
مَالِك صَوْت
قُصَّة قَصِيْرَة
(1) الْشُّرْفَة
لَايَعْرِف مَحْمُوْد مَّاالَّذِى جَرَى لَه بِالضَّبْط ، شَىْء غَرِيْب يَحْدُث ، يُحَاوِل تَفْسِيْرِه ، دُوْن جَدْوَى ، فَالْمَكَان الَّذِى عَاش فِيْه حَيَاتُه - ذَلِك الْسُّوْق بِكُل ضَجِيْجِه وَنَاسُه وَأَحْدَاثُه - صَار الْآَن لَايُطِيقِه .!
يَقِف فِى شُرْفَة شُقَّتِه لِيُطِل – كَمَا كَان يَفْعَل مِن قَبْل – عَلَى الْسُّوْق ، وَبَائِعِيْه ، وَزَبائِنّه ، ومِيْكرُوفُوِّناتِه ، وَمُحَالُه ، فَلَا يَمْلِك الْصْبَر عَلَى طُول الْنَّظَر ، أَو مُحَاوَلَة الْتَّمْيِيْز بَيْن أَصْوَات الَمِيْكرُوفُوِّنَات وَأَنْوَاع الْبِضَاعَة الَّتِى يُنَادَوْن عَلَيْهَا ،فَيُهَرْوِل الَى الْدَّاخِل مُغْلَقَا خَلْفِه الشِّيْش وَالزُّجَاج ، وَيَشُد الْسِّتَارَة أَيْضا .
تَسْأَلُه مِرْفَت زَوْجَتِه عَمَّا بِه ،يُشِيْح بِيَدِه فِى مِلَل وَلَا يُرَد ،تَمْضِى الَى الْشُّرْفَة لَاعْادَة فَتَحَهَا ،يَصْرُخ فِيْهَا الَا تَفْعَل ، تُحَاوِل كَعَادَتِهَا مُجَادَلَتِه وَالْصُّرَاخ فِى وَجْهِه ،تَقُوْل أَن الّصَالَة مُظْلِمَة فِى عِز الْنَّهَار ،يُنِيْر الْمِصْبَاح الْكَهْرُبِى فِى صَمْت وَيَعُوْد لِمَكَانِه ،يَلْبَس نَظّارَتُه وَيُمْسِك بِالْجَرِيْدَة مَخْفِيّا وَرَاءَهَا بُرْكَان مَشَاعِرَه .
(2) الْقَاتِل وَالْمَقْتُوْل
حِيْنَمَا حَكَت مِرْفَت الْحِكَايَة لِأُمِّهَا تَبَسَّمَت الْمَرْأَة الْعَجُوْز ، هَمَسَت لِابْنَتِهَا :- يُرِيْد الِانْفِرَاد بِك ..أَشَاحَت بِيَدِهَا مُعْتَرِضَة :- فِى عِز الْنَّهَار ،وَالْأَوْلَاد حَوْلِنَا !؟ ..سَأَلْت الْأُم :- اذُن مَاالأَمر ؟.. حَكَت مِرْفَت لِأُمِّهَا عَن الْمَعْرَكَة الَّتِى حُدِّثْت فِى الْسُّوْق ، بَيْن سَلُّومَه الْعَاصِى بِائِع الْفَاكِهَة وَالضَانّى زَمِيْلُه وَجَارِه فِى الْفَرْش الْمُجَاوِّرُّلَّه ،وَكَيْف اسْتُخْدِمَت الْسَّكَاكِيْن وَالْجَنَازِيّر وَمَاء الْنَّار ،وَكَيْف تَبَعْثَرَت الْبِضَاعَة ،وَجَرَى الْخَلْق ،وَتَحَوُّل الْسُّوْق الَى خَرَاب كَبِيْر يُجْرَى فِيْه غُرَابَان كَبِيْرَان هُمَا سَلُّومَه و الضَانّى ، وَكُل مِنْهُمَا لَه فَرِيْق يُسَانِدُه ،يَمْضِى مَعَه بَيْن كَر وَفَر ،يَقْذِف بِمَاء الْنَّار وَالزُجَاجَات الْفَارِغَة عَلَى الْفَرِيْق الْآَخَر ، وَمَحْمُوْد يَنْظُر مَن الْشُّرْفَة يَضْرِب كَفّا بِكَف ،يَلْعَن كُل مَن تَسَبَّب فِى هَذَا ،خَاصَّة سَلُّومَه وَالضَانّى الْمَعْرُوْفِيْن بِالْاجْرام وَسُوْء الْخُلْق .
