن الإيذاء والحاق الضرر بأى منهم لأى خطأ ، وكلما خرج واحد من الكبار انضم فوراً للواء (كان ) ومعه سيرته ، وهاهو الدور يجىء اليوم على حسن الذى يجلس محنى الرأس محاولاً إخفاء ملامح التأثر على وجهه ، وكبت دموعه بقدر مايستطيع ، فهو هكذا فى كل أموره ، مشاعره متوقدة متدفقة تبدو على محياه فوراً ، وقد أشار المدير العام فى كلمته الى هذه النقطة بالذات مؤكداً أن الصدق مع النفس والآخرين هو ماكان يميزه ..وهنا فى تلك اللحظة دخل بهجت القاعة ، التفتت اليه الأنظار والآذان ، صمت المدير العام ، استدارت الكاميرات اليه بقامته المديدة وهو يتحرك هادئاً كعادته وبحكم سنه ايضاً فهو يقارب حسن فى العمر ولا يفرق بينهما الابضعة شهور ، وهو أيضا رئيس ورشة الصيانة فى نفس الإدارة ، لكنه يختلف عن حسن فى إسلوبه ، فهو خفيض الصوت قليل الكلمات ، وإن كان يماثله فى نبذه للأذى ..تحرك اذن حتى وقف أمام حسن الذى وقف لاشعورياً ليجد نفسه مواجهاً له ، تتلاقى الأعين ، تتشابك النظرات ،يقول بهجت بصوته الخفيض:-
- جئت أشكرك على خصومة كنت فيهاخصما ً نزيهاً
والكاميرات تسجل والأعين تتابع والآذان تلتقط الكلمات وهدوء جارف يغمر المكان ..فتح بهجت ذراعيه ، فاضت الدموع من عينى حسن ، ضجت القاعة بالتصفيق .!!
17
الحذاء
تعملقت جذور الحيرة فى صدرى وانا أحدق فى الشاشة الفضية ، الرجل يبدو وقوراً جاد الملامح ، يتكلم بتؤدة مفكر وبعلم خبير ، حروفه مرتبه ولغته سليمة، يوظف ملامح وجهه بإتقان وهو يتحدث عن الحذاء العجيب الذى هو ثورة ستزيل الغباء من الكون ، والذى تم تصميمه ليمنح الإنسان من خلال دائرة الكترونية فيه الذكاء ، الشاشة الفضية كبيرة تعلو مدخل حانوت لبيع الأحذية ،المحل صارخ الألوان ، ذو واجهات زجاجية مضيئة بأضواء ملونة بالوان مبهرة ، تحيط بالأحذية الجديدة ذات الألوان والمقاسات المختلفة ،أحدق فيها لعلى أصل الى جديد فى شكلها أو إضافة الى تركيبها ،لاشىء ،أرى وجهاً يحمل سمات الجد تغطى عينيه نظارة طبية ، تعلوها رأس ملساء يحيط بجوانبها شعر خفيف ، ويحمل بين يديه حذاءّا جديداً ويخرج من الحانوت فى كبرياء قاصداً الطريق ، اتصدى له بسؤال غبى لامفرمنه :-
n مارأيك فيه ؟ مشيراً الى الحذاء
ينظر الىً من خلف نظارته الطبية مباغتاً ، يحدق منقباً فى وجهى قبل أن يلفظ حروفه بجفاف :-
- معجزة
- جربته ؟
- سأجربه
مضيت مع إنحناءة الطريق لأجد الشارع الكبير أمامى حيث الحوانيت أكبر واللافتات تشد العين وتسلب النظر بحروف النور المنبعثة منها بشتى الألوان ، و التى تروح وتجىء وتصعد وتهبط وتدور فى حلقات لاتهدأ ..تنبهت لأحدهم يقف وسط الشارع داعياً الى أوكازيون وتخفيض هائل فى سعر الحذاء الجديد ، الذى يحمل مميزات ستقلب الموازين وتغير الأفكار وتبدل القيم ، فهو الحذاء الذكى المناسب لكل المهن والأعمال، والذى سيمحو الفوارق تماما ً بين الأذكياء والأغبياء ، وسيجعل من الكرة الأرضية شعلة ذكاء تتأجج فى سماء الكون ، اندفعت الى الحانوت ، صفاً طويلا وقفت فى آخره على مضض خشية أن ينتهى العرض قبل أن أفوز بما أريد ، وصلت الى الأمام ، وجدتنى أمام حاسب آلى سألنى عن إسمى وعن عملى ، قلت انا الدكتور يوسف مكتشف الإنزيم المسئول عن درجة الذكاء فى جسد الإنسان ، نظر الىّ الرجل الجالس خلف الحاسب متسائلاً :-
- هل لهذا الإكتشاف فائدة الان ؟
لم أفهم مايعنى ،أوضح :-
- فى وجود الحذاء المعجزة لن تحتاج لهذا الإنزيم
