تحية وسلام

تلك كلماتى بين يديك ..انظر ..دقق ..ستجد عبر الحروف نبضات تعلو معطرة بالحب ..تطلب السلام ..ترجو الوفاق ..المشكلات سوء تقدير مشترك بين اثنين او اكثر ..الحب كلمة ..وربما كان نظرة ..او هو لحظة صمت تجمع بين اثنين ينعمان بالدفءوحرارة الامن ..تفضل ..اقرأنى ..بكل الحب استقبلك ..ومتى ما اردت المغادرة لك منى ايضا كل الحب ..وسلام ...محمد عباس على

السبت، 26 ديسمبر 2009

قصة قصيرة - خيط دم

خيط دم
.........




نظر الى الجسد المعلق من قدميه ،واثار الجلد على نصفه العلوى العارى ،ويديه متدليتين كقطعتى قماش مشبعتين بالماء ،ووجهه مغطى بالكدمات ،لايظهر منه الا عينان نظراتهما باهتة لا تكاد تنظر او تحدد شيئا ..رغم تعوده شبه اليومى على هذا الا انه امسك بعنق اللحظة رافضا ان تمر دون ان ترى كيف يتفجر الماء من قنواته الدمعية المتحجرة منذ سنين ،هو الذى كان قبل لحظات يعيش اوج فرحته ،يجلس الى مكتبه فاردا صدره ،ناظرا الى الورقة الصغيرة بين يديه الغليظتين ،مداعبا الحروف ومحادثا الكلمات بعبارات لايعرف من اين واتته ،عيناه تحت حاجبيه الكثين تومضان ببريق الفوز وهو يبعد الورقة عن عينيه ويقربها ،يقرأ الكلمات حروفا و عبارات ، يشكل منها الجمل مرات وينطق بها فرحا ..نهنئك بالترقية ..شاعرا ان هذا تتويج لاخلاص دام سنينا وتفانى فى اداء عمله ،وتجارب مريرة خاضها ، حتى اصبح اليوم اكفأمن ملك زمام هذا المكان ..مكتب التحقيقات ..استطاع وحده التعامل مع كل انواع البشر التى وردت اليه ..انتزع منهم مايريد ..جعل اسمه قرين الرعب لديهم..فما ان يسمع احدهم به حتى ينهار ، ومن لايفعل يضطره لاستخدام وسائله معه ، وابسطها ان تقيد يداه من خلاف وتغطى عيناه ويترك بين يدى اربعة من المحترفين من رجاله ،فأن نطق والا فهناك مراحل اخرى
وللحق فان الشىء الذى ظل يؤرقه منذ عمل بهذا المكتب هو خشيته من ظلم برىء ، فهو رغم كل مايقال عنه يحذر من الظلم ، لذا يحمد الله انه لم يقابل بريئا حتى الآن ..كل من يأتى الى هنا اما مجرم قديم او مبتدىء .النوع الاول يحتاج الى طرق مبتكرة تطلق لسانه رغما عنه ، وتمنعه من محاولة الدخول فى لعبة ذكاء معه ..