تحية وسلام

تلك كلماتى بين يديك ..انظر ..دقق ..ستجد عبر الحروف نبضات تعلو معطرة بالحب ..تطلب السلام ..ترجو الوفاق ..المشكلات سوء تقدير مشترك بين اثنين او اكثر ..الحب كلمة ..وربما كان نظرة ..او هو لحظة صمت تجمع بين اثنين ينعمان بالدفءوحرارة الامن ..تفضل ..اقرأنى ..بكل الحب استقبلك ..ومتى ما اردت المغادرة لك منى ايضا كل الحب ..وسلام ...محمد عباس على

الأربعاء، 17 نوفمبر 2010

الآخر


الآخر



  
                                               قصة قصيرة
 


تلقاها على  ظهره - بين منكبيه - ضربة قوية ،كاد أن ينكفىء على أثرها على وجهه .
إجتاح صدره إعصار من غضب ،كّور يده واستدار استعداداً للكمة باطشة ، وجدها إمرأة شابة تقف متنمرة له والشرر يتطاير من عينيها، وهى تصرخ فيه :- الى متى    ستهرب ؟
إنداح الغضب مفسحاً براحاً واسعاً لدهشة هائلة فى نفسة، شعر برأسه يدور وتوازنه يختّل، بينماالمارة يتوقفون تماماً صانعين دائرة حولهما ..صعدها من أسفل الى أعلى متفحصا  ملابسها وتعبيراتها الوحشية وهى تحاصره بلهب نظراتها حتى لايفلت من يدها ..نحيلة هى ..جسدها الصغير يشبه أجساد الصبية لولا كرتيها أعلى الصدر، وتحمل وجهاً رغم وحشيته فى نضرة صباح بكر ..غمغم فى غضب جامح :- كيف تجرؤين ؟
ولم يكمل ..إندفع صوتها عالياً وهى تقتحم البراح بينها وبينه قابضة على اعلى قميصه:-   الم يكفك مافعلت  ؟
خلص ملابسه بصعوبة من بين يديها ودماغه يغلى ،و الناس حولهما أجساد تتكون من عيون وآذان ..صرخ :- من تظنِنى بالضبط؟
وهو يحدق فى بؤبؤ حدقتيها .. أكمل :- انا لا أعرفك
دقت صدرها هولاً وهى تسأله صارخة :-  لاتعرفنى ياحسن ، لاتعرف زوجتك،إمرأتك،أم أولادك ،تصر على الهرب ؟
لمعت عيناه ببريق الظفر ،تلفت الى الأعين المتربصة به وهو يمد يده الى حافظته ويرفعها عالياً وهو يؤكد :-  هاهى بطاقتى ..إسمى رفعت وليس حسن
قبل أن يدير وجهه اليها اندفعت الى يده بسرعة،  التقطت البطاقة وهى تقول كمن عثرت على دليل إدانته :- بطاقة مزورة ،وصل الأمر لهذا ؟ 
هجم على يدها محاولاً استرداد ها منها ،دستها فى صدرها ، مدت يدها الى حقيبتها وأخرجت صورة لهما معاً ..وجهتها الى عينيه بقوة :- انظر ..من هذا ؟..انكمشت يده فى التومباغَتة وهو يرى صورته الى جوارها ضاحك الفم ،شعور بالعجز أمامها تسرب الى نفسه :- ماذا تريدين ؟
قالت بهدوء :- أن تأتى معى .
عاد الى الإحتجاج :- لكنى لا أعرفك
ارتفع صوت :- الأفضل الذهاب لمركز الشرطة .
أيدته أصوات اخرى ..استدارت اليهم فى غضب :- وأضيّع زوجى بعد أن وجدته ؟
ثم عادت اليه :- الم توحشك أمك العجوزالمرضة وأولادك ، الم أوحشك أنا زوجتك عطيات ؟
