تحية وسلام

تلك كلماتى بين يديك ..انظر ..دقق ..ستجد عبر الحروف نبضات تعلو معطرة بالحب ..تطلب السلام ..ترجو الوفاق ..المشكلات سوء تقدير مشترك بين اثنين او اكثر ..الحب كلمة ..وربما كان نظرة ..او هو لحظة صمت تجمع بين اثنين ينعمان بالدفءوحرارة الامن ..تفضل ..اقرأنى ..بكل الحب استقبلك ..ومتى ما اردت المغادرة لك منى ايضا كل الحب ..وسلام ...محمد عباس على

الاثنين، 10 مايو 2010


مراسم قتل الكلمات
----------------




قصة قصيرة
----------





أرسل المستشفى خطابا الى البيت .
تسلمت الخطاب بصفتى الأخ الأصغر للمريض .
كانت بداخله كلمتان لاغير ..(صالح مات )!
وضعته فى جيبى وسرت الى الأمام ..أوقفنى طفل من أطفال الحارة التى نسكن فيها .سألنى :- كيف حال عم صالح ؟
شعرت بفداحة الخسارة وقسوتها ..بكيت !
---------------------
حينما أنهيت الى أمه الخبر احتقن وجهها بالدماء ..غالبت بركانا من المشاعر يجتاحها ،غير أن عينيها كانت ترميان بالحمم ،تصرخان بكل ما أبت أن تفرج عنه الشفاه . ظلت تغالب نفسها زمنا ،ثم لم تستطع الاستمرار فأخذت تطلق آهات مكتومة ، تبعها نشيج أخذ يتدرج فى الارتفاع الى أن انطلق لسانها :-
- هو الذى تبرأمنكم ..ومضى !
تقصدنى واخوتى ..لم أشأ الرد عليها ، ولم أكن أملك الرد ،اذ كنت أراه امامى أينما وليت وجهى ببسمته الواثقة، وعينيه الهادئتين بحدقتيهما اللامعتين . دائما كانت تشدنى حدقتاه بلمعتهما التى
تثير الانتباه ، وكذلك كلماته المتحمسة القوية التى لاتعرف الخفوت ، بنبراته الواضحة وحسن نطقه للحروف ، واحاطته علما بما حوله كأنه خلق ليعلم ويعّلم من حوله ولايبخل على احد بما لديه ، بل ربما لأنه يشعر بداخله أنه كبير كان يعطف على كل من يراه ، يفيض
حنا نا على الصغير والكبير، لايغضب ولا يثور ، ولاحتى يرد بعنف . كل ماكان يفعله أن تزداد لمعة عينيه وتزداد ابتسامته رحابة ويفيض نهر حدبه بكلماته السمحة او صمته المديد .
صرخت فى وجهى :- أضعتموه بجهلكم
كلماتها تقطر دمعا على الفقيد ..مددت يدى أضمها الى صدرى ..أزاحتها بقسوة وأشاحت بوجهها وهى تواصل النشيج ..همست وأنا أركز عينى فى عينيها :- هل كان بيدنا شىء ؟
أدارت وجهها عنى ولم ترد ..تركتها الى الطريق .
----------------------
قال أبوه حينما ذهبت اليه فى المقهى:- كنت أرجوه ليوم قادم
أردت أن أقول ..(نحن أيضا أبناؤك ) ..غير أن شعورا بالتقازم ملكنى حين أردت مقارنة نفسى به .. أدرت وجهى فى أنحاء المكان .. الصخب يحتل المقاعد والأركان ، الدخان ركام فوق الرؤس ..عدت اليه .. يجلس وحده فى ركن قصى .. يتجمل بالصمت .. عيناه ساكنتان ، فيهما دمع يتأرجح على الحدقتين.
هززت رأسى ..ماجدوى البكاء ؟
لاحت لعينى عينا صالح ..كيف لم أعرفه كما ينبغى ؟
همست متسائلا :- كيف دخل المستشفى ؟
كان والدى صامتا ، وكان الصمت الساكن ملامحه أبلغ حديث استمعت اليه ..ارتفعت أصوات اللاعبين من حولنا ..أشاح بيده وهو يدير رأسه فيهم ..(أصواتهم عالية ..حتى فى اللعب )
وهب واقفا ..مضى أمامى الى طريق الكورنيش حيث حديث الرياح وصرخات الموج وأبواب السماء المفتوحة على مصراعيها .
كان الصيادون على الرمال يرتقون شباكهم ، بينما مراكبهم الصغيرة تتأرجح على الموج أو تسكن أحضان الرمال .
ظللت سائرا الى جواره محترما صمته منتظرا أن يتكلم حين يريد ..أخيرا استدار الىّ :-
- على هذا الشاطىء كان أخوك يسير عائدا الى البيت قادما من المدرسة التى يعمل بها حينما لاحقته عربة التليفزيون
انتبهت حواسى اكثر ..كان صوته منخفضا هامسا كأنما يحادث نفسه ..خشيت أن اطلب منه رفع صوته قليلا فأقطع عليه استرساله ..أكمل :-
- تركت العربة الصياين والمارة وتركت المتابعين والمشاهدين وكل أصناف البشر وقصدته هو ..قال للمذيع اللحوح ..لا أريد الزيف .
سأله :- لماذا ؟
رد عليه :- لكم دنياكم
الّح المذيع :- برنامجنا نوع جديد من البرامج يعتمد على تلقائية الضيف ورؤياه ..نقد ..تشجيع ..شجب ..الخ ..يقول مايشاء فى حدود العرف طبعا
صمم صالح :- لى دنياى
اندفعت أقاطع والدى :- ولماذا رفض صالح الحوار ؟
حدق فى عيّنى طويلا ..رمادية حدقتيه المنطفئتى الوميض ، وقسماته التى تكرمشت أسفل العينين وفوق الخدود الجمتنى ..أشاح بيده أخيرا وقال كأنما يحادث نفسه :-
- ربما كان يشعر بما سيجرى
وأكمل :- كان الناس قد اجتمعوا ..فوجىء صالح بهم ينضمون
للمذيع ويلحون عليه ..لفت الجمع انتباه الأمن ..
حاصروا المكان ..عرفوا السبب ..انضموا للمذيع
والناس ..اضطر أن يمسك الميكروفون .
اندفعت أسأله :- ماذا قال ؟
أكمل كأنه لم يسمع سؤالى :-
- أمسك الميكروفون وبدأ الكلام
قلت بسرعة :- وماذا حدث ؟