لم أرد ، جربت الحذاء فى البيت ، لم الحظ جديداً ، حدقت فى ملامحى عبر المرآة ، كل شىء عادى ،اختبرت مستوى ذكائى بالحذاء وبدونه ، لم يتغير ، هرولت الى الطريق والحذاء فى يدى وعلامة إستفهام كبرى تتراقص أمام عينىّ كيف استطاعوا إغلاق عقلى والآخرين و دفعنا الى الشراء بهذا الإقبال الذى لم يحدث من قبل ، وكيف يمكن خداع كل هؤلاء الخلق وبنفس الدرجة وبذات الكيفية دون أن يخرج منهم من يقول لقد خُدعت ، دخلت الشارع الكبير ، كان مزدحماً ، حادثت نفسى ساخراً أن الخديعة تسرى فى النفوس الساذجة وتعبرها الى العقول المغوية و القلوب الواهنةالتى تلغى كل مساحات التفكير لتضع مكانها مساحات أكبر للغفلة والغباء ، مؤكد هؤلاء جميعا ً يتسارعون على أسبقية الشراء لمجرد الفخر بأنهم حصلوا على الحذاء الجديد ، اقتربت أكثر ، سمعت عبارات التذمر تسرى عبر الأفواه ،إنفرج همى قليلا ً ،تطايرت العبارات مزمجرة وسط الحوانيت ذات الواجهات الزجاجية بالوانها الصارخة وشاشتها العملاقة التى ماتزال تتحدث عن المعجزة القادمة من الغرب والتى ستحيل ظلام الغباء الى نور من الذكاء والفهم ، كان الأمن ينتشر تحسباً لحدوث مشاغبات ، ترنحت وانا أسمع الهتافات تعلو ، تهز الشارع والحوانيت والأمن معاً منددة بالحذاء وبمن باعوه ، تسللت عبر الأجساد المتلاحمة نافذا ً الى الحانوت الذى باعنى الحذاء ، قدمت شكواى طالبا ً رد نقودى ، رد الكمبيوتر :-
- غبى ..لم يعرف كيف يستعمل الحذاء !!
18
مشوار
رأيتها تقترب وتتوسل :- أرجوك لاتتركنى وحدى ..معه !!
اتسعت عيناى بملء مافيهما من عجب معجون بدهشة ممزوجة باستنكار ، حدقت فى عينيها أرقب تقاطيع وجهها المجهدة ، ذلك الوجه التى كانت تمنحه جل اهتمامها فيما مضى ، الآن صار خاليا ً الا من حمرة الإنفعال . تضمه الى صدرها ،تهدهده فى رفق ،وهو غير آبه بما تفعله ..قلت وانا أكبت غيظى :- لن أتأخر
واستدرت أريد الباب، فتحت المزلاج ، هرولت صرختها خلفى :-
-أشرف مريض
قلت متشبثاً بهدوء زائف :- سأذهب الى أبى أطلب سلفة جديدة
همست برجاء :- ليس الآن
ارتميت على أقرب مقعد ، قائلا بصبر نافذ :-
-ضميه الى صدرك أكثر ،سيشعر بالدفء
أشاحت بيدها فى عجز :- تهرب كلما احتجت اليك
وعيناها آخر مابقى من الحسن القديم تلمع فيها حبيبات الدموع، وهى تسير به جيئة وذهابا ،وهو عنداً فىّ يواصل البكاء ، أخذت أرقبهما معاً وخاطرة تدور فى فراغ رأسى ، لقد تغيرت رائحتها مذ جاء أشرف ، صارت رائحة أم بكل مافيها من دفء وبراءة ، نقلت عينى بين صورتها على الجدار وصورتها الآن وأشرف بين يديها ..نسمة إشفاق مرت بصدرى ، همست متلطفاً :- هيا نذهب الى الطبيب
استمرت ذراعاها فى حركتهما البندولية دون رد ، مضت لحظات وانا أجلس مترقباً الموقف بصدر ضيق ، فجأة رأيت وجهها يشرق ببسمة عذبة الملامح ، عيناها تتألقان ، تضع راحتها تحت خدها بمعنى أنه سينام ..شغلنى هذا الإكتشاف ، أسلوبها ، سمات وجهها ، ونظراتها ذاتها تغيرت ، أشرف نقلها من من حالة الى أخرى ، وهبها روحاً جديدة لم تكن لديها من قبل ..انتبهت لصمت كالشلال يغطى فضاء المكان ، خلخلة الهواء من حولى ، كأن جدرانا كانت تحيط بى وتضغط رأسى قد تهدمت مرة واحدة وساد بعدها سكون ..تابعتها وهى تسير محاذرة الى حيث أرقدته ، ورأيتها تعود معلنة بأحداق متألقة أننى يمكننى الخروج الآن بشرط الا أغيب .هرولت نحو الباب ، سبقنى صوتها :-
- هات معك مانحتاج اليه
قلت مشفقاً :- المهم أن أجد أبى
أخذتنا المناقشة ، هربا ً منها أعدت الهرولة نحو الباب ، فتحت المزلاج ، وضعت قدمى خارجه ،شدتنى رنة فرح غامر فى ثنايا صوتها:-
- تعالى بسرعه
هرولت اليها ، وجهها ينير بابتسامة مبهرة ، فيه نضارة ، وأشرف بين يديها ضاحك الثغر ، مدت يدها به الّى ، رنت ضحكته فى فراغ الحجرة ..نسيت المشوار !!