وشدته من يده لتخرج به من الطوق البشرى المحيط بهما ..بعد خطوات ربتت كتفه بحنو قائلة :- انا بحاجة اليك
ارتجف ..لا يدرى غضباً منها ام دهشة وصرخ :- انا لا أعرفك
ابتسمت مهدئة من ثورته :- قل هذا بعد أن نعود من مشاويرنا
-        بأى صفة أسير معك ؟
-        بصفتك زوجى حسن
-        لست هو
-        صدقنى انا بحاجة اليك،أعدك الا أضايقك ثانية ،واذا سألتك عن شىء أو طلبت منك شيئاً اتركنى من جديد
-        أرجوك ..!
-        انا التى ترجوك
-        أسف
-        إذن سنعود للصراخ وفرجة الناس وصورتنا معاً
أحنى رأسه وترك لقدميه حرية الحركة .
خطوات قليلة سارها وعاد اليها متسائلاً :-
      :- لماذا انا بالذات ؟
حدقت فى حبتى عينيه محاولة اكتشاف ماخلف الأحداق، استدارت الى الطريق من جديد :- ستعرف
عاد يسأل :- وماهو المطلوب منى بالضبط ؟
استمرت فى السير :- لاشىء ..احتاج وجودك بجوارى فقط .
حدق فى رأسها الصغير المرفوع فى وجه الطريق ..هل تعى ماتفعل ،أم ستزج به فى ورطة ،وماذا سيقول اذا حدث هذا ، ومن سيصدق أنه يحدث له ماحدث ؟
استدارت له كأنما تقرأ أفكاره ..قالت بهدوء :- لا تقلق
وعادت الى الطريق ..اقتربت من أحد البيوت الرقيقة الحال ،مضت الى مدخله الضيق ، صعدت على سلالم متهالكة الحواف متساندة  على درابزين بلا ملامح ،توقفت أمام أحد الأبواب ،دقت الجرس ..فتح الباب عن إمرأة كبيرة تغضنات الوجه،  ملونة الملامح ، بمجرد أن رأتهما زادت عبوس وجهها عبوساً وتساءلت عما يريدان ،قالت عطيات بقرف:- محمود
خرج شاب يافع ناضج العود بملابسه الداخلية اليهما ، بمجرد أن رآهماتعثر فى ارتباكه ، حمل وجهه معالم دهشة ممزوجة بذعر،قبل أن يرتمى على صدره باكياً :-   سامحنى ياأبى
وقف لايفقه شيئاً ، تدخلت عطيات :- أبوك غاضب عليك وانت تعرف لماذا ولولا الحاحى ماجاء الان .
اندفع محمود يقبل يديه :- ادخل ..تعالى ..تعالى ياأمى
حدقت فى عينيه ..عيناها بئراً لومٍ وتقريعٍ ليس لهما قاع ..تساءلت بصوت مغسول بالقهر :- تظننا ندخل  ؟
واستدارت عنه مغادرة .
فى الطريق سألها عن تفسير مارأى ..بزاوية عينيها  نظرت اليه:-                                                            الا تعرف ؟ 
اضطرب ، بدت على جفنيه ارتعادة  خفيفة وهو يهمس :- لا
قالت ووجهها للطريق مازال:- سترى بنفسك  .
 وصلت الى أحدى المستشفيات ..دخلا معاً ..أمام أحد الأسرة توقفت ..رأى فتاة شابة ترقد على ظهرها فى إعياء واضح ..قالت عطيات بعطف :- وفاء ..انظرى من جاء يراك .
رفعت اليها وجهاً اعتلاه الذبول ، امتصه المرض ، فتحت فمها لتتكلم وقد اكتست نظراتها  بدهشة بالغة لرؤيته:- أين كنت ياأبى ؟
ربتت عطيات كتفها برفق :- رغم غضبه من محاولتك الانتحار جاء يراك