دون أن يبدو عليه انه يسمعنى أو يشعر بوجودى أكمل :-
- انقلبت الدنيا على التليفزيون والبرنامج والمذيع .
اجتمعت لجان وقيلت أراء ..وفى النهاية صدر قرار..( هذا الشخص عاطل ..حاقد ..رافض تقدم وحرية البلد )
اندفعت مقاطعا أبى :- لأنه تكلم ؟
ضحك بغم ولم يرد ..كان الرزاز المتطاير يصدم وجهينا ، ورائحة اليود العتيدة التى اختفت زمنا تبعث من جديد وعلى استحياء فى أنوفنا .
توقف ليحدق فى عينى وأمسك بكتفى هامسا :-
- بدأ الناس يكررون كلامه ..صدر قرار جديد
بالزامه الصمت
ارتجفت حروفى وأنا أتساءل :- تقصد قتله ؟
ارتفع صوته ليختلط بهدير البحر وصخب الموج ويندفع سابحا الى رحابة السماء :- القتل سيصوره بطلا ..لابد من تصرف آخر ..وقد حدث.
--------------
ذهبت وأبى الى مستشفى المعمورة للأمراض النفسية والعصبية ..لم أكن أعرف الا مايتناقله الناس من أنها مأوى المجانين ..كان الطريق اليها مرصوفا والعمارات المرتفعة تنشأمن حولها والمنطقة تعمر ..المستشفى نفسها هادئة ولم أر عند دخولى ووالدى الا عيونا تحمل تساؤلات ..أطلعنا المسئول هناك على الجثة ..أدار أبى وجهه رغما عنه ، أما أنا فقد اندفعت أحدق فى الوجه السابح فى ملكوت الموت ..مددت يدى أتحسس قسماته ..رغم برودة جسده شعرت كأن تيارا كهربيا أصابنى ..تيار كهربى سرى من قسماته عبر أطراف أصابعى ليغمر جسدى كله ، وشعرت بخلاياى تتبدل وبلا تدخل منى أو رغبة رأيتنى أتشبع به ..أشعر بتدفق روحه فى مسامى وعبر أوردتى وشرايينى وانا أحدق فى ملامحه ، ولا أملك أن أرفع يدى عن قسماته .