وَتُكْمِل مِرْفَت الْكَلَام ..تَقُوْل لِأُمِّهَا :- وَاتَّصَل مَحْمُوْد بِشَرْطَة الْنَّجْدَة ..أُبَلِّغُهُم بِمَا يُجْرِى ،وَذَكِّر اسْمُه فِى الْبَلَاغ ..الاسْتَاذ مَحْمُوْد ..مُدَرِّس أَوَّل الْلُّغَة الْعَرَبِيَّة ..أَكَّدُوا لَه أَنَّهُم سَيَحْضُرُوْن ..مَضَت الْسَّاعَات وَهُو يَنْتَظِر ، بَيْنَمَا أَوَّل الْسُّوْق يَحْتَلُّه سَلُّومَه وَفَرِيْقَه ،وَآَخِر الْسُّوْق يَتَمَرْكَز فِيْه الضَانّى وَمَن مَّعَه ،وَكُل فَرِيْق يَسُب الْآَخِر عَلَى الْبُعْد ،وَيُقْذَف بِالزُّجَاجَات الْفَارِغَة نَحْوَه،الَى أَن جَاء الْبُوَرَى شَعْبَان صَاحِب بِوَرْصَة الْسَّلَام ، الْرَّجُل الْأَنِيْق ذُو الْبِذْلَة اللّامِعَة وَالنَّظَّارَة الْشَّمْسِيَّة ذَات الْعَدُسَات الْسَّوْدَاء ، وَالْسُّبْحَة الْكَهْرَمَان فِى يَدِه الْيُمْنَى ذَات الْخَاتَم الْذَّهَبِى الْعِمْلاق ..نَزَل مِن الْمَرْسِيدِس( البَودرّه ) فِى أَوَّل الْسُّوْق .. طَاح فِى سَلُّومَه وَفَرِيْقَه ضَرْبا بِقَدَمَيْه وَيَدَيْه وَهُو يَلْعَن آَبَاء أَجْدَادِهِم، اكْمَل طَرِيْقِه الَى الْفَرِيْق الْآَخَر الَّذِى فَر قَبْل أَن يَطُوْلُه ،الَا أَنَّه وَقَف مَكَانَه وَنَادَى بِصَوْتِه الْأَجَش عَلَى سَلُّومَه .. انْشَقَّت الْأَرْض عَنْه لِيَقِف أَمَامَه مُطَأْطِىء الْرَّأْس ، عَاد صَوْتَه يَأْز صَارِخَا عَلَى الضَانّى ..جَاء مُهَرْوِلا ..نُقِل نَظَرَاتِه بَيْنَهُمَا فِى قَسْوَة وَهُو يَقِيْس كَلَّا مِنْهُمَا طُوَلَا وَعَرْضَا بَعْدَهَا قَال :- بَدَل الْعِرَاك وَبَهْدَلِة الْسُّوْق مَعَكُمَا ..الْعِرَاك سَيَكُوْن أَمَامِى ..وَحَتَّى الْمَوْت !
تُصْمِت مِرْفَت قَلِيْلا لِتَلْتَقِط أَنْفَاسَهَا ثُم تُكَمِّل :- وَقَف الاثْنَان وَجْهَا لِوَجْه وَكُل مِنْهُمَا يُحْمَل سِلَاحِه ..اقْتَرَبَت الْأَرْجُل ..تَبَاعَدَت ..تَبارَزّت الْعُيُوْن ..تْمَرْجَحِت الْأَيْدِى وَكُل مِنْهُمَا يُحَاذِر مِن الاقْتِرَاب مِن صَاحِبِه ..بَدَت عَلَى وَجْه الْبُوَرَى سِمَات الْمَلَل،مَد يَدَه الَى جَيْبِه لِتُخْرِج بِسِلَاح نَاصِع الْبَيَاض ،أَطْلَقَه لِيَشُق الْهَوَاء الَى صَدَر سَلُّومَه وَيُلْقِيْه أَرْضا بَعْد أَن اهْتَزَفِى مَكَانَه الَى الْأَمَام وَالْخُلْف وَقَد اتَّسَعَت عَيْنَاه لِأَقْصَى مايُمْكِنْهُما وَتَدَلَّى فَكَّه الْأَسْفَل وَلَم يَنْطِق بِحَرْف ..أَمَّا الضَانّى فَقَد أَخَذ يَصْرُخ بِلَا وَعَى :- لَيْس أَنَا ..لَيْس أَنَا ..دُوْن أَن يَجْرُؤ عَلَى الْاشَارَة الَى الْبُوَرَى .
