إبتسامة أمى
..............
قصة قصيرة
..............
نوع من الفرح جديد أطل من حدقتي أمى ..كساهما بلمعة متألقة ..أبى أيضاً رأيته حليق الذقن ..يجلس راسماً على شفتيه إبتسامة مرحبة بضيوفه الكرام ، بينما صورة جدى على الجدار جالساً فى إطاره الداكن مفرود الصدر ، مستقيم الطربوش أعلى الرأس ، شاربه يبدو من خلف الزجاج مبروماً على جانبى وجهه ، ونظراته مغلفة بقوة وإعتداد .. تركته رامياً بنظرتى حولى ..أضواء النجفة تهطل من السقف صفراء مشرقة، تتألق على بياض الجدران ، الستائرحرس شرف تقف زاهية حول الشرفة المفتوحة الشيش ، بينما منال أختى هناك بالداخل تعد المشروبات التى ستقدمها للضيوف . همست أمى فى أذنى بصوت يشى بتوترها :-
- أختك تأخرت .
هرولت الى الداخل أبحث عنها ..مرتبكة كانت ..زائغة العينين ..تطل على المرآة مد ققة.. تلمحنى بطرف عينها ..تهمس وهى مازالت تفحص فستانها الجديد وزينتها :- مارأيك ؟
تبتسم عيناى ..أقول بمكر :- رأيي أنا ؟!
تصطنع الغضب ..أتركها الى المرآة ..وجهى يحمل بسمة هائلة ..حافظت عليها لأواجه بها الضيوف .
......
عبر الممر الضيق الواصل بين الغرف الداخلية والردهة الواسعة حيث نجلس والضيوف سارت منال ..مضت كأنما تعبر برزخاً الى ميلاد جديد ..مرفوعة الرأس كانت.. باسمة الوجه ..يمتد شعرها ذيل حصان ناعماً حالك السواد خلف ظهرها..بينما أنوار النجفة تغلف بصفرتها بياض الحوائط ، وطاقم الأنتريه الطوبى ، والسجادة الحمراْء المزركشة بالخطوط والتعاريج الزرقاء ..تحمل منال الصينية وفوقها العصير فى أكواب مزينة الزجاج بفروع الشجر الخضراْء ، ومعها فناجين القهوة المزركشة بماء الذهب ذات الوجه الثقيل الذى يدل على تمرسها ومهارتها ..تقدمت الى أم العريس وخداها يلتهبان إحمراراً ..لاقتها المرأة ببسمة حانية وحملت أقرب الأكواب اليها ..تركتها الى والده الذى هش لها :- مرحباً بعروس إبنى ..أرخت جفنيها ستاراً يخفى ماأعتراها ..استدارت الي العريس ..تلا قت الأعين فى نظرة ذات مغزى ..جفلت واهتزت الصينية بين يديها ..هب لمساعدتها.. تلامست الأيدى ..إزداد ارتعاد الصينية ..فرت الى أمها ..جلست تحت جناحها مرخية أهداباً ترقب من تحتها مايجرى .
.......
رأيت عينى أمى تتألقان ..ترفع يدها أعلى فمها وتطلق زغرودة مدوية ..مشرقة الوجه كانت بعد قراءة الفاتحة وتحديد موعد العرس ..شفتاها تُنغّمان الزغرودة ووجهها رغم التجاعيد يتفتح عن سعادة وهى تطيل وتمد فى صوتها ..تشاركها أم العريس بزغرودة أكبر ..أحدق فى الشرفة التى تعمدت أمى أن تتركها مفتوحة ..مؤكد الجيران الآن يتحرقون شوقاً لإنتهاْء الزيارة كى تأتى وفودهم للتهنئة ..أتطلع الى صورة جدى على الجدار ..يقولون أن الموتى يحسون بالأحياء ..ترى ماشعورك الآن ياجدى؟ .. بدأت عبارات المجاملة تنتقل كطيور مرحة بين الشفاه ..فجأة وسط هذا سقط أبى ..رأيته يميل على جانبه الأيسر فاقداً القدرة على الحركة، ناظراً الينا بعينين متسعتين تشعان ببريق دهشة ..غطت وجه أمى صفرة..تصلبت قسماتهاوهى تهرول اليه ..تنسى الفرح والضيوف وتحدق فى عينيه هامسة بصوت كأنما يصدر من غور عميق :- مالك؟
وهو يبادلها النظر مذموم الفم.
..................
كما أمرتنى أمى وقفت أمام الباب أستقبل المدعوين..أقودهم الى الداخل حيث عرس منال ، بينما أمى هناك فى كل مكان ..تشرف على كل مايجرى حولها فى تمرس شديد..كانت قد رفضت الغاء الموعد الذى تم الإتفاق عليه ..أصرت أن يتم العرس قائلة أنها لن تخلف وعداً قطعه المرحوم والدى ..تذكرتها قبل الحفل بأيام وهى تتحدث الّى ..كان وجهها غير الوجه الذى أعرفه وكلماتها غير الكلمات التى تعودتها . حدقت فى عيّنى وهى ممسكة بيدى بين كفيها فى قوة وهى تقول
- :- لقد كبرت الأن ..صرت رجل البيت ..هل تعى ماأقول ؟
هززت رأسى ..نعم ..وقلبى يرفرف داخل صدرى بقوة ..أردت أن أقول شيئاً ..لم أجد بين شفتى حروفاً تصف مابى ..تريدنى كبيراً..كيف ، وماذا أفعل..همست ببطء :- ماذا أفعل لأكون كبيراً ؟
قطع أفكارى قدوم العروسين والضجة التى ثارت حولهما ..درت أصّور تلك اللحظات بالكاميرا ..الشاب الذى حمل مديتين وأخذ يرقص بهما وسط الزفة ..تصفيق الآخرين ..زغاريد النساء ..السعادة التى تغلف نظرات منال وعريسها، بينما أمى هناك تتابع عيناها مايجرى حتى اذا جلسا فى الكوشة تنهدت بعمق ملقية بجسدها على مقعد قريب .
تركتها اليهما ..الورود يانعة حولهما ..الأنوار خلفهما على هيئة قلبين
يضمان مقعديهما، وأمامهما الموسيقى والغناء.
استدرت لأمى أسألها أن تأتى ..أريد تصويرها معهما ..كانت تبكى ..إرتعدت الكاميراً فى يدى ..لأول مرة منذ وفاة أبى تفرج عن دموعها ..تترك لها العنان لتنطلق سهلة على ثنايا وجهها دون أن تفكر فى ملاحقتها، أو اعتقالها قبل أن تفكر فى البزوغ كما كانت تفعل .
أدرت الكاميرا اليها .. انتبهت لى ..من بين الدموع بزغت بسمة صغيرة حيية أضاءت وجهها كأنما هى نهار صحو بهى الطلعة ، يطل حيياً من خلف أستار الليل مؤذناً بزوال الظلمة..شد نى المنظر ..التقطت الصورة ..بعدها حين طبعت الفيلم تأملت بسمتها بشغف .
والى الآن أنتقل من صورة الى أخرى متعجلاً، لكننى دائماً أقف أمام هذه الصورة بالذات ، ألبس نظارتى ذات العدسات السميكة لأراها بوضوح وعادة كلما نظرت اليهاأسأل الله لها الرحمة و أسألها جاداً ..ماذا أفعل لأكون كبيراً ؟..ورغم الشجون أبتسم .