اما النوع الثانى فانه من الضغطة الاولى ينطق ،وهذا فى رأيه منتهى الرحمة ،اذ ان التعذيب وسيلة وليس غاية ،هو اساسا لايميل الى المبالغة فى هذا ،تقوم فلسفته منذ جاء الى هنا على سياسة الخطوة خطوه،يسير مع المتهم كما يشاء ،فاذا تجاوب معه كان بها ، والا فالخطوات كثيرة ومفعولها لايخيب ،وقد ادرك البعيد قبل القريب هذا ،لذا جرت سفينة وسط ريح هينة توجتها هذه الترقية اليوم .. سعد بها ..شعر انها رسالة شكر من ادارته ..مؤكد فى البيت سيضجون بالفرح ويطلب كل منهم هديته ،لكنه قوّس حاجبيه وهو يتذكر محمود ابنه ..سيرفض كعادته حتى ان يقول له مبروك ..العالم كله اعترف به وشهد له وسجل بعض العمليات باسمه ..المجرمون انفسهم يتحاكون به وباساليبه الا محمود ابنه ..الولد منذ دخل الكلية صار شخصا آخر ..لايكاد يحادثه او حتى يتعامل معه ..مصروفه نفسه يرفضه قائلا انه يعمل بجانب دراسته ..التحريات التى طلبها حوله قالت ان بعضهم استطاع ان يؤثر عليه بشعارات تافهة مما يتداولونها هذه الايام ..الغريب انهم يقولون انه يشبهه ..الوحيد بين اخوته الذى يحمل ملامحه ..هو ايضا يحبه ،لذا جلس اليه ..حذره ..فوجىء به يقول كلمات مجنونة مثله : -
- لا اريد مالا ..لا اريد جاه ..طريقنا
- مختلف
صرخ فيه ..توعده ..جابهه الولد بقوة ..:-
- لا اريد ان اكون مثلك ، ولن اكون
ضغط اسنانه .كاد ان يحطمها ..عادته كلما غضب..ارتفع صراخ الهاتف بجواره ..عاد من سراديب افكاره ضيق الصدر ..القى ورقة الترقية جانبا و استدار بمقعده الى الهاتف ..رفع السماعة فى تكاسل سائلا :- نعم
- مجرم يافندم من الجماعات اياها
- تصرفوا معه
- رفض الكلام
- نعم !!
ورمى السماعة جانبا ..كثيرون هم الذين ادعّوا البطولة امامه و دفعوا الثمن..هب من جلسته متحمسا لمجابهة هذا المجرم الجديد ..ارتدى غطاء الرأس الاسود ..لم يبد منه الا عيناه ينطلق منهما شرر النظرات ..فتح الباب وانطلق ..دخل غرفة التحقيق متوعدا: -
- اين البطل الجديد ؟
كان الجسد معلقا وسط الحجرة ..نحيل القوام ..غض العود ..مرفوعا من قدميه واثار الجلد على نصفه العلوى ..يداه متدليتان ووجهه مغطى بالكدمات ..نظر اليه ..تلاقت النظرات ..اتسعت عيناه .. صارتا بحرين من وهن وارتد الى الخلف وهو يضغط اسنانه ..يحطمها .فتح فمه ليتكلم ..ضاعت الحروف ولم يبد الا خيط دم ينسل من زاوية فمه ..اشار بيده اشارت مبهمة ورأى من حوله للمرة الاولى قنواته الدمعية المتحجرة منذ سنين يتفج الماء وهو يهمس اخيرا بحروف متقطعة ..م..ح..مو.....د !!!