ارتعدت بضع دمعات عجاف على حواف عينيها ،مدت يداً ناحلة الى يده ، القريبة ، ضغطها  مترفقاً .
فى الطريق عاد يسأل:- لماذا ؟
مشيراً الى مافعلته وفاء ..ردت عطيات باقتضاب :- ستعرف
.وهى مازالت تواجه الطريق، أسرع فى خطوه حتى وقف أمامها قاطعاً عليها الطريق :- إن لم تشرحى لى الأمر سأضطر الى الرحيل .
تبسمت بغم وهى تواجهه بعينين متسعتين تغطى حدقاتهما قطرات من ماء عزيز الهطول :- ترحل .. ثانيه !!
انتفض :- لست انا
صرخت :- إذن من ؟
ازدادت الحيرة تعملقاً فى مقلتيه .. كيف يقنعها ؟.. دلفت الى بيت منفرج الشبابيك يتقدمه مدخل بلا باب  وهو الى جوارها ،صعدت سلالم قليلة نظيفة رغم ضيقها،توقفت أمام أحد الأبواب ،فتحته ودخلت ،أضاءت المصباح وأشارت اليه ،تقدم محاذراً وهو ينظر حوله فى تأفف ..كانت هناك أريكة فى المواجهة ترقد عليها عجوز مستغرقة فى النوم ،الى جوارها من اليسار ممر يؤدى الى الداخل، ومن اليمين حجرة مغلقة زجاج بابها مكسور ومكانه قطعة من ورق مقوى
..مدت عطيات يداً حانية توقظ العجوز : - اماه ..هذا حسن ..إبنك
فتحت العجوز عينيها وفمها معاً ..الفم مثروم تماما ً ،وشعيرات قطنها ناصع البياض بلله العرق يلتصق بوجنتها ..همست :-   تقولين من ؟
وهى تحاول الاعتدال بلهفة من رقدتها دون أن تسمع أو تنتبه لرد،  أخذت تتمتم :- حسن ولدى
ومدت يديها المعروقتين تتلمسه مما اضطره للإقتراب منها، أمسكت يده ورفعتها الى وجهها تمسح بها قسماتها ، تقبلها ودموعها العجوز تنزلق ناحلة عبر تغضنات وجهها ،شعر بجسده يرتجف ..قشعريرة هائلة تدغدغ حواسه والمرأة تشده نحوها،تحتويه بين ذراعيها وهى تبكى :- سلامتك ياحسن
وهو بين يديها عاد بنظراته الى عطيات ..كانت تبكى.
رآهاتفر من دموعها الى الممر الواصل الى الداخل ..مضى خلفها ، فتحت بابا فى المواجهة ،وقفت مشيرة اليه بالدخول وهى تمسح عينيها..رأى سريراً خشبياً قديماً يأخذ ركناً، يجاوره دولاب باهت اللون إحدى دلفه منزوعة ،ومائدة صغيرة عليها تليفزيون صغير، وحصير قديم مهترىء الأطراف يفترش الأرض ،وعلى  حافة الشباك صينية من الألومنيوم عليها قلة من الفخار مغطاه بقطعة قماش بيضاء، سمعها تتكلم وهى تمد اليه يدها ببطاقة هويته :-
  - لولا حاجتى ..ماسعيت اليك.
همس :- لست حسن
حدقت فى عينيه بنظرات حديدية  ولم ترد ،أشارت الى جلباب معلق على مسمار خلف الباب :-  جلبابك نظيف ينتظرك
وغادرته الى الخارج .
صرخ فى مواجهة السرير والدولاب والحصير والشباك وجدران الحجرة المتساقطة الطلاء :- لست حسن .
انتبه لصورة على الجدار تجمعه وعطيات فى ملابس العرس ..أشاح بناظريه عنها ..رأى الجلباب المشنوق من رقبته بالمسمار  خلف الباب..نظر اليه بعداء!


