فى حضرة الغائب 3أقاصيص
(1)أزمة مرور
فى شارع أبى قير توقف الزمن ..شد لجام حصانه ووقف عاجزاً عن المرور ..السيارات متلاحمة سلحفائية الحركة ذات أبواق تنهش الآذان ..الأرض تتلوى من السنة اللهب المنصبة من فوهة الشمس ..البيوت على الجانبين معتمة المداخل مغلقة الشبابيك والشيشان وجوهها مقطبة الملامح بلونها الأصفر الكابى .
تتحرك السلحفاة قليلا ناقلة قدماً الى الأمام وأخرى الى الخلف ..يتصاعد أنين الأرض ..تزأر الأبواق صانعة مهرجاناً من الضوضاء.. تتغيرملامح الطريق فعلى اليمين يتمطى مبنى مستشفى جمال عبد الناصربلونه الأبيض، فارداً ذراعيه العملاقتين بغطائهما الأسمنتى نحو السحاب ، اما الحديقة الخضراءأمامه ببعض الأجساد المسترخية على إخضرار عشبها فهى فى حلمها الزاهى بعيدة عما يجرى، وعلى اليسار تقف كلية الهندسة بهيكلها الفرعونى العتيق شامخة، تنظر الى ذات المكان من علٍ ..تنطلق من سيارة فيات قديمة الطراز لعنة على ذلك الزحام الذى يشوه هدوء ونقاء الأسكندرية فى مثل هذا الوقت من كل عام ..يجاوبه فوراً من سيارة مرسيدس حديثة أغنية غربية الايقاع تشد الأعين بصراخها المتكرر..ترتفع من عربةbmw تقصد الاتجاه المعاكس أغنية تبدو كأنها تسجيل لمعركة شعبية استخدمت فيها الموسيقى ،وأكتفى ببعض الحروف عوضاً عن الكلمات ..ينطلق آذان الظهر من مسجد المواساة القريب ، تصارعة الأبواق الهادرة ، تتلوى رأس السلحفاة وهى تفكر بنقل قدمها من جديد .على الرصيف فى منتصف الطريق تبدو إمرأة أكلتها السنون ، مكللة الرأس بغطاء أسود مثل ثوبها الذى ينتهى الى حذاء عرك جلده الحياة ..تتحرك المرأة رغم ثقلها بوجهها المغطى بماء العرق المعجون بالدموع أسرع من السلحفاة ، منادية بصوتٍ مشروخٍ :- ياسيد
تبتلع هوجة الأصوات صوتها وهى تمضى مصرة على السير رغم مشاقه ، وعلى النداء رغم خفوت صوتها ..تقل حركتها رويداً ويخفت الصوت الى أن يصير همساً قبل أن تتوقف تماما ، وتبدأ مرحلة الهبوط الاضطرارى الى أسفل وهى تفتح فمها دون صوت منادية فى اصرار :- ياسيد
بينما السلحفاة على مهل تمد قدما للأمام وأخرى الى الخلف، وهوجة الأصوات هادرة ، والآذان يرتفع الى السماء عالياً :- الله اكبر الله اكبر
وعلى الرصيف الذى يتوسط الطريق جسد إمرأة مازال ينبض بنداء لايسمع :- ياسيد
ولامجيب.
(1) اللوحة
فى وقت الظهيرة والشمس مستلقية على عرش السماء، متمتعة بصب نارها على الرؤوس، وشارع الرحمة المجاور- طولياً- لسور مقابر عامود السوارى يموج بالحركة، مابين غدو ورواح أو ثابت مكانة لايمتلك الرغبة فى الحراك ..هدأت الحركة رويداً ..صمتت الأصوات ،وبدا المشهد المتحرك يتحول الى لوحة ترابية اللون ،على يمينها منازل متهالكة ، مداخلها الواسعة مفتوحة على مصراعيها ، تجرى أمامها فى تدفق صامت مياه المجارى الطافحة من البالوعات أو المواسير المكسورة هنا أو هناك، تجلس بالقرب منها وأمام الأبواب نسوة بدينات بأثداءٍ مدلاة من وراء ملابسهن الكاشفة كالقرب على بطونهن، ذوات وجوه أكل عليها الدهر، ينظرن أمامهن ولايبدين مالديهن من مهارات التوغل بالألسنة والإشارات فى الوان وفنون السباب ، ربما بسبب حرارة الجو وربما بسبب همود طارىء على الأرواح الجم الألسنة ..وبين البيوت وعلى مسافات متباعدة بعض حوانيت وورش يعمل داخلها من يعمل، ويجلس على باب بعض منها معلم أو صاحب ورشة ،ومبسم الشيشة لايفارق فمه دون أن يصدر صوتاً أيضا .. فى الناحية اليسرى من الشارع السور الحجرى لمقابر العامود، يمتد الى الشارع الرئيسى الكبير المواجه لشريط الترام فى منطقة البياصة ، وقد رصت على حجارته المتآكلة ورش وحوانيت أخرى ، فمرة ترى ورشة اصلاح دراجات وقد علقت على بابها قطع غيار عديدة، ومرة ترى شادر من القماش يحجز الخراف والماشية، ومرة ترى مقهى مقام تمتد مقاعده وموائده أمامه بلا حدود..