أزمة مرور
قصة قصيرة
فى شارع أبى قير توقف الزمن ..شد لجام حصانه ووقف عاجزاً عن المرور ..السيارات متلاحمة سلحفائية الحركة ذات أبواق تنهش الآذان ..الأرض تتلوى من السنة اللهب المنصبة من فوهة الشمس ..البيوت على الجانبين معتمة المداخل مغلقة الشبابيك والشيشان وجوهها مقطبة الملامح بلونها الأصفر الكابى .
تتحرك السلحفاة قليلا ناقلة قدماً الى الأمام وأخرى الى الخلف ..يتصاعد أنين الأرض ..تزأر الأبواق صانعة مهرجاناً من الضوضاء.. تتغيرملامح الطريق فعلى اليمين يتمطى مبنى مستشفى جمال عبد الناصربلونه الأبيض، فارداً ذراعيه العملاقتين بغطائهما الأسمنتى نحو السحاب ، اما الحديقة الخضراءأمامه ببعض الأجساد المسترخية على إخضرار عشبها فهى فى حلمها الزاهى بعيدة عما يجرى، وعلى اليسار تقف كلية الهندسة بهيكلها الفرعونى العتيق شامخة، تنظر الى ذات المكان من علٍ ..تنطلق من سيارة فيات قديمة الطراز لعنة على ذلك الزحام الذى يشوه هدوء ونقاء الأسكندرية فى مثل هذا الوقت من كل عام ..يجاوبه فوراً من سيارة مرسيدس حديثة أغنية غربية الايقاع تشد الأعين بصراخها المتكرر..ترتفع من عربةbmw تقصد الاتجاه المعاكس أغنية تبدو كأنها تسجيل لمعركة شعبية استخدمت فيها الموسيقى ،وأكتفى ببعض الحروف عوضاً عن الكلمات ..ينطلق آذان الظهر من مسجد المواساة القريب ، تصارعة الأبواق الهادرة ، تتلوى رأس السلحفاة وهى تفكر بنقل قدمها من جديد .على الرصيف فى منتصف الطريق تبدو إمرأة أكلتها السنون ، مكللة الرأس بغطاء أسود مثل ثوبها الذى ينتهى الى حذاء عرك جلده الحياة ..تتحرك المرأة رغم ثقلها بوجهها المغطى بماء العرق المعجون بالدموع أسرع من السلحفاة ، منادية بصوتٍ مشروخٍ :- ياسيد
تبتلع هوجة الأصوات صوتها وهى تمضى مصرة على السير رغم مشاقه ، وعلى النداء رغم خفوت صوتها ..تقل حركتها رويداً ويخفت الصوت الى أن يصير همساً قبل أن تتوقف تماما ، وتبدأ مرحلة الهبوط الاضطرارى الى أسفل وهى تفتح فمها دون صوت منادية فى اصرار :- ياسيد
بينما السلحفاة على مهل تمد قدما للأمام وأخرى الى الخلف، وهوجة الأصوات هادرة ، والآذان يرتفع الى السماء عالياً :- الله اكبر الله اكبر
وعلى الرصيف الذى يتوسط الطريق جسد إمرأة مازال ينبض بنداء لايسمع :- ياسيد
ولامجيب.