السبت، 13 نوفمبر 2010

المرآة

المرآة


قصة قصيرة




لا أكاد أذكر تلك الظروف التى اضطرتنى للنظر الى هذه المرآة ولاحتى مكانها فى البيت .هل كانت فى حجرة النوم أم الردهة ..كل ما أعيه جيداً هو أننى وقفت أمامها ولم أر وجهى كما أعرفه ..لم يكن زجاج المرآة مكسوراً ولم يكن ماؤها باهتاً بل كانت سليمة مصقولة الزجاج ، ورغم هذا حين نظرت فيها رأيت وجهى مبعثراً كل عين فى ناحية والأنف فى ناحية والفم فى ناحية ..الغريب فى الأمر أن رقبتى كانت محنية على صدرى كأننى اتلقى اوامر من شخص أعلى أو أنصت الى تقريع عنيف ورغم هذا كانت هناك ملامح مبعثرة !
المرآة لاغبار عليها ، تعكس صور الأشياء حولى كما هى، المقعد الكبير فى الركن بخشبه الذهبى وقوائمة المتآكلة ومسنديه وظهره الطويل ، المائدة الصغيرة أمامه بزجاجها الأزرق أ والنافذة المفتوحة الشيش التى ينفذ عبر فتحتها شعاع الشمس الذى يشى بما فى الهواء من غبار وأتربة، ويرتمى على السجادة المتهرئة النسيج ولونها الذى كلح من طول عشرتها لنا وانعكاس صورة جزء من الحديقة بأشجارها العتيقة وأزهارها الذابلة التى تشكو الاهمال منذ سنين، فاذا أدرت وجهى فى عمق الحجرة قليلاً فهناك السرير النحاسى الذى لم يعد لمثله وجود هذه الأيام بزخارف أعمدته النحاسية التى ينتهى كل منها بأكليل من زهر معدنى أصفر مايزال يحتفظ ببعض لمعته الى الآن ، والدائر القماش الذى يلف أعلى العمدان الأربعة بلونه الأبيض المنطفىء ، وزخارفه من الورود وفروع الأشجار، وهناك ايضا الدولاب ذو الضلف الأربعة بحجمه العملاق وأدراجه العديدة وارتفاعه الذى يقارب السقف ..كل هذا بنظرة من المرآة أراه ..احدد معالمه .. إلا وجهى أراه مبعثر الأجزاء ، عين هناك على اليمين تدور حدقاتها فى متاهة فراغ لاحد له ، ترى ظلالا تتجه نحوها ، تعود خائبة السعى لاتستقر على شىء ، وعلى البعد منها وفى الناحية المقابلة عين أخرى تتجه الى اليسار ..اليسار حدوده معروفة بلا أعماق، تدور لأعلى وتهبط لأسفل ولا جدوى، ثم الأنف يتشمم رائحة تعبق المكان ، الرائحة لاتطيب له، يشكو منها، يبحث عن مصدرها دون جدوى ، ثم الفم وبه اللسان يتذوق طعم الهواء ، يعلن أن به طعماً غير مستساغاً فيمجه رغما عنه ، يحاول الكف عنه يغلق الفم ..الأنف به عيب ، التنفس فيه ليس طبيعى ، يحتاج لاستمرار فتح الفم للمساعدة على التنفس ، يتذوق اللسان رغما عنه طعم الهواء، يضيق به ولايملك الاعتراض ..أنظر أبحث أدقق ..أشك فى هذه الصورة الجديدة التى لم أرها من قبل أهرول الى مرآة اخرى ..نفس الوجه المبعثر ..أشك فى البيت ..أدور فى الطريق أفتش المحال ..المقاهى ..نفس الشىء ..أسأل أحد المارة هل ترى فى وجهى شيئاً...؟
يقاطعنى قبل أن أكمل سائلاً :-
- هل ترى فى وجهى شيئاً أنت؟
نوقف المارة ..تتجمع الوجوه..نسألهم..يسألوننا..تكتظ الطرق
..بالوجوه المتسائلة بلا مجيب.
.........
تقرر صرف مرآة لكل مواطن ليرى فيها وجهه سليماً موحد الأجزاء على أن تسحب المرايات القديمة من البيوت فوراً..نظرنا جميعاً ..الأجزاء المبعثرة تجمعت ..الأشلاء توحدت ..صفقنا بحماس وهتفنا بقوة .
.رجعت الى البيت ممتلىء القلب بالأمل..رأيت إمرأتى وسط الصالة ..وجهها كما عهدته .. تتحرك على مهل نحو المائدة لتجهيز الافطار ..وضعت المرآة الجديدة مكان القديمة ووقفت أمامهاعلى ضوء الشمس أ نظر متباهياً بما فعلت ..سمعتها تسأل :- الى متى سيظل وجهك مبعثراً...!

الثلاثاء، 9 نوفمبر 2010

وجهاً لوجه



وجهاً لوجه
.............

قصة قصيرة
...............




