الخدعة
قصة قصيرة
تتحرك الجياد فى خيلاء وسط الدور ..لأقدامها وقعٌ محبب للأذان ..فوقها ملابس مزركشة ذات الوان تشد الأعين ..داخل الملابس أجساد متصلبة على أوضاع بعينها لاتتغير ..بعضها يحتفظ ببسمة يسيرة على شفتيه بينما السلاح على كتفه فوهته مصوبة الى عين الشمس..بعض آخر يرفع رايات بيضاء عليها خطوط حماسية حمراء وسوداء تتحدث عن طلب الثأر وحتمية إدراكه وقسوة الإنتقام بينما أعينهم تموج بالضحكات والفرح للهتافات الصاخبة المصاحبة للركب فى سيره خارجا ً نحو الصحراء .
يركض خالد منسّلا خلف ظهور القوم الوقوف على طول الطريق، متتبعاً الرايات وهى تمضى محلقة فوق الرؤس، والجياد بخطوها المنغم الرشيق ، بينما الهتاف يهز الدور والجدران مشيداً بالركب.. يحاذي حصان كامل القائد صارخاً :- عم كامل ..خذنى معك ..قد تحتاجنى تحولت الإبتسامة التى نسيها كامل على شفتيه الى عبوس لحظى إنطوى فوراً ليخلف نصف إبتسامة على شفتيه ..قال من عليائه:-
- انها معركة كبار يابنى
الّح خالد :- ربما تحتاجنى
تحولت نصف البسمة الى عبوس جديد واجه الفتى المهرول خلفه :- -- عندما تكبر قليلا ..سنرى
واندفع والجياد حوله الى قلب الصحراء .
--------------------------
رأى الفتى الركب يغيب عن عينيه.. تابعهم وهم يتغلغلون فى بحر الصحراء ..يغوصون فى رماله الى أن تبتلعهم المتاهة، فلا يبدو منهم الا نقاط سوداء مالبثت أن إختفت، مخلفة وراءها لهفة تشتعل نيراناً فى قلبه ..هرول الى داره ..رمق عينى أبيه على الجدار ..عيناه واحتان للدفء ترنوان اليه :-
-مالك ياخالد ؟
يقبض كفيه بقوة :-
- أريد أن أثأر لك ..أحمل السلاح ..أحارب كما حاربت ..أصحب كامل
ينتفض وهو يشعر بثقلِ يدٍ لطيفٍ توضع على كتفه ..يسرى دفء الحنان فى بدنه وخاطر سريع يملأ رأسه هاتفاً أن هذه يد أبيه وحنانه ..هو يعرفها ..بُعث ليهبه بركاته ..إستدار مرتعداً ..رأى يد أمه ..روضة من حنان تضمه :-
- أوحشك أباك ؟
يرمق الشريط الأسود على الإطار المذهب الجديد ..تأخذه عاصفة اللهفة الى أبيه فى مدارها ، يمضى معها كقشة بلا حول محدقاً فى عينى أبيه هامساً لأمه :-
- أحكى لى ياأماه عنه
تبتعد عن مرمى نظراته بوجهها، محاولة إخفاء ماأعتراها من إحساس جارف بثقل ماتحمله من أسرار أبيه ..أشياء كثيرة تود البوح بها له هو بالذات ،لأنه الولد الذى جاء ليحمل عبء الثأر ويحقق ثورة الانتقام ..تطول اللحظات وهى مستترة خلف جدران الصمت ..يتركها الى دولاب أبيه ..البندقية وسط ماحولها شهادة من الشهادات أو صورة من الصور ..حدق فيها ..بدا له والده وهويحملها تاركاً القرية وحده ، بعد أن رفض كامل مرافقته ، قائلاً أن معه مايكفى من الرجال المدربين، محذراً أنه لو وافق على مرافقته- وهو الوحيد من القرية الذى تجرأ وطلب هذا- فسوف يقلده الكثيرون وتصبح القرية عند خروجهم بلا رجال !