فَغِرْت الْأُم فَاهَا ..هَمَسَت :- وَالْبُوَرَى ؟ قَالَت مِرْفَت :- مَن كَان لَه تَارِيْخِه لَاتَخَافِى عَلَيْه ..ثُم أَنَّه لَه رِجَالُه .
عَادَت الْأُم تَتَسَاءَل :- وَمَاذَا جَرَى بَعْدَهَا ؟
أَجَابَت مِرْفَت :- دَخَل الضَانّى الْسِّجْن بِتُهْمَة قُتِل سُلُوْمَة ، وَالَّف مَن يَشْهَد عَلَى هَذَا .
(3) الَمِيْكرُوفُوِّنَات
فِى تِلْك الْلَّيْلَة الَّتِى فَقَد فِيْهَا مَحْمُوْد صَوْتَه كَان الْسُّوْق عَامِرا كَالْعَهْد بِه ، وَكَأَنَّمَا لَم تَكُن هُنَاك جَرِيْمَة قُتِل حُدِّثْت ، بَيْنَمَا الَمِيْكرُوفُوِّنَات تَتَنَافَس عَلَى تَرْوِيْج الْبِضَاعَة الَّتِى تَعَدَّت الْخُضَار وَالْفَاكِهَة الَى كُل مَايَخْطُر عَلَى بَال ، مِن مُحِل شَرَائِط الْكَاسِيَت الَّذِى يَمْلِكُه( حُسْن سْتَرِّيُو ) الَّذِى يَنْطَلِق مِنْه صَوْت الْمُسَجِّل كَاسِحا الْأَصْوَات ..الَى مَزَاد( الحَمَصَانّى) فِى أَوَّل الْسُّوْق الْمُكْتَظ بِالْبِضَاعَة مِن كُل نَوْع بمِيْكرُوَفُونَه الَّذِى يُعْوَى طُوِّل الْوَقْت .. (نَبِيِّع كُل شَىْء ..تَعَالَى وَتُفَرِّج) ..الَى الْسَّيِّد الْجَزَّار الَّذِى تُحَوِّم حَوْلَه الشُّبُهَات بِذِبْح لُحُوْم الْحَمِيْر وَالَّذِى لَا يَحْلُو لَه الْذَّبْح الَا وَسَط الْسُّوْق ،مُحْتَجَّا أَنَّه أَمَام دُكَّانِه وْصَبِيِّه يَصْرُخ فِى الْمَيْكْرُوْفُوْن :- هُنَا الْلَّحْم الطَازِه ..أَحْلَى لَحْم عِنْدَنَا . وَفِى الْشَّارِع الْمُجَاوَرْكَان سُرَادِق سَلُّومَه الْعَاصِى وَالَمِيْكرُوفُون يُؤَكِّد أَن الْمَرْحُوْم كَان مِثَال الْشَّرَف وَطَهَارَة الْيَد !!