شده صوت منصور من شروده :-
- دكتور .. أحضرت التصريح الخاص بموافقة السلطات؟
رد فوراً وهو يغرز نظراته فى حبتى عينيه : -
- - تم الاستعداد لكل شىء
هز رأسه الضخم راضياً.. تابع الدكتور قفاه وهو يستدير عنه ..رغم نفوره منه وشعوره كلما رآه أنه بين لحظة وأخرى سيتناثر التراب من خلايا وجهه ويديه، أو يخرج له من جيب جلبابه الباهت الزرقة جمجمة غائرة العينين والوجنات ، الا أنه هو ذاته الشخص المطلوب بصفته مندوب إدارة المدافن الذى سيتعاون معه ، بهدف تسهيل إجراء تجربة علمية تستخدم فيها أحدث التقنيات لبحث ماهية الروح، وطريقة مغادرتها البدن ، والتغيرات التى تطرأ على الجسد بمجرد تجرده منها وتحوله الى مادة خالصة.
بدأت الترتيبات حسب الخطة التى أعدها فريق البحث بواسطة الحاسب الآلى ..الألات ..التوصيلات ..الإضاءة ..الكشافت الأساسية ..الكاميرات ..أجهزة التسجيل .. جهاز الإنذار الفرعى.. وأخيراً جهاز الإنذار الرئيسى الذى ماإن يضغط على زره الأحمر حتى يقوم بالغاء العملية بالكامل . تحرك الدكتور متابعاً مايجرى ..اصطدمت عيناه بعينى مندوب إدارة المدافن المعلم منصور شيخ الترابية من جديد ..عيناه واسعتان .حدقاتهما بهت لونها وصار قريباً من الطين ..كلما نظر اليه شعر فى نظراته بسخرية متواريةخلف قناع من ثلج . ملامحه متجمدة على تعبير لايتغير ..يشعر وهو ينظر اليه أنه إما إبله لايفقه شيئاً أو هو رجل عميق الغور يخفى مشاعره وأفكاره فى الوقت الذى يقرأ فيه مابداخلك ..باغته صوته متسائلاً :-
-هل تشعر أنك ستصل الى شىء؟
عاد يغرز نظراته فى بؤبؤ عينيه ..العينان فيهما دهشة سرمدية لاتغيب ..قال له :- لا أعرف إن كنت ستفهم أم لا ..لكن العلم فتح كل الأبواب
تركه المعلم منصور الى المقابر المتناثرة حولهما ثم عاد متسائلا :-
- -حتى باب المقبرة ؟
اتسعت عينا الدكتور وتاهت فى سراديب سؤاله المباغت ..هل يعرف ماهية هذه المهمة ؟..حاول العودة من رحلة شروده اليه .:- ماذا تقصد ؟
حدقت العينان الواسعتان فى وجهه وسمعه يقول :-
- - أقصد سلامتك داخل المقبرة
- إهتز قلبه بعنف فى فراغ صدره وتداخلت دقاته ..هز رأسه محاولا التشبث باللا مبالاة وهو يسأل راسما بسمة استخفاف على شفتيه :-
- - ما الذى سيجرى ؟
- باغته الرجل بسؤال :- الم يقل لك الكمبيوتر ؟
- أدار وجهه عنه ..تشاغل بمتابعة التجهيزات مع طاقم الفنيين ..ارتفع صوت الرجل بسؤال جديد :-
- - واذا حدث لك شىء بالداخل ؟
- إمتلأ صدره ضيقاً منه ..استدار اليه ووجهه ينطق بحقيقة مشاعره :-
- - ماذا تريد ؟
- لم يبال بقراءة ملامحه ..قال بقوة :-
- - تكتب إقراراً بإخلاء مسئوليتى تماماً
- أدار وجهه عنه :- لك ماتريد .
- ومضى الى الملف الذى يضم تفاصيل العملية ..راجع وضع الآلات ومكان الجثة القادمة وكذلك الغرفة الزجاجية الصغيرة التى سيجلس فيها داخل المقبرة للمراقبة وتسجيل الملاحظات ..باغته صوت منصور :-
- - ستبدأ الآن ؟
- من فوق إطار نظارته الطبية رماه بشرر نظراته قائلاً :- أنت تابع تنفذ مانريد ..حينما نريد
- واستدار عنه ..التجربة أجريت من قبل فى ظروف مشابهة للواقع ..وضعت الألات اللازمة فى إحدى المقابر .؟.تم دفن ميت فيها وأُعيد إغلاقها ، لكن الألات فشلت فتقرر أن تعاد التجربة على أن ينزل الدكتور بنفسه مراقباً ، وبدلاً من وضع ميت سوف يوضع رجل قارب على الموت لتصبح التجربة أكثر صدقاً ويصبح والموت وجها ً لوجه ..لكن هل يمكن رؤية الموت ؟