السبت، 19 ديسمبر 2009

الهبوط من لحظة حلم

الهبوط من لحظة حلم



حين فتح الباب رآهم هناك ..ارتعد ..نظراته وشت لهم بما لديه ..تحركوا نحوه ..مدوا ايديهم اليه ..زادت ارتجافه جفونه وهو يرقب مايفعلون .
كان منذ قليل وهو يصعد السلم يمنى النفس بدقائق يقضيها ممدا على الفراش قبل ان يفكر فى تناول طعامه المجمع افطار وغداء وعشاء ..دقائق يريح فيها رأسه قبل ظهره من الافكار المتأججة التى تشتعل فيها بلا انتهاء ، فهو فى تلك المدينة فرع لا أصول له ..عود يابس يكافح للبقاء ..صمته انيسه كأنما نسي الكلمات او نسيته ..يقوم كل صباح ..يمضى الى مقهى العمال على قمة الطريق فى اول الميدان ..يوضع كوب الشاى امامه..يرتشفه وهو يرقب العربات المارة ..تقف احداها يحتاجون لعمالة يوميه..حينما يشيرون اليه يتجه الى الخلف ..دائما الى الخلف ..يصعد الى الصندوق حيث يجلس القرفصاء وسط بقية العمال .. عادة لايكون معه ثمن افطاره ..يقوم بما يوكل اليه من عمل ..وقت الراحة يجلس وسط رفاقه ..هم يتسامرون وهو سادر فى صمته ..يتخذ له ركنا يرى منه مايجرى عن بعد ..يقرصه الجوع او تشكو رأسه من صداع ..يمنى نفسه بلحظة انفراده بالطعام فى حجرته حينما يعود اليهامساء ..ينتهى العمل ..يأخذ اجرته ويعود مع طعامه راضى النفس ..يواجه السلم بدرجاته المتآكلة وجدرانه العارية من الطلاء ،برائحة الرطوبة المحملة بالعطن المعششة فى اركانه بعينين هادئتين ،ينفذ وسط الظلمة منذ ولوجه من باب البيت ،حافظا خطواته ،متقدما فى حذر الى الامام ،قاطعا الممر القصير الى السلم ،يمد يده الى الدرابزين الخشبى ،مادا قدمه اليمنى الى الامام حالما باللحظة التى يرى فيها الفراش ليلقى باجهاد يومه بين يديه .
فى ايام اخرى وهو يقف اول الميدان تأتى العربات النقل ذات الصندوق المعدنى الكبير ..تختار آخرين دونه ..يعود الى حجرته دون طعام ..يبحث بين بقايا الخبز البائت عما يسد جوعه ويلهى معدته ..يجلس القرفصاء على فرشته محملقا فى الظلمة ،او واضعا رأسه بين ساقيه ..تمر به رؤى شتى ..عمل يومى لاينقطع ..طعام لاتعافه النفس ..تغيير فرشته التى يرقد عليها ..ثوب جديد لأيام عطلته ..تمضى به الرؤى ..يغرق فى النوم ..توقظه صرخات ام السيد فى البيت المجاور ..شباكها يواجه شباك حجرته ..تقابل زوجها العائد بعد منتصف الليل بصراخها المعتاد..ترميه بكل مالديها من سباب..يرد عليها ..يهتكان بصوتهما ستر الليل ..ينظر من وراء الشيش منتظرا لحظات بعينها تحدث كل يوم وبذات الترتيب ،وربما بذات النبرات وتعبيرات الوجوه ، اذ يهدأ الصوتان رويدا ..يسود الصمت قليلا ..تبدأ ام السيد فى البكاء حسرة على ماتلاقيه فى حياتها ..يقترب ابو السيد مطيبا خاطرها ..يتطور الامر بينهما ..يحاصرهما بنظراته من وراء الشيش ..يعيش معهما لحظة بلحظة ..يدقق متابعا يد ابى العربى وشفتيه..يشتعل جسده بالنيران ..نيرانه تتأجج ..يرتمى على فرشته لاهثا..بعدها يسود صمت حالم
تضيع بين جنباته الافكار والرؤى ويغمض عينيه طلبا للنوم .
فى الصباح يلج النور الحجرة عبر الشيش المغلق ..يبتسم للنور ويمضى الى المقهى .اليوم بالذات عاد متهالكا .. يتوكأ على عصا خشبية وجدها على الطريق ..طعامه بيمينه ، وشماله تتحسس رأسه بين الحين والآخر ، وهو يشعر بالم يصعد من ساقه الى ام رأسه مباشرة ، معجون بفرحة لم يعرفها منذ زمان ، لأنهم طلبوا منه ان يعمل عندهم شهرا كاملا ..فتح الباب ..وسط الظلمة رأى اشباحا تتربص به ..اعينا متجهمة تترصده .. وايدى تمتد اليه ..ارتعد ..فكر ان يصرخ ..لم يجد كلمات او حروفا تسعفه ..اكتفى بعلامات الدهشة التى كسا بها ملامحه ، فاغرا فاه الى اقصى مدى ..انزلقت العصا مرتطمة ببلاط الحجرة مصدرة صوتا خشنا .. لم يبال به ..صرخت ام السيد فى زوجها كالمعتاد ..لم يتحرك نحو الشيش ..رآهم يقتربون منه ..نسى الم ساقه والعمل الذى ينتظره بالغد ..ضم كيس الطعام الى صدره ووقف ينتظر