19
نواقيس الألم
رأيته عاقداً ذراعيه على صدره ، واقفاً على باب الحانوت ينتظر ، عيناه مصلوبتان على أول الشارع ، حدقاتهما ثابتتان على المنحنى حيث يجب أن يدور أى قادم اليه ، هدّأت سرعة السيارة التى أقودها وأنا أقترب منتظراً الهلاك على يديه نتيجة فعلتى اليوم ، جريمة عظمى فعلتها ، عطلت العمل يوماً كاملا ًبالمطعم ، الزبائن فروا الى مطاعم أخرى ، المكسب اليومى تبخر، وأجور العمال خسارة يتحملها وحده ، له الحق فى شنقى على باب الشارع جزاء ما فعلت ..أخذت أتابع ملامحه وانا أقترب بالسيارة وقد تجهز الموتور للموقعة فهدأ صوته تماما ً ، وبداً يقترب حثيثاً لتوازى السيارة طول الطوار وتنحدر مذعنة الى حيث يقف.. لم يكن لدّى ماأقول الخطأ ، أكبر من أى تبرير ، منذ عملت عنده وانا أعرف أن المهمة مقدسة ، وأن علّى الا يمنعنى عن إحضار البضاعة الا الموت ، فأنا قبل تنبه الطيور من رقادها أخرج مع الليل والظلمة لألحق ببواكير السوق ، أحمل الخضر والفاكهة اللازمة لعمل اليوم وأعود الى المطعم ليبدأ العمل ، حتى اذا جاء وقت الظهيرة افترشنا المقاعد إنتظاراً لوفود القادمين .
أخذت اتابع ملامحه وأنا أقترب بالسيارة لأحاذى الطوار ، البضاعة لم أحضرها ، زوجتى مريضة نقلتها للمستشفى فجراً ، لم أذهب للسوق ، أعرف العقوبة ، الطرد ، فكرت الا آتى وأن أوفر على أذنى سماع مالا يليق ، غير أن الهرب ليس طبيعتى ، ليكن مايكون..اذا لم يعطنى الفرصة للشرح سأعطيه ظهرى وأمضى ..اقتربت على مهل ،الآن تبدأ المواجهة ، لن أستدّر عطفه ، المطعم تعطل ،هذا ذنبى الكبير ، إقتربت أكثر ،وجهه عابس ، جبينه مقطب ، فمه مذموم ،القيت السلام بصوت خافت لايكاد يبين ، ظل محدقا فى وجهى دون كلام ، محاصراً عينىّ فى قوة ..مؤكد يبحث عن كلمات يبلغنى بها القرار ، وضع يده على كتفى ، يده ثقيلة ، كفها ضخمة ، هدوء ماقبل العاصفة هذا ، خرجت الحروف من فمه بطيئة النبرات : - لماذا لم تقل لى؟
أقل ماذا ، لم يكن لدىّ وقت لكلام ،كان الموت يتعملق أمام عينى وإمرأتى تهوى عبر بئر النهاية بلا حول ، مد يده فى جيب سترته ، سيعطينى بقية حسابى ،أخرج النقود ، دسها فى يدى :-
- اذهب الى المستشفى ، اذا احتجت شيئاً اتصل بى .