- رفع عينيه عن الورق.. وجههما لا أراديا الى منصور .. الإنسان ابن بيئته وهذه حقيقة ..هل يدرك ماهنالك بحكم معايشته للموتى؟.. سأله فجأة :- هل رأيت الموت من قبل ؟
- لاحظ فى تعبيرات وجهه الثلجية تموجاً ..تحركت الأجفان وفتح الفم عن أسنان مثرومة وبرقت عيناه قائلا ً :-
- - ( انا فى شبابى كنت أعمل بيدى ..أفتح مدافن المنطقة ..أعرفها ورأيت منها الكثير ..الميت الذى أرقدته ووجهت وجهه للقبلة وبدأت أفك كفنه فاذا بعينيه مفتوحتين ينظر الي متسائلاً ..أين انا ؟ ..والميت الذى التقطه من يدى ثعبان فمه باتساع فتحة المقبرة ..والميت الذى اشتعل ناراً بمجرد وضعه فى مضجعه والميت الذى رأيته هيكلا عظمياّ راكعاً على ركبتيه مستنداً بيديه بانحناء جذعه على الجدار ..هذا الميت بالذات أفزعنى .. فهمت ماجرى له وحده فى الظلام ومحاولته الفرار من الموت . .لحظتها كان المفروض أن أزيح العظام القديمة استعداداً لقادم جديد ..لكننى توقفت وانا أرى هذا الهيكل ناشباً أظفاره فى
- الجدار مكافحاً الفناء حتى أخر لحظة من عمره ..صرخت بكل ماأملك من مشاعر فجرها هذا المنظر فى صدرى وتمثل لى الموت كما لم أره من قبل .)
- أُعلن عن وصول سيارة الإسعاف بالمطلوب ..لمعت عينا الدكتور ومرت رجفه على جفنيه ..لاحظ منصور هذا ..رآه يتحرك نحو رجال قادمين يحملون شخصاً على محفة تحيط به الجهزة متجهين به الى الداخل ..قال أحدهم أنه غائب عن الوعى منذ شهور ..يعيش على أجهزة التنفس الصناعى ..قلبه لاتكاد تسمع دقاته ..أهله انصرفوا عنه بعد أن كلفتهم اقامته بالمستشفى كل مالديهم ..قرر الأطباء رفع أجهزة التنفس عنه وافقوا على الانتفاع به فى التجربة مادام مصيره قد تقرر ..توجهت المحفة الى داخل المقبرة ومعها الألات وأجهزة قياس الضغط واشارات المخ والقلب وما اليها ..إندس المعلم منصور بين الأجساد الى حيث رأى وجها شاحباً يتطلع اليه ..سأل :- دكتور ..ماذا ستفعلون بهذا الرجل ؟
لم يبال به
عاد يسأل :- هل ستتركونه يموت ؟
استدار عنه ..لحظة رفع أجهزة التنفس الصناعى تقترب ..عليه الآن أن يهبط الى المقبرة ..يتحصن بصندوقه الزجاجى ..يرقب بعينيه ويسجل ملاحظاته .. لكن لماذا يرتجف وتصعد من جوفه هزات متوالية تمنعه من الحركة ؟.. سمع صوتاً يناديه ..تزلزل جوفه ..بذل جهداً ليقول أنه جاهز وتقدم نحو المقبرة ..مد ساقاً للداخل ..لم تطاوعه الأخرى وغاصت الدماء من وجهه ..أدار نظراته فى الأجهزة والآلات والجسد المسجى والغرفة المحصنة بزجاجها الشفاف ثم تقدم الى حيث جلس فى مكمنه مراقبا ً الباب وهو يغلق والأنوار الصناعية وهى تملأ المكان بيضاء زاهية تتربص بالموت وتستعد له ..اتجهت عيناه الى عدادات القياس أمامه..المؤشرات ..القراءات ..الكاميرات المثبتة فى الأركان وشاشة الكمبيوتر التى تتلقى البيانات اولا بأول ..مد يده الى زر أزرق أمامه ..ضغطه بعزم ليفصل فوراً أجهزة التنفس الصناعى ..اتسعت عيناه وهو يرى الجسد الذى كان ساكنا منذ شهور ينتفض انتفاضة ملحوظة فى أقل من ثانية قبل أن يهمد الى الأبد وتتحرك أجهزة القياس امامه ..تجحظ عيناه ، يرتعد جوفه ..يحاول أن يتحرك فى مكانه ..يضغط على أى زر ..يصرخ حتى ..لم يملك الا إذعاناً كاملاً لسطوة شلل مفاجى ينشب اظافره فى ثنايا عقله .
اما فى الخارج فقد استمر سيل الصور القادمة للجثة وماحولها، والقراءات والبيانات المعتادة تملأ شاشة الكمبيوتر، مما يعنى أن كل شىءتحت السيطرة ..انتهت التجربة..فُتحت المقبرة..كان مكانه..سألوه عما كان ..لم ينطق بحرف، وحتى الآن ماتزال المحاولات جارية معه!