بَيْنَمَا فِى الْشَّارِع الْمُجَاوِر لِلْسُّوْق مِن النَّاحِيَة الْأُخْرَى سُرَادِق لِمُرَشَّح الانْتِخَابَات الْثَّوْرِى الْنَّزِيْه - كَمَا يَقُوْل الْمَيْكْرُوْفُوْن - الْبُوَرَى شَعْبَان الَّذِى كَان يُسَلِّم بِنَفْسِه عَلَى الْجَمَاهِيْر الْمُحْتَشِد ة ،وَكُلَّمَا سَلِم عَلَى يَد وَضْع فِيْهَا نِصْف خَمْسِيْن جُنَيْها وَهُو يُؤَكِّد عَلَى صَاحِبِهَا قَائِلا :- اعْط صَوْتِك لِمَن يَسْتَحِقُّه وَيَدُوْر الْهَمْس أَن الْنِّصْف الْآَخَر مِن الْخَمْسِيْن جُنَيْها سَيَتِم قَبَضَه أَمَام صُنْدُوْق الانْتِخَابَات مُبَاشَرَة ..و عَلَى سَطْح الْبَيْت الْمُقَابِل لِبَيْت الاسْتَاذ مَحْمُوْد كَان فَرَح زَكِيّه بِنْت أُم صَابِر بَائِعَة الْخُضَار ، وَالْمَعْرُوْفَة فِى الْسُّوْق كُلِّه بِمُغَامَرَاتِهَا ، وَالَمِيْكرُوفُون يَصْرُخ فِى جَارَاتِهَا :- زَغْرودَه يَابَنَات لْلْعْرُوسَة ذَات الْعَفَاف !
وَقَف مَحْمُوْد لَيْلَتَهَا فِى الْشُّرْفَة ..الْأَصْوَات تَنْفَذ مِن مَسَامِّه الَى سَائِر جَسَدِه كَحِرَاب مُسَنَّنَة فَيَتَلْوَى بِهَا ،وَبَيْن الْحِين وَالْآخَر يَضْرِب كَفّا بِكَف ،الَى انْتَبَهْت لَه مِرْفَت فَتَرَكْت الْتَلَيْفِزْيُون وَقَامَت الَيْه ..انْفَجَر صَارِخَا :- يَجِب قَطْع رَقَبَة الْكَذِب وَهُو يُشِيْح بِيَدِه وَيُعَاوِد الْصُّرَاخ ،بَيْنَمَا صَوْتَه لايُبَين وَسَط جَمْهَرَة الْأَصْوَات الَّتِى تَمْلَأ الْمَكَان ..فَجْأَة أُغْلِق فَمِه ..عَاد يَفْتَحْه ..لَم يَجِد صَوْتَه!
(4) غُرُوْب
قَال الْطَّبِيْب بَعْد فَحْص فَمِه وَحُنْجَرَتِه:- كُل شَىْء طَبِيْعِى ..أَرَى أَن تَعْرِض نَفْسُك عَلَى طَبِيْب نَفْسِى شُرِّدَت نَظَرَات مَحْمُوْد وَهُو يَسْتَمِع الَيْه ..رَأَى نَفْسَه يَقِف وَسْط الْطَّلَبَة ضَائِع الْلُّغَة ..شَبَّت الّنِيِرَان فِى صَدْرِه ..هَب مِن مَقْعَدَه فَزِعا وَعَيْنَاه تُصْرَخَان ..لَا ..رَبَت الْطَّبِيْب كَتِفِه ..سَأَلَه ان كَان يَسْتَطِيْع الْكِتَابَة ..هَز رَأْسَه بِالْايْجَاب ..أَعْطَاه وَرَقَة وَقَلَما ..الْوَرَقَة بَيْضَاء كَنَهَار وَلِيَد وَالْقَلَم بِلَوْن ظَلَام الْلَّيْل ..لَامَس الْسِّن الْسُطُور ..انْغَرِس فِى أَحْشَائِهَا ..نَفَث سَوَادَه فِى خِلَايَاهَا وَهُو يُجْرَى هُنَا وَهُنَاك يُشَخْبَط زَارِعا الْظَّلام ..صَرَخ الْطَّبِيْب :- مَاذَا تَفْعَل ؟ كَان الْنَهَار عَلَى الْوَرَقَة قَد اسْتَحَال غُرُوْبا ..قَام مَحْمُوْد وَاقِفَا ..اتَّجَه نَحْو الْطَّرِيْق .