تراود خالد صورة أبيه وهو يمضى وحده، مصرّاً على مجابهة العشماوى اللص مع كامل أو بدونه، حاسماً أمره على مواجهة الخطر بدلا من أنتظار ضرباته الخسيسة وسط الظلام، ثم ذوبانه فى بحر الصحراء المترامية خلف تخوم القرية ..تهتز المرئيات أمام عينى خالد وهو يتذكر عودة والده محمولاً على الأعناق شهيداً بيد العشماوى كما قيل ..يمد يداً متحفزة الى البندقية ..علّمه والده كيف يروضها ..يقود زمامها ..لاخوف عليه منها ..يقبض عليها بقوة .. تراه أمه ..ترمى أفكارها بعيداً وتهرول اليه محاولة سحبها منه ..يبعدها عن يدها بحزمٍ ويتحرك الى الطريق ..تطلق صوتها خلفه :-
- الى أين ؟
يقول دون أن يستدير اليها :-
- سأنضم لكامل وأثأر لأبى
---------------
تعلم القرية كلها موعد خروج كامل ورجاله ..تحتفل به ..تتسع القلوب الصغيرة لدهشة بريئة وهى تراه يعشق الخطر ..يجمع حوله شوارب لها مقام فى البلد ..تعلوها نظرات محلاة بالعزم والتصميم على قتال العشماوى اللص قاطع الطريق ساكن الصحراء مروع المسافر والمقيم ..تجمع القرية ساكنيها إحتفالا- فى كل مرة- بالخروج ..تقف لتحيتهم والهتاف لهم وتوديعهم حتى مشارف الصحراء، فى يوم أصبح مع التكرار عيدًا ينتظره الجميع، ويؤرخون به لحياتهم، فهناك الخروج الأول وماجرى قبله وماحدث بعده ،والخروج الثانى والثالث وهكذا ، وفى كل مرة تنتظر القرية عودتهم بأمل القضاء على العشماوى اللص، وتقتنع بكلامهم المتكرر أنه كلما سمع بخروجهم يذوب وسط الصحراء كالسراب ..يذهب المال والعتاد من كل دار الى كامل ورجاله برضا الجميع ،يسألونه أن يعاود الخروج لعله فى المرة القادمة يتمكن من القضاء على اللص اللئيم .
فى المرة الأخيرة تابعهم خالد حتى مشارف الصحراء ..رأى الشمس تصب نارها على الأرض فيتوهج رملها ذهباً ، ويسير الركب وظله يتعقبه على وقع خطوات الخيل المتناغمة التى تملأ النفوس رهبة وروعة فى ذات الوقت ، بينما الرايات ترفرف مزاحمة السحب فى السماء ..تابعهم وهم يتناؤن وتصغر صورتهم الى أن صاروا نقطة سوداء مالبثت رمال الصحراء أن ابتلعتها..لحظتها تأججت النيران أكثر فى جوفه ..حدق فى وجه الشمس حانقاً ..لن يظل محتمياً بحضن أمه وهم هناك يحاربون ..سيمضى اليهم حتى لو رفض الجميع وجوده..أحضر بندقية أبيه ومضى.. أوقفه سؤال :- ولماذا يسير وحده بدون أصحابه ؟ سار اليهم ..لفهم النهار بعباءته البيضاء راضياً وهم يتحاورون ..قال أحدهم :-
-الصحراء شاسعة ..اللص يذوب كالسراب
قال خالد :- لذا فجماعة كامل وحدها لن تكفى
قال آخر :-
- وهل نصمد له ؟
رد خالد :- اذا كنا رجالا وقلوبنا متحدة
إقترح ثالث :- نكّون مجموعة
ارتفع أكثر من صوت :- نكّون مجموعة
هللت الشمس فى مدارها مطلقة مزيداً من النور الى مشارف الصحراء
---------------
بدأت الأقدام الشابة تدق الأرض..تخترق صمت الصحراء.. بينما الدقائق تتحول الى ساعات سلحفائية تتحرك بالكاد على الرمال ..رأى أحدهم بناء على البعد ..زحفت الأقدام المتعبة اليه ..يقف بمفرده وسط التيه الأصفر بلونه المائل الى السواد ..أبوابه مغلقة على أسراره ، ولا سبيل الى ولوجه أو معرفة مابين أضلاعه ..بدت لهم بعض نخلات ممتدة بمحاذاة السور كأنها حرس أخضر يحيط بالمكان، يقاوم تسلط الوحدة وطول الصمت ..وقفوا مغلفين بالحيرة لحظات قبل أن يقرر أحدهم صعود نخلة لمحاولة كشف ماخلف السور ..هزوا رؤسهم المرهقة موافقين ..بجسد مدرب امتطى الساق السامقة الى السماء ..وصل الى أعلاها ..من بين الفروع أرسل بصره لأدنى ..ارتد البصر فزعاً وقلبه يكاد يثب من جوفه ، وهو يشير بيده ويهمس بصوت مبحوح:-
- كامل والعشماوى معاً ..الرجال كلهم معاً !
يكررها وهو يدير وجهاً تائه النظرات بين الوجوه .