الجمعة، 18 ديسمبر 2009

انهيار حائط صد

انهيار حائط صد




1- ظلمة
جلست ايمان وحدهاو الظلمة ، وصمت يعشش فى الاركان ،وجسد امها على السرير المجاور يطويه السكون ..الحجرة جزء من ردهة واسعة تتراص فيها الحجرات ..وسطها مكتب صغير يشكوطول العمر وتعب المفاصل..سطحه المتهرأ يبدو للعيان محزونا لسبب غير متدارك ..تجلس خلفه امرأة صغيرة الوجه ، متجهمة لتفكيرها المتأجج طوال وقت الوردية المنصرم فيما فعله زوجها بعد طول معاشرة معها ،وزواجه من طفلة اصغر من صغرى بناته ، و اصراره على ان مافعله هو من صميم حقوقه..تجلس خلف المكتب ..تبثه شكواها ،بينما الطبيب فى حجرته ، بعد موعد مروره الاخير الذى سهى عنه ، يقطع الوقت فى محادثة هاتفية مع ممرضة شابة شاكيا لها وحدته وطول انتظاره .
داخل الحجرة تجلس ايمان و حدها و الظلمة..عيناها تبحران عبر اللحظات ..تقطعان دروبها المتوالية بدموع ابرية الملمس..تمضى بطيئة ،ثقيلة الخطو عبر اخاديد الوجه فى طريقها المرسوم
.يصرخ جرس الهاتف بجوارها ..يدق الباب فى ذات اللحظة ..تسمع نعيق طيور سوداء تحوم فى المكان ..تدور الحدقات وسط جمود الظلمة حولها ..الحرارة على السرير المجاور انطفأت ..دفء القلب مضى ..لم يعد هناك الا صقيع يغلف جسدا لاروح فيه ..يفتح باب الحجرة ..يتدفق الظلام من الخارج الى عينيها ..تيدو اللمبة المضاءة وسط الصالة وهى تضخ سوادا ..يقف جسد امامها
تراه من خلف غلالة دموعها بتكوينه البشرى ، ولاتحدد ماهيته ..تسيل الكلمات منه.
- مطلوب مبلغ كبير لاجراء العملية فى اسرع وقت
.يزداد تدفق الدموع سرعة،ولاتبالى بالرد .

2-
بالبيت قبل المجىء رفضت امها مبارحة فرشتها
..لاول مرة يحدث هذا .. اتى الطبيب الى البيت ..كشف عليها رغم ارادتها ..تركهاو وواجه ايمان..الامر عاجل ..لابد من نقلها فورا الى المستشفى..اصرت على الرفض
احتدت عليها صارخة ان الدكتور امر بهذا ،اشاحت بيدها ..اسكتى انت .. قررت استدعاء اخوتها ..امكم تموت .!
.الالم كهدير الموج لايهدأ ..حركاته صعودا وهبوطا بطول جسدها تؤلمها ، وفى ذات الوقت لاتملك حراكا ، هى التى كانت لاتستقر فى مكان ..اليوم تسمع وترى وهذا كل شىء ..اولادها كل فى طريق ..وايمان لأنها لم تتزوج بعد ماتزال معها ..تحمل جزءا من المها ..اما هم فالهاتف يغنى عن المجىء ،وان جاء احدهم فلكى يقال انه جاء !
تراهم امامها ..تنظر الى الوجوه .. برودة الملامح تهزها ..تسمع الكلمات ..تشعر بغرابة ماتسمع .. اصابتها حالة من زهد جعلتها ترفض العلاج .
تتجه ايمان عبر دموعها الى الجسد المنغمس فى لجة السكون ..تعبير الالم زال ولم يبق هناك الا
براح سكينة تغلف القسمات ،والجسد البشرى هناك امام الباب يحيط به السواد ، مايزال ممسكا بتلابيب كلماته منتظرا المال لاجراء العملية باسرع وقت .