والكل فى تلك اللحظة من الظهيرة قد أكلهم الصمت يميناً وشمالاً، أما فى نهر الشارع فقد انعدمت حركة الأرجل، وهى عادة إما جنازة متحركة وصرخات تهز الجدران ، أو خطوات السكان أنفسهم تقطع الحفر والمطبات على مهل ...ساد اللوحة الصمت لحظات قبل أن تقطعه صرخة أنثوية حادة مزقت السكون، وأعادت الحركة الى الوجوه فاستدارت الى مصدر الصوت، لترى إمرأة مهوشة الشعر حافية القدمين ممزقة الثياب تهرول ،غير مبالية بلسع الأرض لقدميها الحافيتين ولا لنظرات الذكور اللزجةالتى ترامت على ماظهر من جسدها وهى تصرخ :- يامحمود
تقع على الأرض ..تتعثر فى حجر ..تهب من جديد ..تصل الى باب المقابر الحديدى الصدىءعلى شريط الترام ..الباب مفتوح على مصراعيه انتظاراً للموتى والأحياء ..يمنعها الحراس من الدخول..تمسك الحديد الصدىء ..تنادى من خلف خطوطه المتقاطعة :- يامحمود
يهز صراخها اللوحة..تتبعث الأصوات والحركة عبر أرجائها..يعلو صوت أبواق السيارت المارة ، ويتعالى ضجيج وسباب النسوة المتربعات على الأبواب، وتكركر المياه فى القلوب الزجاجية للشيشة هنا وهناك ، ويغمز أحدهم لفتاة مارة ـوتأتى على البعد صرخات جنازة قادمة ، بينما المرأة تبتعد فى بطء محنية الرأس نازفة العينين ، تسير على جمر الأرض وصوتها الواهن ينادى :- يامحمود
(3) مغادرة
إهتزت عربات القطار بفعل تشغيل المحرك الرئيسى..الرصيف المزدحم بالأرجل إضطرب ..إحتضن أحدهم الآخر مودعاً وهو يهمس فى أذنه موصياً ..قبّل آخر طفلًا صغيراً تعّلق برقبته باكياً رافضاً أن يدعه يمضى..أشارت سيدة ذات معطف أسود يمتد بامتداد براح جسدها السارح الى ماتحت ركبتيها بيدها المغضنة ذات العروق النافرةلآخر يتحرك بظهره ناحية القطاروهو يرمقها من خلف سحابة المياه المتجمعة فى مآقيه الشابة ،مصّراً على عناق النظرات لآخر مدى ..وقف الى جوارباب المقطورة الأولى شاب نحيل القوام مثلث الوجه له عينان عميقتا الغور شديدتا سواد الحدقات محاولاَ التماسك،وكفاّه ملتصقتان بكفىّ فتاة عسلية العينين شعرها الأسود منكفىء على ظهرها ،وهى تحبس دموعها بالكاد وتتحدث بسرعة غير مبالية بألم كفيها من اعتصاره لهما، وعلى باب المقطورة الأخيرة كانت إمرأة بجلباب باهت الإخضرار تنزل طستاً من الألمونيوم كبير، به جبن وزبد وبيض من فوق رأسها وتدفع به الى الباب المفتوح، طالبة ممن حولها أن يساعدوها لدفعه ناحية الباب المغلق فى الجانب المقابل،وخلفها طالب يحمل كتبه مغادراً الى كليته ..وبين المسافة بين المقطورة الأولى والأخيرة تقريباً وعلى مقعد من المقاعد الحجرية المنتشرةعلى الرصيف كانت إمرأة ترتدى جلباباً أسود يعلوه غطاء رأس بذات اللون به ثقوب ،ينفر من بينها شيب شعرها الناصع البياض وقد التصق بعضه بجبهتها بفعل العرق المعجون بالدموع السارح عبر مسام جسدها واخزاً، وهى جالسة مربعة الساقين تنظر أمامها الى حيث لاتدرى ،منادية من خلال الدموع وارتجافة الصوت:- ياسيد
والأقدام حولها تسعى ..أطلق القطار صفيره مؤذناً بالرحيل ..ترك أحدهم معانقه وصعد لأعلى ..فك آخر يدّى صغيره من رقبته وسلمه لأمه مودعاً ..أدارت المرأة ذات المعطف الأسود ظهرها للقطار وأفرجت عن دموعها ،مسلمةّ إياها لمنديل حريرى صغير أودعته يدها اليمنى ..ودع الشاب النحيل الفتاة بمزيد من الضغط على كفيها ..وقفت المرأة ذات الطست محاولة الألتصاق بالباب المغلق خوفاً من كلمات مفتش القطار ..أخذ الطالب ركناً بعيداً أسند ظهره اليه وكتبه فى يمينه وعينيه على وجه فاتنة تجلس أمامه ..تحرك القطار مغادراً
ظلت المرأة ذات الجلباب الأسود مكانها على المقعد وسط الرصيف الذى خلا من الناس على المقعد الحجرى تنظر أمامها بذات النظرات التائهة من خلف الدموع المعجونة بالعرق وهى تنادى بصوت مشروخ :- ياسيد