-

الأحد، 7 نوفمبر 2010

رجل بلا زمن


بين يدى اللحظة تتولد الحروف ..يتبعثر الصمت وتتوه الزفرات ولايبقى الا بياض الورق يحتضن عينيك باعثا الدفء فى نظراتك التى طالما ذاقت برودة الثليج وينطلق القلم ..تراه يمضى مهرولا ياتقط من أناملك الأفكار ويترجمها الى مخشاعر تتدفق على السطور ..ترى نفسك مستلقياً فى إسترخاء عذب على الورق تنساب حولك انامل النسيم الناعمة مداعبة وتدور الصور وتنطلق الأنغام وانت بين يدى الصفحات هادىء النفس وقد أطحت بشحنة كانت هناك فوق ثنايا الصدر كالجبال وفى كهوف الرأس كالصخور العالقة بلا حراك فاذا انت قد قلت وقلت وقلت وماأجمل ان تقول ..تنثر أنفاسك ونبضاتك وصحارى وقفار مابرأسك لتدور وتدور وتتشكل بروعة وبهاء كائناً يمتلك القدرة على المحاورة والأخذ والرد عنك ..
بين يدى اللحظة أجلس ..أعاود النظر والتدقيق ..لا أفكر ماذا أكتب أو فى أى شىء يجب أن أقول ..كل ما أفعله هو أن أعانق القلب ..تتحت ذراته وخلاياه بذراتى وخلايا ..تنبض الذرات ..يتشكل النبض حروفاً تلتقطها السطور ولا أفكر فى وضع القلم فمازال بالقلب الكثير ..أتكلم عن اليوم وياله من حديث ..اليوم وليد الأمس وأبو الغد أنظر اليه ..أراه وهو يتجسد شيخاً هرماً يحمل فوق كاهله أعباء تنوء بحملها الجبال ..يكفيه مالدى من العواصف الصاخبة فى أرجاء دماغى والتى رغما ً أهمس فى أذنيها إياك والظهور لعامة العيون ..ثم ذلك الضجيج الهادر فى الصدر والذى أداريه بصمت أحمله كالجبال فوق الصدر ..وأمضى
أقول لليوم إياك أن تفكر فى الإدبار قبل أن توقظ فى العينين بريق ضوء الغد ..على الأقل أوقد شعلة النجوم الى أن يحين الحين وينسل من بين الظلمة شعاع جديد ..يباتسم اليوم عن فم مغلق وملامح يكسوها الغمام ..يهمس وماذا سيفعل النور لأعين لاتراه ؟
أعين لاتراه؟! ..أدور حول الكلمة دهوراً ..هل حقاً النور امامى ولا أراه ؟..أفتش الأفق ..أصعد للسماء ..اهبط للأرض ..الظلمة تدور فى دوائر متداخلة تنداح من حولى ..أحاول أن أثور لا أجد الا همود الجسد وجحوظ العينين ..أبحث عن يومى ..لا أراه ..عن غدى ..عن أمسى ..رجل بلا زمن أنا ..أتدحرج بين الطرقات مرتدياً عباءة الصمت من جديد !