3-
حينما اتى اخوتها تباينت الاراء ..حسين الكبير جلس فى مقعد المرحوم ابيه واضعا ساقا على الاخرى ونظر الى الوجوه حوله ..تجارته علمته التريث ..النظر طويلا وتقدير الامور ..شرط عدم ضياع الوقت فيما لايفيد ..قال : -
- ارى انها شيخوخة .اعضاء تهالكت ولن يفلح معها علاج ..قد يطول الامر قليلا ..لكن الافضل تركها فى مكانها ولانعذبها .
ونظر الى ساعته . تطايرت الكلمات من حوله ..رفع انفه عاليا ولم يرد .
سميحة الوسطى تركت اولادها بالمنزل وهرولت الى امها ..قلقة لأنها لم تقل لسعيد انها ستخرج ..عراكه معها لاينتهى ..خصامه يطول ، وشكواه زادت مما لايقدر عليه من اعباء كما يقول ..تريد انهاء الموقف سريعا ..تصر على نقل امها للمستشفى.. تشرق عيناها بالدموع
- لن اتركها ماحييت ..سأنقلها فورا للمستشفى .
يقول حسين بسرعة ..اذن تحملى وحدك الامر .
تفهم ايمان مايعنى ..التكاليف ..تنظر الى عينى امها.. تراها تحدق فى السقف بضيق وهى مطوية تحت جناح الصمت ، تقهرها دموع تترقرق على سطح مقلتيها ..طوال عمرها هى التى تريد وتقرر ..اما الآن !
تحتضنها ايمان وتصرخ : - مالك ؟
يفتح باب الحجرة ويدخلون ..ترى من خلال دموعها وجوها مهزوزة ،متميعةالملامح..تشيح بيدهاهامسة : - اخرجوا ..لا أريد احدا
4-
حينما تركوها معها ومضى كل منهم الى سبيل شعرت بصمت يجتث منابع الالم من داخلها ..هدوء ينسل ويتغلغل فى صدرها ..شىء كالمخدر يسرى فى الشرايين ..يجعلها تتشرنق حول مشاعرها ..تخبىء افكارها وتتوارى وراء هدوء لاتدرى نهايته ..حياتها معلقة بانفاس تضعف وربما تغيب ترقبها وتتابع صعودها وهبوطها ..تتامل الوجه المقنع بقناع الشحوب..ويصبح كل املها ان تبقى ..لاتتركها وحدها ..هى تعرف ..بعدها سيظلم الكون .. تدور بها دوائر القلق ..ترصد حركة صدرها متسائلة..هل صحيح ستفعلها وتمضى ،تتركها للمجهول ؟
..تهز رأسها بقوة ..هى تعرفها .. طوال عمرها تمتلك عزيمة..لن تلين لمرض ..ستقاوم وتفلت منه .. تدور بنظراتها المقيدة بجدائل الدموع على الجدران والمقاعد والاسرة وفى يقينها ان المرض هذه المرة اقوى .
يقف ذا ت الطبيب على الباب بعد ان انهى محادثته بالهاتف منتظرا مبلغا من المال لاجراء العملية فورا.تقبل المرأة الصغيرةالوجه،المتجهمة لتفكيرها فيما فعله زوجها معها بعد طول معاشرته لها ،ترى الجسد النابض برنين السكون هناك ..تقترب منه ..تعود الى ايمان ..تأخذها بين ذراعيها وتبكيان معا .