(5)الْصَّوْت الْبَاقِى
الْيَوْم فِى الْمَقْهَى الْمُجَاوِر لِلْبَيْت وَالَّذِى يُعْتَبَر مُوَاجِها لِمَدْخَل الْسُّوْق جَلَس مَحْمُوْد الَى مَجْمُوْعَة مِن رِجَال الْمِنْطَقَة وَشَّبَابَهَا ،رَغْم اعْتِرَاض مِرْفَت عَلَى هَذَا . فَتَح فَمَه لِيَتَكَلَّم ،عَاجِلِه أَحَدُهُم بِسُؤَال طَالِبَا مِنْه أَن يُحْكَى مَاحَدَّث لَه مَع الْطَّبِيْب الْنَفْسِى ..اسْتَدَار مَحْمُوْد الَيْه بِكُلِّيَّتِه مُتَفَحِّصا ،فَارْتَسَم الْجَد عَلَى مَحْيَاه ،مِمَّا دَفَع مَحْمُوْد لِلْقَوْل :- لَن تَتَخَيَّلُوْا مَاحَدَّث ،حَكَى لِى عَن ظُرُوْفِه وَبَعْد الْنَّاس عَنْه بِحِجَّة أَنَّه كَبَّر ..عَجَز ..صَار لَايَصْلُح لِهَذَا الْزَّمَان ..وَحَكَيْت لَه عَن شُعُوْرِى بِالاخْتِنَاق وَأَنَا أَرَى الْسُّوْق فِى كُل مَكَان أَذْهَب الَيْه ،وَأَسْمِع الَمِيْكرُوفُوِّنَات لَيْل نَهَار تُدَلِّل عَلَى بِضَاعَة يَعْرِف الْجَمِيْع حَقِيْقَتُهَا ،خَاصَّة مِيْكْرُوْفُوْن الْمَزَاد الَّذِى يَصْرُخ ..( نَبِيِّع كُل شَىْء)..وَالْحَقِيْقَة الْرَّجُل أَيُدْنّى ..شَارَكَنِى شُعُوْرِى ..قَال لِى لَيْس الْمُهِم مَاتْسِمْعَه وَتَرَاه ..الْمُهِم مَا يَدْخُل عَقْلِك ...سَأَلْتُه وَهَذَا الاحاح وَالُزْن عَلَى الْآذَان ..ضَحِك الْطَّبِيْب وَقَال الْزِن عَلَى الْآذَان الْفَارِغَة ..أَمَّا الَّتِى لَدَيْهَا مِنَاعَة فَلَا تَتَأَثَّر ..قُلْت لَه وَمَن أَيْن آَتِى بِهَذِه الْمَنَاعَة ؟..أَشَار الَى مَكْتَبَتِه الْعَامِرَة ..وَلَم يُرِد.. شَد شَيْخ مُعَمَّم نَفْسا مِن دُخَان الْمُعَسِّل ،أَشَاح بِيَدِه الَّتِى تَقْبِض عَلَى نِصْف الْخَمْسِيْن جُنَيْها ، أَدَار رَأْسِه عَنْه ،بَيْنَمَا قَال شَاب يَافِع بِصَوْت حَاسِم :- اسْمَع يَا أُسْتَاذ ..نَحْن هَكَذَا ..وَسَنَظَل هَكَذَا ..عَن اذُنَك ارْتَفَع صَوْت مَحْمُوْد :- يَاجَمَاعَة وَاجِبِنَا أَن .....! قَاطَعَتْه كَلِمَات السُّخْرِيَة مِن هُنَا وَهُنَاك ..رَفَع صَوْتَه أَكْثَر ،فَأَكْثَر ..كَان الْجَمْع قَد قَابَل الْبُوَرَى شَعْبَان وَحَمَلُوْه عَلَى الْأَكْتَاف وَسَارُوْا وَهُم يَهْتِفُون لَه ،وَكُل مِنْهُم يَقْبِض عَلَى نِصْف الْخَمْسِيْن جُنَيْها . رَفَع مَحْمُوْد صَوْتَه أَكْثَر ..فَجْأَة أُغْلِق فَمِه ..عَاد بِتَوَجُّس يَفْتَحْه وَهُو يُرَكِّز فِى الانِصَات الَى صَوْتَه ..كَان الْصَّوْت ضَعِيْفا ..مُتُحَشَرَجا ..غَيْر أَنَّه أَسْعَد الاسْتَاذ ..شِعْر أَنَّه مَايَزَال يَمْلِك صَوْتَا .