للحظة لم أع الأمر ، رميت بنظراتى على براح وجهه فى شرود ، وحينما فهمت اهتزت نواقيس الألم فى صدرى ، الم جارف هزنى ، حاولت الكلام ، تاهت الحروف من شفتى ، بكيت !!
20
غيبة
مغلف بالفقر ، يريد زاداً
هكذا قلت لنفسى واناأحدق فى وجهه حينما اقترنا منه ، لم يكن على حافة الطريق كالمعتاد ، ولم يكن محنى الرأس كما تعودت أن أرى .. أشار الينا بالوقوف ..تعاطفت معه ..وضعت يدى فى جيبى ، وكذلك فعل صاحبى ..لم تكن هيئته وسيماه تدلان عليه ..بدا رغم نحول وجهه شديد لمعة الأحداق ، نظرته تشى باعتداد قديم لايتناسب مع طلب الإحسان ..مددت يدى مقبوضة الأصابع ببعض النقود .. ردها وحدق فى عينىّ ، رأيت على ضفتى أجفانه بلورات دموع متجرة ، وبدا وجهه بمشاعره المتأججة فى حبتى عينيه لوحةعبقرية التعبير عن الأسى ..لاح لى ظله على الأرض جزءً ملتصقاً به يمتد من قدميه الى عرض الطريق تطأه العربات والخلق ..أقبل بوجهه نحوى سائلاً
:- -هل رأيت محمود ؟
نظرت الى صاحبى ونظر الّى ..عدت اليه ..هززت رأسى يمنة ويسرى هامساً :- لا
ظل محاصراً وجهى لبرهة ، ربما يحاول استيعاب ردى أو يتيقن من صدق قولى ، بعدها أدار وجهه عنا ومضى..تحرك ظله معه ..سألنى صاحبى :- ماله ؟
لم أجبه ..كنت أرقب الآخر ، أراه وهو يمضى متمهلا ً ..يحدق فى الوجوه ..يسأل البعض ينصت للإجابة ..يستوعبها ويمضى ليسأل من جديد ..مضيت اليه :- أين ذهب محمود ؟
من خلال العرق الثائر على ملامحه السمراءارتسمت على عينيه معالم حيرة ، شرد قليلاً وهو يساءل نفسه بصوت خافت كمن يحاول استيعاب أمر جديد عليه :- ذهب !!
ثم عاد الّى بلمعة حدقتيه ، غارزاً نظراته فى عينّى ، رافعاً يداّ معروقة مقبوضة الكف الا من إصبع السبابة أمام وجهى ، وقال بحسم :-
- لم يذهب ، وسوف يعود
وتركنى ليسأل آخر:- هل رأيت محمود ؟
21
لحظة شروق الشمس
لم تشرق شمس اليوم ، صحا الناس فلم يجدوها تعتلى قبة السماء كعادتها، بحثوا عنها ، لم يسفر بحثهم عن شىء ، تحركت أجهزة الأعلام قاصدة المراصد الفلكية ، خرج النبأ فى كلمات مقتضبة :- لم تشرق شمس اليوم ، سنوالى البحث عن السبب .
تساءل الكثيرون ماالعمل ؟
..............
أراح الظلام الفلاحين ، أسعد البهائم ، الموظفون أيضا ً وأصحاب الأعمال انقطعوا عن أعمالهم ، الحانات وأوكار الليل تعللت باستمرار الظلمة ولم يبرحها روادها ..صرخت وزارة الكهرباء من زيادة الاستهلاك ، فزعت مصلحة المياه من إنخفاض منسوب النيل ، أعلن جهاز تنظيم الأسرة أن الأمر خرج عن التنظيم وسيصبح العدد فى الليمون . ...................
انشغلت الفضائيات بالأمر ، كثرت التحليلات ، زادت التصريحات خاصة من المسئولين ، قال أحدهم مهدئاً ثائرة الثائرين :-
- نحن لاتقهرنا شمس ولا قمر ونستطيع العيش بدونها .
تعالت ضحكات ساخطة عليه .
تناثرت التعليقات
:- لم نصنها فكان الحرمان
..تلك علامة يوم القيامة
..لن يقف العلم عاجزاً عن إيجاد حل ولو بصناعة شمس صناعية ؟
طال وقت الظلمة ، تعملق القلق ، بكت العيون ، تضرعت القلوب ، بدأت قطرات النور تتساقط من خلف الغمام ، كسا الأفق لون وردى تحول تدريجياً الى إصفرار ، من وراء نجم هائل الحجم عابر فى الفضاء ظهرت الشمس !