السبت، 5 ديسمبر 2009

كلاب المدينه

كلاب المدينه قصة قصيرة


رأته ..تفجرت البسمة على شفتيها..نسيت الورق الذى اتت من اجله ،الضيق الذى كان منذ لحظات يخنق انفاسها ،والطابور الذى لايبشر بانتهاء..وتعلقت نظراتها به !
وجهه يتميز عن وجوه الكلاب التى تعرفها بصفاء جسده ونقاء بشرته التى تفوح منها رائحة نظافة ..مؤكد يأكل مالم تسمع عنه الكلاب الاخرى ..الطابور طويل بطول الملل الذى لاينفك يطاردها ..ينقبض ويتلوى كأفعى تلتصق بالرصيف ،بينما الشمس تتربص بالاجساد المتراصة ، وهى تنتظر دورا لايجىء ..تعاود شغل عينيها به.. يسير مختالا..مرفوع الذيل كأنه اسد ..الطوق فى رقبته ناعم الملمس ،رقيق ،تمتد منه سلسلة
معدنية انيقة ،تقبع نهايتها فى يد متراخية تسحبها على مهل .
تنتبه للطابور ، على غير توقع يتحرك ..صارت اقرب من ذى قبل ..ترى الشباك الان
والرجل الجالس خلف القضبان الحديدية الخضراء اللون،والمنديل الكاروهات الذى يغطى صلعته ..عما قليل تسلمه الاوراق ،تتجاهل غلظته وتجهم وجهه الذى ينز العرق من خلاياه ،ودوران رأسه الخالى من الشعر،تتغاضى عن كم السباب الذى يسيل من زوايا فمه ..تسلمه الورق وتأخذ ايصالا بالاستلام وتمضى ..يقولون انه لايتسلم الاوراق الا ومعها خمسة جنيهات صحيحة تسلم له باليد ،يأخذها جهراويلقى بها متبرما فى صندوق من الورق المقوى فى نهاية مكتبه ،بجوار الجدار ،كل هذا وهو يلعن من اضطره للتعامل مع هذه النوعية من البشر يوميا .
تدير وجهها عنه مشفقة من لحظة مواجهتها له ..لن تعطيه شيئا .. .مؤكد سيرميها بكلمة من العيار الثقيل ،وستضطر لتحملها من اجل خاطر الورق .ترتطم نظراتها بفسحة الطريق ..ترى الرجل يمسك السلسلة ..يرخيها ليعطى الكلب فرصة الحركة يمينا وشمالا ..يشدها اذ ا
رآه يحاول الخروج عن الدائرة المسموحة له ..الكلب لايستقر على حال ..يشم الارض ..يدور حول نفسه ..يرفع رأسه ..يرمق كلبا على البعد بائس الملامح مترب الوجه بغضب ..يحاول الوثوب اليه..تعبس قسماتها وهى تراه يجاهد محاولا الوصول اليه
مكشرا عن انيابه ،معلنا عن نيته فى الفتك به ،مرسلا صيحاته هادرة فى الارجاء ..تبتعد بوجهها عنه ..الكلاب فى القرية لها شأن آخر ..تنتبه لنفسها وعينيى الرجل الضيقتين ترسلان نارهما الى قسماتها من خلف القضبان الحديدية الباهتة اللون ..مدت يدها بالاوراق..قلب فيها باحثا عن المعلوم
هرولت يدها الى كيس نقودها ..ثلاثة جنيهات ضئيلة امامها ..لاشىء آخر ..ارتعشت نظراتها .. هى كل ماتملكه ..ستعود بها من حيث اتت ..هزها صوته الغليظ مستحثا ..امتدت اصابعها مرتعشة وسحبتها ..مدتها اليه
حدق فى خلايا وجهها المرتعدة بنظرات ذئبية البريق ، محاولا التفتيش فيما وراء ها
هربت بعينيها رغما عنها الى الارض ، وقلبها فى فضاء صدرها يهرول هابطا الى
مالا انتهاء..مؤكد سيلقى بالاوراق اليها ..ستعود لتأتى بالنقود ..تكابد الوقوف فى الصف وانتظار دورها من جديد و.. انتبهت له يترك الشباك ..يتجه بجسده الثمين فى خفة نحو الباب ومنه الى الطابور ..قبض على رسغها بيد والجنيهات الثلاثة فى اليد الاخرى وقد احمر وجهه الغارق فى عرقه وضاقت عيناه اكثر وارتفع صوت تنفسه ،اما هى فقد شعرت بجسدها يترنح ،وتنسحب المرئيات من امام عينيها فلا ترى الا ضبابا ،واطرافها تتثلج ،ولولا انه يمسك برسغها لتهاوت ارضا .دفعها الى رئيسه خلف المكتب المواجه للباب مباشرة صارخا : -
- هاهى امرأة والنقود بيدها ...لتصدقنى !
وتركه ومضى..تأكدت العيو ن المتابعة ان هذه المرأة قد انتهت ..هى قضية لامفر منها يخزى بها العيون ويلهيها عن نفسه ويثبت بها انه برىء ،خاصة انه عاد الى الشباك وتسلم اوراقا اخرى ومعها المعلوم .
اعتدل الرجل من جلسة الاسترخاء التى كان يجلسها وحدق فى وجه المرأة الاصفرطويلا ..امسك الورق بيد والنقود بيد اخرى ..نظراته حادة ..صارمة ..لم يقل لها احد انهم سيقبضون عليها والاماعرضت نفسها لهذا ..بحثت عن صوتها لتتكلم ،عن ريقها لترطب به جفاف حلقها ،عن اعصابها لتتماسك ..لم تجد شيئا من هذا ..قاسها الرجل بنظراته من اسفل الى اعلى ..اخيرا وبصوت بارد النصل سأل :
- هذه نقودك ؟
راودتها فكرة أن تنكر هذا ..تقسم انها لاتعرف تلك الجنيهات المتهالكة وليست لها بها صلة ولم ترها من قبل ..تذكرت الاعين التى تابعتها وهى تفتش كيس نقودها وتخرجهاهزيلة منه ..هزت رأسها متخاذلة بمعنى نعم واطرقت برأسها .
قال مؤنبا :- الرجل يأخذ خمسة جنيهات ..يشقى ويعرق ويستحقها ..ماهذا البخل ؟
الاتستحين ..؟
كانت السماء باهتة الازرقاق ،والشمس تميل عن قبتها غربا والغبار ركام فى الطرقات
..رجع بظهره الى الوراء متراخيا كما كان ، اما هى فلم تنطق بحرف !